تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

الشيخ عثمان الخطيب

شيخ الطريقة، العارف بالمجاز والحقيقة، عثمان الخطيب، ذو الصدر الرحيب. ميدان رهان الاذهان، العابث بأنواع المعاني والبيان. ديمة الفضل والحكم، لسان السيف والقلم.

نتيجة الاعصار، وشهاب جميع الأمصار. وسراج الزوايا، ونفائس الخبايا. له الزند القادح، والنسيم الطيب البارح، صاحب الأنفاس القدسية، والملكات الإنسية. فاتح أبواب اللاهوت، معمر آثار ربع الناسوت. جمع الجمع، ونفس البصر والسمع.

فكم ربع به تعمر، وغصن به أورق وأثمر. فأصله ثابت، وفرعه في المكارم نابت. فمعاليه المرفوعة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. صاحب الآثار التي ملأت الأقطار. فكم من منبر، بفصاحته أزهر.

وكم من نادي، به حاز الأيادي. فنظمه الزاهر، زينة المحافل والمنابر.

بهرت عيون الناظرين وأبرزتحسنا يكاد البرق منه يخطف
للشاعر أبو سعيد الرستمي، اقرأ القصيدة

فأيامه مواسم، وثغوره بواسم. وقد اثبت من منظوماته الحسنة، ما هو في هذا المجموع حسنة. سقى الله ثراه، وشرف بالغفران ذراه فإنه النيل، الذي لم يتحمل قال وقيل.

فمن نظمه قوله يمدح حضرة نبي الله زكريا على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام.

سر بنا صاح راشدا مهدياوتهيا وناد بالركب هيا
ثق بوعد الإله فهو كريمأنه كان وعده مأتيا
واستعن بالقوي في كل أمرأنه كان بالضعيف حفيا
وتقدس عن السوى وتطهرواذكر الله بكرة وعشيا
خفف السير يا خليلي وانزلفي مقام الخليل وامكث مليا
وتيمم مقدس الترب واشربمن زلال الفرات عذبا رويا
وإذا ما حللت في حلب الشهباء فاقصد هناك بدرا بهيا
قف وسلم وحيه فهو حيواذا حل ضيفه الحي حيا
قبل الأرض عنده واتل جهراذكر مولاك عبده زكريا
وترج الندى فأنت لدى منلم يكن بالدعاء قط شقيا
خاف من بعده ضلال المواليفدعا ربه دعاء خفيا
وهن العظم وامتلأ الرأس شيبايا إلهي فمنك هب لي وليا
يرث العلم والنبوة منيولدى ربه يكون رضيا
فاستجاب الدعا وبشره منلم يزل محسنا جوادا غنيا
بغلام كبدر تم ولم يجعل بديع السما ليحيى سميا
قال من أين لي يكون غلامومن السن قد بلغت عتيا
قال ذو الكبريا كذلك لكنقال مولاك هين ذا عليا
أنني قادر على كل شيءلم أجد قبله بخلقك عيا
وله الحمد حيث جاء بمن قدأوتي الحكم والرشاد صبيا
حبذا الفرد في المحاسن يحيىحبذا الوالد الكريم المحيا
يا حماة الحمى غريب وقد فارق أحبابه فعاد شجيا
وكثيب فقابلوه ببشروبمعروف اجعلوه سريا
واحفظوا سادتي نزيل كراموالحظوا يا أحبتي الموصليا
وصلاة الإله تغشى دواماسيد الرسل أحمد العربيا
وعلى السادة النبيين طراسيما البدر سيدي زكريا

وقال يمدح يتيمة الأنبياء، حامي بلدتنا الحدباء، يونس بن متى على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأكمل السلام.

أقم ببلدتنا الحدباء واستقمفإنها موصل الآلاء والنعم
أكرم بها موطنا للقاطنين بهاجزيل حظ من الإحسان والكرم
يا حسن بهجتها، يا طيب نفحتهافاحلل بساحتها، لا تخش من ندم
فيا لها بلدا، ما أمحلت أبداوقد حوت أسدا، في العزم والهمم
فازت بطلعته، طابت بحضرتهفانهض لزورته، يا صاح واغتنم
روحي فداه بدا كالنون حاجبهسماه ذا النون مولاه من القدم
ناداه في ظلمات البحر مبتهلاوسبح الله في أحشاء ملتقم
ضجت ملائكة الرحمن حين دعاوقال ما ينفع المكروب من كلم
يا ربنا نسمع الصوت الضعيف ولاندري مكان نداء المفرد العلم
فقال ذا صوت عبدي يونس ولقدحبسته وسأنجيه من الظلم
اكرم به وبجرجيس النبي همانعم الملاذ لمن يخشى من النقم
ليثان ان قمعا، غيثان أن همعابدران قد طلعا، في الأعصر الدهم
قد أشرقت بهما الحدباء وافتخرتبالسيدين على العالي من الاطم
ذا النون يا سيدي، جرجيس يا سنديجودا خذا بيدي، أني لذو سدم
رفقا بحالي فقد أصبحت في قلقعطفا علي فقد أمسيت في سقم
تلطفا واذكراني عند ربكمابحقه واسألاه العفو عن جرم
فهو الكريم تعالى الله خالقناوليس يشبه شيئا بارئ النسم
سحائب الفضل قد عمت خليقتهوأمطرتنا نوالا غير متفصم
تقدس الله لا نحصي عليه ثنالا باللسان ولا بالقلب والقلم
واستعطفا لي أبا الزهراء أحمدناخير الورى ذخرهم في يوم حشرهم
عساه يرحم اجفاني وينقذنيمما جفاني من الأوصاب والألم
فهو الشفوق علينا والرءوف بناوهو العطوف على ذي الفقر والعدم
ما رد سائله، بل مد نائلهأعلى شمائله المولى فلم ترم
تبارك الله ما أبهاه من قمرما مثله في جميع العرب والعجم
أنواره سطعت، كالشمس قد طلعتآياته أسمعت من كان ذا صمم
بطيبه طيبة الفيحاء قد عبقتعبيرها أنفقت في الحل والحرم
روحي فدى بقعة ضمته قد شهدتلقدرها اعظم المختار بالعظم
ترى ترى العين قبل الموت روضتهطوبى لقوم رأوها قبل موتهم
مالي سوى الله مولى استغيث بهمن استغاث برب العرش لم يضم
واستجير بخير الخلق اجمعهموبالنبيين أهل العزم كلهم
أحبه الله جودوا واسمحوا كرمابنفحة لضعيف خائف كظم
ويا بدور الدجى رقوا لمكتئبيبيت من شدة الأحزان في غمم
الدمع مندفق من فوق وجنتهوالقلب محترق ما زال في ضرم
فقير نفحتكم عثمان يخطبكملكل هول من الأهوال مقتحم
ثم الصلاة على المختار سيدنامحمد طيب الأخلاق والشيم
كذا على الانبيا والرسل قاطبةوالآل والصحب طرا مع محبهم

وقال ﵀ مخمسا لهذين البيتين

أعد ذكر سلمى والحواسد غيبإذا ما سناها لاح وانزاح غيهب
واعرض إذا لح اللواحي واطنبوا وعرضبذكري حين تسمع زينب
وقل ليس يخلو ساعة منك بالهعسى ظبية الوعاء تمنن بجمعها
وتكشف أستار الوصال برفعهاخليلي لها اذكر طول هجري بمنعها
عساها إذا ما مر ذكري بسمعهاتقول فلان عبدنا كيف حاله

وله أيضا:

أن قلبي من الهوى يا خليليلكظيم وأنت خير طبيب
وخطيب الوصال فيك كئيبفتعطف على الخطيب الكئيب

تذكرت بهذين البيتين قول ابن حجة، من مخلص قصيدة

مزق القلب قلت هبه لفقريفأنا اليوم قانع بالخليع
قال لي قلت ان دمعك صبلمصون الأسرار غير مذيع
لم تجرا على رفيع جنابيقلت سلسله بالجناب الرفيع
قال لي يا خطيب حسني فرعلأصول في وصفي المسموع
قلت أعجزتني ولكن في العصر خطيبا غدا إمام الفروع

ولبعضهم في مليح خطيب

فديت خطيبا إذا ما علاولاح على ذروة المنبر
تظن محياه بدر الدجىبدا في سماء من العنبر

وفيه أيضا:

رأيت خطيبا قد علا فوق منبروصار جميع الناس تحت لوائه
كبدر بدا بين السحائب في الدجىبإشراق نور في علو سمائه

وفيه لابن الوردي

خطيب حسنه حسن بديعوفي الدرجات حق له الترقي
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «خطيب حسنه حسن بديع»
فان لبس السواد فبدر تموإن لبس البياض فشمس افق
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «خطيب حسنه حسن بديع»

وفيه أيضا لابن عربي

هذا الخطيب الذي تمت محاسنهيبدو كصبح بجنح الليل ممتزج
أن كان منبره عشرا فلا عجبيرى الهلال على عشر من الدرج

ولصاحب الترجمة:

حين أشكو إليك حرقة قلبيلا تلمني على طويل الحديث
يا حبيبي وأنت خير خبيرما قديم الغرام مثل حديث

وله أيضا:

الله يعلم أننيبك مغرم يا فاتني
لو كنت تعرف حالتيما كان وصلك فاتني

وله أيضا:

أخفيت حبك في الحشاحتى فشا في ظاهري
ما آن أن تدع الجفاأو ما كفى يا هاجري

وله أيضا:

شكوت الى الأطباء ضعف قلبيفقالوا يا فتى ماذا أصابك
فقلت العين من ظبي كحيلفقالوا العين حقا قم تدارك
فقلت فما الدواء فلم يروا ليشرابا نافعا إلا رضابك

ولقد أحسن ابن النقيب بقوله:

وما بي سوى عين نظرت لحسنهاوذاك لجهلي بالعيون وغرتي
وقالوا به في الحب عين ونظرةنعم صدقوا عين الحبيب ونظرتي

وفيه لابن عربي:

ولما رآني العاذلون متيماكئيبا بمن أهوى وعقلي ذاهب
رثوا لي وقالوا كنت بالأمس عاقلاأصابتك عين قلت عين وحاجب
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «بليت بمعسول المراشف واللمى»

وفيه لأبي المحاسن الشواء:

ولما اتاني العاذلون عدمتهموما منهم إلا للحمي قارض
للشاعر علاء الدين اليشكري، اقرأ القصيدة
وقد بهتوا لما رأوني شاخصافقالوا به عين فقلت وعارض

ومن اللطائف قول بعضهم:

يا طبيبي أعد جس نبضيفي هوى من هواه أصبح قوتي
وتبين محاسن الوجه منهثم صف لي مفرح الياقوت

ويعجبني قول ابن مطروح

لنا طبيب ماهر عارفله من الحكمة آيات
لو عالج الموتى لأحياهمأو دبر الأحياء ما ماتوا

وقال آخر فيه:

متطبب كالغصن في حركاتهصيرت روحي في هواه سبيلا
للشاعر مسعود بن الليث الغزنوي، اقرأ القصيدة
عجبا له يبري السقيم بلحظهوبطرفه يدع الصحيح عليلا

وتلطف ابن نباتة بقوله في النسيم:

يداوي أسى العشاق من نحو أرضكمنسيم صبا أضحى عليه قبول
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يداوي أسى العشاق من نحو أرضكم»
بروحي من ذاك النسيم إذا سرىطبيب يداوي الناس وهو عليل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «يداوي أسى العشاق من نحو أرضكم»

ولطيف قول الصفدي في النسيم أيضا:

أقول وحر الرمل قد زاد وقدهومالي إلى شم النسيم سبيل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول وحر الرمل قد زاد وقده»
أظن نسيم الجو قد مات وانقضىوعهدي به في الشام وهو عليل
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقول وحر الرمل قد زاد وقده»

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيت السادة الفخرية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.