من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم
طباطبا بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم:
شاعر مفلق وعالم محقق شائع الشعر نبيه الذكر، مولده بأصبهان وبها مات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وله عقب كثير بأصفهان فيهم علماء وأدباء ونقباء ومشاهير، وكان مذكورا بالذكاء والفطنة وصفاء القريحة وصحة الذهن وجودة المقاصد معروفا بذلك مشهورا به. وهو مصنف كتاب عيار الشعر. كتاب تهذيب الطبع. كتاب العروض لم يسبق إلى مثله. كتاب في المدخل في معرفة المعمى من الشعر. كتاب في تقريظ الدفاتر.
ذكر أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصبهاني قال: سمعت جماعة من رواة الأشعار ببغداد يتحدثون عن عبد الله بن المعتز أنه كان لهجا بذكر أبي الحسن مقدّما له على سائر أهله ويقول: ما أشبهه في أوصافه إلا محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك إلا أن أبا الحسن أكثر شعرا من المسلميّ، وليس في ولد الحسن من يشبهه، بل يقاربه علي بن محمد الأفوه.
قال: وحدثني أبو عبد الله ابن أبي عامر قال: كان أبو الحسن طول أيامه مشتاقا إلى عبد الله بن المعتز متمنيا أن يلقاه أو يرى شعره، فأما لقاؤه فلم يتفق له لأنه لم يفارق أصبهان قط، وأما ظفره بشعره فانه اتفق له في آخر أيامه، وله في ذلك قصة عجيبة: وذلك أنه دخل إلى دار معمر وقد حملت إليه من بغداد نسخة من [ديوان] عبد الله بن المعتز فاستعارها فسوّف بها فتمكّن عندهم من النظر فيها وخرج وعدل إليّ كالّا معييا كأنه ناهض بحمل ثقيل، فطلب محبرة وكاغدا وأخذ يكتب عن ظهر قلبه مقطّعات من الشعر، فسألته لمن هي فلم يجبني حتى فرغ من نسخها وملأ منها خمس ورقات من نصف المأموني، وأحصيت الأبيات فبلغ عددها مائة وسبعة وثمانين بيتا تحفّظها من شعر ابن المعتز في ذلك المجلس واختارها من بين سائرها.
وذكر عنه حكايات منها ما حدثني به أبو عبد الله ابن أبي عامر قال: من توسّع أبي الحسن في أتيّ القول وقهره لأبيّه أن أبا عبد الله فتى أبي الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل كانت به لكنة شديدة، حتى كان لا يجري على لسانه حرفان من حروف المعجم الراء والكاف، يكون مكان الراء غينا ومكان الكاف همزة، فكان إذا أراد أن يقول كركي يقول «أغ أي» وإذا أراد أن يقول كركرة يقول «أغ أغة» وينشد للأعشى:
قالت أغى غجلا في أفه أتف
يريد «قالت أرى رجلا في كفّه كتف» فعمل أبو الحسن قصيدة في مدح أبي الحسين حذف منها حرفي لكنة الحسين ولقّنه حتى رواها لأبيه أبي الحسين فجنّ عليها، وقال أبو الحسن والله أنا أقدر على أبيّ الكلام من واصل بن عطاء، والقصيدة:
يا سيدا دانت له الساداتوتتابعت في فعله الحسنات
وتواصلت نعماؤه عندي فليمنه هبات خلفهن هبات
نعم ثنت عني الزمان وخطبهمن بعد ما هيبت له غدوات
فأدلت من زمن منيت بغشمهأيام للأيام بي سطوات
فلميت آمالي لديه حياتهولحاسدي نعمى يديه ممات
أوليتني مننا تجلّ وتعتليعن أن يحيط بوصفهن صفات
فإذا نثثن بمنطق من مادحفالمدح مني والثناء صمات
عجنا عن المدح التي استحققتهاوالله يعلم ما تعي النيات
يا ماجدا فعل المحامد دينهوسماحه صوم له وصلاة
فيبيت يشفع راجيا بتطوّعمنه وقد غشي العيون سبات
فالجود مثل قيامه وسجودهإن قيس والتسبيح منه عدات
ما زال يلفى حائدا أو واعداوعدا تضايق دونه الأوقات
ليمينه بالنّجح عند عفاتهفي ليل ظنهم البهيم ثبات
ذو همة علوية توفي على الجوزاء تسقط دونها الهمات
تنأى عن الأوهام إلا أنهاتدنو إذا نيطت بها الحاجات
وعزيمة مثل الحسام مصونةعن أن تفلّ به الزمان شباة
فإذا دها حطب مهمّ أيّدخلّى العداة وجمعهم أشتات
لأبي الحسين سماحة لو أنهاللغيث لم تجدب عليه فلاة
وله مساع في العلا عدد الحصىفي طيء من جلّها مسعاة
كحيا السحاب على البقاع سماتهوله على عافي نداه سمات
يحيي بنائله نفوسا مثلمايحيا بجود الهاطلات نبات
شاد العلاء أبو الحسين وحازهعن سادة هم شائدون بناة
سبّاق غايات تقطع دونهاسباقها إن مدّت الحلبات
فإذا سعوا نحو العلا وسعى لهامتمهلا حيزت له القصبات
مستوفز عند السماح وإن تقسأحدا به في الحلم قلت حصاة
طود بلوذ به الزمان وعندهلجميع أحداث الزمان أداة
بيمينه قلم إذا ما هزّهفي أوجه الأيام قلت قناة
في سنه بأس السنان وهيبة السيف الحسام وقد حوته دواة
سحبان عيّا وهو عيّا باقلعجل إلى النجوى وفيه أناة
وسنان إلا أنه متنبّهيقظان منه الزهو والإخبات
لم يخط في ظلمات ليل مدادهإلا انجلت عنا به الظلمات
وأبو علي أحمد بن محمدقد نمّقت عنّي لديه هنات
فتقاعست دوني عوائد فضلهوسعت سعاة بيننا وعداة
فافتله عن طول العقوق وهزّهفله لدى فعل العلا هزات
والله ما شاني المديح وبذلهلمؤمّل ليمينه نفحات
إلا مجازاة لمن أضحت لهعندي يد أغذى بها وأقات
والمسمعيّ له لديّ صنائعأيامهن لطيها ساعات
فاخالها عهد الشباب وحسنهإذ طار لي في ظله اللذات
خذها الغداة أبا الحسين قصيدةضيمت بها الراءات والكافات
غيّبن عنها ختلة اخواتهاعند النشيد فما لها اخوات
ولو انهن شهدن لازدوجت لهاالغينات [والهمزات] والألفات
فاسعد أبا عبد الإله بها إذاشقيت بلثغة منشد أبيات
نقصت فتمّت في السماع وألغيتمنها التي هي بينها آفات
صفّيتها مثل المدام له فمافيها لدى حسن السماع قذاة
معشوقة تسبي العقول بحسنهاياقوتة في اللين وهي صفاة
علوية حسنية مزهوّةتزهى بحسن نشيدها اللهوات
ميزانها عند الخليل معدّلمتفاعلن متفاعلن فعلات
لو واصل بن عطاء الباني لهاتليت توهّم أنها آيات
لولا اجتنابي أن يملّ سماعهالأطلتها ما خطّت التاءات
وقال أيضا في الفخر:
حسود مريض القلب يخفي أنينهويضحي كئيب البال عندي حزينه
يلوم على أن رحت في العلم راغباأجمّع من عند الرواة فنونه
وأملك أبكار الكلام وعونهوأحفظ مما أستفيد عيونه
ويزعم أنّ العلم لا يجلب الغنىويحسن بالجهل الذميم ظنونه
فيا لائمي دعني أغالي بقيمتيفقيمة كلّ الناس ما يحسنونه
إذا عدّ أغنى الناس لم أك دونهوكنت أرى الفخر المسوّد دونه
إذا ما رأى الراؤون نطقي وعيّهرأوا حركاتي قد هتكن سكونه
وما ثمّ ريب في حياتي وموتهفأعجب بميت كيف لا يدفنونه
أبى الله لي من صنعه أن يكوننيإذا ما ذكرنا فخرنا وأكونه
وجدت في «كتاب شعراء أصبهان» لحمزة الأصبهاني قال، وجدت بخط أبي الحسن ﵀ يعني ابن طباطبا أن أبا علي يحيى بن علي بن المهلب وصف له دعوة لأبي الحسن أحمد بن محمد بن إبراهيم الكراريسي ذكر أنهم قربوا فيها مائدة عليها خيار وفي وسطها جامات عليها فطر بحسب، فسميتها مسيحية لأنها أدم النصارى، وأنهم قربوا بعد ذلك سكباجة بعظام عارية فسميتها شطرنجية، وأنهم قربوا بعدها مضيرة في غضائر بيض فسميتها معتدّة وكانت بلا دسم، والمعتدة لا تمسّ الدهن والطيب، وانهم قدموا بعدها زير باجة قليلة الزعفران فسميتها عابدة تشبيها بلون العباد في الصفرة، وأنهم قربوا بعدها لونا فسميتها قنّبية، وأنهم قربوا بعدها زبيبية سوداء فسميتها موكبية، وأنهم قربوا بعدها قليّة بعظام الأضلاع فسميتها حسكية، ثم قربوا بعدها فالوذجة بيضاء فسميتها صابونية، وأنه اعتلّ على الجماعة بأنه عليل،
فحوّلهم من منزله إلى باغ قد طبّق بالكراث، فهيأ المجلس هناك، وأحضرهم جرة منثلمة وكانوا يمزجون شرابهم منها، فإذا أرادوا الغائط نقلوها معهم، فكانت مرة في المجلس ومرة في المخرج، وأن الباغبان ربط بحذائهم عجلة كانت تخور عليهم خوارا مناسبا لقول القائل يا فاطمة، فقلت في ذلك:
يا دعوة مغبرّة قاتمهكأنها من سفر قادمه
قد قدّموا فيها مسيحيةأضحت على أسلافها نادمه
نعم وشطرنجية لم تزلأيد وأيد حولها حائمه
فلم نزل في لعبها ساعةثم نفضناها على قائمه
وبعدها معتدة أختهاعابدة قائمة صائمه
في حجرها أطراف موءودةقد قتلتها أمّها ظالمه
والقنّبيات فلا تنسهافحيرتي في وصفها دائمه
أقنّب ما امتدّ في إصبعيأم حية في وسطها نائمه
والموكبيات بسلطانهاقد تركت آنافنا راغمه
والحسكيّات فلا تنس فيخندقها أوتادها القائمه
وجام صابونية بعدهافافخر بها إذ كانت الخاتمه
ظلّ الكراريسي مستعبرامن عصبة في داره طاعمه
وقال إنّ ابني عليل وليقيامة من أجله قائمه
وولولت داياته حولهوليس إلا عبرة ساجمه
والقصيدة طويلة باردة نشبت في كتابتها فكتبت منها هذا.
وله:
لا تنكرن إهداءنا لك منطقامنك استفدنا حسنه ونظامه
فالله ﷿ يشكر فعل منيتلو عليه وحيه وكلامه
وقال وقد صادف على باب ابن رستم عثمانيين أسودين معتمين بعمامتين حمراوين، فامتحنهما فوجدهما من الأدب خاليين، فدخل إلى مجلس أبي علي وتناول الدواة والكاغد من بين يديه وكتب بديهة:
رأيت باب الدار أسودينذوي عمامتين حمراوين
كجمرتين فوق فحمتينقد غادرا الرفض قرير العين
جدّكما عثمان ذو النورينفما له أنسل ظلمتين
يا قبح شين صادر عن زينحدائد تطبع من لجين
ما أنتما إلا غرابا بينطيرا فقد وقعتما للحين
زورا ذوي السنة في المصرينالمظهرين الحبّ للشيخين
وخليّا الشيعة للسبطيينالحسن المرضيّ والحسين
لا تبرما إبرام ربّ الدينستعطيان في مدى عامين
قال وقال لابن أبي عمر ابن عصام وكان ينتف لحيته:
يا من يزيل خلقة الرحمن عما خلقت
تب وخف الله علىما [ ...] اجترحت
هل لك عذر عندهإذا الوحوش حشرت
في لحية إن سئلتبأيّ ذنب قتلت
وقال:
ما أنس لا أنس حتى الحشر مائدةظلنا لديك بها في أشغل الشّغل
إذ أقبل الجدي مكشوفا ترائبهكأنه متمطّ دائم الكسل
قد مدّ كلتا يديه لي فذكّرنيبيتا تمثّله من أحسن المثل
«كأنه عاشق قد مدّ بسطتهيوم الفراق إلى توديع مرتحل»
وقد تردّى بأطمار الرقاق لنامثل الفقير إذا ما راح في سمل
وله:
لنا صديق نفسنافي مقته منهمكه
أبرد من سكونهوسط النديّ الحركه
وجدريّ وجههيحكيه جلد السمكه
أو جلد أفعى سلختأو قطعة من شبكه
أو حلق الدرع إذاأبصرتها مشتبكه
أو كدر الماء إذاما الريح أبدت حبكه
أو سفن محبّبأو كرش منفركه
أو منخل أو عرضرقيقة منهتكه
أو حجر الحمّام كممن وسخ قد دلكه
أو كور زنبور إذاأفرخ فيه تركه
أو سلحة يابسةقد نقرتها الديكة
ومن محاسن ابن طباطبا في أبي علي الرستمي يهجوه بالدعوة والبرص:
أنت أعطيت من دلائل رسلالله آيا بها علوت الرؤوسا
جئت فردا بلا أب وبيمناك بياض فأنت عيسى وموسى
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع