من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
عثمان بن جني أبو الفتح النحوي
وكان جني أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي: من أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وصنّف في ذلك كتبا أبرّ بها على المتقدمين وأعجز المتأخرين، ولم يكن في شيء من علومه أكمل منه في التصريف، ولم يتكلم أحد في التصريف أدقّ كلاما منه، ومات لليلتين بقيتا من صفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، في خلافة القادر، ومولده قبل الثلاثين وثلاثمائة؛ وهو القائل:
فإن أصبح بلا نسبفعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلىقروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقواأرمّ الدهر في الخطب
ألاك دعا النبيّ لهمكفى شرفا دعاء نبي
وحدث غرس النعمة أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن قال: حدثني أبي قال: كان من كتّاب الانشاء في أيام عضد الدولة وبعدها في أيام صمصام الدولة ابنه كاتب يعرف بأبي الحسين القمي، قال: وشاهدته في ديوان الإنشاء يكتب بين يدي جدي أبي إسحاق لما ولاه صمصام الدولة، فاتفق أن حضر يوما عند جدي أبي إسحاق أبو الفتح عثمان بن جني النحوي في الديوان، وجلس يتحدث مع جدي تارة ومعي- إذا اشتغل جدي- أخرى، وكانت له عادة في حديثه بأن يميل بشفته ويشير بيده، فبقي أبو الحسين القميّ شاخصا ببصره يتعجّب منه، فقال له ابن جني: ما بك يا أبا الحسين تحدّق إليّ النظر وتكثر مني التعجب؟ قال: شيء طريف، قال: ما هو؟
قال شبهت مولاي الشيخ وهو يتحدث ويقول ببوزه كذا وبيده كذا بقرد رأيته اليوم عند صعودي إلى دار المملكة وهو على شاطىء دجلة يفعل مثل ما يفعل مولاي الشيخ، فامتعض أبو الفتح وقال: ما هذا القول يا أبا الحسين أعزّك الله؟ ومتى رأيتني أمزح فتمزح معي أو أمجن فتمجن بي؟! فلما رآه أبو الحسين قد حرد واشتاط وغضب قال: المعذرة أيها الشيخ إليك وإلى الله تعالى عن أن أشبهك بالقرد وإنما شبهت القرد بك، فضحك أبو الفتح وقال: ما أحسن ما اعتذرت!! وعلم أبو الفتح أنها نادرة تشيع فكان يتحدث بها هو دائما.
قال: واجتاز أبو الفتح يوما وأبو الحسين في الديوان وبين يديه كانون فيه نار، والبرد شديد، فقال له أبو الحسين: تعال أيها الشيخ إلى النير فقال: أعوذ بالله، والنير هو صماد البقر.
وذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في «دمية القصر» فقال: ليس
لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له، ولا سيما في علم الاعراب، فقد وقع منها على ثمرة الغراب. ومن تأمّل مصنفاته، وقف على بعض صفاته، فو ربّي إنه كشف الغطاء عن شعره، وما كنت أعلم أنه ينظم القريض، أو يسيغ ذلك الجريض، حتى قرأت له مرثية في المتنبي أولها:
غاض القريض وأودت نضرة الأدبوصوّحت بعد ريّ دوحة الكتب
[منها]:
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسهلمّا تخطّفت بالخطيّة السّلب
ما زلت تصحب في الجلى إذا انشعبتقلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطرهتمطو بهمة لا وان ولا نصب
من للهواجل يحيي ميت أرسمهابكلّ جائلة التصدير والحقب
قبّاء خوصاء محمود علالتهاتنبو عريكتها بالجلس والقتب
أم من لبيض الظبا توكافهنّ دمأم من لسمر القنا والزّعف واليلب
أم للجحافل يذكي جمر جاحمهاحتى يقرّبها من جاحم اللهب
أم للمحافل إذ تبدو لتعمرهابالنظم والنثر والأمثال والخطب
أم للصواهل محمرّا سرابلهامن بعد ما غبرت معروفة الشهب
أم للمناهل والظلماء عاكفةتواصل الكرّ بين الورد والقرب
أم للقساطل تعتمّ الحزون بهاأم من لضغم الهزبر الضيغم الحرب
أم للملوك تحلّيها وتلبسهاحتى تمايس في أبرادها القشب
نابت وسادي أطراب تؤرّقنيلما غدوت لقى في قبضة النوب
عمرت خدن المساعي غير مضطهدكالنصل لم يدّنس يوما ولم يعب
فاذهب عليك سلام المجد ما قلقتخوص الركائب بالأكوار والشعب
وحدث أبو الحسن الطرائفي قال: كان أبو الفتح عثمان بن جني يحضر بحلب عند المتنبي كثيرا ويناظره في شيء من النحو من غير أن قرأ عليه شيئا من شعره أنفة وإكبارا لنفسه، وكان المتنبي يقول في أبي الفتح: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس.
وسئل المتنبىء بشيراز عن قوله:
وكان ابنا عدوّ كاثراهله ياءي حروف أنيسيان
فقال: لو كان صديقنا أبو الفتح حاضرا لفسّره.
وحدث أبو إسحاق إبراهيم بن علي الحصري في «كتاب النورين»: وقال بعض أهل العصر وهو أبو الفتح عثمان بن جني النحوي:
غزال غير وحشيّحكى الوحشيّ مقلته
رآه الورد يجني الورد فاستكساه حلّته
وشمّ بأنفه الريحان فاستهداه زهرته
وذاقت ريحه الصهباءفاختلسته نكهته
وكان أبو الفتح ابن جني ممتّعا باحدى عينيه، فلذلك يقول في صديق له:
صدودك عنّي ولا ذنب ليدليل على نية فاسده
فقد وحياتك مما بكيتخشيت على عيني الواحده
ولولا مخافة أن لا أراكلما كان في تركها فائده
وحدثت أنه صحب أبا علي الفارسي أربعين سنة، وكان السبب في صحبته له أن أبا علي اجتاز بالموصل، فمرّ بالجامع وأبو الفتح في حلقة يقرىء النحو وهو شابّ، فسأله أبو علي عن مسألة في التصريف فقصّر فيها، فقال له أبو علي: زبّبت قبل أن تحصرم، فسأل عنه فقيل له: هذا أبو علي الفارسي، فلزمه من يومئذ واعتنى بالتصريف، فما أحد أعلم منه به، ولا أقوم بأصوله وفروعه، ولا أحسن أحد إحسانه في تصنيفه. فلما مات أبو علي تصدر أبو الفتح في مجلسه ببغداد فأخذ عنه الثمانيني وعبد السلام البصري وأبو الحسن السمسمي.
وكان لابن جني من الولد عليّ وعال وعلاء، وكلهم أدباء فضلاء قد خرّجهم والدهم وحسّن خطوطهم، فهم معدودون في الصحيحي الضبط وحسن الخط.
ومن «كتاب سرّ السرور» لأبي الفتح ابن جني:
رأيت محاسن ضحك الربيعأطال عليها بكاء السحاب
وقد ضحك الشيب في لمتيفلم لا أبكّي ربيع الشباب
أأشرب في الكأس كلا وحاشالأبصره في صفاء الشراب
وأنشد له:
تجبّب أو تدرّع أو تقبّافلا والله لا أزداد حبّا
أخذت ببعض حبك كلّ قلبيفان رمت المزيد فهات قلبا
قرأت بخط أبي علي ابن إبراهيم الصابىء: ولأبي نصر بشر بن هارون في ابن جني النحوي، وقد جرى بينه وبينه في معنى شيطان يقال إنه يظهر بالراية اسمه العدار، وإذا لقي إنسانا وطئه، فقال له ابن جني: بودك لو لقيك فإنه إن كان لأمنيتك، فقال أبو نصر:
زعمت أن العدار خدنيوليس خدنا لي العدار
عفر من الجنّ أنت أولىبه وفيهم لك افتخار
فالجنّ جنّ ونحن إنسشتان هذان يا حمار
ونحن من طينة خلقناما خلق الجن منه نار
العرّ والعار فيك تمّاوالعور التام والعوار
ونقل من خط أبي الفتح ابن جني خطبة نكاح من إنشائه: الحمد لله فاطر السماء والأرض، ومالك الإبرام والنقض، ذي العزة والعلاء، والعظمة والكبرياء، مبتدع الخلق على غير مثال، والمشهود بحقيقته في كل حال، الذي ملأت حكمته القلوب نورا، فاستودع علم الأشياء كتابا مسطورا، وأشرق في غياهب الشبه خصائص نعوته، واغترقت أرجاء الفكر بسطة ملكوته؛ أحمده حمد معترف بجزيل نعمه، وأخاطبه ملتبسا بسنيّ قسمه، وأعاطيه وأومن به في السرّ والعلن، واستدفع بقدرته ملمات الزمن، وأستعينه على نوازل الأمور، وادّارأه في نحر كلّ محذور، وأشهد شهادة تخضع لعلوها السموات وما أظلّت، وتعجز عن حملها الأرضون وما أقلّت، إنه مالك يوم البعث والمعاد، والقائم على كلّ نفس بالمرصاد، وأن لا معبود سواه، ولا إله إلّاه، وأنّ محمدا ﷺ، وبجّل وكرّم، عبده المنتخب، وحجته على العجم والعرب، ابتعثه بالحقّ إلى أوليائه ضياء لامعا، وعلى المرّاق من أعدائه شهابا ساطعا، فابتذل في ذات الله نفسه وجهدها، وانتحى مناهج الرشد وقصدها، مستسهلا ما يراه الأنام صعبا، ومستخصبا ما يرعونه بينهم جدبا. يغافس أهل الكفر والنفاق، ويمارس البغاة وأولي الشقاق، بقلب غير مذهول، وعزم غير مفلول، يستنجز الله صادق وعده، ويسعى في خلود الحقّ من بعده، إلى أن وطد بواني الدين وأرساها، وشاد شرف الاسلام وأسماها، فصرّم مدته التي أوتيها في طاعة الله موفّقا حميدا، ثم انكفأ إلى خالقه مطمئنا به فقيدا، صلى الله عليه ما ومض في الظلام برق، أو نبض في الأنام عرق، وعلى الخيرة المصطفين من آله، والمقتدين بشرف فعاله.
وإن مما أفرط الله تعالى به سابق حكمه، وأجرى بكونه قلم علمه، ليضمّ بوقوعه متباين الشمل، ويزمّ به شارد الفرع إلى الأصل، أن فلان بن فلان، وهو كما يعلم من حضر، من ذوي الستر وصدق المختبر، مسجوح الخليقة، مأمون الطريقة، متمسك بعصام الدين، آخذ بسنّة المسلمين، خطب للأمر المحموم، والقدر المحتوم، من فلان بن فلان الظاهر العدالة والعفاف، أهل البرّ وحسن الكفالة والكفاف، عقيلته فلانة بنت فلان خيرة نسائها، وصفوة آبائها، في زكاء منصبها، وطيب مركّبها، وقد بذل لها من الصداق كذا وكذا فليشهد على ذلك أهل مجلسنا، وكفى بالله شهيدا (ثم تقريرهما) ثم يقال: لاءم الله على التقوى كلمتيكما، وأدم بالحسنى بينكما، وخار لكما فيما قضى، ولا ابتزّكما صالح ما كسا. وهو حسبنا وكفى.
قرأت بخط الشيخ أبي منصور موهوب بن الخضر الجواليقي ﵀، أنشدنا الشيخ الامام أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي قال: أنشدنا عال بن عثمان بن جني، قال أنشدنا أبي لنفسه:
وحلو شمائل الأدبمنيف مراتب الحسب
أخي فخر مفاخرهعقائل عقلة الإرب
له كلف بما كلفتبه العلماء م العرب
يبيت يفاتش الأنقاب عن أسرارها الغيب
فمن جدد الى جلدالى صعد إلى صبب
ويسرب في مغابنهابضيض رواشح الثّغب
ويفرع فكره الأبكار منها من حمى الحجب
فيبرزها كأنّ بهاوإن خفيت سنا لهب
يغازل من تأمّلهاغزال الخرّد العرب
يجدّ بها وتحسبهللطف الفكر في لعب
سباطة مذهب سكبتعليه ماءة الذهب
ورقّة مأخذ شهدتبغلظة كلّ منتجب
وطردا للفروع علىأصول وطّد رتب
إذا ما انحطّ غائرهاسما فرعا على الرتب
قياسا مثل ما وقدتبليل برزة الشهب
وألفاظا مهدّبةالحواشي ثرّة السحب
فطورا من ذرى علموطورا من ذرى طنب
إذا حازت لنا سلبافعدّ عن القنا السّلب
تركت مساجلي أدبيطوال الدهر في تعب
إذا أجروا إلى أمدفقل في هافة لغب
وإن راموا مبادهتيسبقت وأوطأوا عقبي
وكيف يروم منزلتينزيل أخابث الترب
وهل يسمو لفارعتيخفيض الخدّ ذو حدب
وهل ينتاط بي سبباضعيف معاقد السبب
أغرة وجه سابقهاتقاس بشعلة الذنب
شكرت الله نعمتهوما أولاه من أرب
زكت عندي صنائعهفوفقني وأحسن بي
تخوّلني وخوّلنيونوّلني ونوّه بي
وأخّر من يقادمنيوأعلاني وأرغم بي
فيا بأبي منائحهوقلّ لهن يا بأبي
ضفون عليّ عطف علابرفل جدّ منسحب
فإن أصبح بلا نسبفعلمي في الورى نسبي
على أني أؤول إلىقروم سادة نجب
قياصرة إذا نطقواأرمّ الدهر ذو الخطب
أولاك دعا النبيّ لهمكفى شرفا دعاء نبي
وإما فاتني نشبكفاني ذاك من نشب
وإن اركب مطا سفرمجدّ الورد والقرب
كأني مخلد خلفايضاوي الشمس من كثب
إذا لم يبق لي عقبأقامت خير ما عقب
موشحة مرشحةلنيل الغاي من كثب
يصمّ صدى الحسود لهاويخرق أطرق الركب
إذا اهتزت كتائبهاهفت خفاقة العذب
أزول وذكرها باقعلى الأيام والحقب
تناقلها الرواة لهاعلى الأجفان من حدب
فيرتع في أزاهرهاملوك العجم والعرب
فمن مغن الى مدنالى مثن الى طرب
كفاها أن يقول لهابهاء الدولة اقتربي
إلى الله المصير غداوعند الله مطلبي
له ظهري ومعتمليومتّجهي ومنقلبي
فقل للغامطي نعميوما راعيت من قربي
وتثميري وتنشئتيومحتالي ومضطربي
ونهضي عنك أطعن فينحور أوابد النوب
ورفعي من رذائلك اللواتي بعضها سببيولولا أنت كان أديم مأثرتي بلا ندب
ألمّا أن أشرت واننزت بك بطنة الكلب
وأكرمك الأكابر ليوخالطت الأماثل بي
ورفّعت الذلاذل عنمعاطف تائه حرب
وأنسيت الأوائل بالأواخر نزقة العجب
وقلت أنا وأين أناومن مثلي وحسبك بي
وقال لي الوزير: هناوأدناني ورحّب بي
وقدّمني ولقّمنيووسّطني وصدّر بي
أسأت جوار عارفتيفثق بطوارق العقب
وحسبي أن ألم ببكر مثلك جارحا حسبي
ولكن الدواء علىكراهته شفا الوصب
حدث أبو الحسن الطرائفي ببغداد قال: كان أبو الفتح عثمان بن جني في حلب يحضر عند المتنبي الكثير ويناظره في شيء من النحو من غير أن قرأ عليه ديوان شعره إكبارا لنفسه عن ذلك، وكان المتنبي يعجب بأبي الفتح وذكائه وحذقه ويقول: هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس؛ وسئل أبو الطيب بشيراز عن قوله:
وكان ابنا عدو كاثراهله ياءي حروف أنيسيان
فقال: لو كان صديقنا أبو الفتح ابن جني حاضرا فسّره. قلت: وتفسيره أن لفظة إنسان خمسة أحرف إذا كانت مكبرة، فإذا صغر قيل أنيسيان، فزاد عدد حروفه وصغر معناه، فيقول للممدوح ان عدوك الذي له ابنان فيكاثرك بهما كانا زائدين في
عدده ناقصين من فضله وفخره لأنهما ساقطان خسيسان كياءي أنيسيان تزيدان في عدد الحروف وتنقصان من معناه.
قرأت بخط الشيخ ابي منصور ابن الجواليقي قال لنا أبو زكرياء: رأيت بخط ابن جني، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد القرميسيني عن أبي بكر محمد بن هارون الروياني عن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني قال: قرأ عليّ أعرابي «طيبى لهم وحسن مآب» فقلت: «طوبى»، فقال: «طيبى» فقلت ثانيا: «طوبى»، فقال:
«طيبى» فلما طال عليّ قلت «طوطو»، فقال: الأعرابي: «طي طي»، أما ترى إلى هذه النحيزة ما أبقاها وأشد محافظة هذا البدوي عليها حتى إذا استكره على تركها فأبى إلا إخلادا إليها، ونحو ذلك قال عمار الكلبي وقد أنشد بعض أهل الأدب بيتا قاله، وهو:
بانت نعيمة والدنيا مفرقةوحال من دونها غيران مزعوج
فقيل له: لا يقال مزعوج، إنما يقال مزعج، فجفا ذلك عليه وقال يهجو النحويين:
ماذا لقينا من المستعربين ومنقياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
إن قلت قافية بكرا يكون بهابيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا لحنت وهذا ليس منتصباوذاك خفض وهذا ليس يرتفع
وحرّضوا بين عبد الله من حمقوبين زيد فطال الضرب والوجع
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهموبين قوم على إعرابهم طبعوا
ما كلّ قولي مشروحا لكم فخذواما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا
لان أرضي أرض لا تشبّ بهانار المجوس ولا تبنى بها البيع
قال ابن جني: وعلى نحو ذلك فحضرني قديما بالموصل أعرابي عقيلي جوثيّ تميمي يقال له محمد بن العساف الشجري، وقلّما رأيت بدويا أفصح منه،
فقلت له يوما، شغفا بفصاحته والتذاذا بمطاولته وجريا على العادة معه في إيقاظ طبعه واقتداح زند فطنته: كيف تقول: «أكرم أخوك أباك». فقال كذاك، فقلت له:
أفتقول «أكرم أخوك أبوك» فقال: لا أقول «أبوك» أبدا؛ قلت فكيف تقول:
«أكرمني أبوك» فقال: كذاك، قلت ألست تزعم أنك لا تقول «أبوك» أبدا؟ فقال:
أيش هذا، اختلفت جهتا الكلام. فهل قوله «اختلفت جهتا الكلام» إلا كقولنا نحن «هو الآن فاعل وكان في الأول مفعولا» فانظر إلى قيام معاني هذا الأمر في أنفسهم وإن لم تطع به عبارتهم.
أخبرني أبو علي عن أبي بكر عن أبي العباس قال: سمعت عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقرأ «ولا الليل سابق النهار» فقلت له: ما أردت؟ قال:
أردت «سابق النهار». فقلت له: فهلا قلته؟ فقال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى وأفصح. ففي هذه الحكاية من فقه العربية ثلاثة أشياء: أحدها أنهم قد يراعون من معانيهم ما ننسبه إليهم ونحمله عليهم، والثاني أنهم قد ينطقون بالشيء وفي أنفسهم غيره، ألا ترى أنه لما نصّ أبو العباس عليه واستوضح ما عنده قال: «أردت كذا» وهو خلاف ما لفظ به، والثالث أنهم قد ينطقون بالشيء غيره أقوى منه استلانة وتخفيفا، ألا تراه كيف قال: لو قلته لكان أوزن، أي أقوى وأعرب.
قال ابن جني: وسألت الشجريّ صاحبنا هذا الذي قد مضى ذكره، قلت له:
كيف يا أبا عبد الله تقول: «اليوم كان زيد قائما» فقال: كذلك، فقلت: فكيف تقول «اليوم انّ زيدا قائم» فأباها البتة، وذلك أن ما بعد «إن» لا يعمل فيما قبلها لأنها إنما تأتي أبدا مستقبلة قاطعة لما قبلها عما بعدها وما بعدها عما قبلها.
قلت له يوما ولابن عم له يقال غصن، وكان أصغر منه سنّا وألين لسانا: كيف تحقّران «حمراء» ؟ فقالا: «حميراء»، قلت: «فصفراء» ؟ قالا: «صفيراء» قلت: «فسوداء» ؟ قالا «سويداء»، واستمررت بهما في نحو هذا فلما استويا عليه دسست بين ذلك «علباء» فقلت «فعلباء» ؟ فأسرع ابن عمه على طريقته فقال
«عليباء»، وكاد الشجريّ يقولها معه، فلما همّ بفتح الباء استرجع مستنكرا فقال: اه «عليبي» وأشمّ الضمة دائما للحركة في الوقف وتلك عادة له.
قال ابن جني: فسألته يوما يا أبا عبد الله كيف تجمع محرنجما؟ وكان غرضي من ذلك أن أعلم ما يقوله أيكسر فيقول حراجم أم يصحّح فيقول محرنجمات، فذهب هو مذهبا غير ذين فقال: وايش فرّقه حتى أجمعه، وصدق، وذلك أنّ المحرنجم هو المجتمع، يقولها مارا على شكيمته غير محسّ لما أريده منه، والجماعة معي على غاية الاستغراب لفصاحته، قلت له: فدع هذا، إذا أنت مررت بابل محرنجمة، وأخرى محرنجمة، وأخرى محرنجمة، تقول مررت بابل ماذا؟ فقال، وقد أحس الموضع: يا هذا هكذا أقول: مررت بابل محرنجمات، وأقام على الصحيح البتة استيحاشا من تكسير ذوات الأربعة لمصاقبتها ذوات الخمسة التي لا سبيل إلى تكسيرها لا سيما إذا كان فيها زيادة، والزيادة قد تعتدّ في كثير من المواضع اعتداد الأصول، حتى إنها لتلزم لزومها نحو كوكب وحوشب وضيون وهزنبران ودودرى وقرنفل، وهذا موضع يحتاج إلى إصغاء إليه وإرعاء عليه، والوقت لتلاحمه وتقارب أجزائه مانع منه، ويعين الله فيما يليه على المعتقد المنوي فيه بقدرته.
وسألته يوما كيف تجمع سرحانا؟ فقال سراحين، قلت: فدكانا، قال دكاكين، قلت: فقرطانا، قال: قراطين، قلت: فعثمان، قال: عثمانون، قلت: هلا قلت عثامين كما قلت سراحين وقراطين؟ فأباها البتة وقال: أيش ذا، أرأيت انسانا يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبدا، استوحش من تكسير العلم إكبارا له لا سيما وفيه الألف والنون اللتان بابهما فعلان الذي لا يجوز فيه فعالين نحو سكران وغضبان.
فهرست كتب ابن جنيّ:
كتب ابن جني إجازة بما صورته. بسم الله الرّحمن الرّحيم: قد أجزت للشيخ أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن نصر- أدام الله عزه- أن يروي عني مصنفاتي وكتبي مما صححه وضبطه عليه أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري- أيد الله عزه:
عنده منها كتابي الموسوم بالخصائص وحجمه ألف ورقة. وكتابي التمام في تفسير
أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري ﵀ وحجمه خمسمائة ورقة بل يزيد على ذلك. وكتابي في سرّ الصناعة وهو ستمائة ورقة.
وكتابي في تفسير تصريف أبي عثمان بكر بن محمد بن بقية المازني وحجمه خمسمائة ورقة. وكتابي في شرح مستغلق أبيات الحماسة واشتقاق أسماء شعرائها ومقداره خمسمائة ورقة. وكتابي في شرح المقصور والممدود عن يعقوب بن إسحاق السكيت وحجمه أربعمائة ورقة. وكتابي في تعاقب العربية وأطرف به وحجمه مائتا ورقة. وكتابي في تفسير ديوان المتنبي الكبير وهو ألف ورقة ونيف. وكتابي في تفسير معاني هذا الديوان وحجمه مائة ورقة وخمسون ورقة. وكتابي اللمع في العربية وان كان لطيفا. وكذلك كتابي مختصر التصريف على إجماعه. وكتابي مختصر العروض والقوافي. وكتاب الألفاظ المهموزة. وكتابي في اسم المفعول المعتل العين من الثلاثي على إعرابه في معناه وهو المقتضب. وما بدأت بعمله من كتاب تفسير المذكر والمؤنث ليعقبوب أيضا أعان الله على إتمامه. وكتاب ما خرّج عني من تأييد التذكرة عن الشيخ أبي علي أدام الله عزه. وكتابي في المحاسن في العربية وإن كان ما جرى أزال يدي عنه حتى شذ عنها ومقداره ستمائة ورقة. وكتابي النوادر الممتعة في العربية وحجمه ألف ورقة، وقد شذّ أيضا أصله عني فإن وقعا كلاهما أو شيء منهما فهو لا حق بما أجزت روايته هنا. وكتاب ما أحضرنيه الخاطر من المسائل المنثورة مما أمللته أو حصل في آخر تعاليقي عن نفسي وغير ذلك مما هذه حاله وصورته. فليرو-
أدام الله عزه- ذلك عني أجمع إذا صحّ عنده وأنس بتثقيفه وتسديده، وما صح عنده أيده الله من جميع رواياتي مما سمعته من شيوخي ﵏ وقرأته عليهم بالعراق والموصل والشام وغير هذه البلاد التي أتيتها وأقمت بها مباركا له فيه منفوعا به بإذن الله؛ وكتب عثمان بن جني بيده حامدا لله سبحانه في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع وثمانين وثلاثمائة.
والحمد لله حق حمده عودا على بدء.
ومن كتبه ما لم تتضمنه هذه الاجازة: كتاب المحتسب في شرح الشواذ.
وكتاب تفسير أرجوزة أبي نواس. وكتاب تفسير العلويات وهي أربع قصائد للشريف الرضي كل واحدة في مجلد وهي: قصيدة رثى بها أبا طاهر إبراهيم بن ناصر الدولة أوّلها:
ألقي الرماح ربيعة بن نزارأودى الردى بقريعك المغوار
ومنها قصيدته التي رثى بها الصاحب بن عباد وأولها:
أكذا المنون تقنطر الأبطالاأكذا الزمان يضعضع الأجبالا
وقصيدته التي رثى بها الصابىء وأولها:
أعلمت من حملوا على الأعوادأرأيت كيف خبا زناد النادي
وكتاب البشرى والظفر صنعه لعضد الدولة ومقداره خمسون ورقة في تفسير بيت واحد من شعر عضد الدولة:
أهلا وسهلا بذي البشرى ونوبتهاوباشتمال سرايانا على الظفر
وكتاب رسالة في مدد الأصوات ومقادير المدات كتبها إلى أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد الطبري مقدارها ست عشرة ورقة بخط ولده عالي. كتاب المذكر والمؤنث. كتاب المنتصف. كتاب مقدمات أبواب التصريف. وكتاب النقض على ابن وكيع في شعر المتنبي وتخطئته. كتاب المغرب في شرح القوافي. كتاب الفصل بين الكلام الخاصّ والكلام العامّ. كتاب الوقف والابتداء. كتاب الفرق. كتاب المعاني المجرّدة. كتاب الفائق. كتاب الخطيب. كتاب مختار الأراجيز. وكتاب ذي القد في النحو. وكتاب شرح الفصيح. وكتاب شرح الكافي في القوافي.
وجد على ظهر نسخة ذكر ناسخها أنه وجد بخط أبي الفتح عثمان بن جني، ﵀، على ظهر نسخة «كتاب المحتسب في علل شواذّ القراءات»: أخبرني بعض من يعتادني للقراءة عليّ والأخذ قال: رأيتك في منامي جالسا في مجلس لك على حال كذا وبصورة كذا، وذكر من الجلسة والشارة جملا وإذا رجل له رواء ومنظر وظاهر نبل وقدر قد أتاك، فحين رأيته أعظمت مورده وأسرعت القيام له، فجلس في صدر مجلسك وقال لك: اجلس، فجلست، فقال كذا (شيئا ذكره) ثم قال لك: أتمم كتاب الشواذ الذي عملته فإنه كتاب يصل إلينا، ثم نهض، فلما ولّى سألت بعض من كان معه عنه فقال: علي بن أبي طالب ﵇، ذكر هذا الرائي لهذه الرؤيا لي، وقد بقيت من نواحي هذا الكتاب أميكنات تحتاج إلى معاودة نظر وأنا على الفراغ منها. وبعده ملحق في الحاشية بخطه أيضا: ثم عاودتها فصحّت بلطف الله ومشيئته. تمت الحكاية.
وقرأت بخط الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي، أنشدني الرئيس أبو منصور ابن دلال، قال أنشدنا أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي، قال أنشدني أبو العباس محمد بن الفضل بن محمد القصباني النحوي البصري بها لابن الزمكدم
الموصلي يهجو أبا الفتح ابن جني النحوي:
يا أبا الفتح قد أتيناك للتدريس والعلم في فنائك رحب
فوجدنا فتاة بيتك أنحىمنك والنحو مؤثر مستحب
قدماها مرفوعة وهي خفضفلم الأير فاعل وهو نصب
مذهب خالفت شيوخك فيهفهي تصبي به الحليم وتصبو
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع