من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
أبو بكر الكاتب
أحد شيوخ الفصاحة، وواحد الكمال والرجاحة، بحر الكمالات والمعارف. لجة المحسنات من الأدب واللطائف. آية الفصاحة والإعجاز، ثمر أغصان الحقيقة والمجاز، صاحب الأوصاف العطرة، والآداب المشتهرة، والسوانح المبرورة، والموائح الموفورة.
ينفث قلمه السحر، ويقذف لسانه النور للزهر. يقصر كل مخبر عن خبره، ويعجز عن استقصاء فضله وأثره، تهادته الموانح،
وقادته السوائح. فاغلى كاسد البديع في سوقه ولم يضع شيئا من رتبته وخفوقه.
ذو عزمة لاكتساب المجد جودهاأمضى من الصارم البتار في القلل
فالكمالات تحفه، والآداب لأرباب المعالي تهديه وتزفه. فهو الوحيد السباق، وواحد الطراد والسباق. عذب اللسان، حلو التعبير والبيان. لين الجانب، وأمضى في الأدب من السيوف والقواضب.
طيب السمر، الذي له في كل كمال أثر.
أندى على الأكباد من قطر الندىوألذ في الأجفان من سنة الكرى
له من النظم ما نظم في المحاسن دفاتر، وسار بين أرباب المعارف سيرة المثل السائر. يريح النفوس، وتشرق من مطالعه أقمار وشموس.
فمن نظمه قوله في مدحه صلى الله تعالى عليه وسلم:
تروج ليلي في هواها بضائعينعم ليس سعيي في هواها بضائع
تراءت لعيني واختفت فتملكتوجودي وعقلي والحشى ومسامعي
فإن لاح لي في الكون برق ظننتهسنا حسن ليلي قلت ردت ودائعي
أرجع طرفي يمنة ثم يسرةلعلي أراها من وراء البراقع
أنادي أيا ليلى وليلي ينقضيوقلبي على مر الليالي لا يعي
فما مخلصي من ذا الغرام ومهربيسوى حب خير الخلق أكرم شافع
محمد المحمود في فلك العلىبدا طالعا لما اختفى كل طالع
وكان نبيا مرسلا ومؤيدامن الله بالآيات من حيث ما دعي
أتانا بدين قيم وشريعةبنسختها نسخ لكل الشرائع
دعانا إلى الإيمان والرشد والهدىبروحي افديه وأهل الهدى معي
فلولاه ما سار الحجيج ولا سرىإلى مكة الغراء من كل شارع
ولولاه ما طابت معالم طيبةوطاب هواها للسرى والروابع
ولولاه ما جاء الأمين بحكمةولا العلم يبدو من فصيح وبارع
ومن قد رقى فوق السماء بجسمهوخاطبه أملاكها بتواضع
وأدناه مولاه وطهر صدرهفعاد بقلب جامع النور خاشع
فمن مثله والحق بين فضلهبكل كتاب للبراهين جامع
نبي كريم ناصح ومجاهدرؤف رحيم طائع كل طائع
فيا مصطفى أني بحبك واثقوعلقت آمالي بكم ومطامعي
مدحتك يا أعلى النبيين رتبةوان مديحي في جنابك نافعي
فخذ بيدي في يوم حشري ومبعثيوكن بي رءوفا حين تجري مدامعي
مناي من الدنيا ازور حماكموتسجع في تلك الديار سواجعي
عليك صلاة الله ما سار راكبإليك ابتداء وانثنى من مراجع
وآلك والصب الكرام جميعهمعلى حبهم بايعت كل مبايع
وللمودة بيننا التي خرج إلى خارج البلد، وأرسل إلي أبياتا يتشوق إلى توددنا، وهي:
شدا لبعاده القلب المعنىفهل من منشد في الحي عنا
فيا من حبهم شرفي ويا منأرى كلفي بهم لطفا ومنا
عبيدكم المتيم مذ تناءىوابعد عن علاكم ما تهنا
فساح وصاح وهنا حيث أبكىعيون العالمين إذا تغنى
الا يا سادتي رقوا لصبإذا ما الليل جن عليه جنا
يحن إليكم في كل حينوعنكم عاقه شعيا وحنا
فكم من ناصح ناداه مهلاتأنى سوف تلقاهم تأنى
لأن المرء يدرك بالتأنيوبالصبر الجميل لما تمنى
ترى كيف اصطباري الآن عنكمومعناكم معي في كل مغنى
على أني يعللني كرامبصحبتهم فؤادي مطمئنا
بأطيب نعمة وصفاء وقتوصحبة ماجد ورشا أغنا
فإن جاد الزمان بجمع شملوكنا في هناء حيث كنا
فأوص أهل فاروق بوصليوقل عدوه منا فهو منا
عليكم سادتي أزكى سلاممدى الأيام ما غصن تثنى
فأجبته على هذا الروي والقافية:
لقد وصل الكتاب إلى المعنىمن السامي الحجا فضلا ومنا
كتاب قد حوى دررا ولكنلآلئ نظمه فأصدفه جونا
بحسن فاق في حسن اتساقبمعنى كالعقود وأي معنى
كتاب كالثريا في نظامسدي بوروده عسلا ومنا
يخبر عن مجالس ذات أنسلقد ضمت هنا ورشا اغنا
فآنا بالبدور لقد تقضىوآنا بين كوركيس وحنا
فجابيكم قديما ذو المعاليأخينا أحمد شوقا وحزنا
يحن إليكم في كل حينويذكر فضلكم في كل مغنى
يود بأن يطير إلى حماكمولولا المزعجات لما تأنى
فما أحلى وما أبهى زمانايضم لمثلكم سهلا وحزنا
فسل بالله عنا كل غادوباد يا خليلي حيث كنا
إلى غير الأحبة هل فؤاديتشوق في الملا وصبا وحنا
فإني في البعاد وكل حالبود لا يلائم قط وهنا
فإنك قد عددت بنا قديماوحزت مكارما وحسبت منا
ومما يسوغ ذكره في باب المراسلات أيضا ما أرسلته في أثناء تحريري هذا المقام إلى الأديب الكامل الشيخ محمد الغلامي، أحد الفحول من هؤلاء الرجال. وهو:
صحف الوجد رشحتها الرسائلإذ علت هامة اليراع الأنامل
غردت لي حمامة النظم حتىذكرتني بالنوح صوت البلابل
هيجت لي بذا الشجون فنونافزهت روضة العلى والفضائل
سجعت بانة القريض اشتياقاأوقفت عند سجعها كل كامل
أزهرت أنجم المعارف منهافي سماء العلى فكانت مشاعل
قلت ذاك القريض لما تبدىشمس حسن سناؤها غير زائل
درر اللفظ من بحور المعانيرصفت للورى فنون المخائل
غير أني حسبته نظم فردمفرد في الورى بحسن الشمائل
واحد الشعر والقريض أديبكامل في قريضه سحر بابل
هو مولى به المعارف أضحتتزدري في البها بحسن الخمائل
فقت كل الورى بكل كمالأنت بحر وما سواك سواحل
فلذا يا أخا الكمالات طراقد جرت منك في العلوم جداول
فقت علما ومحتدا وبهاءفغدا قس عند فضلك باقل
قد تطاولت في الفضائل حتىأنت أنسيت ذكر سحبان وائل
أنت حبر محمد ذو معالما لكم في العلى شريك مماثل
أنت يا مطلع الكمال سماءفلذا أنت للنجوم تطاول
بعد أن قلت للعلى يا غلاميحزت كل العلى فأصبحت آفل
أيها الفاضل المؤخر عصراأنت أنسيت في العلوم الأوائل
في النهى والبيان والعلم طراصدق القائلون انك عامل
أشرقت فيك رتبة الفضل كالشمس فكانت لها القلوب منازل
قد طوت ذكر من تقدم عصرامن حديث علاك أين المساجل
أنت طوقت جيد ذا الدهر درابعد أن كان في المعارف عاطل
أنت أوريت في القريض شعوبافتفنن إذ أنت للفضل كافل
من يرم حصر من تفردت فيهمن كمال فإنه غير عاقل
فتلطف وجد بفضلك وأسعففأنا في الورى بمجدك قائل
دمت في ارغد المسرات طرالا يوازيك في المعارف فاضل
لا برحت الرشيد يا طود علمولواء المعالي لا زلت حامل
فراجعني على هذا الروي والقافية:
بكر هذا القريض قد جاء حاملطفل علم فاستحسنته القوابل
قام يجلي من المعاني مدامالم يزل مسمعي لذلك مائل
ادخل السمع منه دقة معنىيردع الغير عن تعارف جاهل
أنشقتنا من المعارف عرفاخبرا كم له بقلبي عوامل
فمحيت الطروس باللثم لماإنني لم أفز بلثم الأنامل
أنملا ما جرت بطرسك إلاخلتها فتحت ورود الخمائل
ولكم أفصحت بشعلة فكرآنس القلب منه برد الاصائل
أنت شهم لك الفضائل ثوبطاهر الذيل ان ترداه فاضل
وإذا ما لبسته تلقى فيهقصرا عنك يا أجل الأماثل
يا سريا به الصدارة باهتوتحلت به نحور المحافل
قسما بالنهى وزهر القوافيأنت بحر ولا نرى لك ساحل
أنت نبهتني بأن زمانيبسجاياك فاق عصر الأوائل
بحلوم مثل الشوامخ ترسووعلوم تموج في صدر كامل
ووحيدا أبقى له الجد قدماأفخر الذكر في أجل المنازل
وفريدا من العلى شاد بيتاقل ولا تختشي فهل من منازل
واجن من زهرة العلوم وخل الغير يحكي رياضها وهو باقل
وأقتطف نرجس السماء بكفللمعالي طارت بجنح الفضائل
كف ذي همة تسيل نوالاكيف أخشى إضاعتي وهو سائل
أنت يا نجمنا المنير اهتداءكم لنا منك للسرور وسائل
بك حصلت في الزمان سروريوحبوري فما عدمنا الحواصل
سيدي سيدي اعتذار محببقصور عن الجواب المماثل
كيف قست الحديد بالتبر عفواأنا بدلت دركم بالجنادل
كيف أملي أم كيف أدري جوابالخطاب عنه النجوم نوازل
أمع الشمس للشرارة ضوءأم مع البحر تستبان الجداول
فاعف عني أنت الكريم الذي مازال عن عيب صحبه متغافل
فراجعته بقولي:
ألا أيها الواحد الألمعيويا أيها اللوذعي القمر
أتتني أبياتك الرائقاتبما قد حوت من عقود الدرر
وجاءتنا الفاظك المعجزاتوها هي للفرق أبهى غرر
أتانا الصباح بوقت المساءفحاكى شذاه نسيم السحر
عقود ولكنه أنجملآل ولكنه مبتكر
أتانا ولكن على غفلةفزاد النشاط وزال الكدر
فلم آت من قبلها غادةتفوق البدور بحسن الحور
ولم ير غيري في حسنهاولا مثلها بين بكل البشر
فريدة حسن وقد زانهانفائث سحر ترد البصر
فأبياتها كلها أنجموقد رصفت هامها بالسمر
نوافح مسك بألفاظهافوائح ندبها قد قطر
فإن لها في العلى ثروةوأن لها في المعالي أثر
فألفاظها كلها أبحروأما المعاني فهي المطر
وهذا الذي ولدته المعالوهذا المراتب والمنتظر
لقد حزت كل العلى سيديويكفيك في الفضل هذا القدر
فعذرا حبيبي برد الجوابفنظمك در ونظمي حجر
وكيف ولا يا إمام المعالوفضلك قد سار بحرا وبر
فأنت الفريد الوحيد الذيملكت من العلم كل الصور
فراجعني بقوله:
تطاول ليلي وزاد الفكروارقني الفكر حتى السحر
فبت ولي ثوب حزن لهبنسج الظلام حواش غبر
لوقت حوادثه ما انقضتلها كل يوم لصفوي كدر
أما آن هذا البلا ينقضيوتسعف باليسر أيدي القدر
نعم كيف أخشى رزايا الخطوبوفي عصرنا من بقايا عمر
همام اذا لذت في بابهأتاك النجاح ونلت الظفر
هو المقتفى جده من روتخصائله عنه كل الخبر
أمولاي هذا قريض حوىلذيذ الخطاب وأشهى السمر
فلم أدر من حسن ألفاظهأمن ملك جاءني أم بشر
فقمت أعفر خدي بهفها من عبير بخدي أثر
روت منطق البدو أبياتهولكن أرتنا نعيم الحضر
غياض ولكنها أينعترياض ولكن سقاها المطر
ورود ولكنها فتحتخدود ولكن علاها الخضر
فقمت أراقب نجم الدجىوقلت لعل الثريا نثر
وملت أقبل ثغر الحبيبوقلت أيفجعني في الدرر
وفتشت عنه نحور الحسانوقلت أرى الدر منها صدر
سقى الله نثرا أتى رائقايعلمني كيف سجع الفقر
فلم أر من قبله خمرةمن اللفظ صفوتها تعتصر
فيا أيها الحبر من قد غداالمطول في وصفه مختصر
ترقب من العسر لي وقدةوخذ صادحا فاق صوت الوتر
من النظم أبياته تنطويعلى خير مدح لكم ينتشر
مع هذا النثر:
أطال الله بقاء من جعلنا لمراسلاته أهلا، ونصب لنا سلالم الملاطفة فعرجنا إلى مفاجأة علاه عروجا سهلا. لا زال ثغر الدهر بك مبتسما، وروح الإحسان من روض لفظك متنسما.
فبالمروءة التي شد الله بك من وثيق عراها لما جمع بينها وبينك،
وصحف فصاحتك التي أقر الله بها عيني وعينك، ودفاتر ديون المعالي التي راعيتها بعينك. فكان زيادتها زيادة في مروتك، فزاد في رقم دينك، إلا ما نظرت إلى ما حرره المملوك، بعين الرضا الا القلى والملل، وأسلبت ذيل الستر على ما تخلله من خلل.
والسلام.
ولصاحب الترجمة، وقد أتحفني بها لما قدمت من بلاد الروم، واتفق ذلك ليلة عيد الفطر، فأنشأ هذه المقاطيع:
ولما أن قدمت بيوم شكوبان لنا سناؤك من بعيد
فضج الناس من فرح وقالوانرى بدرا بدا وهلال عيد
وله أيضا:
تبدى بدرنا في يوم شكوكان الناس يرتقبوا الهلالا
فلما أن رأينا يدر تمحمدنا الله بارينا تعالى
وله أيضا:
قدومك يا ذا الفضل سر أولي النهىفأثنى على علياك قوم أما جيد
وقالوا نعيد المدح في يوم عيدنافقلت لهم ذا اليوم يا سادتي عيد
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع