من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
علي بن مهدي بن علي بن مهدي الكسروي
أبو الحسن الأصفهاني معلم ولد أبي السحن علي بن يحيى بن المنجم: أحد الرواة العلماء النحويين الشعراء، مات في أيام بدر المعتضدي على أصبهان. قال حمزة: علي بن مهدي الكسروي وهو ابن
أخت علي بن عاصم بن الحريش، وكان متصلا ببدر المعتضدي، وفي أيامه مات، يعني أيامه على أصبهان، وكان قد ولي أصبهان سنة ثلاث وثمانين ومائتين أيام المعتضد إلى أن ولي ابنه المكتفي سنة تسع وثمانين ومائتين.
قال ابن أبي طاهر: وكان الكسروي أديبا ظريفا حافظا رواية شاعرا عالما ب «كتاب العين» خاصة، وكان يؤدب هارون بن علي بن يحيى النديم واتصل بأبي النجم المعتضدي مولى المعتضد وتوفي في خلافته.
وذكره المرزباني فقال: حدثني علي بن هارون عن أبيه وعمه قالا: كان أبو الحسن علي بن يحيى بن المنجم جالسا يوما وبحضرته من لا يخلو مجلسه منه من الشعراء كأحمد بن أبي طاهر وأحمد بن أبي فنن وأبي علي البصير وأبي هفان المهزمي والهدادي- وهو ابن عمه أي أبي هفان- وابن العلاف وأبي الطريف وأحمد بن أبي كامل خال ولد أبي الحسن وعلي بن مهدي الكسروي، وكان معلم ولده، فأنشد الجماعة بيتا ذكر أنه مر به مفردا فاستحسنه وأحبّ أن يضاف إليه بيت آخر يصل معناه ويزيد في الامتاع به وهو:
ليهنك أني لم أجد لك عائباسوى حاسد والحاسدون كثير
فبدره علي بن مهدي من بين الجماعة وقال:
وأنك مثل الغيث أما وقوعهفخصب وأما ماؤه فطهور
فاستحسنه أبو الحسن وضمّه إلى البيت الأول، وكان أبو العنبس ابن حمدون حاضرا فقال له: الصنعة فيهما عليك فطلب عودا وانفرد فصنع فيه رمله المشهور.
وحدث عن الصولي قال: كتب عبد الله بن المعتز إلى علي بن مهدي الأصبهاني:
وما نازح بالصين أدنى محلّهيقصّر عنه كلّ ماش وطائر
محا اليأس منه كلّ ذكر فلم تكدتصوّره للقلب أيدي الخواطر
بأبعد عندي من أناس وإن دنواوما البعد إلا مثل طول التهاجر
ويشغل عني القصف والراح بعضهممباكرها أو ممسيا كمباكر
إذا طار بين العود والناي طيرةفليس لإخوان الصفاء بذاكر
قال فأجابه علي بن مهدي:
أيا سيدي عفوا وحسن إقالةفلم يحو أقطار العلا مثل غافر
لعمري لو أنّ الصين أدنى محلّتيلما كنت إلا غائبا مثل حاضر
ثنائي لكم عمري ومحض مودتيتؤثر آثار الغيوث البواكر
وو الله ما استبهجت بعدك مجلساولا بقيت لذاته في ضمائري
ولست كمن يثنيه أهل صفائهسماع الحسان واصطخاب المزاهر
وكيف تناسي سيد لي ثناؤهمنوط بأحشائي وسمعي وناظري
وحدث عن عبد الله بن يحيى العسكري عن أحمد بن سعيد الدمشقي قال:
كتب عبد الله بن المعتز إلى علي بن مهدي الكسروي:
يا باخلا بكتابه ورسولهأأردت تجعل في الفراق فراقا
إن العهود تموت إن لم تحيهاوالنأي يحدث للفتى إخلاقا
قال فكتب إليه علي بن مهدي:
لا والذي أنت أسنى من أمجّدهعندي وأوفاهم عهدا وميثاقا
ما حلت عن خير ما قد كنت تعهدهولا تبدلت بعد النأي أخلاقا
لكن عجزي عن نعماك أفحمنيفانقدت للعجز مغلوبا ومشتاقا
