تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

صدقة بن الحسن بن الحسين بن بختيار

أبو الفرج الحداد الناسخ البغدادي:

كان فقيها حنبليا، تفقّه على أبي الوفاء ابن عقيل، وسمع الحديث وحدّث، وأقرأ الناس الفقه والحساب وعلم الكلام، وكان قيما بجميع ذلك. مات سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وكان صدقة مع سعة حلمه محدودا خاملا يسكن في المسجد الذي بباب البدرية، وكان يتردد إليه عالم من الطالبيين، فيقرأون عليه فنون العلم. وكان مع ذلك لا يتقوت إلا من أجرة نسخه، وكان لا يؤبه إليه، فلما كان آخر أيامه جرت بين يدي الوزير عضد الدولة أبي الفتوح محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء وزير الإمام المستضيء مسألة في العلم، وهل هو واحد أم أكثر، وكان عنده جماعة من أهل العلم كأبي الفرج ابن الجوزي وغيره، فسألهم عن ذلك فكلّ كتب خطه أن العلم واحد، فلما فرغوا قال: نرى ها هنا من هو قيّم بهذا العلم غير هؤلاء؟

فقال له بعض الحاضرين: هاهنا رجل يعرف بصدقة الناسخ يعرف هذا الفن معرفة لا مزيد عليها، فنفّذ [رقعة] وفيها خطوط الفقهاء، وقال له: انظر في هذه، وقل ما عندك، فلما وقف عليها فكر طويلا متعجبا من اتفاقهم على ما لا أصل له، ثم أخذ القلم وكتب: العلم علمان علم غريزي، وعلم مكتسب، فأما الغريزي فهو الذي يدرك على الفور من غير فكرة كقولنا واحد وواحد، فهذا يعلم ضرورة أنه اثنان. وعلم مكتسب وهو ما يدرك بالطلب والفكرة والبحث، أو كلاما هذا معناه لأنه حدث بذلك مفاوضة. وأنفذ الخط إلى الوزير، فلما وقف عليه أعجب به، وقال: أين يكون هذا الرجل؟ فعرف حاله وفقره، فاستدعاه إليه، وتلقاه بالبشر، وخلع عليه خلعة حسنة، وأعطاه أربعين دينارا، ففرح فرحا عظيما، وقال: يا مولاي، قد حضرني بيتان، فقال له أنشدهما، فقال:

ومن العجائب والعجائب جمّةشكر بطيء عن ندى متسرّع
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «هو ذاك ربع المالكية فاربع»
ولقد دعوت ندى سواك فلم يجبفلأشكرنّ ندى أجاب وما دعي

فاستحسن ذلك منه، وما زال يبرّه إلى أن مات.

وحدث عنه العدل أبو يعلى ابن الفراء قال: دخلت إليه يوما قبل أن يموت بيسير، وإلى جانبه طبق مغطى، فقال لي: اكشف ذلك الطبق، وكشفته وإذا فيه دجاج مطبوخ ألوان وسنبوسج وحلاوة وغير ذلك من الأطعمة الطيبة، فقال: ما أراد الله ﷿ أن يبعث لي هذا، وأنا أقدر على أكله في أيام شبابي، وإنما بعثه إليّ الآن لأبصره حسرة.

وكان سيّء الاعتقاد تارة يميل إلى مذهب الفلاسفة وتارة يعترض على القضاء والقدر.

وقال أيو يعلى: كتب صدقة كتاب «الشفاء» لابن سينا فتغيّر اعتقاده، قال يوما: والله ما أدري من أين جاءوا بنا، ولا إلى أي مطبق يريدون أن يحملونا.

وحكى عنه أبو يعلى قال: كنت عنده فسمع صوت الرعد فقال: فوق خباط وأسفل خباط. قال أبو يعلى، وقال أبياتا أخذتها منه:

نظرت بعين القلب ما صنع الدهرفألفيته غرا وليس له خبر
فنحن سدى فيه بغير سياسةنروح ونغدو قد تكنفنا الشر
فلا من يحل الزيج وهو منجمولا من عليه الوحي ينزل والذكر
يحلّ لنا ما نحن فيه فنهتديوهل يهتدي قوم أضلهم السكر
عمى في عمى في ظلمة فوق ظلمةتراكمها من دونه يعجز الصبر

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.