من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
حرملة بن المنذر بن معديكرب بن حنظلة
بن النعمان بن حية بن سعنة بن الحارث بن ربيعة، ويتصل نسبه بيعرب بن قحطان، أبو زبيد الطائي: شاعر معمّر عاش خمسين ومائة سنة، وعداده في المخضرمين، أدرك الإسلام ولم يسلم ومات نصرانيا. وكان أبو زبيد طوالا من الرجال ينتهي إلى ثلاثة عشر شبرا، وكان حسن الصورة، فكان إذا دخل مكة دخلها متنكرا لجماله. وكان أبو زبيد يزور الملوك، وملوك العجم خاصة، وكان عالما بسيرهم، ووفد على الحارث بن أبي شمر الغساني والنعمان بن المنذر.
حدث عمارة بن قابوس قال: لقيت أبا زبيد الطائي فقلت له: يا أبا زبيد هل أتيت النعمان بن المنذر؟ قال: أي والله لقد أتيته وجالسته، قلت: فصفه لي، فقال:
كان أحمر أزرق أبرش قصيرا، فقلت له: أيسرّك أنه سمع مقالتك هذه وأنّ لك حمر النّعم؟ قال: لا والله ولا سودها، فقد رأيت ملوك حمير في ملكها، ورأيت ملوك غسّان في ملكها، فما رأيت أشدّ عزا منه: كان ظهر الكوفة ينبت الشقائق فحمى ذلك المكان فنسب إليه فقيل شقائق النعمان؛ فجلس ذات يوم هناك وجلسنا بين يديه كأن
على رؤوسنا الطير، فقام رجل من الناس فقال له: أبيت اللعن أعطني فإني محتاج، فتأمّله طويلا ثم أمر به فأدني حتى قعد بين يديه، ثم دعا بكنانة فاستخرج منها مشاقص فجعل يجأ بها وجهه حتى سمعنا قرع العظام، وخضب بالدم، ثم أمر به فنحّي. ومكثنا مليا فنهض رجل آخر فقال له: أبيت اللعن أعطني، فتأمله ساعة ثم قال: أعطوه ألف درهم، فأخذها وانصرف، ثم التفت النعمان عن يمينه ويساره وخلفه فقال: ما قولكم في رجل أزرق أحمر يذبح على هذه الأكمة، أترون دمه سائلا حتى يجري في هذا الوادي؟ فقلنا له: أنت أبيت اللعن أعلى برأيك، فدعا برجل على هذه الصفة فأمر به فذبح، ثم قال: ألا تسألوني عما صنعت؟ فقلنا: ومن يسألك عن أمرك وما تصنع؟ فقال: أما الأول فإني خرجت مع أبي نتصيّد فمررنا به وهو بفناء بابه وبين يديه عسّ من لبن، فتناولته لأشرب منه فثار إليّ فهراق الإناء، فملأ وجهي وصدري، فأعطيت الله عهدا لئن أمكنني منه لأخضبنّ لحيته وصدره من دم وجهه، وأما الآخر فكانت له عندي يد فكافأته بها، وأما الذي ذبحته فإن عينا لي بالشام كتب إليّ أنّ جبلة بن الأيهم بعث إليك برجل صفته كذا وكذا ليقتلك فطلبته فلم أقدر عليه حتى كان اليوم، فرأيته بين القوم فأخذته.
وكان عثمان بن عفان ﵁ يقرّب أبا زبيد ويدني مجلسه لمعرفته بسير من أدركهم من ملوك العرب والعجم، فدخل عليه يوما وعنده المهاجرون والأنصار، فتذاكروا مآثر العرب وأخبارها وأشعارها، فالتفت إليه عثمان وقال له: يا أخا تبع المسيح أسمعنا بعض قولك، فقد أنبئت أنك تجيد الشعر، فأنشده قصيدته التي أولها:
من مبلغ قومنا النائين إذ شحطواأنّ الفؤاد إليهم شيّق ولع
ووصف فيها الأسد، فقال له عثمان: تالله تفتأ تذكر الأسد ما حييت، والله إني
لأحسبك جبانا هدانا قال: كلا يا أمير المؤمنين، ولكني رأيت منه منظرا وشهدت مشهدا لا يبرح ذكره يتجدّد في قلبي، ومعذور أنا بذلك يا أمير المؤمنين غير ملوم، فقال له عثمان: وأين كان ذلك وأنى؟ فقال: خرجت في صيّابة من أشراف العرب وفتيانهم ذوي هيئة وشارة حسنة، ترتمي بنا المهارى بأكسائها القيروانات على قنو البغال تسوقها العبدان، ونحن نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروّط بنا السير في حمارّة القيظ، حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه وأذكت الجوزاء المعزاء، وذاب الصّيهد وصرّ الجندب، وضاف العصفور الضبّ في وكره، وجاوره في جحره، قال قائل: أيها الركب غوروا بنا في ضوج هذا الوادي، وإذا واد قد بدا لنا كثير الدغل دائم الغلل، شجراؤه مغنّة وأطياره مرنّة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات كنهبلات وأصبنا من فضلات المزاود وأتبعناها الماء البارد. فلما انتصف حرّ يومنا ذلك وبينما نحن كذلك، إذ صرّ أقصى الخيل أذنيه وفحص الأرض بيديه،
فو الله ما لبث أن جال ثم حمحم فبال، ثم فعل فعله الذي يليه واحدا فواحدا، فتضعضعت الخيل وتكعكعت الإبل وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله وشارد بعقاله، فعلمنا أنه السبع، ففزع كلّ منّا إلى سيفه فسلّه من قرابه ثم وقفنا رزدقا، فأقبل أبو الحارث من أجمته يتظالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار معصوب لطرفه وميض، ولصدره نحيط، ولبلعومه غطيط، ولأرساغه نقيض كأنما يخبط هشيما أو يطأ صريما له هامة كالمجنّ وخدّ كالمسن، وعينان سجراوان كأنهما سراجان يقدان، وقصرة ربلة ولهزمة رهلة، وكتد مغبط، وزور مفرط، وساعد مجدول، وعضد مفتول وكفّ شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن، فضرب بيديه فأرهج، وكشّر فأفرج، عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة، وفم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى [فأشرع] بيديه وحفز بوركيه حتى صار ظلّه مثليه، ثم أقعى فاقشعرّ، ثم أقبل فاكفهر، ثم تجهم فازبأر، فلا وذو بيته في السماء ما اتقيناه إلا بأخ لنا من فزارة كان ضخم الجزارة، فوقصه
ثم نفضه نفضة فقضقض متنيه وجعل يلغ في دمه، فذمرت أصحابي فبعد لأي ما استقدموا، فهجهجنا به، فكرّ مقشعرا بزبرته كأن به شيهما حوليا فاختلج رجلا أعجز ذا حوايا فنفضه نفضة تزايلت بها مفاصله، ثم همهم ففرفر وزفر فبربر، ثم زأر فجرجر، ثم لحظ فأشزر، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه، من عن شماله ويمينه، فأرعشت الأيدي واصطكت الأرجل، وأطّت الأضلاع وارتجت الأسماع، وشخصت العيون وتحققت الظنون وانخزلت المتون. فقال له عثمان اسكت قطع الله لسانك فقد أرعبت قلوب المسلمين.
وقال يصف الأسد:
فباتوا يدلجون وباب يسريبصير بالدجى هاد هموس
إلى أن عرّسوا وأغبّ عنهمقريبا ما يحسّ له حسيس
خلا أنّ العتاق من المطاياحسسن به فهنّ لذا شموس
فلما أن رآهم قد تدانواأتاهم وسط رحلهم يميس
فثار الزاجرون فزاد قرباإليهم ثم واجهه ضبيس
بنصل السيف ليس له مجنّفصدّ ولم يصادفه جبيس
فيضرب بالشمال إلى حشاهوقد نادى فأخلفه الأنيس
بسمر كالمحاجن في قنوبيقيها قضّة الأرض الدخيس
فخرّ السيف واختلفت يداهوكان بنفسه وقيت نفوس
وطار القوم شتّى والمطاياوغودر في مكرهم الرئيس
وجال كأنه فرس صنيعيجرّ جلاله ذبل شموس
كأن بنحره وبساعديهعبيرا ظلّ تعبؤه عروس
فذلك إن تلاقوه تفادواويحدث عنكم أمر شكيس
وقال ابن الأعرابي: كان لأبي زبيد كلب يقال له أكدر، وكان له سلاح يلبسه إياه، فكان لا يقوم له الأسد، فخرج ليلة ولم يلبسه سلاحه، فلقيه الأسد فقتله، فقال أبو زبيد:
أحال أكدر مختالا كعادتهحتى إذا كان بين البئر والعطن
لاقى لدى ثلل الأطواء داهيةسرت وأكدر تحت الليل في قرن
حفّت به شيمة ورهاء تطردهحتى تناهى إلى الحولات في سنن
إلى مقابل فتل الساعدين لهفوق السّراة كذفرى الفالج القمن
رئبال غاب فلا قحم ولا ضرعكالبغل يحتطم العجلين في شطن
وهي قصيدة طويلة، فلامه قومه على كثرة وصفه للأسد وقالوا: قد خفنا أن تسبنا العرب بوصفك له، فقال: لو رأيتم منه ما رأيت أو لقيتم منه ما لقي أكدر لما لمتموني. ثم أمسك عن وصفه فلم يصفه حتى مات.
وقال ابن الأعرابي: كان أبو زبيد يقيم أكثر أيامه في أخواله بني تغلب، وكان له غلام يرعى إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بني تغلب فمروا بغلامه فدفع إليهم إبل أبي زبيد وانطلق معهم يدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم، فهزمت تغلب بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد في ذلك:
هل كنت في منظر ومستمععن نصر بهراء غير ذي فرس
تسعى إلى فتية الأراقم واستعجلت قيل الجمان والقبس
في عارض من جبال بهرا بها الألّ مرين الحروب عن درس
فنهزة من لقوا حسبتهمأحلى وأشهى من بارد الدّبس
لا ترة عندهم فتطلبهاولا هم نهزة لمختلس
جود كرام إذا هم ندبواغير لئام ضجر ولا كسس
صمت عظام الحلوم إن سكتوامن غير عيّ بهم ولا خرس
تقوت أفراسهم نساؤهميزجون أجمالهم مع الغلس
صادفت لما خرجت منطلقاجهم المحيا كباسل شرس
تخال في كفّه مثقّفةتلمع فيها كشعلة القبس
بكفّ حرّان ثائر بدمطلّاب وتر في الموت منغمس
إما تقاذف بك الرماح فلاأبكيك إلا للدلو والمرس
حمدت أمري ولمت أمرك إذأمسك جلز السنان بالنفس
وقد تصلّيت حرّ نارهمكما تصلّى المقرور من قرس
تذبّ عنه كفّ بها رمقطيرا عكوفا كزوّر العرس
عما قليل علون جثّتهفهنّ من والغ ومنتهس
فلما بلغ شعره بني تغلب بعثوا إليه بدية غلامه وما نهب من إبله، فقال في ذلك:
ألا أبلغ بني عمرو رسولافإني في مودتكم نفيس
فما أنا بالضعيف فتظلمونيولا جافي اللقاء ولا خسيس
أفي حقّ مواساتي أخاكمبمالي ثم يظلمني السّريس
وحدث ابن الأعرابي قال: كان أبو زبيد الطائي نديما للوليد بن عقبة والي الكوفة من قبل عثمان، فلما شهدوا عليه بشرب الخمر وعزل عن عمله وخرج من الكوفة قال أبو زبيد:
من يرى العير لابن أروى على ظهرالمرورى حداتهنّ عجال
مصعدات والبيت بيت أبي وهب خلاء تحنّ فيه الشّمال
يعرف الجاهل المضلّل أن الدهر فيه النكراء والزلزال
ليت شعري كذاكم العهد أم كانوا أناسا ممن يزول فزالوا
بعد ما تعلمين يا أمّ زيدكان فيهم عزّ لنا وجمال
ووجوه بودّنا مشرقاتونوال إذا أريد النوال
أصبح البيت قد تبدّل بالحيّوجوها كأنها الأقتال
كلّ شيء يحتال فيه الرجالغير أن ليس للمنايا احتيال
ولعمر الإله لو كان للسيف مصال أو للسان مقال
ما تناسيتك الصفاء ولا الودّ ولا حال دونك الأشغال
ولحرّمت لحمك المتعضّىضلة ضلّ حلمهم ما اغتالوا
قولهم شربك الحرام وقد كان شراب سوى الحرام حلال
وأبى الظاهر العداوة إلاشنآنا وقول ما لا يقال
من رجال تقارضوا منكراتلينالوا الذي أرادوا فنالوا
غير ما طالبين ذحلا ولكنمال دهر على أناس فمالوا
من يخنك الصفاء أو يتبدلأو يزل مثل ما تزول الظلال
فاعلمن أنني أخوك أخو الودّ حياتي حتى تزول الجبال
ليس بخل عليك عندي بمالأبدا ما أقلّ نعلا قبال
ولك النصر باللسان وبالكفّ إذا كان لليدين مصال
ولأبي زبيد في مدح الوليد بن عقبة شعر كثير تركناه خوف الإطالة. ومن جيد شعره:
إنّ نيل الحياة غير سعودوضلال تأميل نيل الخلود
علّل المرء بالأماني ويضحيغرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشقفمصيب أو صاف غير بعيد
كلّ ميت قد اعترفت فلا أوجع من والد ومن مولود
غير أن اللجلاج هدّ جناحييوم فارقته بأعلى الصعيد
وكان أبو زبيد يحمل في كل أحد إلى البيع مع النصارى، فبينا هو يوم أحد يشرب والنصارى حوله رفع بصره إلى السماء، فنظر نظرا طويلا ثم رمى الكأس من يده وقال:
إذا جعل المرء الذي كان حازمايحلّ به حلّ الحوار ويحمل
فليس له في العيش خير يريدهوتكفينه ميتا أعفّ وأجمل
أتاني رسول الموت يا مرحبا بهواني لآتيه أما سوف أفعل
ثم مات فجأة ودفن هناك.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع