من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عبد الله بن محمد، أبو العباس الناشىء
الشاعر المتكلّم المعروف بابن شرشير: أصله من الأنبار وسكن مصر وبغداد، وهو معدود في طبقة البحتري وابن الرومي، وله قصيدة نحو من أربعة آلاف بيت فيها فنون من العلم وهي على رويّ واحد وقافية واحدة. (قال ياقوت في «معجم الأدباء»): وقد قرأت بعض كتبه فدلّتني على هوسه واختلاطه لأنّه أخذ نفسه بالخلاف على أهل المنطق والشعر والعروضيّين وغيرهم، ورام أن يحدث لنفسه أقوالا ينقض بها ما هم عليه، فسقط في بغداد فلجأ إلى مصر وأقام بها بقيّة عمره إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين. قيل إنّ سبب موته كان عجبا، وهو أنّه كان في جماعة على شراب فجرى ذكر القرآن وعجيب نظمه فقال ابن شرشير: كم تقولون؟! لو شئت ... وتكلّم بكلام عظيم فأنكروا عليه ذلك فقال: إيتوني بقرطاس ومحبرة فأحضر له ذلك فقام ودخل بيتا فانتظروه، فلمّا طال انتظاره قاموا ودخلوا إليه فإذا القرطاس مبسوطا وإذا الناشىء فوقه ممتدّا فحرّكوه فإذا هو ميّت.
وكان السبب في تلقّبه بالناشىء أنّه دخل مجلسا فيه أهل الجدل فتكلّم فأحسن على مذهب المعتزلة فجوّد وقطع من ناظره فقام شيخ منهم فقبّل رأسه وقال: لا أعدمنا الله مثل هذا الناشىء أن يكون فينا فينشأ في كلّ وقت لنا مثله، فاستحسن أبو العباس هذا الاسم وتلقّب به.
ومن شعره:
بكت للفراق وقد راعنيبكاء الحبيب لبعد الديار
كأنّ الدموع على خدّهابقيّة طلّ على جلّنار
وله في داود بن عليّ الظاهري:
أقول كما قال الخليل بن أحمدوإن قست بين اللفظ واللفظ في الشعر
عذلت على ما لو علمت بقدرهبسطت مكان اللوم والعذل من عذري
جهلت ولم تدر بأنّك جاهلفمن لي بأن تدري بأنك لا تدري
وقال:
أشدد يديك بمن تهوى فما أحديمضي فيدرك حيّ بعده خلفا
واستعتب الحرّ إن أنكرت شيمتهفالحرّ يستأنف العتبى إذا أنفا
من ذا الذي نال حظّا دون صاحبهيوما فأنصفه في الودّ وانتصفا
قال محمد بن خلف بن المرزبان: اجتمع عندي أحمد بن أبي طاهر والناشىء ومحمد بن عروس، فدعوت لهم مغنية فجاءت ومعها رقيبة لم ير الناس أحسن منها، فلمّا شربوا أخذ الناشىء رقعة وكتب فيها:
فديتك لو أنّهم أنصفوكلردّوا النواظر عن ناظريك
تردّين أعيننا عن سواكوهل تنظر العين إلا إليك
وهم جعلوك رقيبا علينافمن ذا يكون رقيبا عليك
ألم يقرأوا ويحهم ما يرونمن وحي حسنك في وجنتيك
وقال الناشىء يصف أصحابه:
ولو شهدت مقاماتي وأنديتييوم الخصام وماء الموت مطّرد
في فتية لم يلاق الناس مذ وجدوالهم شبيها ولا يلقون إن فقدوا
مجاور والفضل أفلاك العلا سبل التقوى محلّ الهدى عمد النهى الوطد
كأنهم في صدور الناس أفئدةتحسّ ما أخطأوا فيها وما عمدوا
يبدون للناس ما تخفي ضمائرهمكأنهم وجدوا منها الذي وجدوا
دلّوا على باطن الدنيا بظاهرهاوعلم ما غاب عنهم بالذي شهدوا
مطالع الحقّ ما من شبهة غسقتإلا ومنها لديهم كوكب يقد
ومن شعر الناشىء:
وشادن ما تولّى وصفه أحدإلا تلجلج في الوصف الذي وصفا
يلوح في خدّه ورد على زهريعود من حسنه غضّا إذا قطفا
لا شيء أعجب من جفنيه إنهمالا يضعفان القوى إلا إذا ضعفا
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع