من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
محمد امين الطبيب
محمد أمين بن إبراهيم بن يونس بن ياسين المذكور
سراج ذلك الربع وبدرها المستغني عن القنديل والشمع، والنازل بها منزلة البصر والسمع. نادرة ذلك البيت الذي باهت به رجالها، واتممت بادبه أدبها وكمالها. فهو بحر فلكهم، وعقود سلكهم.
بل وقاعدة تلك المعاقل، وقمر هاتيك المنازل، وآية نهارها وأشعة أقمارها، وديمة فضائلها، ونمو أعضائها، ونجم أفقها، وضوء فرقها، الذي هو لطلعتها غرة، ولعيونها قرة. ولزهرها نماء، ولدارها فناء، ولشهبها سماء. ولوهادها علم، ولإملائها قلم. ذو الحرم الأمن، والأدب الكامن. والأمن والأماني، والبشر والتهاني.
رئيس الأدباء، علامة الأطباء. بقراط الأدب، وردة ذلك البيت والنسب. الذي خاطبه الزمان، بأفصح لسان. بقوله:
أو لست رسطا ليس إنذكر الفلاسفة الأكابر
وكذلك ان ذكر الخليلفأنت نحوي وشاعر
من هرمس من سيبويهمن ابن فورك إذ تناظر
أليف الصبا وعصر الشباب، والواحد الذي لم يعتره ارتياب.
تقضت لنا معه أيام، أربت بلذاتها على الخمور والمدام. كلها أعياد ومواسم قرب واتحاد. لو ذكرت لكانت بردا محبرا.
وعبقت لكانت مسكا وعنبرا. وهي كما قال الوزير الصاحب
أبو القاسم، في مثل هذا اليوم الذي هو للأعياد مواسم.
ويوم ظللنا والمنى تحت ظلهتدار علينا بالسعادة أفلاك
بروض سقته الجاشرية مزنةلها صارم من لامع البرق بتاك
توسد بالصهباء اضغاث آسهكانا على خضر الأرائك أملاك
وقد نظمتنا للرضى راحة الهوىفنحن اللآلي والمودات أسلاك
تطاعننا فيه ثدي نواهدنهدن لحربي والسنور أنباك
وتجلى لنا فيه وجوه نواعميخلن بدوراً والغدائر أحلاك
مضت أيامنا على هذا الحالمن غير ريب واختلال. تهزا
بالربيع وأنواره، والرياض وأزهاره. ونحن الآن، على ما كنت وكان وكيف لا وهو الأديب الذي ليس فيه شك، والمتودد الذي لم يطر على خلوصه فك. له في الطب والأدب أبواب، لم يكن لغيره إلى تلك الدور دخول ولا إلى تلك المعالم انسياب. له من النظم ما هو كالعقود والجوهر، ومن النثر ما هو في المذاق كالسكر المكرر.
قد أثبت منه ما يستحلى، وإلى أهل الأدب من عطارد يستملى.
فمن هطل ذلك السحاب، قوله لما سمع بجمع هذا الكتاب وهو:
لله روض نضير جل عن شبهقد حاز منتخب الآداب والكتب
مستظرف لجميع الفضل مشتملعلى غريب بديع النظم والأدب
قد ضم أبكار أشعار محاسنهاقد أخجلت قاصرات الطرف من عرب
وقد حوى كل فن في القريض كذاجمع العلوم وأنواعاً من النسب
وأبكم الفصحاء اللسن في حكممخدرات عن الأفهام في حجب
لا تنكروا فضله إذ جاء تاليهم«فإن في الخمر معنى ليس في العنب»
كذا مصنفه الفرد الجواد بدالقمع داء الدواهي الدهم منتدب
الوارث المجد عن آبائه الفضلافليس إن فاق أهل العصر بالعجب
إن جاد فالبحر لا يوفي بنائلهوإن سطا أهلك الأعداء بالعطب
إن أمه طالب أكفاه حاجتهبالثوب والزاد ثم الشمع والحطب
ما جاءه قاصد يشكو ملمتهإلا أزال العنا عن ذلك الكئب
وإن تمردت الأعداء قال لنا«السيف أصدق أنباء من الكتب»
لا عيب فيه سوى جود براحتهقد فاق بالحلم أهل الفضل والحسب
شريف ذات زكي الأصل ذو هممبهي خلق جميل الخلق والنسب
ذو همة قد بدت فوق السماك علتقد أذهبت زلل الاكدار والكرب
سمي عثمان ذي النورين كنيتهأبا شفيقة ثبت الجأش في النصب
يكفيك فضلا أبا نعمان يا ثقتيأن قد تفردت بالآداب والأرب
وفقت كل الورى طراً بمعرفةوحكمة وسخا يغني عن السحب
رقيت للمجد من درج إلى درجحتى رقيت السها بالعز والرتب
لا زلت في رفعة تسمو على شرفما غرد الأيك والورقاء من طرب
وله مخمساً:
عذراء في مهد الدلال رباهاتلفت حشاشة مهجتي بهواها
لا بد لي من وصلها وقراهاقسماً بشمس جبينها وضحاها
وبليل طرتها إذا يغشاهامنعوتة في خدها ذاك البهي
موصوفة في ريقها العذب الشهيلا انتهي عن حبها لا أنتهي
إن النفوس لغيرها لا تشتهيأبداً ولا تهوى القلوب سواها
يئس المحب من الملال بقربهاثم استجار بمن يجير بعربها
لما رأوه عائذاً من عجبهاقالت محاسنها لوجه محبها
لنولينك قبلة ترضاها
مصطفى الغلامي بيت الغلامي رئيس ذلك البيت مصطفى المفتي
رجل تطعمه الزمان فجاءهطرفين في الإحلاء والإمرار
رفيع المجد، وري الزند، ماضي الحد، سني المجد، عالي المقام بعيد المرام، واضح الرسم، غريب النظم. ثابت الأصول، فائق الفصول، طيب النشر، بديع النثر. فسيح الرحاب، شامخ
الهضاب. الطالع من كل ثنية، والواصل بكل أمنية. ذو الفضل الوارف، والكمال والمعارف. عماد الإفتاء، التي باهت به الجوزاء.
سباق الغايات، الناصب للكمالات رايات. فكم قد أبرى للفضائل أعواد، وأورى للمكارم زناد. فهو الأديب المعظم، والأريب المقدم. المتميز بين اترابه، والمتفوق على أقرانه وأريابه.
وهو المنيع الذرى، البعيد عن أن يلاحظ أو يرى. قضى عمره في تعاطي أنواع التدريس، وأفتى على مذهب الإمام ابن إدريس.
فركب في ذلك صعاب المسائل فذللها، ورقى هام الثريا فانتعلها.
فحاز أنواع المحامد والمجد، والآداب الراقية التي لا تحد. فلم يحتمل قال وقيل، ولم يأت له الدهر بمثيل.
بآرائه البيض ارتقى درج العلىوحل ذرى العليا براياته الخضر
كانت صحبته مع الوالد والعم اكيدة، والمحبة بينهم في الغاية سديدة. فكنت أراه وهو في مجلس الوالد، قد جمع لأنواع المحاسن والمحامد. وأنا إذ ذاك صغير، أتطلع لاستنشاق ذاك الرند والعبير. وهو في صدر المجلس قد نصب للفضل لواء، وألقى على أقمار المجلس بهجة وضياء. وقد أثبت للأدب إجلالا، وشيد للمكارم معارف وأفضالا. ينطق ببيان، وينظم لجواهر الألفاظ معان. والوالد ينسر بسبقه، ولا ينكر لمقدم حقه، ويحبه الحب الشديد، الذي ما عليه من مزيد.
وقد اتفق له مع العم عبد الباقي رسائل أدب، تهزأ بالشهد والضرب. فهي الشموس، التي ترتاح بسماعها الأرواح والنفوس.
بل هي سمر الأحباب، التي لم يرد مثلها في هذا الباب. قد نظم درا، وحلى نحرا
تخال أزاهير الرياض خلالهامصابيح ليل ما لهن فتائل
فمن أقحوان ثغره متبسموورد على أكنافه الطل حائل
فمما أرسله إلى العم قوله:
أفديه إذ بالقد والأطرافألقى الرماح وسطوة الأسياف
ريم اللواحظ بالجمال موشحطاوي الحشاء مرخم الأعطاف
سهران لا عن ترك نوم جفونهسكران لا من حسو كأس سلاف
من فوق طرته الشعور كأنهاقرص الغزالة تحت جنح غداف
إن جاء يا للاعتدال بقدهأوسار يا للموت بالأرداف
ظبي من الأعراب إن ناسبتهيعزى بإسناد لعبد مناف
بدر إذا ما رمت تنظر وجههيغشيك نور جماله الشفاف
حاوي الدلال جميعه فوصالهحسد يضيع وقلة الإنصاف
تصغي السماع لقوله فكأنهيتلو لها ضربا من الأوصاف
أوصاف عبد الباقي الحبر الذيأنجى المجير واقرأ الأضياف
الجاعل العلياء ثوبي لبسهما دام ثوب ندى وثوب عفاف
الساعي في كسب الثناء فشأنهمغني الالوف وموهب الآلاف
ما أقشعت ديم الندى في أرضناإلا كفاها بسيله الوكاف
يجد المقل إذا ألم بربعهفكأن أرسل للأنام مكافي
شرفت بك الحدباء يا عمري كماشرف الثرى بأصولك الأشراف
دم باقيا وأمشي على جيد العدىتفنى الزمان وتحصى الأحقاف
وله ﵀ فيه:
ولقد لممت بربع باق ضالعافأزال عن هام الهموم صعاصعا
وبه لقيت الاستقامة بعد ماولدتني أيام احتياجي اكتعا
وأباحني ثدي النوال وطالماغذى المقل به وأرضى طامعا
يا باقياً جعل العطاء بما لهدينا ندى عبد وسهما شايعا
ما للغمام وراحتيك تماثلاإذ عد وابلها أنالت أصوعا
فيه رائحة من قول رشيد الدين الوطواط:
ما نوال الغمام يوم ربيعكنوال الأمير يوم سخاء
فنوال الأمير بدرة عينونوال الغمام قطرة ماء
وفي البيت من أنواع البديع التفريق، وهو إيقاع تباين بين أمرين من نوع في المدح أو غيره كقول بعضهم فيه:
حسبت جماله بدراً منيراًوأين البدر من ذاك الجمال
وقول الآخر:
قاسوك بالغصن في التثنيقياس جهل بلا انتصاف
هذاك غصن الخلاف يدعىوأنت غصن بلا خلاف
وقد تلاعب الشعراء في معني أبيات الوطواط. فللوأواء الدمشقي:
من قاس جدواك بالغمام فماأنصف بالحكم بين شكلين
أنت إذا جدت ضاحكا أبداًوهو إذا جاد دامع العين
ولبعضهم فيه:
من قاس جدواك يومابالحسب أخطأ مدحك
السحب تعطي وتبكيوأنت تعطي وتضحك
ولأبي الفتح البستي:
يا سيد الأمراء يا من جودهأوفى على الغيث المطير إذا همى
الغيث يعطي بالحيا متجهماونراك تعطي ناظرا متبسما
وقول الأديب يعقوب النيسابوري في أبي الفضل الميكالي
رأيت عبيد الله يضحك معطياويبكي أخوه الغيث عند عطائه
وكم بين ضحاك يجود بمالهوآخر بكاء يجود بمائه
وما أبدع قول البديع الهمداني مع زيادة في المعنى ومبالغة في الغلو.
وكاد يحكيك صوب الغيث منسكبالو كان طلق المحيا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقتوالليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
وقول ابن بابك يمدح نظام الملك:
يقولون أن المزن يحكيك صوبهمحاكمة فيها شهدت وغابا
وكم عزمة عم البرية بؤسهافهل ناب عنها عن يديك منابا
همت صيبا فيها يداك عليهموضلت يداه ان ترش ذهابا
وقول ابن اللبانة في المعتمد بن عباد:
سألت أخاه البدر عنه فقال ليشقيقي إلا أنه البارد العذب
لنا ديمتا ماء ومال وديمتيتماسك أحيانا وديمته سكب
إذا أنشأت تبرية فله الندىوإن أنشأت بحرية فله العجب
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
أم أين للعضب اليماني نسبةويكون عزمك في المواقع أقطعا
سالت أناملك النوال فكاد منفرط التدفق دهرنا أن يكرعا
آلت يمينك لم تزل عن بذلهاحتى ترى المعتر فيها قانعا
أغدقت يا غيم الجوائز منةوأبيت عن أرض الرجا أن تقشعا
أتعبت نفسك في اكتساب ثنائنافلنصنعن الحمد ذاك مصانعا
مالي ولا أثني عليك وأنت ليعضب به ألقى الحمام الناقعا
أبقيت ربح مديحتي أو كيف لمتربح وقد زرعت شباط أبدعا
دم باقيا في الدهر صدراً ماجدانلقاك ما دمت الأعز النافعا
فأرسل إليه العم عبد الباقي هذه الأبيات:
يا خبيراً بكل معنى بليغوبصيراً بكل نظم ونثر
فلقد ضاع شعركم وطفقنانسأل الركب هل سمعتم بشعر
فأرسلوا نظمكم لكي نتداوىبه حقاً فلا برحت كبدر
لا تقل إنه عليم بهذالست اعرفه لا ولا به أدري
إنما نحن بالقريض كواو«ألحقت بالهجاء ظلماً بعمرو»
وأنا باقي على العهد دومابصفاء الوداد ما دام دهري
فأجابه المذكور بقوله:
يا كبيراً على الكبار مجيداًيا أميراً لكل عبد وحر
إن ترم قول أبكم مستحيلهل زمين على الحدادة تجري
شرف العبد في الخطاب بادعووبياء النداء قد زيد قدري
أنت للشعر فاء أما فأماهل تلقى بغيرها يا لعمري
إن تكن باقيا على العهد دومافأنا مصطفى لمدحك عمري
فراجعه العم بقوله:
شرف المشرف الكريم فخلنالؤلؤاً في العقود أو سلك در
يا له من نظام سمط بديعفاق سحبان والعلاء المعري
لو رأى سحر لفظه المتنبيآل ما دام لا يفوه بشعر
خمر العقل في معانيه حتىظن أني شربت كاسات خمر
فغدا الفكر قائلا فيه تيهاولعمري أظن هذا بسحر
دم بعز وبهجة وسرورما شدا الأيك أو تغرد قمري
وأرسل إليه العم هذه الأبيات:
أيا من له في كل فن نتايجوأضغرها أعيت لمن هو صادح
ومن عجزت عنه المذاود أن ترىفخاراً وكادت أن تنوء المدايح
ومن ليس في ذا العصر ضد مضاددلبعض الذي يأتيه والجد فاتح
ومن قد غدت منذ استطابت باسمهتفيد سعوداً في البوادي البوارح
إليك أتت تقرى المسائل في العلىوحثت باجواز الفلاة المنائح
فلو علم العافون أن مقامكمبديع لما كان البيان يجانح
فإن أطنبت في مدحه لم تكن تفيبمعشار ما فيه العلوم الصوادح
لقد أسمع الصادي الفؤاد أو ان ماتفارق منكم سائل المحن قادح
وقد كان في تجهيز ما هو قائلبإرساله في الأمس والعلم فايح
فأوحيت ما فيه ولكن ظننتهخلافا فارسالى إليكم تسامح
وذلك بيتان وظني فيهماسؤال لأرباب الجهالة فاضح
لنا ابل ما روعتها الصفائحولا نفرتها بالصياح الصوائح
إذا سمعت أضيافنا من رعاتهاأتين سراعا يتبدرن الذبائح
فما الوجه في رفع الذبائح فيهماووجه وجوب النصب فيهن لائح
فأرسل جواباً عن سؤالي وأن يكنوضيح لديكم لا يليه الجوامح
وما قلته من بعد هذا فإننيلمرسله ما دام صفو وصالح
وكن مرسلا لي ما يكون جوابهشديداً فاني باقي الود كادح
فأجاب صاحب الترجمة بقوله:
أزال ستار الصمت بالنطق فابتدتفوائد بحر لم تنلها السوابح
وأسجع من فرط البلاغة منطقافحزت شحارير الكلام الصوادح
وأبدع تصوير المعاني فصاحةفزالت بها حسنا عقول رواجح
وكاد سنا برق النظام لحسنهيضيء مداداً مذ حوته الصفائح
فشق سماع القوم ثوب صماخهإليها وتاهت في تلاها الجوارح
واعتبقت منها النفوس لطافةوفاحت الى التنشيق منها نفائح
ألا وهو الخلم الحسيب ومن بهلكل مغاث قد تجلت طوائح
فشرفنا منه السؤال وقد درىبنا وبما جادته منا القرايح
فدم باقياً لا زلت في العهد إننيمصيطف ود للأحبة مادح
فراجعه العم بقوله أيضا:
ألا يا بديع الفضل في كل ما نحتإلى نحوه أهل البيان من الغض
ومن هو في هذا الزمان بفعلهلفاعل نصب المنتمين من القرض
لأنت وحق الله بين أولى النهيلبرهان حق لا يدنس بالنقض
وكاشف عن حجب الدقائق بالحجاومغلق أبواب النقائص والخفض
لك الله من صدر كأن ذكاءهسناء ذكا أو جذوة في لظى الرمض
كأن إذا ما أجرضته عنودةمن الوحي أمضاها بصارمة المحض
كأن له ما بين ضحضاح علمهلغمر إذا ما جف حول بالنض
كأن إذا ما شاء تقرير لفظهتكاد له صم الصياخد أن تغضي
كأن إذا ما كان ينظم غائصاإلى اليم يستملي اللآلي ويسترضي
كأن الصحاح الجوهري في لغاتهوقاموس بحر في الخضم من البرض
كأن قوافي الشعر تحت لسانهجواد فيلويه لما شاء بالركض
كأن يرى في فكره إن أجالهسنا البرق أو أسنى سناء من الرمض
كأن مقالي هو وقس كباقللديه ولكن غيره فيه ذو رحض
كأن نظامي هل من نحو شرقهونور قريض المستهل من البعض
كأن حديثي حيث ما كان مرسلالديه ضعيف ليس من سنة الفرض
فيا من له دانت مسائل علمناوكان لنا فيها سهاد من الغمض
إليك نحا سؤلي وأنت مميزاًبآية كبرى أعجزت كل ذي نبض
وما هي إلا استطعما أهلها فقدترى استطعماهم مثل ذلك مستقضي
فما الحكمة الغراء في وضع ظاهرمكان ضمير فاحكه أيها المرضي
وما الوجه في هذا العدول ابنة ليفانك في ذا العصر أوحده المحض
فلا زلت طوداً شامخاً في ذرى العلىمقيماً وباق بالسمو وبالارض
الشيخ علي مفتي الشافعية المفتي الشيخ علي، صاحب الأدب الواضح الجلي
هذا الهمام، شبل ذلك الضرغام، ملاذ أهل القريض الفائق بآثاره، ومطلع شمس الكمال الرائق باقماره، ذو الأدب الوافر العامر، والحسب الزاهر الفاخر، والرجا والأرب والأمل، والظبا والقنا والأسل. والفضل والسعد، والحل والعقد.
أديب واحد قمر منيرونهر في المعالي له خرير
فريد مفرد بحر عظيمأديب بارع غيث مطير
فهو الواحد الرحب الساحة، الحاوي لأنواع المكارم والسماحة.
ذو اللسان العذب الطلق، والبيان الزاهر اليقق. والكمال الشائع السائر، والنوال الرائع الباتر. مقدم الاعيان، الثابت القلب والجنان. ملاذ القاصدين، معاذ الوافدين. الطلق الوجه والصباح، والحامل المجد والسماح. والسني السناء والمناقب، والرحيب الفنا
والمواهب. الذي ابرق وأرعد، وأسهر وأرقد. وقرب وأبعد، وأقام وأقعد.
فانه الواحد المصفىمن جوهر الفضل والمعالي
فريد علم ومجدكالبدر في ظلمة الليالي
فها هو الشمس حقاًقد ساد في الفضل والكمال
فانه الطود الشاهق، والومض البارق، واللمع الشارق. والمجد الواضح والعطر الفايح، والكمال اللائح. الذي اتخذه الأدب منارا، وجعله الكمال بهجة ووقارا. وصيره للمحامد مراحا، وللفضائل إزاراً ووشاحا. قد أحرز لأنواع المعال، واكتسب أصناف الكمال، فيراعه دوحة المعارف، وبنانه قمري ساحة
اللطف واللطائف. لم يحتج إلى البيان، فقد سارت بحديثه الركبان.
من كان كالبدر يزهو حسن بهجتهفليس يلحقه نقص ولا خلل
فمعارفه كالأهلة تتوقد، وفواضله على مرور الأيام تزهو وتتجدد. له نظم أرق من الخيال، وآنق من مواصلة ذوات الحجال.
قد اثبت من نظمه ما هو كالرحيق الرائق، وذكرت من شعره ما هو الأنيق الفائق.
فمن منظوماته، وعذب أبياته، قوله مضمنا لبعض من أبيات الحماسة في مدح محمد أمين باشا. وهي:
تقول فتاة الحي وهي تلومنيأمالك عن دار الهوان رحيل
فان عناء المستنيم إلى الأذىبحيث يذل الأكرمين طويل
فثب وثبة فيها المنايا أو المنىفكل محب للحياة ذليل
فان لم تطقها فاعتصم بابن حرةلهمته فوق السماك مقيل
يعين على الجلى ويستمطر الندىعلى ساعة فيها النوال قليل
فقلت ومن ذا فأرشديني فإننيإلى مثله بادي الركاب عجول
فقالت أمين غصن جرثومة الندىألوف العطا للمكرمات فعول
تدرع ثوب المجد والحزم يافعافحطت شباب دونه وكهول
له الهمة القعساء والرتبة التيتعز على من رامها وتطول
بدا في سما العليا بالعز شارقاجري السنا لا يعتريه أفول
فليس يشد الرحل إلا لربعهفحسبك ربع للعفاة ظليل
ففي بابه تحوى المراد وغيرهيرد إليك الطرف وهو كليل
والأبيات المذكورة المضمنة من الحماسة للسموأل بن عاديا وهي:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضهفكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمهافليس إلى حسن الثناء سبيل
تعيرنا أنا قليل عديدنا،فقلت لها إن الكرام قليل
وما قل من كانت بقاياه مثلناشباب تسامى للعلى وكهول
وما ضرنا أنا قليل وجارناعزيز وجار الأكثرين ذليل
لنا جبل يحتله من نجيرهمنيع يرد الطرف وهو كليل
رسا أصله تحت الثرى وسما بهإلى النجم فرع لا ينال طويل
هو الأبلق الفرد الذي سار ذكرهيعز على من رامه ويطول
وأنا لقوم لا نرى القتل سبةإذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
وما مات منا سيد حتف أنفهولا طل منا حيث كان قتيل
تسيل على حد الظباة نفوسناوليس على غير الظباة تسيل
صفونا ولم نكدر وأخلص سرناإناث أطابت حملها وفحول
علونا إلى خير الظهور وحطنالوقت إلى خير البطون نزول
فنحن كماء المزن ما في نصابناكهام ولا فينا يعد بخيل
وننكر إن شئنا على الناس قولهمولا ينكرون القول حين نقول
إذا سيد منا خلا قام سيدقئول لما قال الكرام فعول
وما أخمدت نار لنا دون طارقولا ذمنا في النازلين نزيل
وأيامنا مشهورة في عدونالها غرر معلومة وحجول
وأسيافنا في كل شرق ومغرببها من قراع الدار عين فلول
معودة ألا تسل نصالهافتغمد حتى يستباح قتيل
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهمفليس سواء عالم وجهول
وله في المديح وهو في بلاد الروم:
برق تألق في الظلام المسدلفأثار في الأحشاء ذكر الموصل
أوري زناد الشوق بين جوانحجنحت إلى ذكر الحمى والمنزل
يا أيها البرق الولوع بمهجتيرفقا فديتك بالفؤاد المبتلي
هات الحديث عن العراق فإننيأصبحت عن تلك البقاع بمعزل
أين العراق وساكنوه لمن غدابالروم يسأل كل ركب مقبل
ما حال هاتيك المعاهد بعدناما حال ذاك الربع بعد ترحل
هل جادها صوب العهاد عشيةهل أعشبت بهوامل المتنزل
حيى الحيا تلك الرحاب وان نأتعني فذكراها حليف تخيلي
ما الروم داري يا بريق ولا أناممن يشد إلى ذراها أرحلي
لولا الوزير أبو المكارم والعلىوسداد ثغر الملك للمتأمل
المرتقي أوج الكمال بهمةنافت على هام السماك الأعزل
دامي المضارب لم تزل أسيافهكالشهب تلمع في دياجي القسطل
هذا الرشيد أبو الأمين ورأيهالمأمون معتصم بتوفيق جلي
مذ حل أرض الروم عضبا باتراًدانت رقاب طغاتها بتذلل
رغمت بسطوته أنوف طالماعطست عتوا في الزمان الأول
إن أجدبت أرض العراق لبعدهفالروم في حلل النضارة تنجلي
أهل العراق لقد حرمتم ضيغمابمثاله بخل الزمان لسائل
فهو الذي أسدى إلى عوارفاأعيى عن التفصيل فيها مفصلي
سحت علي سحائب من جودهتترى فاغنت عن مقالي ليت لي
أعلى محلي رفعة وأنالنيرتبا تعز على يد المتناول
أنساني الوطن القديم ومن يكنبظلاله يسل الديار ويهمل
فببابه العالي مناخ مطيتيوحماه منتجعي وغاية مأملي
لا زال في برج السعادة مشرقاًبالنصر والفتح المبين الأكمل
بمزيد إقبال وعز سرمدودوام تأييد من الملك العلي
محمد الغلامي شيخ الأدباء أخوه محمد الغلامي بن الشيخ مصطفى
هذا الذي بخل الزمان بمثلهوبفضله وبعلمه وكماله
نادرة الحين ونتيجة الزمان، والماء العذب المعين حيث ما كان.
بدئ به البيان وختم، وله ثبت المعالي ورسم. وبمكارمه هب الزمان وبسم. وفيه ختمت النباهة والبسالة، ولبس ببعيد فمحمد خاتم الرسالة. تفرد بأدبه وفاق، وملأ بمعارفه الآفاق. نثر ونظم.
وأغار على فتح حصون الأدب وهجم.
وجرد من أغماده كل مرهفإذا ما انتضته الكف عاد يسيل
فهو الآن زعيم فتية الأدب، الذي بهر بأدبه جهابذة العرب.
فجاء من النظم بالسحر الحلال، ومن النثر بالعقود واللال. فنظمه ماء الغمام، وسجع الحمام. وشقايق الرياض، وشباك الحياض.
كالنور أو كالسحر أو كالدر أوكالوشي أو كالبدر حين يلوح
فهو ملهج لسان البيان، وانسان عين الزمان. الذي نبت في روض المعارف، وكان من الأدب مكان السواد من السوالف.
فنظمه أحلى من العسل، وأرشق من سهام المقل حقيق بالقبول وخليق، وهو الصهباء في الحقيقة والرحيق. يجري مجرى الروح في البدن، والنوم في العين والرقود في الوسن. ويرق عن الماء ويسمو على قطر السماء.
وماء على الرضراض يجري كأنهصفائح تبر قد سكن الجداولا
له في كل واد مقال، وفي كل نزال نصال. روى، ولكل ظريف حوى. صنف، وبكل بليغ شنف. صنف بالأدب
الشمامة ووسم في جبهة الأيام شامة.
وكل فضل طواه الدهر مذ ظهرتآيات أبياته من سالف الحقب
حذا فيها حذو الريحانة، ولم يبق من مكتوم البيان شيء حتى أبانه. جمع فيها رجالا وأي رجال، لم يأت لهم الدهر بمثال.
«ومجلس الأنس محفوف بأكياس».
فهي شمامة الكمال، المستهزئة بعقود اللال. أبدع فيها، وأودع الفضل في مكنون خوافيها. رقى إلى أوج الشرف، وملك أنواع اللطائف والظرف. فبرع في القريض سرا وجهرا، وقلب دفاتر الكمالات بطنا وظهرا. وقد وقدت ناره، ودلت عليه آثاره «إن القليل على الكثير دليل».
قد أقام نهاره وليله، يجر على المجرة ذيله. عطس من الأنفة بأنف شامخ، وعلا على عطارد بكمال راسخ. وشرف باذخ، جمع لكل نبيل، وهو في الكمال كما قيل.
أديب له جل المكارم ثابتلبيب له في المكرمات مناقب
فكتابه الروض الزاهر، والبدر الباهر. والغمام القاطر، وشحه بالفضائل واستوفاه، ووكل أمره إلى الكمال حتى استكفاه. فكتابه روض كمال تشعبت أنواره، وجدول معال اعتدلت أسطاره.
وقد جمعت سوسانها في خدودهارواضع إلا أنهن حوامل
وقد شربت ماء الغمامة فانثنتكما يتثنى الشارب المتحابل
فها هو الآن، منتهى البيان، المطاول لسحبان، والمستهزئ بالفتح بن خاقان، على قلائد العقيان.
دع عنك شاميات أحمد واقتطفثمر العلى يا صاح من أبياته
وقد أودعت من اشعاره ورايق آثاره، ما يشاكه النور وليصلح أن يكون قلادة لنحور الحور وأشعة للأقمار والبدور.
فمن نفحاته، ورايق قوله في المديح لما وصلت خلعة الوزارة إلى ممدوحه.
أوُرق الحمى لم أنت خاضية كفاوسحب الندى لم أنت واكفة وكفا
ويا زمني لم أنت ملتمع الضياأجرد هذا الدهر من غمده سيفا
نعم أنجز الإقبال وعداً فعاطنيعلى نغمات العود مشمولة صرفا
ودع ذكر من أهوى فإني أجلهعلى مسمعي من أن يكون له شنفا
فديتك عرض عن حبيبي بغيرهوهيهات من شمس الظهيرة أن تخفى
بروحي من أنسى بفرط غرامهمعاطاة نظم الشعر والنحو والصرفا
فما حيلتي والقلب إن رام سلوةوشاهد واو الصدغ يقتبس العطفا
؟ ؟ ؟ وز من لدن قدهوفترة لحظ ذابل كاد أن يغفا
؟ ؟ ؟ قلت أحدث سلوةبدا رافعا عن صبح عزته السجفا
؟ ؟ ؟ لطرف في روض خدهليرعى وإن جاءت كتيبته زحفا
؟ ؟ ؟ عذل أعاب تهتكيوحاول أن يشفي العليل وقد أشفى
؟ ؟ ؟ حط بالحب قدرهفمثلي متى ما نال بغيته عفا
؟ ؟ ؟ أن يكون متيماًعليلا وثوب الصبر عندي لا يرفا
؟ ؟ ؟ ى للوزارة أن ترىمقبلة كف الذي زانها إلفا
؟ ؟ ؟ خلعة لتزينهفأبهرها حسنا فزادت به عرفا
؟ ؟ ؟ نه فخرا وإنمالها الفخر من ذا البحر إذ علت الكتفا
؟ ؟ ؟ مطر الناس جودهفإن نفذت أمواله استقطر السيفا
أحب العلى طفلا فعود نفسهولولا اغتراف الماء لم يبسط الكفا
لقد قسم الأيام يوم لنائلويوم على أعدائه يجلب الحتفا
ومنها:
أبا حسن يهنيك في خلعة غدتتجر ذيول الفخر حائزة لطفا
كويت بها قلب الحسود وغادرتحشاه لهيب النار هيهات أن يطفا
فلا زلت في أوج المكارم راقياًبك السعد والإقبال يا بحر قد جفا
وله من أخرى:
خليلي مالي لا أرى الدهر مسعداولا الهمة العلياء تمنحني يدا
هو الدهر حياني بمسكر همهفما لي أرى صرف الحوادث عربدا
وصحبة مخضوب البنان وأغيدهما أحوجاني أن صحبت المهندا
وأقطرت بيض الهند من ديمة الطلافقبلت متن السيف خدا موردا
وعاشرت ناساً لأخلاق لخلقهمفأرضيت قد القوم شيخا وأمردا
وحقك ما ايلى لي الدهر جبةمن الذكر إلا ثوب عز تجددا
ومستخبر عن شعلة الرأس أسرعتفقلت له من نار قلب توقدا
ومعتذر بالذم عد معايبيوماذا عليه أن أكون محمدا
وله في المديح أيضا:
يا حبيب الفؤاد أهلا وسهلابك لا زلت للمحامد أهلا
جاء يسعى والليل جنح دجاهولد الصبح والحمام استهلا
سحراً صاح فوق غصن بشيراًمشعراً أن ليلة الصبح حبلى
ليلة لا تزول فالصبح منهاهو مثل الحبيب يكره وصلا
والثريا تلوح في طرف الأفق كعنقود كرمة قد تدلى
وكأن الهلال زورق ماءهب ريح فأعقب الهب ميلا
وكأن السها مقارنة النجم كذات الجمال تحمل طفلا
وكأن الذراع قد ذرع الليل وقد ضيع الحساب فملا
وكأن الجدي المسمر قرمثابت في مقامه ما تولى
وكأن الصباح قرية نملوكأن النجوم في الأفق نملا
وتراه مجرى المجرة نهراحل أرضا فاعقب الجري سيلا
وشعاع الصباح يرقع سجف الليل مثل الحبيب شمر ذيلا
فبدت شمسه كوجه حسينإذ غدا في الأنام يقسم فضلا
مشى في هذه الأبيات وفي حسن التخلص على اسلوب ابن هاني الأندلسي في قصيدته البديعة الغريبة التي منها:
بعيشك نبه كأسه وجفونهفقد نبه الإبريق من بعد ما أغفا
وقد فكت الظلماء بعض قيودهاوقد قام جيش الليل للصبح واصطفا
ودلت نجوم للثريا كأنهاخواتيم تبدو في بنان يد تخفى
ومر على آثارها دبرانهاكصاحب جيش نكبت خيله خلفا
كأن بني نعش تراها مطافلبوجرة قد أظللن في مهمه خشفا
كأن سهيلا في مطالع أفقهمفارق إلف لم يجد بعده إلفا
كأن سهاها عاشق بين عوّدفآونة يبدو وآونة يخفى
كأن ظلام الليل إذ مال ميلةصريع مدام بات يشربها صرفا
كأن السماكين اللذين تظاهراعلى لبدتيه ضامنان له الحتفا
؟ ؟ ؟ لى قطبها فارس لهلواءان مركوزان قد كره الزحفا
؟ ؟ ؟ امى النسر والنسر واقعقصصن فلم تسم الخوافي به ضعفا
؟ ؟ ؟ اه حين دوم طائراًأتى دون نصف البدر فاختطف النصفا
؟ ؟ ؟ ب الصبح أجدل مرقبيفتش تحت الليل في ريشه طرفا
؟ ؟ ؟ ود الصبح خاقان عسكرمن الترك نادي بالنجاشي فاستخفى
؟ ؟ ؟ الشمس غرة جعفررأى القرن فازدادت طلاقته ضعفا
؟ ؟ ؟ في الوزن والحسن والقافية قول الخفاجي الأندلسي:
؟ ؟ ؟ الدعساء هل فقدت خشفافأنا لمحنا في مراتعها ظلفا
؟ ؟ ؟ ط البان فلتمسك الصباعلينا فأنا قد عرفنا بها عرفا
سرت من هضاب الشام وهي مريضةفما ظهرت إلا وقد كاد أن يخفى
عليلة أنفاس يداوى بها الجوىوضعفا ولكنا رجونا بها ضعفا
وهاتفة في البان تملي غرامهاعلينا وتتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق جهالةوقد جاورت من كل ناحية ألفا
ويشجو قلوب العاشقين حنينهاوما فهموا مما تغنت به حرفا
ولو صدقت فيما تقول من الأسىلما لبست طوقاً ولا خضبت كفا
أجارتنا أذكرت من كان ناسياوأضرمت ناراً للصبابة لا تطفا
ومهزوزة للبان فيها شمائلجعلن لها في كل قافية وصفا
لبثنا عليها بالثنية ليلةمن الشوق لم يطو الصباح لها سجفا
لعمري لئن طالت علينا فإننابحكم الثريا قد قطعنا لها كفا
رمينا بها في الغرب وهي ذميمةولم تبق للجوزاء عقدا ولا شنفا
كأن الدجى لما تولت نجومهبمدبر حرب قد هزمنا له صفا
كأن عليه للمجرة روضةمفتحة الأنوار أو نثرة زغفا
كأنا وقد ألقى إلينا هلالهسلبناه جاماً أو فصمنا له وقفا
كأن السها إنسان عين غريقةمن الدمع يبدو كلما ذرفت ذرفا
كأن سهيلا فارس عاين الوغىففر فلم يشهد طراداً ولا زحفا
كأن سنا المريخ شعلة قابستخطفها عجلان يقذفها قذفا
كأن نصير الملك سل حسامهعلى الليل فانصاعت كواكبه كسفا
ولحازم صاحب المقصورة طائية حذا فيها هذا الحذو، وهي بديعة ومطلعها:
أمن بارق أورى بجنح الدجى سقطاتذكرت من حل الأبارق والسقطا
يقول فيها بعد أبيات:
وكم ليلة قاسيتها نابغيةإلى أن بدت شيباً ذوائبها شمطا
وبت أظن الشهب مثلي لها هوىوأغبطها في طول الفتها غبطا
على أنها مثلي عزيزة مطلبومن ذا الذي ما شاء من دهره يعطى
كأن الثريا كاعب أزمعت نوىوأمت بأقصى الغرب منزلة شحطا
كأن نجوم الهقعة الزهر هودجلها عن ذوي الحرف المناخة قد حطا
كأن رشاء الدلو رشوة خاطبلها جعل الاشراط في مهرها شرطا
كأن السها قد دق من فرط شوقهإليها كما قد دقق الكاتب النقطا
كأن سهيلا إذ تناءت وأنجدتغدا يائسا منها لها هَمّ وانحطا
كأن خفوق النجم قلب متيمتعدى عليه الدهر في البين واشتطا
كأن كلا النسرين قد ريع إذ رأىهلال الدجى يهوى له مخلبا سلطا
كأن الذي ضم القوادم منهماهوى واقعا للأرض أو قص أو قطا
كأن أخاه رام توقا أمامهفلم يعد أن مد الجناحين وامتطا
ومثلها في الحسن قول علي بن محمد الكوفي:
نجوم أراعي طول ليلي بروقهاوهن لبعد السير ذات لغوب
خوافق في جنح الظلام كأنهافؤاد معناه بطول وجيب
يرى حوتها في الشرق ذات سباحةوعقربها في الغرب ذات دبيب
إذا ما هوى الإكليل منا حسبتهتهدل غصن في الرياض رطيب
كأن التي حول المجرة أوردتلتكرع في ماء هناك صبيب
كأن رسول الصبح يخلط في الدجىشجاعة مقدام بجبن هيوب
؟ ؟ ؟ خضرار الفجر صرح ممردوفيها لآل لم تشن بثقوب
؟ ؟ ؟ واد الليل في ضوء صبحهسواد شباب في بياض مشيب
؟ ؟ ؟ ير الشمس يحكي ببشرهعلي بن داود أخي ونسيبي
؟ ؟ ؟ قائي عينه قلت سيديولكن يراها من أجل ذنوبي
؟ ؟ ؟ إخاء وهو غير مناسبقريب صفاء وهو غير قريب
؟ ؟ ؟ تتمة قصيدة صاحب الترجمة:
؟ ؟ ؟ الوزير يعطي جميلاقلت جاء الربيع يقتل محلا
؟ ؟ ؟ البائس الموسل مثليمن نداه فيملأ القسط عدلا
؟ ؟ ؟ موصل الحديباء مثليوصله والعراق تزعم وصلا
؟ ؟ ؟ ري مناصب الروم حنتمثلما حنت الحديباء أم لا
؟ ؟ ؟ الأعجام تطلب عقداًما به قيل جيد قرص تحلى
؟ ؟ ؟ قوى عزما وأقوم حكماأنت أزكى طبعا وقولا وفعلا
؟ ؟ ؟ فلد الوزارة شهملا يحاكيك كان في الناس كلا
؟ ؟ ؟ اولت أكف أناسفي المعالي رأيت كفك أعلى
؟ ؟ ؟ اوجها ولفظا ومعنىوسديدا رأيا وفعلا وقولا
؟ ؟ ؟ الأمر في الأنام عيونباصرات ترى الحقائق تجلى
؟ ؟ ؟ في الوجود للطفاًحيث أمر الإسلام مثلك ولى
هكذا هكذا فعال حكيميرتجى خيره فيوجد أهلا
ولكم حزت غاية وأياديسوف يكفيكها المهيمن جلا
رب يوم منعت حوزة دين الله إذ كاد ركنه أن يفلا
وحميت الألوف يوماً عبوساًذكره يوم منشر الصحف يملى
فجزاك الإله خير جزاءعم إنعامه فروعا وأصلا
وله في المشار إليه مبنية على حكاية:
ظفرت براحتي فبرى فؤاديكصلح العامري على فساد
وأعقبني التنقل عن مكانيسروراً كل يوم في ازدياد
ألا يا نسمة الأسحار كونيحجابي من شماتات الأعادي
ويا شعبان روحني لتمحوبه ذنبي ربيع مع جماد
ليالي خان فيها الخون حتىأنامتي على شوك القتاد
أقول لصاحبي والليل داجومن عظمت بليته ينادي
سل البرق اليماني عن فؤاديوعن خفقاته والليل هادي
ليالي لا أرى فيها خليلايساعدني على حفظ الوداد
ولا كهفا يؤمل غير خلبه يروي جوادي عن جواد
أصبت بحط رحلي عند يحيىيذكرني كمال أبي مراد
وزير سله الرحمن سيفاوأرسله إلى حفظ البلاد
أقام عمود دين الله حتىغدا متضعضعاً باب العمادي
أحال نهاره الدخان ليلاوأعقبه سواداً في سواد
نصرت به المهيمن أي نصروقمت بحمله واري الزناد
وله صدر رسالة:
مني السلام احملي يا نسمة السحروما ألاقيه من وجدي ومن سهري
ثم انزلي حلب الشهباء وارتحلينحو المدينة مأوى سيد البشر
وبلغي لي خليلا كنت آلفهوكان عندي محل السمع والبصر
لله كم من لويلات لنا سلفتكأنها شامة في وجنة القمر
حيث الزمان لنا عون يساعدناوقلبنا آمن من سائر الحذر
والشمل مجتمع والضد مندفعوالصدر متسع، صاف من الكدر
والدار دانية، والناس ساهيةوالنفس لاهية، عن كثرة الفكر
والصحب قد جمعت، والورق قد سجعتفي روضة أينعت، من رايق الزهر
والورد حيث بدا فيه سقيط ندىوالاقحوان غدا في الروض كالدرر
تلك الربى فتحت، غدرانها طفحتأطيارها صدحت، في ذروة الشجر
مرت بنا فحسبت الدهر طوع يديحينا ولم أقض من لذاتها وطري
مضت وأذكرني تذكارها فصبافالجسم في نصب والعيش في كدر
فالآن أنسي مرفوع ومنخفضقدري ومنتصب ما بي من الضرر
ماض من الهم فيه القلب منجزمومبتدا الحزن يغني الناس عن خبري
لما نأى فاراني الشمس كاسفةلا بدع أن كسفتها غرة القمر
ويلاه من بعد إلف كان عضد يديفزاحمتني عليه محنة السفر
أخلاقه قد حكت ريح الصبا وذكتحتى لقد ازدرت بالمندل العطر
وفي عهد حفي لا تغيرهعن الوفاء شفار البيض والسمر
زاكي السجية لو تبدو معارفهللخلق طراً لأغنتهم عن الزبر
فيا لحا الله من راموا مضرتهفلم تعنهم عليه سطوة القدر
كم من شباك مكيدات لقد نصبواله فما رجعوا إذ ذاك بالظفر
لأنه درة حاشا بها دنسمن دونه وقفوا طرا ذو والغير
يا أوحد العصر آدابا ومعرفةومن غدا شاغلا من ذكره فكري
هذا اعتذاري عن شخص أضربهطويل بعدك فاقبل عذر معتذر
وله صدر رسالة:
يا نسمة الحي عني بلغي كتبامن اشتياقي لأقضي بعض ما وجبا
«أمن تذكر جيران بذي سلم»استمطر الجفن بل استوقف النجبا
نعم سوابق دمعي بعد فرقتهمكالتبر منسبكا والخد منسكبا
لفتية فتنة كانت محاسنهإن جولسوا أدبا أو سوجلوا خطبا
من كل ذي فتنة فاقت فصاحتهمن أين جانس هذا الشادن العربا
لو أبصر الأهيف الممتاز قامتهما ماس منعطفا في قرطن وقبا
فقل لمن يبتغي يحكي فصاحتهملقد حكيت ففات اللفظ والشنبا
أصل هذا الشطر الأخير من قول شهاب الدين المصري المعروف بابن الخيمي من قصيدة مطلعها:
يا طالبا ليس لي في غيره إربإليك آل التقضي وانتهى الطلب
وما طمحت لمرئي ومستمعإلا لمعنى إلى معناك ينتسب
ولم يزل إلى أن قال منها:
هبت لنا نسمات من ديارهملم يبق في الركب من لاهزه الطرب
كذا يطير سرورا من تذكرهمحتى لقد رقصت من تحتها النجب
يا بارقاً بأعالي الرقمتين بدالقد حكيت ولكن فاتك الشنب
فاتفق أن نجم الدين بن اسرائيل الحريري حج، وهو شاب، فلقي هذه القصيدة ملقاة في الطريق ولم يعلم ناظمها فادعاها لنفسه.