وحدث عن علي عن عبد الله بن المعتز قال: كتب إليّ علي بن مهدي الكسروي في يوم مهرجان:
نعمت بما تهوى ونلت الذي ترضىولقّيت ما ترجو ووقّيت ما تخشى
ولست بما ألقى من الخير كلّهأسرّ وأحظى سيدي بالذي تلقى
ويعلم علّام الخفيّات أننيأعدّك ذخرا للممات وللمحيا
وأني لو أهدي على قدر نيتيلكان الذي أهديه حظي من الدنيا
وحدث عن العسكري عن ابن سعيد الدمشقي قال: كتب عبد الله بن المعتز
إلى علي بن مهدي:
أبا حسن أنت ابن مهديّ فارسفرفقا بنا لست ابن مهديّ هاشم
وأنت أخ في يوم لهو ولذةولست أخا عند الأمور العظائم
فأجابه عليّ:
أيا سيدي إنّ ابن مهديّ فارسفداء ومن يهوى لمهديّ هاشم
بلوت أخا في كلّ أمر تحبّهولم تبله عند الأمور العظائم
وانك لو نبّهته لملمةلأنساك صولات الأسود الضراغم
قال، وقال محمد بن داود: كان علي بن مهدي يؤدّب، وهو أحد الرواة للأخبار، وهو القائل:
ولما أبي أن يستقيم وصلتهعلى حالتيه مكرها غير طائع
حذارا عليه أن يميل بودّهفأبلى بقلب لست عنه بنازع
فأصبح كالظمآن يهريق ماءهكضوء سراب في المهامه لامع
فلا الماء أبقى للحياة ولا أتىعلى منهل يجدي عليه بنافع
وله:
ومودّع يوم الفراق بلحظهشرق من العبرات ما يتكلّم
متقلّب نحو الحبيب بطرفهلا يستطيع إشارة فيسلّم
نطق الضمير بما أرادا عنهماوكلاهما مما يعاين مفحم
وقال علي بن مهدي يصف العود:
تجري أناملها علىذي منطق أعمى بصير
خرس أصمّ ونحن مننجواه في دهر قصير
فدم صموت ليس يعرف ما القبيل من الدبير
ميت ولكنّ الأكفّ تذيقه طعم النشور
وكأنه في حجرهاطفل تمهّد حجر ظير
تومي إليه بنانهافتريك ترجمة الضمير
فترى النفوس معلقاتمنه في بمّ وزير
فإذا لوت آذانهجاز الأنين إلى الزفير
قالت له قل مطربا«وعظتك واعظة القتير»
فأجابها من حجرها«وعلتك أبهة الكبير»
وذكره محمد بن اسحاق النديم فقال: كان مؤدب ولد هارون بن علي بن يحيى بن المنجم، واتصل بعد ذلك بأبي النجم بدر المعتضدي، وكان عارفا بكتاب العين خاصة.
وله من الكتب: كتاب الخصال، وهو مجموع يشتمل على أخبار وحكم وأمثال وأشعار. كتاب مناقضات من زعم أنه لا ينبغي أن يقتدي القضاة في مطاعمهم بالأئمة الخلفاء، وقد عزي هذا الكتاب إلى الكسروي الكاتب والله أعلم. كتاب الأعياد والنواريز. كتاب مراسلات الاخوان ومحاورات الخلان.
وقال الكسروي في ضرطة وهب بن سليمان:
إن وهب بن سليمان بن وهب بن سعيد
حمل الضرط الى الريّعلى ظهر البريد
في مهمّات أمورمنه بالركض الشديد
استه تنظق يومالحفل بالأمر الرشيد
لم يجد في القول فاحتاجإلى دبر مجيد
ومن «كتاب أصبهان»:
قال هرون بن علي بن يحيى: اجتمعنا مع أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر عند علي بن مهدي فلما أردنا الانصراف أنشأ أبو الفضل يقول:
لولا عليّ بن مهديّ وخلّتهلما اهتدينا إلى ظرف ولا أدب
إذا سقى مترع الكاسات أوهمنابأن غلماننا خير من العرب
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع