تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

محمد بن القاسم

ماذا روى «معجم الأدباء» عن محمد بن القاسم بن عبيد الله؟

وقيل ابن خلاد بن ياسر بن سليمان، الهاشمي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بأبي العيناء الاخباري الأديب الشاعر: روى عن أبي عاصم النبيل، وسمع من الأصمعي وأبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والعتبي وغيرهم، وحدث عنه الصولي وابن نجيح وأحمد بن كامل وآخرون. وكان فصيحا بليغا من ظرفاء العالم، آية في الذكاء واللّسن وسرعة الجواب. فمن لطائفه أنه شكا تأخر أرزاقه إلى عبيد الله بن سليمان فقال له: ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبر، فما فعل في أمرك؟ قال: جرّني على شوك المطل، وحرمني ثمرة الوعد، فقال: أنت اخترته، فقال: وما علي وقد اختار موسى قومه سبعين رجلا فما كان منهم رشيد فأخذتهم الرّجفة، واختار النبي ﷺ ابن أبي سرح كاتبا فلحق بالمشركين مرتدا، واختار علي بن أبي طالب أبا موسى الأشعري حكما فحكم عليه.

وحجبه بعض الأمراء ثم كتب اليه يعتذر منه، فقال: تجبهني مشافهة وتعتذر إليّ مكاتبة.

وقال: أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن خاقان، قلت له: وددت أن لي ابنا مثلك، قال: هذا بيدك، قلت: كيف ذلك؟ قال: تحمل أبي على امرأتك فتلد لك ابنا مثلي.

وبلغه أن المتوكل قال: لولا أنه ضرير لنادمناه، فقال: إن أعفاني من رؤية

الأهلة وقراءة نقش الفصوص صلحت للمنادمة.

ودخل على المتوكل في قصره المعروف بالجعفري سنة ست وأربعين ومائتين فقال له: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال: إن الناس بنوا الدور في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.

ثم قال له: كيف شربك للخمر؟ قال: أعجز عن قليله وافتضح عند كثيره، فقال له: دع هذا عنك ونادمنا، فقال: أنا رجل مكفوف، وكلّ من في مجلسك يخدمك، وأنا محتاج أن أخدم، ولست آمن من أن تنظر إليّ بعين راض وقلبك عليّ غضبان أو بعين غضبان وقلبك راض، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء، فقال: بلغني عنك بذاء في لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين قد مدح الله تعالى وذمّ فقال: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

وقال ﷿: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ

(القلم:). وقال الشاعر:

إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقاولم أشتم النكس اللئيم المذمّما
ففيم عرفت الخير والشرّ باسمهوشقّ لي الله المسامع والفما
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

قال: فمن أين أنت؟ قال: من البصرة، قال: فما تقول فيها؟ قال: ماؤها أجاج، وحرها عذاب، وتطيب في الوقت الذي تطيب فيه جهنم.

قرأت في «تاريخ دمشق» قال: قرأت على زاهر بن طاهر عن أبي بكر البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال سمعت عبد العزيز بن عبد الملك الأموي يقول:

سمعت إسماعيل بن محمد النحوي يقول: سمعت أبا العيناء يقول: أنا والحافظ وضعنا حديث فدك وأدخلناه على الشيوخ في بغداد فقبلوه إلا ابن شيبة العلوي قال لا يشبه آخر هذا الحديث أوله، فأبى أن يقبله، وكان أبو العيناء يحدث بهذا بعد ما كان.

وكان جد أبي العيناء الأكبر يلقى علي بن أبي طالب ﵁، فأساء المخاطبة بينه وبينه، فدعا عليه بالعمى له ولولده من بعده، فكلّ من عمي من ولد أبي العيناء فهو صحيح النسب فيهم.

وقال المبرد: إنما صار أبو العيناء أعمى بعد أن نيف على الأربعين، وخرج من البصرة واعتلت عيناه فرمي فيهما بما رمي، والدليل على ذلك قول أبي علي البصير:

قد كنت خفت يد الزمان عليك إذ ذهب البصر
ولم ادر أنّك بالعمىتغنى ويفتقر البشر

وقال أحمد بن أبي دواد لأبي العيناء: ما أشدّ ما أصابك في ذهاب بصرك؟

قال: أبدأ بالسلام وكنت أحبّ أن أكون أنا المبتدىء، وأحدّث من لا يقبل على حديثي ولو رأيته لم أقبل عليه، فقال له ابن أبي دواد: أما من بدأك بالسلام فقد كافأته بجميل نيتك له، ومن أعرض عن حديثك انما أكسب نفسه من سوء الأدب أكثر مما نالك من سوء الإعراض.

وقال محمد بن خلف بن المرزبان، قال لي أبو العيناء: أتعرف في شعراء المحدثين رشيدا الرياحي؟ قال: فقلت لا، قال بل هو القائل فيّ:

نسب لابن قاسم ما تراثفهو للخير صاحب وقرين
أحول العين والخلائق زينلا احولال بها ولا تلوين
ليس للمرء شائنا حول العين إذا كان فعله لا يشين

فقلت له: وكنت قبل العمى أحول؟ أمن السقم إلى البلى؟ فقال: هنا أظرف خبر تعرج به الملائكة إلى السماء اليوم، وقال: أيما اصلح من السقم إلى البلى أو حال العجوز أصلحها الله من القيادة إلى الزنا.

وحمله بعض الوزراء على دابة فانتظر علفها، فلما أبطأ عليه قال: أيها الوزير هذه الدابة حملتني عليها أو حملتها عليّ؟

وقال له المتوكل هل رأيت طالبيا حسن الوجه؟ قال: نعم، رأيت ببغداد منذ ثلاثين واحدا، قال: تجده كان مؤاجرا وكنت أنت تقود عليه، فقال: يا أمير المؤمنين أو يبلغ هذا من فراغي؟ أدع مواليّ مع كثرتهم وأقود على الغرباء؟ فقال المتوكل

للفتح: أردت أن أشتفي منهم فاشتفى لهم مني.

وقال له يوما: إن سعيد بن عبد الملك يضحك منك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ

(المطففين:).

وقال له ابن ثوابة يوما: كتبت أنفاس الرجال، فقال حيث كانوا وراء ظهرك.

وقال له نجاح بن سلمة يوما: ما ظهورك وقد خرج توقيع أمير المؤمنين في الزنادقة؟ فقال له: أستدفع الله عنك وعن أصهارك.

ودخل يوما على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر وهو يلعب بالشطرنج فقال:

في أيّ الحيزين أنت؟ فقال: في حيز الأمير أيده الله، وغلب عبيد الله فقال: يا أبا العيناء قد غلبنا، وقد أصابك خمسون رطل ثلج، فقام ومضى إلى ابن ثوابة وقال: إن الأمير يدعوك فلما دخلا قال: أيد الله الأمير قد جئتك بجبل همذان وماسبذان ثلجا فخذ منه ما شئت.

وكان بينه وبين محمد بن مكرم مداعبة، فسمع ابن مكرم أبا العيناء يقول في دعائه: يا رب سائلك، فقال: يا ابن الفاعلة ومن ليس سائله؟.

وقال له ابن مكرم يوما يعرض به: كم عدد المكدّين بالبصرة؟ فقال له: مثل عدد البغائين ببغداد.

وقال له ابن مكرم ذات يوم: هممت ان آمر غلامي أن يدوس بطنك، فقال:

الذي تخلفه على عيالك إذا ركبت أو الذي تحمله على ظهرك إذا نزلت؟.

وقال ابن مكرم يوما: مذهبي الجمع بين الصلاتين، فقال له: صدقت تجمع بينهما بالتّرك.

وقيل له: ما تقول في محمد بن مكرم والعباس بن رستم؟ فقال: هما الخمر والميسر إثمهما أكبر من نفعهما.

وقال ابن مكرم له يوما: أحسبك لا تصوم شهر رمضان، فقال له: ويلك وتدعني امرأتك أصوم.

وبات ليلة عند ابن مكرم، فجعل ابن مكرم يفسو عليه، فقام أبو العيناء وصعد السرير فارتفع اليه فساؤه، فصعد إلى السطح فبلغته رائحته، فقال: يا ابن الفاعلة ما فساؤك إلا دعوة مظلوم.

وقدم إليه ابن مكرم يوما جنب شواء، فلما جسّه قال: ليس هذا جنبا هذا شريجة قصب.

ومر يوما على دار عدوّ له فقال: ما خبر أبي محمد؟ فقالوا: كما تحبّ قال:

فما لي لا أسمع الرنة والصياح.

ووعده ابن المدبر بدابة فلما طالبه قال: أخاف أن أحملك عليها فتقطعني ولا أراك، فقال: عدني أن تضمّ إليها حمارا لأواظب مقتضيا.

ووعده يوما أن يعطيه بغلا فلقيه في الطريق فقال له: كيف أصبحت يا أبا العيناء؟ فقال: أصبحت بلا بغل، فضحك منه وبعث به اليه.

وقالت له قينة: هب لي خاتمك وأذكرك به، فقال لها: اذكري أنك طلبته مني ومنعتك.

ولما استوزر صاعد عقب إسلامه صار أبو العيناء إلى بابه، فقيل له يصلي، فعاد فقيل يصلي، فقال: معذور لكل جديد لذة.

وحضره يوما ابن مكرم وأخذ يؤذيه ثم قال: الساعة والله أنصرف، فقال أبو

العيناء: ما رأيت من يتهدد بالعافية غيرك.

وقال له ابن الجماز المغني: هل تذكر سالف معاشرتنا؟ فقال: اذ تغنّينا ونحن نستعفيك.

ودخل على أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الوزير فقال له: ما الذي أخرك عنا يا أبا العيناء؟ فقال: سرق حماري، فقال: وكيف سرق؟ قال: لم أكن مع اللص فأخبرك، قال: فهلا أتيتنا على غيره؟ قال: قعد بي عن الشراء قلة يساري، وكرهت ذلّ المكاري، ومنة العواري.

وقيل له إلى متى تمدح الناس وتهجوهم؟ فقال: ما دام المحسن يحسن والمسيء يسيء وأعوذ بالله أن أكون كالعقرب تلسب النبيّ والذمي.

ودخل على ابن ثوابة عقب كلام جرى بينه وبين الوزير أبي الصقر ابن بلبل، وكان ابن ثوابة تطاول على الوزير، فقال له أبو العيناء: بلغني ما جرى بينك وبين الوزير، وما منعه من استقصاء الجواب إلا أنه لم يجد فيك عزا فيضعه ولا مجدا فينقصه، وبعد فإنه عاف لحمك أن يأكله وسهك دمك أن يسفكه، فقال ابن ثوابة:

وما أنت والدخول بيني وبين هؤلاء يا مكدّي؟ فقال: لا تنكر على ابن ثمانين قد ذهب بصره وجفاه سلطانه أن يعوّل على إخوانه فيأخذ من أموالهم، ولكن أشدّ من هذا من يستنزل الماء من أصلاب الرجال فيستفرغه في جوفه فيقطع نسلهم ويعظّم أوزارهم، فقال ابن ثوابة: ما تسابّ اثنان الا غلب ألأمهما، فقال أبو العيناء: وبذا غلبت أبا الصقر بالأمس، فأفحمه.

وخاصم يوما علويا فقال له العلوي: تخاصمني وقد أمرت أن تقول اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد؟ فقال: لكني أقول الطيبين الطاهرين فتخرج أنت.

وقال له ابن الجهم يوما: يا مخنث فقال: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ

(يس:).

ولما وكل موسى بن عبد الملك الأصبهاني بنجاح بن سلمة ليستأديه ما عليه من الأموال عاقبه موسى فهلك ابن سلمة في المطالبة والعقاب، فلقي بعض الرؤساء أبا العيناء وقال له: ما عندك من خبر نجاح بن سلمة فقال أبو العيناء: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ

(القصص:) فبلغت كلمته موسى فلقيه وقال له: أبي تولع والله لأقومنك فقال له أبو العيناء: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ

(القصص:).

وقال له العباس بن رستم يوما: أنا أكفر منك، فقال له: لأنك تكفر ومعك خفير مثل عبيد الله بن يحيى وابن أبي دواد وأنا أكفر بلا خفارة.

وقال أبو العيناء: مررت يوما في درب بسرّ من رأى فقال لي غلامي: يا مولاي في الدرب حمل سمين، والدرب خال، فأمرته أن يأخذه وغطيته بطيلساني وصرت به إلى منزلي، فلما كان من الغد جاءتني رقعة من بعض رؤساء ذلك الدرب مكتوب فيها: جعلت فداك، ضاع لنا بالأمس حمل فأخبرني صبيان دربنا أنك أنت أخذته فأمر بردّه متفضلا، فكتبت إليه: يا سبحان الله ما أعجب هذا الأمر، مشايخ دربنا يزعمون أنك بغاء وأكذّبهم أنا ولا أصدقهم وتصدّق أنت صبيان دربك أني أخذت الحمل؟! قال: فسكت ولم يعاودني.

وقال له رجل من بني هاشم: بلغني أنك بغاء، فقال: وما أنكرت من ذلك مع قول رسول الله ﷺ مولى القوم منهم، فقال الهاشمي. إنك دعيّ فينا، قال:

بغائي صحح نسبي فيكم.

ولقيه بعض الكتاب في السحر فقال متعجبا من بكوره: يا أبا عبد الله أتبكر في مثل هذا الوقت؟ فقال له أبو العيناء: أتشاركني في الفعل وتنفرد بالتعجب؟

ودعا أبو العيناء سائلا ليعشيه فلم يدع شيئا الا أكله، فقال له: يا هذا دعوتك رحمة فاتركني رحمة.

ووقف عليه رجل من العامة، فلما أحس به قال: من هذا قال: رجل من بني

آدم، فقال أبو العيناء: مرحبا بك أطال الله بقاءك، كنت أظنّ أن هذا النسل قد انقطع.

وكتب إلى بعض الرؤساء وقد وعده بشيء فلم ينجزه: ثقتي بك تمنعني من استبطائك، وعلمي بشغلك يدعوني إلى تذكيرك، ولست آمن- مع استحكام ثقتي بطولك، والمعرفة بعلو همتك- اخترام الأجل، فإن الآجال آفات الآمال، فسح الله في أجلك وبلغك منتهى أملك والسلام.

وغداه ابن مكرم يوما فقدم إليه عراقا فلما جسه قال: قدركم هذه طبخت بالشطرنج.

وقدم يوما إليه قدرا فوجدها كثيرة العظام فقال له: هذه قدر أم قبر؟

وأكل عنده يوما فسقي على المائدة ثلاث شربات باردة، ثم استسقى فسقي شربة حارة، فقال: لعل مزملتكم تعتريها حمّى الرّبع.

ودخل يوما على المتوكل فقدّم إليه طعام فغمس أبو العيناء لقمته في خلّ كان حاضرا وأكلها فتأذى بالحموضة، وفطن المتوكل له فجعل يضحك، فقال لا تلمني يا أمير المؤمنين فقد محت حلاوة الايمان من قلبي.

وأكل يوما عند بعض أصحابه طعاما وغسل يده عشر مرات فلم تنق فقال: كادت هذه القدر أن تكون نسبا وصهرا.

وقال له رجل من ولد سعيد بن سلم: إن أبي يبغضك، فقال يا بني لي أسوة بآل محمد ﷺ.

واعترضه يوما أحمد بن سعيد فسلم عليه فقال له أبو العيناء: من أنت؟

قال: أنا أحمد بن سعيد، فقال: إني بك لعارف، ولكن عهدي بصوتك يرتفع إليّ

من أسفل فما له ينحدر عليّ من علو؟ قال: لأني راكب، فقال عهدي بك وأنت في طمرين لو أقسمت على الله في رغيف لأعضّك بما تكره.

ودق إنسان عليه الباب فقال: من هذا؟ قال: أنا، فقال: أنا والدق سواء.

وذكر يوما ولد موسى بن عيسى فقال: كأنّ أنوفهم قبور نصبت على غير قبلة.

وقيل له: لم اتخذت خادمين أسودين؟ قال: أما أسودان فلئلا أتهم بهما، وأما خادمين فلئلا يتهما بي.

وقال يوما لابن ثوابة: إذا شهدت على الناس ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون شهد عليك أنتن عضو فيك.

وقال له ابن ثوابة يوما: أنا والله أحبك بكل جوارحي، فقال أبو العيناء الا بعضو واحد أيدك الله، فبلغ ذلك ابن أبي دواد فقال: قد وفق في التحديد عليه.

وسئل يوما عن مالك بن طوق فقال: لو كان في بني إسرائيل حين نزلت آية البقرة ما ذبحوا غيره.

وقال أبو العيناء: أنا أول من أظهر العقوق بالبصرة، قال لي أبي: يا بني إن الله تعالى قرن طاعته بطاعتي فقال اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ

(لقمان:) فقلت له: يا ابة ان الله ائتمنني عليك ولم يأتمنك علي فقال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ

(الاسراء:).

وقال له عبيد الله بن سليمان: اعذرني فاني مشغول عنك، فقال له: إذا فرغت لم احتج اليك، يعني إذا عزل.

ووضع أبو العيناء كتابا في ذم أحمد بن الخصيب حكى فيه ان جماعة من

الفضلاء اجتمعوا في مجلس وكلّ منهم يكره ابن الخصيب لما كان فيه من الفدامة والجهالة والتغفل، فتجاذبوا أطراف الملح في ذمه، فقال أحدهم: كان جهله غامرا لعقله وسفهه قاهرا لحلمه، وقال آخر: لو كان دابة لتقاعس في عنانه وحرن في ميدانه، وقال آخر: كنت إذا وقع لفظه في سمعي أحسست النقصان في عقلي، وقال بعض كتابه: كنت أرى قلم ابن الخصيب يكتب بما لا يصيب، ولو نطق لنطق بنوك عجيب. وقال إبراهيم بن المدبر: كنت يوما عنده فقدم الطعام وفيه هليون فأكبّ عليه، فقلت له: أراك راغبا في الهليون، فقال: إنه يزيد في الباه. وقال آخر: لو غابت عنه العافية لنسيها.

وقال أبو العيناء في آخر هذا التصنيف: كان ابن الخصيب إذا ناظر شغب، وربما رفس من ناظره إذا عجز عن الجواب وخفي عليه الصواب واستولت عليه البلادة وعري كلامه عن الافادة، وكان إن دنوت منه غرّك، وان بعدت عنه ضرّك، فحياته لا تنفع وموته لا يضرّ.

وقال الخطيب في تاريخه اخبرنا الأزهري أخبرنا محمد بن جعفر التميمي، أخبرنا الصولي عن أبي العيناء قال: كان سبب تحولي من البصرة أني رأيت غلاما ينادى عليه بثلاثين دينارا يساوي ثلاثمائة دينار، فاشتريته، وكنت أبني دارا فأعطيته عشرين دينارا لينفقها على الصناع، فأنفق عشرة واشترى بعشرة ملبوسا له، فقلت: ما هذا؟

فقال: لا تعجل فان أرباب المروءات لا يعيبون على غلمانهم هذا، فقلت في نفسي: أنا اشتريت الأصمعيّ ولم أدر. ثم أردت ان أتزوج امرأة سرا من بنت عمي فاستكتمته، ودفعت إليه دينارا يشتري به حوائج وسمك هازبى، فاشترى غيره فغاظني، فقال: رأيت بقراط يذم الهازبى، فقلت: يا ابن الفاعلة لم أعلم أني اشتريت جالينوس، فضربته عشر مقارع فأخذني وضربني سبعا وقال: يا مولاي الأدب ثلاث وإنما ضربتك سبعا قصاصا، قال: فرميته فشججته فذهب إلى بنت عمي وقال: الدين النصيحة ومن غشّنا فليس منا، إن مولاي قد تزوج واستكتمني فقلت:

لا بدّ من تعريف مولاتي الخبر فضربني وشجني، فمنعتني بنت عمي دخول الدار

وحالت ما بيني وبين ما فيها وما زالت كذلك حتى طلقت المرأة، وسمت بنت عمي الغلام الناصح فلم يمكني أن أكلمه، فقلت أعتق هذا وأستريح، فلما أعتقته لزمني وقال: الآن وجب حقك عليّ، ثم انه أراد الحجّ فزودته فغاب عشرين يوما ورجع وقال: قطع الطريق ورأيت حقك قد وجب، ثم أراد الغزو فجهزته، فلما غاب بعت مالي بالبصرة وخرجت منها خوفا ان يرجع.

ولد أبو العيناء بالأهواز سنة احدى وتسعين ومائة وتوفي ببغداد في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين ومائتين وقيل سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وقال ابنه أبو جعفر مات أبي لعشر ليال خلون من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين.

ومن شعره:

إن يأخذ الله من عينيّ نورهماففي لساني وسمعي منهما نور
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
قلب ذكيّ وعقل غير ذي خطلوفي فمي صارم كالسيف مأثور
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وقال:

حمدت إلا هي إذ بلاني بحبهاعلى حول يغني عن النّظر الشّزر
نظرت إليها والرقيب يظننينظرت إليه فاسترحت من العذر
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وقال يهجو أسد بن جوهر:

تعس الزمان لقد أتى بعجابومحا رسوم الظرف والآداب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
وافى بكتّاب لو انبسطت يديفيهم رددتهم إلى الكتاب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
جيل من الأنعام إلا أنهممن بينها خلقوا بلا أذناب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
لا يعرفون إذا الجريدة جرّدتما بين عيّاب إلى عتاب
أو ما ترى أسد بن جوهر قد غدامتشبّها بأجلّة الكتاب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
فإذا أتاه مسائل في حاجةردّ الجواب له بغير جواب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
وسمعت من غثّ الكلام ورثهوقبيحه باللحن والاعراب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
ثكلتك أمك هبك من بقر الفلاما كنت تغلط مرة بصواب
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وقال في الوزير أحمد بن الخصيب:

قل للخليفة يا ابن عمّ محمداشكل وزيرك إنه ركّال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»
قد أحجم المتظلمون مخافةمنه وقالوا ما نروم محال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»
ما دام مطلقة علينا رجلهأو دام للنزق الجهول مقال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»
قد نال من أعراضنا بلسانهولرجله بين الصدور مجال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»
امنعه من ركل الرجال وان تردمالا فعند وزيرك الأموال
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «قل للخليفة يا ابن عم محمد»

وقال:

الحمد لله ليس لي فرسولا على باب منزلي حرس
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
ولا غلام إذا هتفت بهبادر نحوي كأنه قبس
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
ابني غلامي وزوجتي أمتيملّكنيها الملاك والعرس
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
غنيت باليأس واعتصمت بهعن كلّ فرد بوجهه عبس
للشاعر الحكم بن عبدل الأسدي، اقرأ القصيدة
فما يراني ببابه أبداطلق المحيا سمح ولا شرس
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وقال:

من كان يملك درهمين تعلّمتشفتاه أنواع الكلام فقالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
وتقدم الفصحاء فاستمعوا لهورأيته بين الورى مختالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
لولا دراهمه التي في كيسهلرأيته شرّ البرية حالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
إن الغني إذا تكلم كاذباقالوا صدقت وما نطقت محالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
وإذا الفقير أصاب قالوا لم تصبوكذبت يا هذا وقلت ضلالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
إن الدراهم في المواطن كلّهاتكسو الرجال مهابة وجلالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»
فهي اللسان لمن أراد فصاحةوهي السلاح لمن اراد قتالا
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «من كان يملك درهمين تعلمت»

وقال:

تولت بهجة الدنيافكلّ جديدها خلق
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
وخان الناس كلهمفما أدري بمن أثق
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «تولت جدة الدنيا»
رأيت معالم الخيرات سدّت دونها الطرق
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
فلا حسب ولا أدبولا دين ولا خلق
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

وقال:

ألم تعلمي يا عمرك الله أننيكريم على حين الكرام قليل
للشاعر بشر الفزاري، من قصيدة «وعاذلة هبت بليل تلومني»
وأني لا أخزى إذا قيل مقترجواد وأخزى أن يقال بخيل
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «ألم تعلمي يا عمرك الله أنني»
وإلا يكن عظمي طويلا فإننيله بالخصال الصالحات وصول
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «ألم تعلمي يا عمرك الله أنني»
إذا كنت في القوم الطوال فضلتهمبطولي لهم حتى يقال طويل
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «ألم تعلمي يا عمرك الله أنني»
ولا خير في حسن الجسوم وطولهاإذا لم يزن طول الجسوم عقول
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «ألم تعلمي يا عمرك الله أنني»
وكائن رأينا من جسوم طويلةتموت إذا لم تحيهنّ أصول
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «ألم تعلمي يا عمرك الله أنني»
ولم أر كالمعروف أما مذاقهفحلو وأما وجهه فجميل
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «قصير مدى ما لا ينال طويل»

وقال:

يا ويح هذي الأرض ما تصنعأكلّ حيّ فوقها تصرع
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
تزرعهم حتى إذا ما أتواأشدّهم تحصد ما تزرع
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.