من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن منصور بن طالب الحلبي الملقب دوخلة
يعرف بابن القارح:
يكنى أبا الحسن، قال ابن عبد الرحيم: هو شيخ من أهل الأدب شاهدناه ببغداد راوية للأخبار وحافظا لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قؤوما بالنحو، وكان ممن خدم أبا عليّ الفارسي في داره وهو صبي، ثم لازمه وقرأ عليه- على زعمه- جميع كتبه وسماعاته، وكانت معيشته من التعليم بالشام ومصر، وكان يحكي أنه كان مؤدبا لأبي القاسم المغربي الذي وزر ببغداد لقاه الله سيّء أفعاله كذا قال، وله فيه هجو كثير، وكان يذمّه ويعدّد معايبه. وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خاليا من الطلاوة، وكان آخر عهدي به بتكريت في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا وأقام عندنا مدة، ثم توجه إلى الموصل وبلغتني وفاته من بعد، وكان يذكر أن مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة ولم يتزوج ولا أعقب، وجميع ما أورده من شعره مما أنشدنيه لنفسه، فمنه في الشمعة:
لقد أشبهتني شمعة في صبابتيوفي طول ما ألقى وما أتوقّع
نحول وحرق في فناء ووحدةوتسهيد عين واصفرار وأدمع
ومنه في هجو المغربي:
لقبت بالكامل سترا علىنقصك كالباني على الخصّ
فصرت كالكنف إذا شيدتبيّض أعلاهنّ بالجص
يا عرّة الدنيا بلا غرّةويا طويس الشؤم والحرص
قتلت أهليك وأنهبت بيت الله بالموصل تستعصي
وله في المداعبة:
أين من كان يوضع الأير إجلالا على الرأس عنده ويباس
أين من كان عارفا بمقادير الأيور الكبار مات الناس
وله:
يا رمحها العسّال بل يا سيفها القصّال نارك ليس تخبو
يا عاقد المنن الرغابعلى الرقاب لهن سحب
كفروك ما أوليتهموالربّ يشكر ما تربّ
وسئل أن يجيز قول الشاعر:
لعلّ الذي تخشاه يوما به تنجوويأتيك ما ترجوه من حيث لا ترجو
فقال:
فثق بحكيم لا مردّ لحكمهفما لك في المقدور دخل ولا خرج
وكان بينه وبين الكسروي مهاترة ومهاجاة ومماظة فمن قوله فيه:
إذا الكسروي بدا مقبلاوفي يده ذيل دراعته
وقد لبس العجب مستنوكايتيه ويختال في مشيته
فلا يمنعنّك بأواؤهضراطا يقعقع في لحيته
وله:
الصيمريّ دقيق الفكر في اللقميقول كم عندكم لون وكم وكم
يسعى إلى من يرى إكثاره وكذايراه ذاك وما هذاك من عدم
يلقى الوعيد بما يلقى الحشوش بهوذاك والله بخل ليس بالأمم
قال وحدثني قال: كنت أؤدب ولدي الحسين بن جوهر القائد بمصر وكانا مختصين بالحاكم وآنسين به، فعملت قصيدة وسألت المسمّى منهما جعفرا وكان من أحسن الناس وجها، ويقال إن الحاكم كان يميل إليه، أن يوصلها ففعل وعرضها عليه، فقال: من هذا؟ فقال: مؤدبي، قال: يعطى الف دينار، واتفق أن المعروف بابن مقشر الطبيب كان حاضرا، فقال لا تثقلوا على خزائن أمير المؤمنين يكفيه
النصف، فأعطيت خمسمائة دينار، وحدثني ابن جوهر بالحديث، وكانت القصيدة على وزن منهوكة أبي نواس أقول فيها:
إن الزمان قد نصربالحاكم الملك الأغرّ
في كفّه عضب ذكرفقد غدا على القصر
من غرة على غرريمضي كما يمضي القدر
في سرعة الطرف نظرأو السحاب المنهمر
بادر إنفاق البدربدر إذا لاح بهر
وهي طويلة، واتفق أن الطبيب المذكور لحقته بعد هذا بأيام شقفة، وهي التي تسمى التراقي، ويقال لها قملة النسر أيضا، فمات منها وكان نصرانيا فقلت:
لما غدا يستخفّ رضوىتيها وكبرا لجحد ربّه
أصماه صرف الردى بسهمعاجله قبل وقت نحبه
بشقفة بين منكبيهرشاؤها في قليب قلبه
قال عبد الله الفقير اليه مؤلف الكتاب: وعلي بن منصور هذا يعرف بابن القارح، وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح، فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران، وذكر اسمه فيها.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع