تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن أحمد أبو الندى الغندجاني اللغوي

رجل واسع العلم راجح المعرفة باللغة وأخبار العرب وأشعارها، وما عرفت له شيخا ينسب إليه ولا تلميذا يعوّل عليه غير الحسن بن أحمد الأعرابي المعروف بالأسود صاحب التصانيف المشهورة التي تصدّى فيها للأخذ على أعيان العلماء، فإن روايته في كتبه كلّها عن أبي الندى هذا.

وأنا أرى أنّ هذا الرجل خرج إلى البادية واقتبس علومه من العرب الذين يسكنون الخيم، وقد وقع لي شيء من خبره في ذلك أنا أورده هاهنا ليستدل به على ما ذهبت إليه كما استدللت أنا به.

وجدت بخط صديقنا كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الفقيه المدرس الكاتب الأديب ما أسنده إلى ليث الطويل قال: سألت أبا الندى، وكان من أعلم من شاهدت بأخبار العرب: هل تعرف من شعر الذلفاء بنت الأبيض في ابن عمها نجدة بن الأسود؟ قال: نعم، كنت فيمن حضر جنازة نجدة حتى وضعناه في قبره وأهلنا عليه التراب، وصدرنا عنه غير بعيد، فأقبلن نسوة يتهادين فيهنّ امرأة قد فاقتهنّ طولا، كالغصن الرطب، وإذا هي الذلفاء، فأقبلت حتى أكبّت على القبر وبكت بكاء محرقا وأظهرت من وجدها ما خفن معه على نفسها، فقلن لها:

يا ذلفاء إنه قد مات السادات من قومك قبل نجدة، فهل رأيت نساءهم قتلن أنفسهنّ

عليهم؟ فلم يزلن بها حتى قامت فانصرفت عن القبر، فلما صارت منه غير بعيد عطفت بوجهها عليه وقالت:

سئمت حياتي حين فارقت قبرهورحت وماء العين ينهلّ هامله
وقالت نساء الحيّ قد مات قبلهشريف فلم تهلك عليه حلائله
صدقن لقد مات الرجال ولم يمتكنجدة من إخوانه من يعادله
فتى لم يصق عن جسمه لحد قبرهوقد وسع الأرض الفضاء فضائله

قال فقلت: أحسنت والله يا أبا الندى وأحسنت، فهل تعرف من شعرها شيئا آخر؟ قال: نعم، كنت ممن حضر قبر نجدة عند زيارتها إياه لتمام لحول فرأيتها أقبلت حتى أكبّت على القبر وبكت بكاء شديدا ثم أنشأت تقول:

يا قبر نجدة لم أهجرك مقليةولا جفوتك من صبري ولا جلدي
لكن بكيتك حتى لم أجد مددامن الدموع ولا عونا من الكمد
وايستني جفوني من مدامعهافقلت للعين فيضي من دم الكبد
فلم أزل بدمي أبكيك جاهدةحتى بقيت بلا عين ولا جسد
ولله يعلم لولا الله ما رضيتنفسي عليك سوى قتل لها بيدي

قال فقلت: أحسنت والله يا أبا الندى وأحسنت، فهل تعرف من شعرها شيئا آخر؟ قال: نعم، حضرنا عيدا لنا في زمن الربيع، ونحن في رياض خضرة معشية فركب الفتيان وعقدوا العذب الصّفر في القنا الحمر وجعلوا يتجاولون، فلما أردنا الانصراف قال بعضنا لبعض: ألا تجعلون طريقكم على الذلفاء فلعلها إذا نظرت إليكم تسلّت بمن بقي عمن هلك؛ قال: فخرجنا نؤمّها فأصبناها بارزة من خبائها، وهي كالشمس الطالعة إلا أنه يعلوها كسوف الحزن، فسلّمنا عليها وقلنا: يا ذلفاء إلى كم يكون هذا الوجد على نجدة؟ أما آن لك أن تتسلّي بمن بقي من بني عمك عمن هلك؟ ها نحن سادات قومك وفتيانهم ونجومهم، وفينا السادة والذادة والبأس والنجدة، فأطرقت مليا ثم رفعت رأسها باكية تقول:

صدقتم إنكم لنجوم قوميليوث عند مختلف العوالي
ولكن كان نجدة بدر قوميوكهفهم المنيف على الجبال
فما حسن السماء بلا نجوموما حسن النجوم بلا هلال

ثم دخلت خباءها وأرسلت سترها فكان آخر العهد بها.

وقرأت بخط أبي سعد في «المذيل»: أنشدنا شافع بن علي الحمامى، أنشدنا إسماعيل بن عبد الغافر الفارسي، أنشدني أبو حرب رزماشوب بن زياد الجيلي بشيراز، أنشدنا أبو محمد الحسن بن علي الغندجاني الأديب، أنشدنا أبو محمد الأسود الغندجاني الأديب، أنشدنا أبو الندى قال: سمعت أعرابيا بالبصرة يقال له الوليد بن عاصم ينشد لنفسه:

وما معزل بالعور غور تهامةبأودية صابت عليها عهودها
ترود الضحى افنان ضال وتتفيويخرج من بين الأراكة جيدها
بأحسن من سلمى ولا ضوء درّةتسمّى إليها غائص يستجيدها

قرأت في «كتاب اللقائط» لأبي يعلى ابن الهبّارية، وقد ذكر أبا محمد الأعرابي، ووضع منه وانتصر للنمري الذي شرح «الحماسة» وغيره واستدلّ على صحة روايانهم وإتقان علمهم ومقالانهم ثم قال: فكيف نترك أمثال هذه الروايات لرواية مثل أبي الندى، ولم يذكر لي من لقيته من شيوخ بلاد فارس من فضل أبي الندى إلا أنه غاب عن أهله مدة، وأقام في البادية سنين عدة، وعاد يروي ويخبر، وكان له ابن فأخذ يطليه بالزيت ويقفه في شمس القيط بالغندجان، وهي حارة جدا، ولم يزل يفعل به ذلك ليكون أسمر اللون كالعرب حتى مات ذلك المسكين.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.