ثم دخل ابن إسرائيل الديار المصرية واجتمع بابن الخيمي مع جماعة من الأدباء، فانشد هذه القصيدة مدعيا. فقال: ابن الخيمي هي نظمي. فأصر ابن إسرائيل بأنها نظمه. ثم اتفقا على ان يحكم بينهما الشيخ عمر بن الفارض، وهو إذ ذاك رئيس الأدباء بمصر، فقال لهما ينبغي أن ينظم كل واحد منكما أبياتا على هذا الوزن والروي ليستدل بها على ناظم هذه القصيدة.
فنظم ابن الخيمي أبياتاً مطلعها:
لله قوم بجرعاء الحمى غيبجنوا على ولما أن جنوا عتبوا
يا قوم هم أخذوا قلبي فلم سخطواوأنهم غصبوا عيش فلم غضبوا
هم العريب بنجم مذ عرفتهملم يبق لي معهم مال ولا نسب
إلى آخرها.
ثم نظم ابن إسرائيل قصيدة على هذا الوزن ومطلعها:
لم يقض في حبكم بعض الذي يجبقلب متى ما جرى تذكاركم يجب
ولي وفي لرسم الدار بعدكمدمع متى جاد ضنت بالحيا السحب
إلى أن قال منها:
يا بارقاً ببراح الحزن لاح لناأأنت أم أسبلت أقمارها الثقب
ويا نسيماً سرى والعطر يصحبهأجزت حين مشين الخرد العرب
أقسمت بالمقسمات الزهر يحجبهاسمر العوالي والهندية القضب
لكدت تشبه برقاً من ثغورهميادر دمعي لولا الظلم والشنب
ثم عرضت القصيدتان على ابن الفارض، فأنشد مخاطبا ابن إسرائيل عجز بيت ابن الخيمي السابق: لقد حكيت ولكن فاتك الشنب. وحكم لابن الخيمي. وقال بعض الحاضرين: من يتكلم مثل هذا الكلام ما الحاصل له ان يدعي ما ليس له. فقال ابن الخيمي: هذه سرقة حاجة. وانفض المجلس.
وقال الصفدي في هذه الطريفة قصيدة جيدة، يقول فيها:
إذا ثنى سلب الألباب عطفهالبادي التأود لا الخطية السلب
ولو بدا فبدور الأفق في خجلترخي على وجهها من سحبها نقب
يا برق لا تبتسم من ثغره عجباقد فات معناك منه الظلم والشنب
وضمنه بعضهم فقال:
ويا غزالا حكى معنى جمالهملقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وألم به أبو الثناء محمود فقال:
يا بارق الثغر لو لاحت ثغورهموشمت بارقها ما فاتك الشنب
ويا قضيب النقا لو لم تجد خبراًعند الصبا منهم ما هزك الطرب
وضمنه ابن تميم فقال:
إن تاه ثغر الأقاحي في تشبههبثغر حبك واستولى به الطرب
فقل له عند ما يحكيه مبتسمالقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وضمنه المسعودي فقال:
وروض أنسي به اللذات تنتهبأزهاره الدر والياقوت والذهب
غنى الهزار على أغصانه طرباحتى تراقصت الأفنان والقضب
وفاح للورد نشر من كمائمهوالنهر كالصل في الادواح ينسحب
وقام مبتسماً ثغر الأقاح بهيحكي ابتسام مليح هزه الطرب
فقلت والطرف من مرآه مبتهج«لقد حكيت ولكن فاتك الشنب»
وله أيضا:
وكأس در بشمس الراح يلتهبجلاه بدر به الأرواح تنتهب
فقل لمن رام يحكي خمر ريقته«لقد حكيت ولكن فاتك الشنب»
وضمنه الشيخ عبد الغني فقال:
رام العذار بان يحكى بأكؤسهدور الغلابين لما مدت الغضب
فهب نفح دخان التبغ ينشدهلقد حكيت ولكن فاتك الشنب
وضمنه الأديب حسن الحلبي وأبدع فيه:
حكى دخانا سما من فوق وجنة منقد مص غليونه إذ مسه الطرب
غيم على بدر تم قد تقطع منأيدي النسيم فولى وهو ينسحب
فقلت والنار في قلبي لها لهب«لقد حكيت ولكن فاتك الشنب»
وضمنه أحمد الاسدي فقال:
دع المدامة يعلو فوقها الحببرضابه وثناياه لنا إرب
نزه فؤادك عن راح الكؤوس وخذراحاً من الثغر عنها يعجز العنب
لله در مدام بت ارشفهامن في غزال إلى الأتراك ينتسب
مهند اللحظ زنجي السوالف لمتحو الذي قد حواه العجم والعرب
قالت مباسمه للبرق حين سرى«لقد حكيت ولكن فاتك الشنب»
وقمت أشدو على الغصن الرطيب لذابيني وبينك يا ورق الحمى نسب
يقول لما رأى دمعي جرى ذهبايا مطلبا ليس لي في غيره أرب
تبت يدا عاذلي عمن أعوذهبالناس ما نافث أو غاسق يقب
إن المحرم سلواني لطاعتهفقل لشعبان عني إنني رجب
وهذا الشاعر عارض قصيدة القيراطي التي بهذه الجادة وهي:
رضابه وثناياه لنا أربيا حبذا الراح أو يا حبذا الحبب
لا تذكر الخمر يوماً عند ريقتهفما استوى في المثال الآثم والقرب
يا مسكري برضاب بالمذاق حلاهذا هو الخمر أم هذا هو الضرب
يا حبذا حب ذاك الثغر مبتسمافرط المحبة في منظومه يجب
يا ليت شعري أنثر الدمع يعطفهأم ليس يثنيه لا نظم ولا خطب
حدث عن البحر من دمعي ولا حرحوقل عن النار من قلبي ولا عجب
من برد ريقك أشكو حر نار جوىوجنتي نار خد منك تلتهب
مذ زورت لينه هيف الغصون رأىقاضي الهوى حدها أن تقطع العذب
لي من بني الترك من تركي له سنةقاني الخدود غدا للقان ينتسب
لقوسه منه جذب نحو حاجبهوالشبه للشيء فيما قيل ينجذب
إن هز وصف سواه طامعا طربافوصف حبي فيه يطرب الطرب
وإن روى الناس عن أهل الهوى عجبافمن أحاديث عشقي يعجب العجب
من لي بدينار خد قمت أنشدهيا مطلبا ليس لي في غيره أرب
ويا معيد ربوع الصبر دراسةإليك آل التقضي وانتهى الطلب
اشتاق وصف جبين منه يسفر ليكأنني لهلال العيد أرتقب
غصن إليه فؤادي طار ثم شدابيني وبينك يا ورق الحمى نسب
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع