من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن الوليد بن نصر أبو القاسم
المعروف بابن العريف النحوي الأديب الشاعر: له «شرح كتاب الجمل في النحو» للزجاج. وكتاب «الرد علي أبي جعفر النحاس في كتابه الكافي» وغير ذلك. وكان مقدّما في العربية إماما فيها عارفا بصنوف الآداب. أخذ العربية عن ابن القوطية وغيره، ورحل إلى المشرق فأقام بمصر مدة طويلة وسمع فيها من الحافظ ابن رشيق وأبي طاهر الذهلي وغيرهما، ثم عاد إلى الأندلس فاختاره المنصور محمد بن أبي عامر صاحب الأندلس مؤدبا لأولاده، وكان يحضر مجالسه. ومناظراته مع أبي العلاء صاعد اللغوي البغدادي مشهورة، فمن ذلك أنّ المنصور جلس يوما وعنده أعيان مملكته من أهل العلم كالزبيدي صاحب الطبقات، والعاصمي وابن العريف صاحب الترجمة وغيرهم فقال لهم المنصور:
هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنه متقدّم في هذه العلوم، وأحبّ أن يمتحن، فوجّه إليه، فلما مثل بين يديه والمجلس قد غصّ بالعلماء والأشراف خجل صاعد واحتشم، فأدناه المنصور ورفع محلّه وأقبل عليه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه، فبادره العاصميّ بالسؤال عن مسألة من الكتاب فلم يحضره جوابها، واعتذر بأنّ النحو ليس جلّ بضاعته، فقال له الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ؟ فقال: حفظ الغريب، قال: فما وزن أولق؟ فضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا، إنما يسأل عنه صبيان المكتب، قال الزبيدي: قد سألناك ولا نشكّ أنك تجهله، فتغيّر لونه فقال: وزنه أفعل فقال الزبيدي: صاحبكم ممخرق، فقال له صاعد: إخال الشيخ صناعته الأبنية، فقال له: أجل، فقال صاعد: وبضاعتي أنا حفظ الأشعار ورواية الأخبار وفكّ المعمّى وعلم الموسقي، قال: فناظره ابن العريف
(صاحب الترجمة) فظهر عليه صاعد وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا أنشد عليها شعرا شاهدا، وأتى بحكاية تناسبها، فأعجب المنصور فقربه وقدمه.
وكان يوما بمجلس المنصور أيضا فأحضرت إليه وردة في غير أوانها لم يكمل فتح ورقها فقال فيها صاعد مرتجلا:
أتتك أبا عامر وردةيذكّرك المسك أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصرفغطّت بأكمامها راسها
فسرّ بذلك المنصور، وكان ابن العريف حاضرا فحسده وجرى إلى مناقضته وقال للمنصور: هذان البيتان لغيره، وقد أنشدنيهما بعض البغداديين لنفسه بمصر، وهما عندي على ظهر كتاب بخطه، فقال له المنصور: أرنيه، فخرج ابن العريف وركب وحرّك دابته حتى أتى مجلس ابن بدر، وكان أحسن أهل زمانه بديهة، فوصف له ما جرى، فقال ابن بدر هذه الأبيات، ودسّ فيها بيتي صاعد:
غدوت إلى قصر عبّاسةوقد جدّل النوم حرّاسها
فألفيتها وهي في خدرهاوقد صدع السكر أنّاسها
فقالت أسرت على هجعةفقلت بلى فرمت كاسها
ومدّت يديها إلى وردةيحاكي لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصرفغطّت بأكمامها راسها
وقالت خف الله لا تفضحنّفي ابنة عمّك عباسها
فوليت عنها على خجلةوما خنت ناسي ولا ناسها
فطار ابن العريف بها وعلّقها على ظهر كتاب بخطّ مصري ومداد أشقر، ودخل بها على المنصور، فلما رآها اشتد غيظه وقال للحاضرين: غدا أمتحنه، فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد، ولم يبق في موضع لي عليه سلطان، فلما أصبح أرسل
إليه فأحضر وحضر جميع الندماء والجلساء، فدخل بهم إلى مجلس قد أعدّ فيه طبقا عظيما فيه سقائف مصنوعة من جميع النواوير، ووضع على السقائف لعب من ياسمين في شكل الجواري، وتحت السقائف بركة ماء قد ألقي فيها اللآلىء مثل الحصباء، وفي البركة حية تسبح فلما دخل صاعد ورأى الطبق قال له المنصور: إن هذا يوم إما أن تسعد فيه معنا وإما أن تشقى، لأنه قد زعم هؤلاء القوم أن كلّ ما تأتي به دعوى، وهذا طبق ما توهمت أنه حضر بين يدي ملك قبلي شكله فصفه بجميع ما فيه، فقال له صاعد على البديهة:
أبا عامر هل غير جدواك واكفوهل غير من عاداك في الأرض خائف
يسوق إليك الدهر كلّ غريبةوأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نور صاغها هامر الحياعلى حافتيها عبقر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلتعليها بأنواع الملاهي وصائف
كمثل الظباء المستكنّة كنّساتظللها بالياسمين السقائف
وأعجب منها أنّهنّ نواظرإلى بركة ضمّت إليها الطرائف
حصاها اللآلي سابح في عبابهامن الرّقش مسموم الثعابين زاحف
ترى ما تراه العين في جنباتهامن الوحش حتى بينهن السلاحف
فاستغربوا له تلك البديهة في مثل ذلك الموضع، وكتبها المنصور بخطه، وكان إلى ناحيته من تلك السقائف سفينة فيها جارية من النوار تجذّف بمجاذيف من ذهب لم يرها صاعد، فقال له المنصور: أحسنت إلا انك أغفلت ذكر السفينة والجارية، فقال للوقت:
وأعجب منها غادة في سفينةمكلّلة تصبو إليها المهاتف
إذا راعها موج من الماء تتقيبسكّانها ما هيّجته العواصف
متى كانت الحسناء ربّان مركبتصرّف في يمنى يديه المجاذف
ولم تر عيني في البلاد حديقةتنقّلها في الراحتين الوصائف
ولا غرو أن انشت معاليك روضةوشتها أزاهير الربى والزخارف
فأنت امرؤ لو رمت نقل متالعورضوى ذرتها من سطاك نواسف
إذا قلت قولا أو بدهت بديهةفكلني له إني لمجدك واصف
فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب، ورتب له في كل شهر ثلاثين دينارا وألحقه بندمائه.
توفي أبو القاسم ابن العريف بطليطلة في رجب سنة تسعين وثلاثمائة.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع