من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسن بن محمد المهلبي الوزير
هو أبو محمد الحسن بن محمد بن هارون بن إبراهيم بن عبد الله بن يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبي صفرة، وزير معزّ الدولة أبي الحسين ابن أحمد بن بويه، ومات وهو على الوزارة في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
وكان المهلبيّ من ارتفاع القدر واتساع الصّدر ونبل الهمّة وفيض الكفّ على ما هو مذكور مشهور، وأيامه معروفة في وزارته لمعزّ الدولة وتدبيره أمور العراق، مع أنه [كان] غاية في الأدب والمحبة لأهله والإقبال عليهم والاحسان إليهم، وكان يترسّل ترسلا بليغا ويقول الشعر قولا لطيفا يضرب بحسنه المثل، كما قال بعض أهل العصر:
بأبي من إذا أراد سراريعبّرت لي أنفاسه عن عبير
وسباني ثغر كدرّ نظيمتحته منطق كدرّ نثير
وله طلعة كنيل الأمانيأو كشعر المهلبيّ الوزير
وقال ابن الحجاج في ضد ذلك:
قيل إن الوزير قد قال شعرايجمع الجهل شمله ويضمّه
ثم أخفاه فهو كالهرّ يخرافي زوايا البيوت ثم يطمّه
ليتني كنت حاضرا حين يرويهـ فأفسو في راحتي وأشمّه
قال [الثعالبي]: وحدثني أبو بكر الخوارزمي وأبو نصر ابن سهل بن المرزبان وأبو الحسن المصيصي، دخل حديث بعضهم في بعض فزاد ونقص، قالوا: كانت حال المهلبي قبل الاتصال بالسلطان حال ضعف وقلّة، وكان يقاسي منها قذى عينه وشجى صدره، فبينا هو ذات يوم في بعض أسفاره مع رفيق له من أصحاب الحراب والمحراب، إلا أنه من أهل الأدب، إذا لقي من سفره نصبا واشتهى اللحم فلم يقدر على ثمنه، فقال ارتجالا:
ألا موت يباع فأشتريهفهذا العيش ما لا خير فيه
إذا أبصرت قبرا من بعيدوددت لو آنني فيما يليه
ألا رحم المهيمن نفس حرّتصدّق بالوفاة على أخيه
فاشترى له رفيقه بدرهم واحد ما سكّن قرمه، وتحفّظ الأبيات وتفارقا؛ وضرب الدهر ضربانه حتى ترقّت حال المهلبي إلى أعظم درجة من الوزارة فقال:
رقّ الزمان لفاقتيورثى لطول تحرقي
فأنالني ما أرتجيوأفاتني ما أتقي
فلأصفحن عن ما أتاهـ من الذنوب السّبق
حتى جنايته لمافعل المشيب بمفرقي
وحصل الرفيق تحت كلكل من كلاكل الدهر ثقل عليه بركه، وهاضه عركه، فقصد حضرته وتوصل إلى إيصال رقعة تتضمن أبياتا منها:
ألا قل للوزير بلا احتشاممقالة مذكر ما قد نسيه
أتذكر إذ تقول لضنك عيش«ألا موت يباع فأشتريه»
فلما نظر فيها تذكره وهزته أريحية الكرم للحنين إليه، ورعاية حق الصحبة فيه، والجري على حكم من قال:
إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروامن كان يألفهم في المنزل الخشن
فأمر له في العاجل بسبعمائة درهم، ووقع في رقعته: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ
(البقرة:) [ثم دعا به، وخلع عليه وقلده عملا يرتفق به ويرتزق منه].
قيل: كان لمعز الدولة غلام تركيّ يدعى تكين الجمدار، أمرد وضيء الوجه، فلفرط [ميل] معزّ الدولة إليه وشدة إعجابه به جعله رئيس سريّة جرّدها لحرب بعض بني حمدان، وكان المهلّبي يستظرفه ويستحسن صورته ويرى أنه من عدد الهوى لا من عدد الوغى، فقال فيه:
طفل يرقّ الماء فيوجناته ويرفّ عوده
ويكاد من شبه العذارى فيه أن تبدو نهوده
ناطوا بمعقد خصرهسيفا ومنطقة تؤوده
جعلوه قائد عسكرضاع الرعيل ومن يقوده
فما كان بأسرع من أن كانت الدائرة على هذا القائد.
وكتب إلى ابن العميد في جواب كتاب ورد منه:
طلع الفجر من كتابك عنديفمتى باللقاء يبدو الصباح
ذاك إن تمّ لي فقد عذب العيش ونيل المنى وريش الجناح وكتب القاضي أبو القاسم علي بن محمد التنوخي إلى المهلبي، وقد منعه المطر عن زيارته:
سحاب أتى كالأمن بعد تخوّفله في الثرى فعل الشفاء بمدنف
ومدّ جناحيه على الأرض جانحافراح عليها كالغراب المرفرف
غدا البرّ بحرا زاخرا وانثنى الضحىبظلمته في ثوب ليل مسجّف
تحاول منه الشمس في الجوّ مخرجاكما حاول المغلوب تجريد مرهف
فأفرغ ماء قال وارد حوضهأسلسال ماء أم سلافة قرقف
أتى رحمة للناس غيري فإنهعليّ عذاب ماله من تكشّف
سحاب عدا بي عن سحاب وعارضمنعت به عن عارض متكفكف
فأجابه المهلبي:
أتت رقعة الشيخ الجليل فكشّفتوساوس محزون الفؤاد ملهّف
فأهدت نظاما من قريض كأنهنظام لآل أو كوشي مفوّف
تكامل فيه الشكل والظّرف مثلماتكامل في مهديه كلّ التظرف
حوى منتهى الحسنى بأول خاطرتكلّفه في الشعر ترك التكلّف
ودخل رسول معز الدولة على المهلبي يدعوه وهو على شرابه فقال بديها:
إذا قيل طعم الوصل ثمّ تنمرتعليك بوجه لم يكن يعرف القطبا
وما جاءني منه رسول وإن أتىبما سرّني إلا ملئت به رعبا
قيل: صحب أبو محمد المهلّبي في أول أمره أبا زكريا يحيى بن سعيد السوسي ونظر في ضياعه بالأهواز وكانت جليلة القدر، ثم اتصل بأبي الحسن عليّ بن محمد الطبري وكان واليا كبيرا من قبل معز الدولة وناب عنه على باب معزّ الدولة بحضرة أبي جعفر الصيمريّ، وكانت فيه مداخلة ومعرفة بخدمة الرؤساء. وكان بين أبي جعفر وأبي الحسن الطبري عداوة، فجرى بين المهلبي وبين أبي الحسن منافرة نكبه لأجلها ثم رضي عنه بعد ذلك. ثم لازم أبا جعفر وصحبه إلى بغداد والجبل، وشرع في سدّ بثق النهروان، فندب له المهلبي، فقام فيه أحسن قيام.
ولأبي [....] قصيدة يخاطب فيها أبا جعفر الصميري ويذكر المهلبي وكان في صحبته:
ماذا لقينا من القاطول لا هطلتفيه السحاب ولا سقّته تهتانا
فقد سددناه وارتدّت غواربهحسرى ولم نأل إحكاما وإتقانا
وقد دعمنا له سكرا سما وطماحتى توهّمه راءوه ثهلانا
واستفرغ الوسع حتى طمّ خادمك المهلّبي وقاسى فيه أشجانا
نجاه منه بآراء مثقّفةتخالها في ظلام الليل نيرانا
رميت بحرا بطود فاستكان لهكرها وأيقظت فيما ناب يقظانا
وما تقابل بالإقبال ممتنعاإلا تبدّل بالعصيان إذعانا
ثم خرج معزّ الدولة والصميري إلى الموصل لقتال ناصر الدولة، فاستخلف الصيمريّ المهلبيّ وأبا الحسن طازاد بن عيسى على الأمور بمدينة السلام إلى أن عاد.
ثم خرج الصميريّ إلى البطيحة لطلب عمران بن شاهين، فاستناب بحضرة معزّ الدولة أبا محمد وحده في سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة، فخدم أبو محمد بين يدي معز الدولة خدمة حسنة خفّف بها عنه وخفّ على قلبه بها، فمال إليه وقربه، وبلغ أبا جعفر ذلك
فثقل عليه، فتطلّب لأبي محمد الذنوب، وتمحّل ما أنكره عليه، وأطلق فيه لسانه بالوقيعة والتهدد، وبلغ أبا محمد ذلك فقلق له واستشعر النكبة والهلكة لأنه لم يطمع من معز الدولة في نصرته عليه وعصمته منه، فما راعه إلا ورود كتاب الطائر بوفاة الصميري، فجلس له في العزاء وأظهر له الحزن الشديد ولزم منزله، فاستدعاه معز الدولة وأمره بالحضور وتمشية الأمور إلى أن يقلّد من يرى تقليده الوزارة. وترشح للوزارة جماعة منهم: أبو علي الحسن بن هارون بن نصر وأبو علي الحسن بن محمد الطبري وأبو الحسن محمد بن أحمد المافروخي وأبو عبد الله محمد بن أحمد الخوميني، وبذلوا البذول وضمنوا الأموال، ووسّط أبو عليّ الطبري في أمره والدة عز الدولة وبذل مائتي ألف درهم عاجلة على سبيل الهدية فطالبه معز الدولة بالمال، فحمل منه مائة وثمانين ألف درهم وقال: قد بقي بقية يسيرة إذا ظهر حملتها، فقال معز الدولة: لا أفعل إلا بعد استيفاء المال، فعلم الطبري أنه خدع، وندم على ما فعله. ثم حضر الجماعة المترشحون الخاطبون وكل يعتقد أنه المختار المقلّد، وجلسوا في خركاه ينتظرون الإذن، ثم أوصل القوم ووقفوا على مراتبهم، ودخل أبو محمد بعدهم وقام في أخرياتهم، فلما تجمع الناس أسرّ معز الدولة إلى أبي علي الحسن بن إبراهيم الخازن قولا لم يسمع، فمشى إلى أبي محمد المهلبي وقبّل يده وخاطبه بالاستاذية، على ما كان أبو جعفر يخاطب به، وحمله إلى الخزانة فخلع عليه الخلعة التي هي رسم أمثاله: القباء والسيف والمنديل والمنطقة. قال هلال، قال جدي: فو الله يا بنيّ لقد رأيت الناس على طبقاتهم ممن أسميناه، ومن يتلوهم من الجند وغيرهم، والسعيد منهم من وصل إلى يده فقبّلها. وعاد أبو محمد إلى حضرة معز الدولة فخاطبه بالتعويل عليه في تقلّد وزارته وتدبير دولته، وشكره أبو محمد شكرا
أطال فيه وخرج منصرفا إلى داره، فقدّم له شهريّ بمركب ذهب، وسار أبو محمد وسبكتكين الحاجب بين يديه، والقواد والناس في موكبه، وذلك لثلاث بقين من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ثم جددت له الخلع من دار الخلافة بالسواد والسيف والمنطقة فأثقلته هذه الخلع وكان ذا جثّة، والزمان صيف، وقد مشى في تلك الصحون الكثيرة، فسقط عند دخوله إلى حضرة المطيع لله ووقع على ظهره، وظنّ أنه يحصر لما جرى، فقال يا أمير المؤمنين:
خرسنوه وما درى ما خراسان بلبس القباء والموزجين
ثم أكثر الشكر وأطال فيه، فاستحسنت منه هذه البديهة على تلك الصورة، وركب إلى داره وجميع الجيش معه، وحجاب الخلافة ومعز الدولة بين يديه.
فلما كانت سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة لهج معز الدولة بذكر عمان، وحدّث نفسه بأخذها، وأغراه بذلك المعروف بكرك، أحد النقباء الأصاغر، فأمر المهلبيّ بالخروج إليها، فدافعه ووضع عليه من يزهّده فيها، فلم يزدد إلا لجاجا، وكاد أبو محمد الوزير حاشية معز الدولة إذ ألزمهم تقسيطا في نفقة البناء الذي استحدثه من غير أن يخرج بأحد منهم إلى عسف، فأحفظهم فعله، فبعثوا معزّ الدولة على إخراجه، فلما ألحّ عليه ضمن له أن يستخرج من هؤلاء جملة كبيرة يستعين بها في هذا الوجه، فمكّنه من ذلك بعد أن شرط عليه أخذ العفو وتجنّب الإجحاف، فقبض على جماعة وأخذ منهم ألفي ألف درهم، منها خمسمائة ألف درهم من أبي علي الحسن بن إبراهيم النصراني الخازن، ومعزّ الدولة على غاية العناية بأمره والثقة بأنه لا مال له، وأظهر أبو علي الفقر وسوء الحال وأنه اقترض المال الذي أدّاه من الناس، فشقّ ذلك على معزّ الدولة وظنه حقا، واعتلّ أبو علي عقيب ذلك ومات، فاعتقد معزّ الدولة أن أبا محمد قتله لما عامله به، وأقبل عليه يلومه ويحلف له أنه يقيده به، فلم يلتفت أبو محمد إلى ذلك، وبادر إلى دار أبي علي وقبض على خادم له ضغير
كان يختصّه ويثق به، ومنّاه ووعده، فدلّه على دفين كان لأبي علي في الدار، فاستخرج منه عدة قماقم فيها نيف وتسعون ألف دينار وحملها إلى معز الدولة وقال له:
هذا قدر أمانة خازنك الذي ظننت أني قد قتلته باليسير الذي أخذته لك منه، وما فيه درهم من ماله، وإنما افترصه من أولادك وحرمك وغلمانك وشنّع عليك، ثم تتبع أسبابه فأخذ منهم تمام مائتي ألف دينار، وقدّر أبو محمد أن معز الدولة يمكنه من الحاشية الباقين ويعفيه من الخروج فلم يقبل، وجدّ به جدّا شديدا في الانحدار فانحدر في جمادي الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وتمادت أيامه بالبصرة للتأهب والاستعداد، وامتنع العسكر المجرد من ركوب البحر، فبلغ معزّ الدولة ذلك، فاتهمه بأنه بعث العسكر على الشغب، فكاتبه بالجدّ والإنكار عليه في توقفه وألزمه بالمسير، ووجد أعداؤه طريقا للطعن عليه، فاغتنموا تنكّر معز الدولة عليه، وأقاموا في نفسه أنه انحدر من مدينة السلام وهو لا يعتقد العود إليها، وأنه سيغلب على البصرة كما تغلّب البريديون، وأن العسكر الذي معه والعشائر هناك على طاعته، عظّموا عنده أمواله، فتدوخ معزّ الدولة بأقاويلهم، وعرف أبو محمد ذلك فأطلق لسانه فيهم، وخرق الستر بينه وبينهم، وتطابقت الجماعة في المشورة على معز الدولة بالقبض عليه، والاعتياض بأمواله عما تعذّر حصوله من عمان، وجعلوه على ثقة من أنهم يسدون مسدّه، فمال إلى قولهم، وكتب إلى أبي محمد يعفيه من الانحدار إلى عمان، ويرسم له الانكفاء إلى مدينة السلام، وعلم أبو محمد بالحال ووطّن نفسه على الصبر وركوب أصعب المراكب فيه، وأن يدخل فيما دخل فيه القوم، ويتولى هو
مصادرة نفسه وأصحابه وخصومه وأعدائه، وكان مليّا بذلك، فهجمت عليه علته التي مات منها، وتردد بين إفاقة ونكسة إلى أن وردت الكتب باليأس منه، فأنفذ معزّ الدولة حينئذ أحد ثقاته على ظاهر العيادة له وباطن الاستظهار على ماله وحاشيته، فألفاه في طريقه محمولا في محفة كبيرة مملوءة بالفرش الوثيرة، ومعه فيها من يخدمه ويعلّله، ويتناوب في حملها جماعة من الحمالين، فلما انتهى إلى زاوطا قضى نحبه ومضى لسبيله، وسقط الطائر بمدينة السلام بذلك، فقبض على أسبابه وحرمه وولده، فصودرت الجماعة، ووقع السّرف في الاستقصاء عليهم، فلم يظهر لأبي محمد مال صامت ولا ذخيرة باطنة، وبانت لمعزّ الدولة نصيحته وبطلان التكثيرات عليه، وقد كان يصل إليه من حقوق الرقاب في ضياعه وما يأخذه من إقطاعه ويستثني به على عماله مال كثير يستوفيه جهرا، من غير أن توقع فيه أمانة، ويصرف جميعه في مؤونته ونفقاته وصلاته وهباته، إلى هدايا جليلة كان يتكلّفها لمعز الدولة في أيام النواريز والمهاريج، وعطف معز الدولة على الجماعة يطالبهم بالضمانات التي ضمنوها، فاحتجوا بوفاته، ووعدوا بالبحث عن ودائعه، وتدافعت الأيام واندرج الأمر فكان الذي صحّ من مال أبي محمد ومال حرمه وأولاده وأسبابه خمسة آلاف ألف درهم، فيها الصامت والناطق والباطن وأثمان الغلات وارتفاع الأملاك والأموال وأموال جماعة من التجار أخذت بالتأويلات، وكانت وفاته سببا لصيانته عن عاجل ابتذالهم له، وصيانتهم عن آجل بلواهم به. وكانت مدة وزارته ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، ووفاته في يوم السبت لثلاث ليال بقين من سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. ولأبي محمد:
قضيت نحبي فسرّ قومحمقى لهم غفلة ونوم
كأنّ يومي عليّ حتموليس للشامتين يوم
قال هلال بن المحسن بن أبي إسحاق الصابي: وحدثني أبو إسحاق جدي
قال: صاغ أبو محمد دواة ومرفعا وحلّاهما حلية كثيرة مشرقة، وكانت ذرعا وكسرا في عرض شبر، وكذلك كانت آلاته عظاما حتى إن مخادّ دسته مثل مساند الدسوت، إلى ما يجري هذا المجرى من آلات الاستعمال، وقدّمت الدواة بين يديه في مرفعها وأبو أحمد الفضل بن عبد الرحمن الشيرازي وأنا إلى جانبه، فتذاكرنا سرّا حسن الدواة وجلالتها وعظمها، ثم قال لي: ما كان أحوجني إليها لأبيعها وأتسع بثمنها، فقلت:
وأي شيء يعمل الوزير؟ قال: يدخل في حر أمه. وسمع أبو محمد ما جرى بيننا بالإصغاء منه إلينا وذهب ذاك علينا، فاجتمعت مع أبي أحمد من غد فقال لي:
عرفت خبر الدواة؟ قلت: لا، قال: جاءني البارحة رسول الوزير ومعه الدواة ومرفعها ومنديل فيه عشر قطع ثيابا حسانا وخمسة آلاف درهم، وقال: الوزير يقول أنا عارف بأمرك في قصور الموادّ عنك، وتضاعف المؤن عليك، وأنت تعرف شغلي وانقطاعي به عن كل حق يلزمني، وقد آثرتك بهذه الدواة لما ظننته من استحسانك إياها اليوم عند مشاهدتك، وحملت معها ما تجدّد به كسوتك وتصرفه في بعض نفقتك، وانصرف الرسول وبقيت متحيّرا متعجبا من اتفاق ما تجارينا به أمس وحدوث هذا على أثره.
وتقدم أبو محمد بصياغة دواة أخرى على شكلها ومرفع مثل مرفعها، فصيغت في أقرب مدة، ودخلنا إلى مجلسه وقد فرغ منها وتركت بين يديه وهو يوقع منها، ونظر أبو محمد إليّ وإلى أبي أحمد ونحن نلحظها فقال: هيه من منكما يريدها بشرط الإعفاء من الدخول في حر الأمّ؟ فخجلنا وعلمنا أنه كان قد سمع قولنا، وقلنا: بل يمتع الله مولانا وسيدنا الوزير بها ويبقيه حتى يهب ألفا مثلها، اللهم أنت جدد الرحمة والرضوان عليه في كلّ ساعة، بل لحظة، بل لمحة، وعلى كل نفس شريفة وهمة عالية، إنك العلي تحب معالي الأمور وأشرافها وتبغض سفسافها.
قال: وحدث إبراهيم بن هلال قال: كان أبو محمد المهلبي يناصف العشرة أوقات خلوته، ويبسطنا في المزح إلى أبعد غاية، فإذا جلس للعمل كان امرءا وقورا مهيبا محذورا آخذا في الجد الذي لا يتخوّنه نقص، ولا يتداخله ضعف، فاتفق أن
صعد يوما من طيّاره إلى داره وقد حقنه البول وما كان يعتريه من سلسه، فقصد بعض الأخلية فوجده مقفلا، وكذلك كانت عادته جارية في أخلية داره حفاظا لها عن الابتذال، فأبى أن يدعو الفرّاش ويحضر فقال لي متنادرا على نفسه:
فهبك طعامك استوثقت منهفما بال الكنيف عليه قفل
فقلت: لعمري إنه موضع عجب، وإذا وقع الإحتياط في الأصل فقد استغني عنه في الفرع، فضحك وقال: أوسعتنا هجاء، فقلت: وجدت مقالا، فقال:
اسكت يا فاعل يا صانع.
قال أبو إسحاق: وأجلسني معز الدولة لأكتب بين يديه، وأبو محمد المهلبي قائم فحجبني عن الشمس، فقال: كيف ترى هذا الظل؟ فقلت: ثخين، فقال وا عجبا أحسن وتسيء، وضحك.
ومن شعر المهلبي:
يا هلالا يبدو فيزداد شوقيوهزارا يشدو فيزداد عشقي
زعم الناس أن رقّك ملكيكذب الناس أنت مالك رقّي
وحدث أبو محمد المهلبي قال: كنت أيام حداثتي وقصر حالي وصغر تصرّفي أسكن دارا لطيفة، ونفسي مع ذلك تنازع في الأمور العظيمة، إلا أن الجد قاعد والمقدور غير مساعد، فأصبحت يوما وقد جاء المطر، وازدادت الحجرة إظلاما وصدري بها ضيقا، فقلت:
أنا في حجرة تجلّ عن الوصفويعمى البصير فيها نهارا
هي في الصبح كالظلام وفيالليل يولّي الأنام عنها فرارا
أنا منها كأنني جوف بئرأتقي عقربا وأحذر فارا
وإذا ما الرياح هبّت رخاءخلت حيطانها تميد انتشارا
ربّ عجّل خرابها وأرحنيمن حذاري فقد مللت الحذارا
وتحدث أبو الحسين هلال بن المحسن قال: حدث القاضي أبو بكر ابن محمد بن عبد الرحمن بن قريعة قال: كنت مع الوزير أبي محمد المهلبي بالأهواز فاتفق أن حضرت عنده في يوم من شهر رمضان، والزمان صائف والحرّ شديد، ونحن في مجلس بارد، فسمع صوت رجل ينادي على الناطف فقال: أما تسمع أيهذا القاضي صوت هذا البائس في مثل هذا الوقت، والشمس على رأسه وحرّها تحت قدمه، ونحن نقاسي في مكاننا هذا البارد ما نقاسيه من الحر؟! وأمر بإحضاره فأحضر، فرآه شيخا ضعيفا عليه قميص رثّ، وهو بغير سراويل، وفي رجله تاسومة مخلقة، وعلى رأسه مئزر، ومعه نبيخة فيها ناطف لا يساوي خمسة دراهم، فقال له: ألم يكن لك أيها الشيخ في طرفي النهار مندوحة عن مثل هذا الوقت؟! فتنفس وقال: ما أهون على الراقد سهر الساهد، وقال:
ما كنت بائع ناطف فيما مضىلكن قضت لي ذاك أسباب القضا
وإذا المعيل تعذّرت طلباتهرام المعاش ولو على جمر الغضا
فقال له الوزير: أراك متأدّبا فمن أين لك ذلك؟ فقال: إني أيها الوزير من أهل بيت لم يكن فيهم من صناعته ما ترى، وأسرّ إليه أنه من ولد معن بن زائدة، فأعطاه مائة دينار وخمسة أثواب، وجعل ذلك رسما له في كلّ سنة.
وحدث القاضي أبو علي التنوخي قال: شاهدت أبا محمد المهلبي وقد ابتيع له في ثلاثة أيام ورد بألف دينار فرش به مجالسه وطرحه في بركة عظيمة كانت في داره، ولها فوّارات عجيبة يطرح ورق الورد في مائها وتنفضه، وبعد شربه عليه وبلوغه ما أراده منه أنهبه.
ولأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن الحجاج يرثي أبا محمد:
يا معشر الشعراء دعوة موجعلا يرتجى فرح السلوّ لديه
عزّوا القوافي بالوزير فإنهاتبكي دما بعد الدموع عليه
مات الذي أمسى الثناء وراءهوجميل عفو الله بين يديه
هدم الزمان بموته الحصن الذيكنّا نفرّ من الزمان إليه
وتضاءلت همم المكارم والعلاوانبتّ حبل المجد من طرفيه
عمري لئن قادته أسباب الردىمثل الجواد يقاد في شطنيه
فليعلمنّ بنو بويه أنمافجعت به أيام آل بويه
ولأبي محمد المهلبي:
أمثلي يا أخي وقسيم نفسييفارق عهده عند الفراق
ويسلو سلوة من بعد بعدوينسبه الشقيق إلى الشقاق
فأقسم بالعناق وتلك أشفىوأوفى من يميني بالعتاق
لقد ألصقت بي طلبا قبيحاتجافى جانباه عن التصاق
وحدث أبو النجيب شداد بن إبراهيم الجزري الشاعر الملقب بالظاهر قال:
كنت كثير الملازمة للوزير أبي محمد المهلبي، فاتفق أني غسلت ثيابي، وأنفذ إليّ يدعوني، فاعتذرت بعذر فلم يقبله وألحّ في استدعائي، فكتبت إليه:
عبدك تحت الحبل عريانكأنه لا كان شيطان
يغسل أثوابا كأن البلىفيها خليط وهي أوطان
أرقّ من ديني إن كان ليدين كما للناس أديان
كأنها حالي من قبل أنيصبح عندي لك إحسان
يقول من يبصرني معرضافيها وللأقوال برهان
هذا الذي قد نسجت فوقهعناكب الحيطان إنسان
فأنفذ لي جبة وقميصا وعمامة وسراويل وكيسا فيه خمسمائة درهم وقال: قد أنفذت لك ما تلبسه وتدفعه إلى الخياط ليصلح لك الثياب على ما تريده، فإن كنت
غسلت التكّة واللالكة عرّفني لأنفذ لك عوضها.
ولأبي محمد المهلبي:
ويوم كأن الشمس والغيم دونهاحجاب به صينت فما يتهتك
عروس بدت في زرقة من ثيابهاتجلّلها فيها رداء ممسّك
قرأت بخط المحسن بن إبراهيم الصابىء، أنشدني والدي قال: أنشدني الوزير أبو محمد المهلبي لنفسه:
إذا تكامل لي ما قد ظفرت بهمن طيب مسمعة وظرف رمّان
وقهوة لو تراها خلت رقتهاديني وحافر من ان شئت غناني
فما أبالي بما لاقى الخليفة منبغا الخصيّ وعصيان ابن حمدان
وقال الصاحب ابن عباد: أنشدني الأستاذ أبو محمد المهلبي لنفسه:
قال لي من أحبّ والبين قد جدّ وفي مهجتي لهيب الحريق
ما الذي في الطريق تصنع بعديقلت أبكي عليك طول الطريق
حدث أبو علي التنوخي قال: كان أبو محمد المهلبي يكثر الحديث على طعامه، وكان طيب الحديث، وأكثره مذاكرة بالأدب وضروب الحديث على المائدة لكثرة من يجمعهم عليها من العلماء والكتاب والندماء، وكنت كثيرا ما أحضر، فقدّم إليه في بعض الأيام [طيهوج] فقال لي: أذكرني هذا حديثا ظريفا، وهو ما أخبرني به بعض من كان يعاشر الراسبيّ الأمير، قال: كنت آكل معه يوما وعلى المائدة خلق عظيم فيهم رجل من رؤساء الأكراد المجاورين لعمله، وكان ممن يقطع الطريق، ثم استأمن إليه فأمنه واختصّه وطالت أيامه، وكان في ذلك اليوم على مائدته إذ قدم حجل فألقى الراسبي منه واحدة إلى الكردي كما يلاطف الرؤساء مؤاكليهم، فأخذها الكردي وجعل يضحك، فتعجب الراسبي من ذلك وقال: ما سبب هذا الضحك وما جرى ما يوجبه؟ فقال: خبر كان لي، فقال: أخبرني به، فقال: شيء ظريف ذكرته لما رأيت
هذه، قال: فما هو؟ قال: كنت أيام قطع الطريق قد اجتزت في المحجة الفلانية في الجبل الفلاني، وأنا وحدي في طلب من آخذ ثيابه، فاستقبلني رجل وحده، فاعترضته وصحت عليه فاستسلم إليّ ووقف، فأخذت ما كان معه، وطالبته أن يتعرّى ففعل، ومضى لينصرف فخفت أن يلقاه في الطريق من يستفزّه عليّ، فأطلب وأنا وحدي فأوخذ، فقبضت عليه وعلوته بالسيف لأقتله، فقال: يا هذا أي شيء بيني وبينك؟ أخذت ثيابي ولا فائدة لك في قتلي، فكتفته ولم ألتفت إلى قوله، وأقبلت أقنّعه بالسيف، فالتفت كأنه يطلب شيئا، فرأى حجلة قائمة على الجبل، فصاح يا حجلة اشهدي لي عند الله تعالى أني أقتل مظلوما، فما زلت أضربه حتى قتلته، وسرت فما ذكرت هذا الحديث حتى رأيت هذه الحجلة فذكرت حماقة هذا الرجل فضحكت، فانقلبت عينا الراسبيّ في رأسه حردا وقال: لا جرم والله أن شهادة الحجلة عليك لا تضيع اليوم في الدنيا قبل الآخرة، وما أمنتك إلا على ما كان منك من إفساد السبيل، فأما الدماء فمعاذ الله أن أسقطها عنك يا ابن الفاعلة بالأمان، وقد أجرى الله على لسانك الاقرار عندي، يا غلمان اضربوا عنقه، قال: فبادر الغلمان إليه بسيوفهم يخبطونه حتى تدحرج رأسه بين أيديهم على المائدة وجرّت جثته، ومضى الراسبي حتى أتمّ غداءه.
قال أبو علي: حضرت أبا محمد في وزارته وقد دفع إليه شاعر رقعة صغيرة فقرأها وضحك، وأمر له بألف درهم، وطرح الرقعة فقرأتها وإذا فيها:
يا من إليه النفع والضرّقد مسّ حال عبيدك الضرّ
لا تتركنّ الدهر يظلمنيما دام يقبل قولك الدهر
قال إبراهيم بن هلال الصابىء: كان أبو محمد يخاطب بالاستاذية.
قال أبو علي: كنت في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة ببغداد، فحضر أول يوم من شهر رمضان فاصطحبت أنا وأبو الفتح عبد الواحد بن أبي علي الحسين بن هارون الكاتب إلى دار أبي الغنائم الفضل بن الوزير أبي محمد المهلبي لتهنئته بالشهر،
عند توجه أبيه إلى عمان، وبلغ أبو محمد إلى موضع من أنهار البصرة يعرف بعلياباذ ففترت نيّته عن الخروج إلى عمان، واستوحش معز الدولة منه وفسد رأيه فيه، واعتلّ المهلبي هناك، ثم أمره معز الدولة بالرجوع عن علياباذ وان لا يتجاوزه، وقد اشتدت علته، والناس بين مرجف بانه يقبض عليه إذا حصل بواسط أو عند دخوله إلى بغداد، وقوم يرجفون بوفاته، وخليفته إذ ذاك على الوزارة ببغداد أبو الفضل العباس بن الحسين بن عبد الله وأبو الفرج محمد بن العباس بن فسانجس. فجئنا إلى أبي الغنائم ودخلنا إليه وهو جالس في عرضيّ بداره التي كانت لأبيه على دجلة على الصراة عند شباك على دجلة، وهو في دست كبير عال جالس، وبين يديه الناس على طبقاتهم، فهنأناه بالشهر وجلسنا وهو إذا ذاك صبي غير بالغ إلا أنه محصّل، فلم يلبث أن جاء أبو الفضل وأبو الفرج خليفتا أبيه فدخلا إليه وهنآه بالشهر، فأجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، على طرف دسته في الموضع الذي فيه فضلة المخادّ إلى الدست، ما تحرك لأحد منهما ولا انزعج، ولا شاركاه في الدست، وأخذا معه في الحديث، وزادت مطاولتهما، وأبو الفضل يستدعي خادم الحرم فيسارّه، فيمضي ويعود ويخاطبه سرّا إلى أن جاءه بعد ساعة فسارّه فنهض أبو الفضل، فقال له أبو الفرج: إلى أين يا سيدي؟ فقال: أهنىء من يجب تهنئته وأعود إليك، وكان أبو الفضل زوج زينة ابنة الوزير المهلبي أخت أبي الغنائم من أبيه وأمه تجنّي، فحين دخل واطمأنّ قليلا وقع الصراخ، وتبادر الخدم والغلمان، ودعي الصبي وكان يتوقع أن يرد عليه خبر موت أبيه لأنه كان عالما بشدة علته، فقام فمسكه أبو الفرج وقال: اجلس اجلس وقبض عليه، وخرج أبو الفضل وقد قبض على تجني أم الصبي ووكّل بها خدما وختم الأبواب، ثم قال للصبي: قم يا أبا الغنائم إلى مولانا يعني معز الدولة فقد طلبك، وقد مات أبوك، فبكى الصبيّ وسعى إليه وعلق بدراعته وقال: يا عم الله الله فيّ، يكررها، فضمّه أبو الفضل إليه واستعبر وقال: ليس عليك بأس ولا خوف، وانحدروا إلى زبازبهم، فجلس أبو الفرج في زبزبه، وجلس أبو الفضل في زبزبه، وأجلس الغلام بين يديه، وأصعدت الزبازب تريد معزّ الدولة بباب الشماسية، فقال أبو الفتح ابن الحسين بن هارون: ما رأيت مثل هذا قط ولا سمعت، لعن الله الدنيا، أليس الساعة كان هذا الغلام في الصدر معظّما، وخليفتا أبيه بين يديه، وما افترقا حتى
صار بين أيديهما ذليلا حقيرا. ثم جرى من المصادرات على أهله وحاشيته ما لم يجر على أحد. وله:
لقد واظبت نفسي على الحبّ والهوىبجارية ترعى الهوى وتواظب
صفا لي منها الودّ والشيب شاملكما كان يصفو والشباب مصاحب
وله:
إني ليعصمني هواك عن الهوىحتى كأنّ علي منك رقيبا
وأجول في غمرات حبّك جاهداطورا فيحسبني الجليس رهيبا
ما إن هممت بشمّ نحرك ساعةإلا ملأت من الدموع جيوبا
قال أبو حيان، قال ابن أبي طرخان: دخلت إلى المهلبيّ في أيام نكبته، فرأيته يذمّ صنائعه ومن قدّمه في أيامه وأولاهم الجميل، وقال: ما علمت أن الدهر بهذه الأفعال يعامل الأحرار، وإلا كنت أحسنت لنفسي الاختيار، وبكى وقال:
لئن قعدت بي قلة المال قعدةفما أنا عن كسب المعالي بقاعد
وما أنا بالساعي إلى الجهل والخناولا عن مكافاة الصديق براقد
أكافي أخي بالودّ أضعاف ودهوأبذل للمولى طريفي وتالدي
وما صاحبي عند الرخاء بصاحبإذا لم يكن عند الأمور الشدائد
فقلت له: أدام الله حراسة الوزير كفكف عبرتك، وهوّن على نفسك، فمذ كانت الدنيا كانت غدّارة مكارة، تقصد الأحرار بالمكاره، وتلقى أهل المروات بالنوائب، وترميهم بالأوابد، وأكثر من ترى من هذا الوري فهم عبيد الطمع وأسراء الجشع، يخونون الاخوان ويميلون مع الرجحان، فدمعت عيناه وأنشد:
الناس أتباع من دامت له النعموالويل للمرء ان زلّت به القدم
مالي رأيت أخلائي وحاصلهماثنان مستكبر عنّي ومحتشم
لما رأيت الذي يجفون قلت لهمأذنبت ذنبا؟ فقالوا ذنبك العدم
قال أبو علي محمد بن وشاح الكاتب، قال لي أبو الحسن محمد بن عبيد الله ابن سكرة الهاشمي، من ولد المهدي: خرجت إلى الأهواز قاصدا للوزير أبي محمد الحسن بن محمد المهلبي مادحا له فلما وصلت إليه أنشدته:
قفي حيث انتهيت من الصدودولا تتعمدي قتل العميد
فقد وهواك وهو أجلّ حلفيحميت نظيرتيك من الهجود
هجرت مقيمة وظعنت غضبيفحربت الحديد على الحديد
فراق ظعينة وفراق رأييكرّهما عليّ فراق جود
ثلاث ما اجتمعن على ابن حبّصدود في صدود في صدود
قال: وانصرفت، فلما كان من الغد استدعاني وقال: اسمع وأنشدني لنفسه:
أتاني في قميص اللاذ يمشيعدوّ لي يلقّب بالحبيب
وقد عبث الشراب بوجنتيهفصير خده كسنا اللهيب
فقلت له فديتك كيف هذابلا واش أتيت ولا رقيب
وما هذا الذي أحدثت بعديلقد أمسيت في زي عجيب
فقال الشمس أهدت لي قميصارقيق الجسم من شقق الغروب
فثوبي والمدام ولون خديقريب من قريب من قريب
- الحسن بن محمد بن وكيع التنيسي أبو محمد: أديب فاضل شاعر مجيد عارف بفنون العلم؛ مات في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سمسارا في بلده متأدبا ظريفا، وكان قد صنف «كتاب سرقات المتنبي» وحاف عليه. وعذله بعض أهل
الأدب فلم يرجع عن ذلك، فقال له: هل تثقل عليك الموافقة؟ قال: لا، قلت:
هذه الأبيات التي لك مأخوذة من قول المتنبي؛ وأبيات ابن وكيع:
لو كان كلّ عليليزداد مثلك حسنا
لكان كلّ مريضيودّ لو كان مضنى
يا أكمل الناس حسناصل أكمل الناس حزنا
غنيت عني وما ليوجه به عنك أغنى
وأبيات المتنبي:
فلو كان المريض يزيد حسناكما تزداد أنت على السقام
لما عيد المريض إذن وعدّتشكايته من النّعم العظام
فقال: والله ما سمعت هذا، فقلت: إذا كان الأمر على هذا فاعذر بمثله المتنبي.
ومن شعره:
وحديث كأنهأوبة من مسافر
كان أحلى من الرقاد إلى طرف ساهر
وله:
من أين للظبي الغرير الأحورفي الخدّ مثل عذاره المتحدّر
رشأ كأن بعارضيه كليهمامسكا تساقط فوق ورد أحمر
قيل ان ابن وكيع كان قد مال إلى غلام أمرد حسن الوجه، فقيل لأبيه: إنه قد شغف بمن لا يستحقّ أن يشغف به، فعاتبه على ذلك، واتفق أنّ الغلام اجتاز عليه وهو لا يعرفه، فقال: لو هويت مثل هذا كنت معذورا، فقال في الحال:
أبصره عاذلي عليهولم يكن قبلها رآه
فقال لي لو هويت هذاما لامك الناس في هواه
قل لي إلى من عدلت عنهفليس أهل الهوى سواه
وظلّ من حيث ليس يدرييأمر بالحبّ من نهاه
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع