من «المحمدون من الشعراء» لجمال الدين القفطي (ت ٦٤٦هـ)
محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس
أبو العنبس الصيمري أحد الأدباء الملحاء، وكان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، وله كتب ملاح، ونادم المتوكل، وله مع البحتري خبر مشهور، قال أبو العباس المبرد: حضرتُ مجلس المتوكل يوماً وقد عمل فيه النبيذ وبين يديه أبو عبادة البحتري، وهو ينشد قصيدة يمدحه فيها وبالقرب من البحتري أبو العنبس الصيمري، فأنشدها وهي أولها: كامل مجزوء:
عن أي ثغرٍ تبتسمْوبأي طرف تحتكمْ
حسَنٌ يضن بحسنهوالحسن أولى بالكرمْ
حتى بلغ إلى قوله:
قُل للخليفة جعفر المتوكل ابْنِ المعتصِمْ
أمَّا الرعيَّةُ فهي مِنأَمَناتِ عدلك في حرَمْ
نِعَم عليها في بقائكَ فلتَتمَّ لها النعمْ
للمرتضى ابن المجتبىوالمنعم ابن المنتقمْ
يا باني المجد الذيقد كان قُوِّض فانهدَمْ
إسلم لدينِ محمدفإذا سلمْت فقد سلمْ
نِلنا الهدى بعد العمىبكَ والغِنى بعد العدمْ
فلما انتهى إلى إنشاده، رجع القهقرى لينصرف، فوثب أبو العنبس فقال: يا سيدنا يا أمير المؤمنين تأمر بردِّه؟! فردَّه، فقال له أبو العنبس: قد عارضتك في قصيدتك وأنت بحضرة أمير المؤمنين، ثم اندفع ينشد: كامل مجزوء:
في أيِّ سلح ترتطِمْوبأي كف تلتقِمْ؟
قد قلت رأس البُحتريِّ أبي عبيدة في الحرمْ
ووصل ذلك بما أشبهه، فضحك المتوكل وضرب برجله اليسرى وقال: إدفعوا إلى أبا العنبس عشرة آلاف درهم: فقال له الفتح في خاقان وزيره: يا سيدي! فالبحتري الذي هُجيَ وأُسمع المكروه ينصرف خائباً؟! فقال: ويدفع إليه عشرة آلاف درهم. قال: يا سيدي! وهذا البصري الذي أشخصناه من بلده لا يشركهما فيما حصلاه؟! قال: ويدفع إليه أيضاً عشرة آلاف درهم. قال المبرد: فانصرفنا في ساعة الهزل بثلاثين ألف درهم، ولم ينفع البحتري جدّه ولا اجتهاده وتقدمه؛ وهو القائل يهجو إبراهيم المدَبر: كامل مجزوء:
أَسَل الذي عطف المواكب بالأعنَّة نحو بابكْ
وأذلَّ موقفيَ العزيزَ على وقوفي في رحابكْ
وأراك نفسك مالكاًما لم يكن لك في حسابكْ
ألا يُطيلَ تجرُّعيغصص المنية من حجابكْ
وله يمدح الحسن بن مخلد:
زارني بدرٌ على غُصنٍقابلاً وصلي، يقبِّلُني
خِلته لما أتى حلُماًوهو روحي رُدَّ في بدني
إنَّ لي عن مثله شغلاًبمقال الشعر في الحسنِ
وأبيه مَخْلَدٍ فبهِقد لبسنا أَسبغ المِننِ
كاتبٌ قلَّ النظيرُ لهفاضل في العلم واللَّسَنِ
كتب إليَّ زيد بن الحسن، أنبأنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد، حدثنا أحمد بن علي في كتابه قال: محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أبي العنبس ابن المغيرة بن ماهان، أبو العنبس الصيمري الشاعر، كان أحد الأدباء الملحاء، وكان خبيث اللسان، هاجى أكثر شعراء زمانه، وقدم بغداد، ونادم جعفر المتوكل، وبالاسناد أنبأنا أحمد بن علي بن مهدي، أنبأنا عبد الله بن علي في حَمُّويه الهمذاني بها، أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن الرازي، قال: أنشدنا أبو عمرو لاحق بن الحسين قال: أنشدنا علي في عاذل ابن وهب القطان الحافظ لأبي العنبس: خفيف:
كمر مريض قد عاش من بعد يأسبعد موت الطبيب والعُوَّادِ
قد يصاد القطا فينجو سليماًويَحِلُّ القضاءُ بالصيَّادِ
قال الخطيب: وبلغني أن أبا العنبس مات في سنة خمس وسبعين ومائتين وحمل إلى الكوفة فدفن بها.
النص من طبعة دار اليمامة (١٣٩٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع