من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
جرجيس الاربلي
شيخنا جرجيس، الأديب الفاضل الأنيس صاحب يد في الكمال وزند، وحلاوة شهد في القريض وقند. فهو درة الأجياد والنحور التي منها تكتسب الرونق فرائد البحور. أفصح من استعمل
المحابر والأقلام، وأنجح من توغل في تصفية الأذهان والافهام ناصر رايات الكمالات والحكم، وهاصر عناقيد البلاغة للأمم سراج زوايا المساجد الورع المتهجر، ونفائس خبايا المعابد الخشع المتنجد.
حاز قصب السبق نظما ونثرا، وأوسع أهل خطته لكمالاته جبرا وقسرا. اقتفى أثر ابن نباتة في خطبه، وتم له ما عطف عنانه اليه على وفق مطلبه:
أديب تسلق هام السماكفحاز الفخار بنيل العلى
وأجرى العنان بذاك الفضاءفكان هلالا لكل الملا
وها هو للناس ذاك الهلاللكل الكمالات قد حصلا
نكتة الزمان وسره، ونسيجة الإذعان بأسره. بضعة جسد المعارف وفلذة كبد اللطائف. واحد الأزمنة والاعصار، وهلال المدائن والأمصار. فشرفه لا يدانيه شرف، ولا يتصور في كمال توصيفه سرف. فهو من عطية الزمن وحسناته، ومن موانح الدهر وعطياته يسحر ببيانه الألباب والعقول، ويبهر في كل ما ينشي ويقول.
فهو في العلوم علامة الدهر. والوحيد الذي لم يكن له ثاني في ذلك العصر.
مقتدى السادة الصوفية، وامام تلك الزمرة الصفية. له نثر كالمرجان، وشعر بكل لسان. وهو الآن مدرس بلدنا القاعد على بساط الإفادة، وأديب ديارنا الصاعد إلى أسنمة الفضل والسيادة.
وقد اثبت قطعة من نظمه تغني عن العود والمزامير عند إنشادها ونبذة من نفثاته تستهزئ بالغمائم عند إبراقها وإرعادها، وهي كالنسيم في جنة النعيم.
فمن ذلك قول مصدرا ومعجزا لهذين البيتين، وقد جرى ذكرهما وصعوبة تفكيكهما:
ورب حمامة في الدرج باتتبأشجان وحزن مستكن
على أيام وصل حيث فاتتتعيد النوح فنا بعد فن
أقاسمها الهموم إذا اجتمعناوتروي قصة الأشواق عني
فأشكوها وتشكو لي زمانافمنها النوح والعبرات مني
وقلت أنا كذلك:
ورب حمامة بالدوح باتتبهم زائد ومزيد حزن
على بعد الديار وفقد ألفتعيد النوح فنا بعد فن
أقاسمها الهموم إذا اجتمعنافتأخذ أكثر الأشواق عني
فأشكوها وتشكو لي زمانافمنها النوح والعبرات مني
(صحح تجارب الطبع الخطاط وليد الأعظمي الموظف في المجمع العلمي العراقي)
رقم الايداع في المكتبة الوطنية ببغداد لسنة
﷽
[المقدمة]
هذا هو الجزء الثالث من كتاب (الروض النضر في ترجمة أدباء العصر) تأليف عصام الدين عثمان بن علي بن مراد العمري المتوفى سنة هـ.
ويتضمن هذا الجزء بقية التراجم والنماذج، كما يتضمن فهارس الاعلام والقوافي الواردة في الاجزاء الثلاثة منه.
والله نسأل ان ينفع به وهو ولي التوفيق
الدكتور سليم النعيمي
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع