من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الحسين بن مطير بن مكمل الأسدي
مولى بني أسد بن خزيمة: وكان جده مكمّل عبدا فعتق وقيل كوتب. وابن مطير من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية فصيح متقدم في الرجز والقصيد، يعدّ من فحول المحدثين، يشبه كلامه كلام الاعراب وأهل البادية، وفد على الأمير معن بن زائدة الشيباني لما ولي اليمن، فلما دخل عليه أنشده:
أتيتك إذ لم يبق غيرك جابرولا واهب يعطي اللها والرغائبا
فقال له: يا أخا بني أسد ليس هذا بمدح، إنما المدح قول نهار بن توسعة في مسمع بن مالك:
قلّدته عرى الأمور نزارقبل أن يهلك السّراة البحور
فغدا إليه بأرجوزة يمدحه بها فاستحسنها وأجزل صلته.
وحدث جعفر بن منصور قال: حدثني أبي قال: حجّ المهديّ فنزل زبالة فدخل الحسين بن مطير الأسدي عليه فقال:
أضحت يمينك من جود مصوّرةلا بل يمينك منها صورة الجود
من حسن وجهك تضحي الأرض مشرقةومن بنانك يجري الماء في العود
فقال المهدي: كذبت، قال: ولم ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: هل تركت في شعرك موضعا لأحد بعد قولك في معن بن زائدة:
ألمّا على معن وقولا لقبرهسقتك الغوادي مربعا ثم مربعا
فيا قبر معن أنت أول حفرةمن الأرض خطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا
ولما مضى معن مضى الجود وانقضىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
وما كان إلا الجود صورة وجههفعاش ربيعا ثم ولّى وودّعا
وكنت لدار الجود يا معن عامراوقد أصبحت قفرا من الجود بلقعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
تمنى أناس شأوه من ضلالهمفأضحوا على الأذقان صرعى وظلّعا
تعزّ أبا العباس عنه ولا يكنجزاؤك من معن بأن تتضعضعا
أبى ذكر معن أن يميت فعالهوان كان قد لاقى حماما ومصرعا
فما مات من كنت ابنه لا ولا الذيله مثل ما أبقى أبوك وما سعى
فقال: يا أمير المؤمنين إنما معن حسنة من حسناتك وفعلة من فعلاتك، فأمر له بألف دينار ثم قال: سل حاجتك، فقال:
بيضاء تسحب من قيام فرعهاوتغيب فيه وهو جعد أسحم
فكانّها منه نهار مشرقوكأنه ليل عليها مظلم
قال: خذ بيدها، لجارية كانت على رأسه، فأولدها مطير بن الحسين بن مطير.
وقال الرياشي حدثني أبو العالية عن أبي عمران المخزومي قال: أتيت مع أبي واليا كان بالمدينة من قريش وعنده ابن مطير، وإذا بمطر جود فقال له الوالي:
صف لي هذا المطر، قال: دعني أشرف عليه، فأشرف عليه ثم نزل فقال:
كثرت لكثرة قطره أطباؤهفإذا تحلّب فاضت الأطباء
وله رباب هيدب لذفيفهقبل التبعّق ديمة وطفاء
وكأن ريّقه ولمّا يحتفلودق السماء عجاجة كدراء
وكأن بارقه حريق تلتقيريح عليه وعرفج وألاء
مستضحك بلوامع مستعبربمدامع لم تمرها الأقذاء
فله بلا حزن ولا بمسرّةضحك يؤلف بينه وبكاء
حيران متّبع صباه تقودهوجنوبه كنف له ووعاء
غدق ينتّج في الأباطح فرّقاتلد السيول وما لها أسلاء
غرّ محجلة دوالح ضمّنتحمل اللقاح وكلّها عذراء
سحم فهنّ إذا كظمن سواجمسود وهنّ إذا ضحكن وضاء
لو كان من لجج السواحل ماؤهلم يبق في لجج السواحل ماء
وقال ابن دريد: أنشدنا أبو حاتم السجستاني وعبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه للحسين بن مطير الأسدي، وقال عبد الرحمن قال عمي: لو كان شعر العرب هكذا ما أثم منشده:
ألا حبّذا البيت الذي أنت هاجرهوأنت بتلماح من الطرف ناظره
لأنك من بيت لعينيّ معجبوأملح في عيني من البيت عامره
أصدّ حياء ان يلمّ بي الهوىوفيك المنى لولا عدو أحاذره
وفيك حبيب النفس لو تستطيعهلمات الهوى والشوق حين تجاوره
فإن آته لم أنج إلا بظنّةوإن يأته غيري تنط بي جرائره
وكان حبيب النفس للقلب واتراوكيف يحبّ القلب من هو واتره
فإن يكن الأعداء أحموا كلامهعلينا فلن تحمى علينا مناظره
أحبّك يا سلمى على غير ريبةولا بأس في حبّ تعفّ سرائره
ويا عاذلي لولا نفاسة حبّهاعليك لما باليت أنك خابره
بنفسي من لا بدّ أنّي هاجرهومن أنا في الميسور والعسر ذاكره
ومن قد لحاه الناس حتى اتقاهمببغضي إلا ما تجنّ ضمائره
أحبّك حبا لن أعنّف بعدهمحبّا ولكنّي إذا ليم عاذره
لقد مات قبلي أول الحبّ فانقضىولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره
كلامك يا سلمى وإن قلّ نافعيفلا تحسبي أني وإن قلّ حاقره
ألا لا أبالي أيّ حيّ تحملواإذا إثمد البرقاء لم يخل حاضره
وحدث المرزباني عن الأخفش قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب عن ابن الأعرابي لحسين بن مطير الأسدي:
لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوىعلى كبدي نارا بطيئا خمودها
ولو تركت نار الهوى لتصرّمتولكنّ شوقا كلّ يوم وقودها
وقد كنت أرجو أن تموت صبابتيإذا قدمت أيامها وعهودها
فقد جعلت في حبة القلب والحشاعهاد الهوى تولى بشوق يعيدها
بمرتجة الأرداف هيف خصورهاعذاب ثناياها عجاف قيودها
وصفر تراقيها وحمر أكفهاوسود نواصيها وبيض خدودها
مخصّرة الأوساط زانت عقودهابأحسن مما زيّنته عقودها
يمنّيننا حتى ترفّ قلوبنارفيف الخزامى بات طلّ يجودها
وفيهن مقلاق الوشاح كأنهامهاة بتربان طويل عقودها
وكنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت عنه أذودها
هل الله عاف عن ذنوب تسلّفتأم الله إن لم يعف عنها معيدها
وقال:
رأت رجلا أودى بوافر لحمهطلاب المعالي واكتساب المكارم
خفيف الحشا ضربا كأنّ ثيابهعلى قاطع من جوهر الهند صارم
فقلت لها لا تعجبنّ فإننيأرى سمن الفتيان إحدى المشائم
وأنشد له ابن قتيبة:
يضعّفني حلمي وكثرة جهلهمعليّ وأني لا أصول بجاهل
دفعتكم عنّي وما دفع راحةبشيء إذا لم تستعن بالأنامل
وأنشد له المبرد:
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها كبدا ليست بذات قروح
أباها عليّ الناس لا يشترونهاومن يشتري ذا علّة بصحيح
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع