من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
نصيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان
شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، كان عبدا لرجل من كنانة من أهل ودان، وكان فصيحا مقدما في النسيب والمديح مترفعا عن الهجاء كبير النفس عفيفا، قيل لم ينسب قط إلا بامرأته. وكان مقدما عند الملوك يجيد مديحهم ومراثيهم، وفي سبب اتصاله بعبد العزيز بن مروان وفكّ رقبته من الرق روايات شتى، منها أنه لما قال الشعر وهو شابّ جعل يأتي مشيخة القبيلة وينشدهم فاجتمعوا إلى مولاه وقالوا: ان عبدك هذا قد نبغ بقول الشعر، ونحن من بين شرّين: إما ان يهجونا فيهتك أعراضنا أو يمدحنا فيشبب بنسائنا، وليس لنا في شيء من الخلتين خيرة، فقال له مولاه: يا نصيب أنا بائعك لا محالة فاختر لنفسك، فسار إلى عبد العزيز بن مروان بمصر فدخل عليه وأنشده:
لعبد العزيز على قومهوغيرهم منن غامره
فبابك أسهل أبوابهمودارك مأهولة عامره
وكلبك أرأف بالزائرينمن الأمّ بابنتها الزائره
وكفّك حين ترى المعتفينأندى من الليلة الماطره
فمنك العطاء ومنا الثناءبكلّ محبّرة سائره
فقال عبد العزيز: أعطوه أعطوه، فقال: أصلحك الله، إني عبد ومثلي لا يأخذ الجوائز، قال: فما شأنك؟ فأخبره بحاله، فدعا الحاجب فقال: اخرج به إلى باب الجامع فأبلغ في قيمته، فدعا المقومين فنادوا عليه من يعطي لعبد أسود جلد؟
قال رجل: هو عليّ بمائة دينار، فقال نصيب: قولوا على أن أبري القسيّ وأريش السهام واحتجر الاوتار، فقال الرجل: هو عليّ بمائتي دينار، قال قولوا على أن أرعى الابل وأمريها وأقضقضها وأصدرها وأوردها وأرعاها وأرعيها، قال رجل: هو عليّ بخمسمائة دينار، قال نصيب: على أني شاعر عربي لا يوطىء ولا يقوي ولا يساند، قال رجل: هو عليّ بألف دينار، فسار به الحاجب إلى عبد العزيز فأخبره بما تم، فقال: ادفعوا إليه ألف دينار فقبضها وافتكّ بها رقبته، ولم يزل في جملة عبد العزيز حتى احتضر، فأوصى به سليمان بن عبد الملك خيرا فصيره في جملة سمّاره.
حكي أن نصيبا دخل على سليمان بن عبد الملك وعنده الفرزدق فقال سليمان للفرزدق: يا أبا فراس أنشدني، وإنما أراد أن ينشده مديحا فيه، فأنشده قوله يفتخر:
وركب كأنّ الريح تطلب عندهملها ترة من جذبها بالعصائب
سروا يركبون الريح وهي تلفّهمإلى شعب الأكوار ذات الحقائب
إذا أبصروا نارا يقولون ليتهاوقد خصرت أيديهم نار غالب
فتمعّر سليمان واربدّ لما ذكر للفرزدق غالبا وقال لنصيب: قم وأنشد مولاك ويحك، فقام نصيب وأنشده:
أقول لركب صادرين لقيتهمقفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبروني عن سليمان إننيلمعروفه من أهل ودّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
وقالوا عهدناه وكلّ عشيةبأبوابه من طالبي العرف راكب
هو البدر والناس الكواكب حولهولا تشبه البدر المضيء الكواكب
فقال سليمان للفرزدق: كيف ترى شعره؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته، قال سليمان: وأهل جلدتك، يا غلام أعط نصيبا خمسمائة دينار وللفرزدق نار أبيه، فخرج الفرزدق وهو يقول:
وخير الشعر أشرفه رجالاوشرّ الشعر ما قال العبيد
وقال:
ليس السواد بناقصي ما دام ليهذا اللسان إلى فؤاد ثابت
من كان ترفعه منابت أصلهفبيوت أشعاري جعلن منابتي
كم بين أسود ناطق ببيانهماضي الجنان وبين أبيض صامت
إني ليحسدني الرفيع بناؤهمن فضل ذاك وليس بي من شامت
وقال:
كأن القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامرية أو يراح
قطاة عزّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
لها فرخان قد تركا بوكرفعشهما تصفّقه الرياح
إذا سمعا هبوب الريح نصّاوقد أودى به القدر المتاح
فلا في الليل نالت ما ترجّيولا في الصبح كان لها براح
وقال:
فان أك حالكا فالمسك أحوىوما لسواد جسمي من دواء
ولي كرم عن الفحشاء ناءكبعد الأرض من جوّ السماء
ومثلي في رجالكم قليلومثلك ليس يعدم في النساء
فان ترضي فردّي قول راضوإن تأبي فنحن على السواء
وقال:
ألا ليت شعري ما الذي تجدين بيغدا غربة النأي المفرق والبعد
لدى أمّ بكر حين تغترب النوىبنا ثم يخلو الكاشحون بها بعدي
أتصرمني عند الذين هم العدىفتشمتهم بي أم تدوم على العهد
وقال:
ألام على ليلى ولو أستطيعهاوحرمة ما بين البنيّة والحجر
لملت على ليلى بنفسي ميلةولو كان في يوم التحالق والنحر
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع