تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسين

بن بيان بن سماعة بن فروة بن قطن بن دعامة، أبو بكر ابن الانباري النحوي اللغوي الأديب: كان من أعلم الناس بنحو الكوفيين، وأكثرهم حفظا للغة، وكان صدوقا زاهدا متواضعا فاضلا أديبا

ثقة خيرا من أهل السنة حسن الطريقة، أخذ عن أبي العباس ثعلب وخلق، وروى عنه الدارقطني وجماعة، وكتب عنه وأبوه حي. وكان يملي في ناحية من المسجد وأبوه في ناحية أخرى. ومرض يوما فعاده أصحابه فرأوا من انزعاج والده أمرا عظيما، فطيبوا نفسه فقال: كيف لا أنزعج وهو يحفظ جميع ما ترون، وأشار إلى خزانة مملوءة كتبا.

وقال أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي: كان أبو بكر ابن الانباري يحفظ ثلاثمائة ألف بيت شاهدا في القرآن، وكان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها.

وقال له أبو الحسن العروضي: قد أكثر الناس في حفظك فكم تحفظ؟ فقال:

ثلاثة عشر صندوقا.

قال وسألته جارية الراضي يوما عن تعبير رؤيا فقال: أنا حاقن، ثم مضى من يومه فحفظ كتاب الكرماني في التعبير، وجاء من الغد وقد صار معبرا للرؤيا.

وقال حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: كان أبو بكر ابن الانباري يملي كتبه المصنفة ومجالسه المشتملة على الحديث والتفسير والأخبار والأشعار، كل ذلك من حفظه.

وقال محمد بن جعفر التميمي: أما أبو بكر ابن الانباري فما رأينا أحفظ منه ولا أغزر منه علما، وكان يحفظ ثلاثة عشر صندوقا، وهذا مما لم يحفظه أحد قبله ولا بعده.

وقال أبو العباس يونس النحوي: كان أبو بكر آية من آيات الله تعالى في الحفظ، وكان أحفظ الناس للغة والشعر.

وحكى أبو الحسن الدارقطني أنه حضر مجلس إملائه في يوم جمعة، فصحّف اسما أورده في إسناد حديث، إما كان حبان فقال حيان، قال الدارقطني:

فأعظمت أن يحمل عن مثله في فضله وجلالته وهم، وهبت أن أوقفه على ذلك، فلما

فرغ من إملائه تقدمت إليه فذكرت له وهمه وعرفته صواب القول فيه وانصرفت، ثم حضرت الجمعة الثانية مجلسه فقال أبو بكر للمستملي: عرّف جماعة الحاضرين أنا صحفنا الاسم الفلاني لما أملينا حديث كذا في الجمعة الماضية، ونبهنا ذلك الشاب على الصواب، وهو كذا، وعرّف ذلك الشاب أنا رجعنا إلى الأصل فوجدناه كما قال.

وقال أحمد بن يوسف الأصبهاني: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله عمن آخذ علم القرآن؟ فقال: عن أبي بكر ابن الانباري.

وقال أبو الحسن العروضي: اجتمعت أنا وأبو بكر ابن الانباري عند الراضي بالله على الطعام، وكان الطباخ قد عرف ما يأكل أبو بكر، وشوى له قلّية يابسة، قال: فأكلنا نحن ألوان الطعام وأطايبه وهو يعالج تلك القلية، ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها، فقمنا ونمنا إلى الخيش، فنام بين يدي الخيش ونمنا نحن في خيشين ولم يشرب ماء إلى العصر، فلما كان بعد العصر قال: يا غلام، الوظيفة فجاءه بماء من الحب وترك الماء المزمّل بالثلج، فغاظني أمره وصحت: يا أمير المؤمنين، فأمر باحضاري وقال: ما قصتك؟ فأخبرته وقلت يا أمير المؤمنين يحتاج هذا إلى ان يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها، فضحك وقال: له في هذا لذة، وقد جرت له به عادة، وصار آلفا لذلك فلن يضره. ثم قلت له: يا أبا بكر لم تفعل هذا بنفسك؟ فقال: أبقي على حفظي.

ويحكى أنه كان يأخذ الرطب ويشمه ويقول: أما إنك طيّب، ولكن أطيب منك ما وهب الله لي من العلم وحفظه.

وحكي أنه مرّ يوما بالنخاسين فرأى جارية تعرض حسنة الصورة كاملة الوصف، قال: فوقعت في قلبي ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي بالله فقال:

أين كنت إلى الساعة؟ فعرفته الأمر وأخبرته بالجارية، فأمر بشرائها وحملت إلى منزلي ولم أعلم، فجئت فوجدتها في المنزل، فقلت لها: اعتزلي إلى الاستبراء، وكنت

أطلب مسألة قد خفيت عليّ فاشتغل قلبي بالجارية فقلت للخادم: خذها وامض بها إلى النخاس فليس يبلغ قدرها ان يشغل قلبي عن علمي، فأخذها الغلام فقالت:

دعني حتى أكلمه، فقالت لي: انت رجل لك محلّ وعقل، فإذا أخرجتني ولم تبين ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظنا قبيحا فعرفنيه قبل أن تخرجني، فقلت: مالك عندي ذنب غير أنك شغلتني عن علمي، فقالت: هذا سهل عندي، قال: فبلغ الراضي ما كان من أمري فقال: لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في قلب هذا الرجل.

ولا بن الانباري شعر لطيف فمن ذلك قوله:

إذا زيد شرا زاد صبرا كأنماهو المسك ما بين الصّلاية والفهر
فانّ فتيت المسك يزداد طيبهعلى السّحق والحرّ اصطبارا على الضرّ

ومن أماليه:

فهلا منعتم إذ منعتم كلامهاخيالا يوافيني على النأي هاديا
للشاعر توبة الخفاجي، من قصيدة «رماني وليلى الأخيلية قومها»
سقى الله أطلالا بأكثبة الحمىوإن كنّ قد أبدين للناس ما بيا
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
منازل لو مرّت بهنّ جنازتيلقال الصدى يا صاحبيّ انزلا بيا

وأملى أيضا:

وبالهضبة البيضاء إن زرت أهلهامها مهملات ما عليهنّ سائس
خرجن لخوف الريب من غير ريبةعفائف باغي اللهو منهنّ آيس

ولأبي بكر ابن الأنباري من التصانيف: غريب الحديث قيل انه خمس وأربعون ألف ورقة أملاه من حفظه. ومما أملاه أيضا من مصنفاته كتاب الهاءات نحو ألف ورقة. وشرح الكافي نحو ألف ورقة. وكتاب الأضداد وما ألف في الاضداد أكبر منه. وكتاب المذكر والمؤنث ما صنف أحد أتمّ منه. ورسالة المشكل ردّ فيها على ابن قتيبة وأبي حاتم السجستاني. وكتاب المشكل في معاني القرآن بلغ فيه إلى طه

وأملاه سنين كثيرة ولم يتمه. وشرح الجاهليات سبعمائة ورقة. وكتاب الوقف والابتداء. والكافي في النحو. والزاهر. وكتاب اللامات. وشرح المفضليات. والامالي. وأدب الكاتب. والواضح في النحو. والموضح في النحو أيضا. وشرح شعر النابغة. وشرح شعر الأعشى. وشرح شعر زهير. وشعر الراعي.

والمقصور والممدود. وكتاب الالفات. وكتاب الهجاء. والمجالسات. وكتاب مسائل ابن شنبوذ. وكتاب الرد على من خالف مصحف عثمان. وغير ذلك.

وكانت ولادة أبي بكر ابن الانباري يوم الأحد لاحدى عشرة ليلة خلت من رجب سنة احدى وسبعين ومائتين، وتوفي ليلة عيد النحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة وقيل سبع وعشرين وثلاثمائة.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.