من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
فتح الله الشريف المتولي
نكتة الوقت المعي الزمانعارف الوقت لوذعي الأوان
بدر أفق الكمال شمس المعاليروح جسم الزمان والعرفان
رجل الأدب نظما ونثرا، وفريد الكمال تصنيفا وشعرا. روح جسد الأدب والبيان، عقود نحر الكمال والعرفان. نور حديقة الكمال والنهى، ونور حدقة السماك والسها،
زاخر اللجة في النشيد، لائح البهجة في البيت والقصيد. والوارد نهر المجرة بآدابه، والخائض بحر المعارف بأسبابه وإطنابه. الناظم في عقود القريض نظم اللآل، والمستخرج جواهر الألفاظ من أصداف المعال. الثائر للأدب ثورة الأسد، والصائغ للمعالي أصناف الجواهر والعقد. اثبت في الأدب القدم، ورفع على هام المعارف العلم.
روض فضل يجتني إحسانهوكذا تجنى من الروض الثمار
كعبة الافضال والركن الذيللمنى فيه استلام واعتمار
رفيع الجناب، صنو المعارف والآداب. رقى ذروة المجد وصهوة الإفادة، وزين جيد الكمال بعقود المجد والسيادة. فوصل إلى خزائن الأدب وفض ختمها، وطبع على دراهم المعارف ودنانير اللطائف ومنح لنفسه وسمها. فلبس في الأدب والكمال برودا، واقتطف من رياض الفضائل شقائق وورودا. فاختلس بكماله القلوب والألباب، وأعاد للأدب بعد الشيب أخلاق الشباب. فأعجز بدرر نشيده ونظامه، وأحرز الكمالات بآدابه كالبدر ليلة تمامه، بشهامة نفس وذات، وكمال وجود وصفات، فهو في العراق، كالشمس في حالة الإشراق.
وله في مراتب الفضل ذهنهو مفتاح مقفل المشكلات
كتمته أيدي الدهور وابدتهـ على فترة من المكرمات
فهو صديقي الصادق في وداده، الغائر على أغوار الخلوص وأنجاده. نجتمع في كل آن، وقد حظينا بقرب الزمان والمكان.
فعلى الدوام استعطفه، وأدوايه بمعاجين الأدب واستلطفه.
فنتناشد الأشعار، ونتناوب الأدب في الأسمار. فهو بلبل أفراحي وهزار شوقي وأتراحي. أصغى فيقول، وأخلى له ميدان النظم فيصول.
وأني وإياه لمزن وروضةيباكرني سقيا وأزكو له غرسا
صفا بيننا من خالص الود جوهرغلبنا به في نور جوهرها الشمسا
له من النظم ما يحكي العقود، ومن النثر ما هو الماء في الخدود وقد أثبت من أدبه ما لو ذاقه القند لذاب، أو أبصره البدر عند الكمال لغاب.
فمن نظمه قوله ملغزا في اسمي عثمان:
يا لوذعي من ذوي حسن وإحسانيا من فضائله تبدو ببرهان
قلدت يا سيدي جيد الزمان بنظمك الذي ما له في الوقت من ثاني
فما خماسي تركيب وهيئتهمن أربع كامل من غير نقصان
في رأسه قد رأيت العين واحدةفي وجهه لم يزل كالظبي عينان
أوصافه عرفت في كل ناحيةأشكاله قد بدت في كل إنسان
قد جاء تصحيفه غيما يسح ندىلذاك لازمه واو ونونان
بنصف مقلوبة نام الرقيب وقدأصبحت في أرب من بين خلاني
عثمان يا سيدي أظهر لملغزنافإنك اليوم مني عين إنساني
وقد جرى لنا مع هذا الأديب مداعبات، ونظم عقود وأبيات.
فمن ذلك ما كتبته اليه على البدية هذه الأرجوزة.
أنعم صباحا يا فريد العصرالرائق الفضل بكل قطر
الفائق العلم الغزير المنتخبالمفرد الذات بعجم وعرب
الواحد العلم بلا اشتباهوالماجد اللبيب فتح الله
لا زال بالمجد يباهي والأدبويرتقي فضلا إلى أعلى الرتب
وبعد فالمعروض للجنابمن خالص الود بلا ارتياب
هو السؤال عن جناب الساميبالعز والتوقير والإكرام
وكيف أنتم مذ نأيتم عنافهل تشوقتم إلى ذا المغنى
فإن أشواقي إليكم لا تعدوكثرة الأشواق تورث الكمد
وكيف لا وأنت في ذا العصرهلال فضل في ضياء يسرى
فالمرجو من سلامة الأمجادالواحد الإحسان والأيادي
أن يذكر المحب كل آنيا واحد الخلوص للإخوان
كلا ولا تهمله طرا أبدافإنه المشوق في طول المدى
فشوقه إليك لا تحكيهرسالة أنشأها من فيه
فدم بعز وبسعد تاليما مضت الأيام والليالي
ورنحت بوشيها الأقلاممحبر الأوراق والسلام
فأجابني من غير فكر وروية، لكونه في الأدب صاحب الرتبة العلية.
أهدي سلاما وافر الإكراملحضرة الحبر الهمام السامي
البارع الأديب ذي الفضائلالكامل الأريب ذي الفواضل
سلالة الفاروق شامخ الرتبذي العنصر الطاهر باهر الحسب
أبي يزيد زائد الأنعامحاز العلى وفاز بالإكرام
فكيف لا أثني عليه بالهناوقد حباه لطفه إلا هنا
نسأل خلاق السما الرحمنايمنحه عزا، على، إحسانا
وبعد يا فاضل أهل العصرومفرد الوقت بهذا الدهر
مذ وصلت من حيك الرسالةوثبت الافضال في المقالة
وفاح من ذاك الحمى نشر الصباحنت إليه الروح والقلب صبا
وزاد فينا الشوق والإحراقيا ليت لم يكن لنا افتراق
فالجسم نحن ثم أنتم روحهطالعنا ليل وانتم صبحه
فكيف ذا الطبع السليم المنتخبوذلك الوقت الشريف المنتجب
لا زلتم في كنف منيعرقيتم أوج العلى الرفيع
ما حن عاشق إلى معشوقوما صبا العاني إلى الغبوق
حباكم السعد كذا الإكراممبتدأ كذاك والختام
ويرتجى التشريف للفقيرمن صاحب الفضائل النحرير
ويطلب الصفح عن التقصيرمن نقص نظم بان في التقرير
لكونه جرى مع اليراعمن غير فكر لا ولا اتساع
من الفقير العبد فتح اللهالناقص الكل بلا اشتباه
فأجبته على الفور وأعطيت رقعة الجواب بيد رسوله فقلت:
نهدي سلاما ودعاء ناميمعطر الاردان بالإكرام
لقبلة الفضل ومعدن الأدبأبجل أهل العرب عجما وعرب
ذي الفضل والافضال والمعالييتيمة الأيام والليالي
بحر الحجا محج أهل العلمشمس الضحى حجة أهل الفهم
ذي الأمر والإحسان والنواهيمدينة العلوم فتح الله
سلالة الرسول سيد العربنتيجة الكمال منتهى الطلب
أن نفثت أقلامه رسالةباهي البدور التم والغزالة
أنعم به من فاضل نبيهجل عن النظير والشبيه
حاز على وسؤددا رفيعاوساد فضلا وافرا منيعا
سلمه الله على الدواموحفه باللطف والإكرام
لا زال في مجد وفي كمالراق إلى الافضال والمعالي
وبعد فالمعروض يا حبيبيمن المحب المخلص الكئيب
الفحص عن جلية الأحوالوهل مزاج الخل باعتدال
وثانيا أتت لنا الرسالةتخجل شمس الأفق لا محالة
تنبئ عن شوق وعن أشواقوتورث الهيام للمشتاق
فضضتها لوقتها إكرامافنفحة وعطرة مشاما
وجدتها تغني عن الصهباءبلذة تربو على الشمطاء
حوت فنون اللطف والآدابرسالة تقطر كالسحاب
لا زلت بحر العلم والانشاءتحاول الكمال للسماء
وكيف لا وأنت عترة الكرمومن يشابه أبه فما ظلم
وما برحتم أبدا بمجديحفكم في كرم وسعد
وبلغوا السلام بالأشواقلنير الوجود في الآفاق
أخي صديقي منجدي رفيقيصالح أهل العصر بالتحقيق
كذا إلى ابن العم أحمد الأدبالكامل الأديب نخبة العرب
والكاتب اللبيب يونس ومنفاق بحسن الفعل أهل ذا الزمن
والفيض ذا الآداب والكماللا زال في فيض على التوالي
أدامهم ربي الكريم الباقيبصحبة دائمة الوفاق
من خالص الوداد للأحبابعثمان عبد الفضل والآداب
ثم كتب لي بعد ذلك:
سلام سما فوق السماء معطراوأثنى ثناء لا رياء ولا مرا
أخص به ذا المجد والجود والنهىسعيدا رشيدا ذا الفضائل في الورى
فكم حاز حوزات المكارم راقياأديبا أريبا للعلوم مقررا
فإن جاد في نظم النظام ونثرهلأخجل سحبانا وقسا وعنترا
هو الفرد في هذا الزمان أما ترىإذا كان في ناد لكان مصدرا
بديع بيان نطقه وحديثهوكل المعاني في شمائله ترى
فأعني به عثمان ذا الأمر والنهىفلا زال للمجد المجيد ميسرا
أخوه ابوه الفضل والفيض ابنهوقطر الندى من راحتيه لقد جرى
سلالة فاروق سليل لما جدعلي وفي طاهرا ومطهرا
فكيف وقد أضحى الكمال بأسرهأسيرا له مستجمعا ومصورا
وما القصد أني حاصر بعض وصفهنعم جل عن تحرير طرس بلا مرا
أبى الله أن تحصى صفات كمالهوذاك من الآزال كان مسطرا
فكيف ولا أشدو بذلك معلناوكيف ولا أثني عليه بما أرى
فلو حاول الجوزاء بالنظم نالهاولو حاول البدر التمام تكورا
فسل يا خليلي حرقتي يوم فرقةوكيف اعتراني الشوق زدت تحسرا
فآها لهاتيك الليالي وطيبهاوواها لقلبي لو سلا وتصبرا
فيا طال ما قابلت فيها محاسناويا طالما اشممت طيبا وعنبرا
وتبا لأيام طوت وصل مغرموبعدا لليل قد منعنا به الكرى
عسى تنعم الأيام بالوصل ثانياأعود لما قد كنت فيه من القرى
لأغرى غرامي في الهيام مسرةوأطرح اتراحي وأنفي التضجرا
واترك آمالي ومالي وثروتيوأرشف قندا من لماه وسكرا
زففت له بكرا من العرب قينةولادة يوم مهرها قد تحررا
وذا هو صفح عن عثور لسانهاوعما جنته من قصور مصورا
ولا زلت يا مولاي تنعت دائمابفضل وافضال على ما تقررا
وحاضر هذا الوقت صالح وقتنايبث سلاما للدعاء مكررا
كذلك فيض الله يلثم راحةتبث على ذي الرفد تبرأ وجوهرا
وبلغ سلامي كل من أم بابكممن العبد فتح الله ذي الفيض في الورى
فراجعته بقولي:
هذا كتابك أم ضرب من الضربأم قينة فتكت في العجم والعرب
أم هذه آية ممن حوى أدباأم خطبة قد أتت من معجز الأدب
أم درة نظمت أم غادة فتنتفي بابها عظمت أغلى من الذهب
عروسة الفضل قد زفت فطرزهابحلية عجب تنبي عن العجب
عقودها الدر في تلميحها نظمتوقد أتت معجزا من افصح الخطب
أن أقبلت سلبت أو أدبرت عطبتأو أعرضت نهبت تنهل كالسحب
فإنها آية في النظم معجزةما حاكها شاعر في سالف الحقب
يفتر مبسمها في الفضل عن دررعن ياسمين وعن ورد وعن حبب
كالسيف تسطو على أهل الكمال على«والسيف أصدق أنباء من الكتب»
قرأتها وأنا أثني وكيف ولاأثني على فاضل يعلو على القطب
وحيد عصر فريد في فضائلهمكمل قد علا فضلا على الشهب
بحر العلوم سحاب المجد راحتهتغني بأنوائها فضلا عن الذهب
سحبان قس اياس فقتهم أدباومحتدا وعلى حقا بلا ريب
يا مالكا لزمام الفضل قاطبةسموت بالفضل والآراء والحسب
منحتني بقصيد كلها منحنابت عن الشهد واستغنت عن الضرب
لقد أتت بنظام كاللئال سنىفأحرزت رتبا تعلو على الرتب
مصقولة كسنان في يدي بطل«في حدها الحد بين الجد واللعب»
وهذه بنت فكري قد حوت أدباتغنى عن العود والطنبور في الأدب
تبغي قبولك مهرا فهي ذو هيفبكر تفوق سنى من خرد عرب
فأقرها خير من يقري الضيوف وياخير الورى من سما بالذات والنسب
حملتها من وداد من أخي أدبحمالة الورد لا حمالة الحطب
فدم أخي بكمال كامل أبداتنال ما رمته من معجز الخطب
وكتب إلي الجواب، وقد بدأ بنثر ثم بشعر على الروي والقافية:
أحمدك يا من أبدع العالم مخترعا، ونظمهم في سلك جواهر منته أصنافا متنوعا، ونسجهم على منوال الحكمة بيد الاقتدار فغدوا منتهجين بالإرادة السابقة مطرزين بالاستبصار. فأسقى جنة من شاء منهم بوابل هطل المحبة، فأينعت رياضه، وأنبت
سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. فحين قرب الشوق من نحوهم ارتفع عن فاعلهم حجاب الاكدار، وانتصب متميزهم مشتغلا به عن الاغيار في الأدوار. فانصرفت عنهم المشتقات والمصادر، وخلوا عن التعليلات فما منهم مفرد إلا وإليه مبادر. فسبحانه من قد ألهمهم بديع بيان حكمته نحوا واضحا، فتفقهوا لقوله فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا. فنطقت ألسنتهم بالتضمين والالتزام، ورجعوا عن مطابقة غيره فرفع عنهم ذلك العرض العام. فاستعارت عقولهم كناية التخييل والترشيح، فكان تبعية لما أريد منهم في مقام التصريح، وفرض عليهم قسم قيام الليل وأرباعا وأثلاثا، فكان لهم ذلك عن الأنبياء والمرسلين ميراثا.
وجعل منهم نقطة خط استواء الفلك الدوار، ومركز دائرة برج الاعتبار في معدل النهار.
وأصلي على نبيك القائل ان من الشعر لحكمة، المرسل لكافة العالمين منحة ورحمة. وعلى آله البررة، وصحابته العشرة. وعلى جميع التابعين، وكذلك العلماء الراسخين.
وبعد فإن الغرض الالزم، والعرض الأحكم، هو تقديم ما يجب علينا من بث التحية السنية، تهدى إلى حضرة المحبوب الصاحب، والمزن الساحب، درر المعان، غرر البيان، حبر المحققين، بحر المدققين، ذي الوفاء والسخاء، والموانح والعطاء الموصوف باللسان، المعروف بالجنان، أبي يزيد، الذي يفوق على كل فصيح ويزيد، سلمه الله من كل طارق. ما در بارق، وذر شارق.
هذا وقد طوقتني يا سيدي بأبلغ نطاق. ووشحتني بوشاح وشيه لا يطاق، لكونك نظمت من فيك، أدنى ما تجمع فيك. ومذ ورد كالشمس الضاحية، في السماء الصاحية، ففضضت عنه مسك الختام، وكشفت عن سنى بهجته اللثام، وقمت له قياما، ولثمت منه لثاما، فوجدته أسنى من تورد خدود الملاح، وأبهى أرجا من شميم الاقاح. فظننته أغيد فإذا هو بكر هيفاء، لمى ثغرها يغني عن الصهباء والشمطاء، تزري بالبيض الملاح، وتفري كالبيض الصفاح. فانحجم الجنان من الخجل ثم انطلق، وانعجم اللسان من الوجل ثم نطق. ففي الحال والآن، أعرب عما في ضميره استكان، فقال وهو يناظر النجوم والقمر، حين زاد به البلبال والحبيب لمهجته قمر، فانشأ في الحال وقال:
أتى كتابك يحكى رونق الحجبوفي البها مخجلا للادعج الشنب
نظامه الدر والدري بهجتهوفي اليراعة هطل الودق والسحب
لو طاول البدر في حسن لغادرهبالكسف والخسف والامحاق والرهب
سكرت فيه كصهباء معتقةحلو المذاق كقند مسكر ضرب
ثملت فيه وفي فيه لثمته إذأصبحت في أرب أمسيت في طرب
يا كعبة الفضل يا حجي ومستلمييا مبتدا رغبتي يا منتهى أربي
سموت بالجد والمجد المجيد وقدحزت الفصاحة في فضل وفي أدب
أحييت بالعلم والآداب من سلفوامن سالف الذكر كالأجداد أو كأب
قد فقت بالعلم إذ وافقت عترتكموقد رقيت لأوج العز بالنسب
والسعد في فرق والمجد في ارقوالوفد في حرق والجود في رغب
فالكل قد اصبحوا يبغون منه رضىفالأمر أمرك يا ذا الفضل والرتب
فإن نسبت إلى سحبان أو لصفيأو حاجر أو أياس فهو كالكذب
لأنهم لو رأوا ما فيك من أدبلم يلق واحدهم حرفا من الخطب
فكم رأيت وفود الرفد قد وفدتلنحو علياك تطوى القفر في النجب
زففت لي بنت فكر بارع فطنمن أكرم الحي أعراقا من العرب
كأنها الغيد قد ماست بقرطقهافاقت محاسنها في العجم والعرب
تزهو على النيرين اليوم بهجتهالثمتها طاعة بالسمع والرحب
لله در يد حاكت لبردتهاطرازها قد وشي بالدر والذهب
فإن تحديت فيها فهي معجزةوان تصديت كانت أعجب العجب
والدر منتظم في سلك عسجدهاقد صف فوق نهود الخرد الترب
من شم راحتها أو أم ساحتهايرجو سماحتها قد نال للأرب
عروضها وافر يفري بذي عرضرويها يروي ذا ري وذا سغب
فاقت حلاوتها راقت طلاوتهاشاقت تلاوتها تسمو بلا سبب
وهذه بنت أفكاري خدمت بهانبع العلوم بلا شك ولا ريب
خذها محررة في ضوء مقمرةترقيم ساعتها عزت عن التعب
أبا يزيد فزد إكرام منزلهاما غادرت من بديع لا ولا أرب
تؤمل الصفح مهرا وهو بغيتهاان صح فهو المنى بل غاية الطلب
ثم اقرها العفو يا مقري الفضائل يامقري الفواضل يا ذا الجود والحسب
وافي العهود صدوق القول صالحنايقري السلام لسامي العز والرتب
من العليل الذليل الفتح عبدكموافي الهيام كثير السقم والكرب
فراجعته بقولي:
يا فاضلا شاع بالافضال في الأمميا واحد الناس في عرب وفي عجم
يحق ترقى إلى الجوزاء مختطياهام المعالي بأنواع من العظم
وفضلك البدر سباق بكل علىمجدي الجميل ومهدي الناس في الظلم
وكيف لا وأبو الافضال أنت ومنقد شاع في شرف الاخلاق والهمم
عين الكمال كمال العين عين علىعالي الوجود فريد الفضل والحكم
ما فيه عيب سوى ما فيه من أدبابن الرسول وخير الخلق كلهم
فما مكارمه الحسنى التي اشتهرتفينا سوى زهر في الروض مبتسم
وما فضائله اللاتي علون وماآدابه غير نور حف بالديم
وما معاليه الأوردة عطرتأو نسمة نفحت بالبان والعلم
يا خير حبر ويا أوفى الأنام نهىيا واحد الخلق في جود وفي كرم
أتحفتني بكتاب كله حكميروق كاللؤلؤ المكنون بالكلم
كم قد حوى لمعان كلها غررفي وصفها قلمي أعيى لنطق فمي
نعم ونظم جليل راق منظرهقد جل عن عثرة في القول والقدم
شعر نظمت به كالشعر عقد سنىفأنت ناظم آداب من القدم
سلكت في سلك نظم كله دررنظم اللآلي ولكن غير منتظم
حوت لكل بها ماست بكل سنىفأخجلت كل ذي علم وذي فهم
فما الرياض فسل عن زهر روضتهافإنها منحة من بارئ النسم
وافت وشملي مجموع فمذ خطرتتفرق الشمل فاعذرني ولا تلم
لأنها قد أتت والقلب في ولهباق له ركن شمل غير منهدم
أحيت بهطل كمال من جوانبهاضامي الوداد فسلته من العدم
فيا له من كتاب في لطائفهتخاله زائرا في غفلة الحلم
مهذب درر بل جوهر حكمفكلها غرر بالشان والعظم
أن راق في أدب أو رق في طربتظنه القطر منهلا من الديم
ألفاظه درر راقت بكل سنىأبياته سمر في حالك الظلم
ونظمه كعقود في العلى نسقتوالبدر أكبر أن يخفى عن الأمم
قد شاع في حسنه كالشمس وقت ضحىومن يطيق خفا نار على علم
فالفضل منهله والمجد موردهأرجاؤه ساحة للفضل والحكم
يا من له من ودادي كل خالصةمن خالص العهد والميثاق والذمم
أرسلت لي مفردا بالنظم منفرداتخشى الصوارم منه صولة القلم
لثمته بخلوص لثم منهمكفأثرت أثرا من لثمه بفمي
وهذه غادة بكر سمت ونمتوشاحها عقد در غير منفصم
رنت إليك فخذها في محاسنهافمهرها ان تقل من عثرة القدم
والله يبقيك يا مولاي مغتنمامدى الزمان بود غير متهم
وانجح بمجد وعز دائما أبداما راق دمع بذكر البان والعلم
ورنحت عذبات البان ريح صباواطرب العيس حادي العيس بالنغم
مولاي أما كتابك فلم أقدر أحكيه، والدراري قد انتثرت من فيك وفيه.
كرم تبين في كلامك ماثلاويبين عتق الخيل في أصواتها
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةكنت البديع الفرد في أبياتها
إن قلت هي مما حاكته أقلام الحريري في مقاماته، أو قلائد العقيان في أساليب عقود أبياته. فماؤها أعذب من الماء الزلال، واقطر من ديمة السحاب الهطال، وأبهى من قلائد الجواهر واللآل.
لكم همم لم ترض الا التناهيا. اكتحلت بالسحر مقلة دياجيها، وقلدت بالنجوم لبان لياليها. فلم أقدر على الثناء، وقد باهت بسمكها الجوزاء. فكم أنبتت من غصين وغصون، وطلع من سنابل حباتها در مكنون ..
جريت بما عودتك الكراموتجري الكرام بعاداتها
كذاك السوابق لا تنتهيإذا أرسلت دون غاياتها
وردت منهله الصافي، واستفدت منه علم الاستعارات والقوافي.
واستنشقت العنبر الذي أذكته مجامر فكرك، والتقطت ما قذفته في بحور المحاورة بحور شعرك. فأنت قناص بنات خرد أبكار الافكار، وملتقط ثمر أكمام أشجار النظم والأشعار.
فتى جمع العلياء علما وعفةوبأسا وجودا لا يفاق وفاقا
كما جمع التفاح حسنا ونضرةورائحة محبوبة ومذاقا
واقسم أني تصاممت عن الجواب، وكان الحق والصواب.
وكيف لا ومن تكلف فوق حمله، افتضح لساعته لجهله، بل وكيف عدم الامتثال والظاهر، هو اقتطاف ثمر من شجرة خير الأوائل والأواخر.
وفي الناس مما خصصتم بهتفاريق لكن متى تجتمع
وعلى كل حال فقد قلدت جيدي بجواهر الأدب. وملأت مسامعي بفرائد لآلئ الخطب
أفعاله غرر أقواله دررأقلامه منح آراؤه شهب
فلا زلت تحافظ بحمايتك ثغور مملكة الأدب، ولا برح بابك كعبة علم ينسلون إليها من كل حدب.
فراجعني على هذا الروي والقافية:
عرائس الفكر اذ ماست مع القلمبثت سحابا من الآداب والنعم
نظرتها ترتوي غناء مطربةتغري بعشاقها في الحل والحرم
فالدر منتظم والعقد منبرميا حسن منتظم فيها ومنبرم
هيفاء معجبة كحلاء مغنجةنجلاء مدعجة كم فيها من حكم
راقت بهيئتها فاقت بهيبتهاشاقت بحليتها تأوى لذي سلم
كالبان في ميل والغيد في خجلوالظبي في وجل والحور في حشم
في هذه الأبيات من أنواع البديع السجع. وهو مأخوذ من سجع الحمام، وهو أربعة أقسام ومنه قول أبي تمام:
تجلى به رشدي وأثرى به يديوفاض به ثمدي وأوري به زندي
ومن قول المتنبي:
جاد الأمير به لي من مواهبهفزادها وكسا في الدرع والحلل
ومن علي بن عبد الله معرفتيبحمله من كعبد الله أو كعلي
معطي الكواعب والجرد السلاهب والبيض القواضب والعسالة الذبل
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملكملء الزمان وملء السهل والجبل
فنحن في جذل والروم في وجلوالبر في شغل والبحر في خجل
وهذا النوع لطيف لا بأس بإيراد شيء منه. فمنه للصفي من قصيدة:
ومالت القضب إذ مر النسيم بهاسكرا كما نبه الوسنان من أرق
والغيم قد نشرت في الجو بردتهسترا تمد حواشيه على الأفق
والسحب تبكي وثغر الملك مبتسموالطير تسجع من تيه ومن شيق
فالطير في طرب والسحب في حربوالماء في هرب والغصن في قلق
ومنه قول بديع الزمان الهمداني:
اين الذين اعدوا المال من ملكيرى الذخيرة ما أعطى وما وهبا
ما الليث محتطما والسيل مرتطماوالبحر ملتطما والليل مقتربا
أمضى شبا منك أدهى منك صاعقةأجدى يمينا وأدنى منك مطلبا
ومنه قول الخازن:
وقلت وقد لاحت عوالي خيامهاوفاحت غوالي أرضها المتأرج
أيا طارقي احجج ويا رائدي ابتهجويا سابقي عرج ويا صاحبي عج
ويا عبرتي كفي ويا ناقتي قفيويا شيبتي احتجي ويا صبوتي ادرجي
فقد كنت أبدي للمشيب مواعظابخط على فودي غير مثبج
ومنه قول أبي تمام:
تدبير معتصم بالله منتقملله مرتقب في الله مرتغب
وهذا البيت من قصيدته المشهورة في المعتصم بالله لما سار لفتح عمورية، ونهاه المنجمون عن ذلك، فلم يعبأ بهم، وسار إليها وفتحها عنوة. وأشار أبو تمام لهذه القضية وقال:
السيف أصدق أنباء من الكتبفي حده بين الجد واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف فيمتونهن جلاء الشك والريب
والشهب من شهب الأرماح لامعةبين الخميسين لا في السبعة الشهب
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
إن غالبت غلبت أو سامرت سلبتتزجي سحابا من الآداب كالديم
كأنها الغيث في نظم الجواهر أوكأنها الليث قد نيطت من الأجم
تشبيبها طرب تنظيمها عجبفي ثغرها شنب كالنور في الظلم
مالت بجوهرها غالت بلؤلؤهاأبدت بدائعها للحاسب الفهم
مذ أقبلت بنظام راق جوهرهزانت على درر في السلك منتظم
لثمت من فمها قندا فأسكرنيوقمت حقا لتعظيم على قدمي
وحار عقلي ولبي في محاسنهاكأنها في البها نار على علم
فلم أطق منهجا في مدحها لهجافاحت بنا أرجا فالمسك بعض دمي
أطرقت من خجلي بل ذبت من وجلىناديت وا أجلي إذ شابني سأمي
رأيتها غادة بكرا مهفهفةلم يحكها شاعر في العرب والعجم
ما خاض في بحرها من كان ذا أدبما حاكها ناظم في سالف الأمم
قد علمتني نظام الشعر مذ وردتوفهمتني معاني الخط بالرقم
حققتها أنها بكر وقد صدرتمن واحد مفرد بالجود والكرم
عثمان صائغها مجدا وناظمهاربيبة من أديب كامل قرم
الفاضل الليث ذو الآداب من شهدتله المكارم حتى ساد بالعظم
كالشمس في شرف والبدر في سرفوالدر في تحف والبحر في همم
لو شاء يرقى السها فضلا سما ورقىوها هو الآن في الافضال كالعلم
أو شاء نصب لواء العلم ينصبهيجر ذيل العلى كالأحرف القسم
جزمت أني رفيق في مكارمهفكم وعى صحبتي بل كم رعى ذممي
ما فيه عيب سوى سح العلوم ومافيه من النقص إلا البذل للنعم
يا فاضلا كاملا يا مفردا علمايا واحدا همما يا سابغ الحكم
فرائد قد أتت تثني وتخبر عنحبر وبحر من الآداب ملتطم
جعلتني فيها مرآة لتنظر فيمحاسن فيك قد جلت عن السأم
فكلما ينظر الراءون فيها رأوامحاسنا شيما من أحسن الشيم
جواهر نضدت من فيك من أدبفإنها فيك قد خصت من القدم
أمنحتني أربا أوليتني أدباأسقيتني سحبا تربو على الديم
ما كان من رتبتي أني أجادلهاخوفا من الجهل أو من زلة القدم
أو عثرة من لساني في موازنهاأو غفلة في القوافي لم تكن بهم
قد غصت في بحرها أخرجت جوهرهاوسمت ياقوتها في اربح القيم
فمي وأن تحدث عن إعراب منطقهافما هو الآن إلا من هذاء فمي
نسجت من غزلها بردا مطرزةلباسك اليوم يا ذا المنطق الفهم
فاسبك على بردتي ستر القبول وقلعثورها ثم ميزها عن العدم
لأنها لم تزل في البر سائحةلا تألف الدار بل تأوي مع النعم
أصبحت في بحرك الطامي بلا فلكأرمي السلاح تراني ملقي السلم
لا زلت يا سيدي ترمي إلى زحلبالمجد والعلم والافضال والكرم
ولا برحت فصيحا فاضلا أدباطويل باع علي الجود والهمم
ومما أرسلته إليه ملغزا في فتح وملمحا بجواب رسالته:
يا مفردا بفضائل ومآثريا كابر عن كابر عن كابر
قد فقت في نظم الكلام ونثرهفلديك عز الدين ليس بشاعر
فلك الفصاحة والسماحة والعلىولك الملاحة بالبهاء الباهر
ولك السيادة والرياسة والندىولك المحاسن مع زهاء زاهر
قلدت جيد الدهر يا نفس النهىبقلائد وفرائد وجواهر
أنت الذي ملك الفضائل والنقىولك المكارم مع كمال ظاهر
ما اسم ثلاثي الحروف وجودهعين السرور إذا سطا ببواتر
مقلوبه لعدونا وعدوكموهو العدو من الزمان الغابر
مفرى الحصون إذا ألم بسورهامفني الصفوف إذا التقى بعساكر
كم مرة رشق الملوك بنبلهفأزالها عن كل فخر فاخر
ما السمر والبيض الصفاح كفعلهوالنبل أن علقت يداه بطائر
أمضى وأقضى في الحروب سهامهوأمر من صبر ألم بصابر
فصحيحه فيه الشقاء وكم أتىبمحاسن من كل واف وافر
تصحيفه ما مثله مستهجناتركيبه فتح الإله القاهر
بينه يا غصن الفضائل والتقىوابنه من فكر كغيث ماطر
فافلح ودم بعرائس أتحفتهاوبعثتها من بحر فكر زاخر
خليلي:
ورد الكتاب مبشرانفسي بأوارد السرور
وفضضته فوجدتهليلا على صفحات نور
مثل السوالف والخدودالبيض زينت بالشعور
أنزلته مني بمنزلة القلوب من الصدور
لا زال أمر مرسله مطاعا، وأدب متحفه مراعى، فتلقيته بالبشر والترحيب، وقابلته بصدر مشوق رحيب، فإذا هو درة قد
استودعت بطون الصدف. وشمس أذهبت بإشراقها ظلمة السدف. فلله دره. ما أعلى قدره، وأبهى نوره، وأنفذ سحره، وارق معانيه، وأدق مبانيه. لو أبصره ابن خاقان لقلد قلائد العقيان بفرائده وحلاها، أو صاحب الفرائد لاتخذ لكتابه فرائده وخلاها. أو أبصره البديع لقال البديع هذا المقال:
وكلنا على الشريف عيال. وهو كما وصفه ابن سيرين الحلبي حيث قال:
بعثت أيا ابن الاكرمين بروضةمن النظم يسقيها الحجا صوب وكفه
خميلة شعر يزدهي البدر نورهاوينأى عن الشعرى العبور بعطفه
كأن غصونا أودعت في سطورهالها ثمر يلتذ سمعي بقطفه
إذا ما غشى ليل المداد بطرسهانهار زهت فيه كواكب وصفه
وكانت كما زارت معطرة اللمىمبردة من حر قلب ولهفه
ووافى الى الصب الكئيب شويدنلوجرة أحوى فاحم الشعر وحفه
فأعيت به عبل الروادف خصرهيجوع إذا غص الازار بردفه
فلم أقدر أجيبه بكتاب ولا رسالة، وكيف وقد حوى أنواع البسالة، وباهي القباب السبع فضلا عن الغزالة. ولكن اقتصرت على معمى أبرزته من صحيفة الخاطر، وأهديته لديباجة مجموعة المكارم والمفاخر. وقد ورد يا ابن الطاهرة البتول، عن جدكم النبي الرسول، محمد خيرة ولد آدم. صلى الله تعالى عليه وسلم، من أسدى إليكم إحسانا فكافئوه بمثله، فإن لم تقدروا فادعوا له وأنتم قد أحسنتم بأنواع الإحسان، ولكم علينا الفضل والامتنان، فالله يبقيك، ومن كل سوء ومكروه يقيك. آمين. آمين. آمين.
وكتب إلي في الجواب، على طريق الإبداع والاغراب، بقوله:
يا سيدا أسقى جنين الخاطرمن در ضرع ناظم أو ناثر
لا زلت ترقى سؤددا في سؤددبسعادة وسيادة وتكاثر
لله درك ما أحيلي ما تضمنهفؤادك من نظام ناضر
أبرزت مكنون اللآل بعسجدمن بحر قلب طاهر بل عاطر
غادرت أبناء الفضائل فضلةفي سح آداب كهطل ماطر
ملك البلاغة والنجابة والبراعة والشجاعة والسخاء الوافر
قد نلته بل زدته وردفتهبمكارم أورثتها عن كابر
أما الثلاثي فهو فتح ظاهريروي العطاش بكل سيب ظاهر
من شأنه في مزجه ومزاجهيطفي غليلا من زمان غابر
أما الملوك توده وترومهوتراه فخرا فوق كل مفاخر
لو كان معتلا أعل جميعهاأما الصحيح به الشفا من ضائر
تصحيفه قبح أضر بضدناصححه يا وافي الذكاء الوافر
هذا الذي أدركته يا سيديفاسبل عليه برد ستر غافر
دم يا حبيبي بالهنا بل بالنهىوأحسن بفضل شامل بل غامر
هذا جواب ناقص من ناقصعن رمز حبر كامل بل طاهر
سيدي: قد ورد علي كتابك فإذا هو كالزهر والورود، بل هو أعذب للظمآن من الماء العذب القراح عند الورود. وقد أخرجت من خزائن اللب جواهر الفرائد، وصورت في صحيفة الخاطر زواهر الخرائد، فقلدتني بعقد نثار قد نظم بأوفر سلك، وطوقتني بدرر مآثر قد ختمتها بأعطر مسك، لو ذاق حلاوتها ابن نباتة لسكر وهام، أو رأى طلاوتها المتنبي لترك بعد ذلك النظام، أو أبصر ميزانها الذهبي وابن ابي الإصبع لجعلها من مستخرجاته أو أدرك المتنبي نبأها لصدرها بمبدأ حاجاته. فما كان لي إلا أن ألثمها تعظيما، وأستلمها تكريما وتفخيما.
فلله درك يا فريد الزمان، ويا وحيد الوقت والأوان، ما أبدع كلامك، وأبلغ كمالك. قد أرسلت معمى هو بالبلاغة بصير، وكيف لا وهو من صدر كامل تحرير.
هذا ولما كان البال قد شت، والعقل للخاطر قد بت، أرسلت بهذه الأبيات على طريقة الجواب، وأن لم تكن على نهج الصواب
فهي من فكر قاصر، وذهن فاتر. فالعذر العذر من التقصير، والعفو العفو من التحريف والتغيير. يا ذا العنصر الطاهر، والعرق الشريف الزاهر. فقد أنزلتني منزلا يسمو عن مقداري وقد رفعت وغاليت اعتباري. فاقبل بفضلك ومنك بسيط أعذاري. وما ذاك إلا من حسن سيرتك، وصفو سريرتك. إذ أنا رفيق احسانك، وعتيق لسانك، فكيف أكافيك. وهذه الكمالات فيك، وتنثر من فيك، فلا زلت مطاعا. وفي كل كمال مراعى، آمين.
ومما يسوغ ذكره في هذا الباب من المرسلات المنثورة ما أرسلته إلى أحد الرجال المترجمين السيد عبد الله كاتب ديوان بغداد المذكورة في كل ناد:
سلام أرق من نسيم الأسحار، وأهز من ريح الصبا، وآنق من معانقة الغواني الأبكار، في أوان الشباب والصبا. وأدق من مخترعات الأفكار، وأعطر من الشيح والكبا.
ألذ من الماء القراح على الصدىوأطيب من وصل الهوى عقب الصد
ودعاء أزهى من ورد الخدود، يفوح مسكا ويقطر عطرا، وأبهى سناء من الدر والعقود يضوع نشرا ويروق قطرا. وأشهى بهاء من اعتدال القدود، يسوغ وردا ويعذب صدرا.
دعاء كماء المزن يعذب وردهوكالسيف في الإمضاء جرد من غمد
يهدى إلى الراحة الرحباء، والساحة الفيحاء. والسدة العلياء.
جنات أنس رعى الرحمن بهجتهافإنها بالمعالي خير جنات
منازل لست أهوى غيرها سقيتهوى يعم وخصت بالتحيات
ساحة الكريم الافخم، والنبراس الأعظم، والمغوار الأكرم.
والطود النابت، والمجد الثابت، والرشد الباهت. والنور الواضح والبدر اللائح. والعطر الفائح. والجبل الراسخ، والركن الباذخ والملاذ الشامخ. والنجم المنقض، والوجه المبيض، والورد المنفض.
وابل الجلال. وقطر النوال، وغيث المعال. تاج المفارق، شمس المشارق، مظهر الحقائق. الليث البسال، والسحاب الهطال، والعظيم المفضال. السماح المؤمل، والكرم المسبل المؤثل. اليمن الوافي، والنجح الصافي والكمال الكافي. والبحر الرائق، والنهر الفائق، والسحاب الدافق والشهم المصروف، والفهم الموصوف، والقرم المعروف. والنور اللامع، والصدر الواسع، والسرور الجامع.
مقابل بين أقلام وألويةمردد بين إيوان وديوان
وهو في الحقيقة السيل الساكب، والنفع الراسب، والهطل المتعاقب، والوجه الضاحك، واللطف المتدارك، والحسام الصقيل الفاتك. والبشر والسماحة، والفخر والرجاحة، والفضل والسجاحة.
والمحاسن المتنوعة والمفاخر المتفرعة، والصنائع المبدعة. المشهور بالشهامة، والمعروف بالكرامة، والموصوف بالزعامة. صاحب
الملكات النفسية، والهمم السامية العلية، والعزمات الماضية المرضية المضية. الكامل الهمام. والباسل الضرغام. والواحد الذي ما عليه كلام. لا زالت ربوع الأدب العريضة مروغة بهواطل كمالاته وكمال هواطله، ومعالم المعارف الفسيحة ممرغة بفواضل سحائبه وسحائب فواضله. ولا برحت بروج العوارف مشرقة ببدور افضاله، ومطالع اللطائف نيرة بشموس كماله وإجلاله، بمحمد وآله. ما وقب ليل وغسق. وفاح ند وعبق.
وبعد: فالمعروض للجناب المعلى خصه الله بالمكارم، وجعل أفق معاليه مشارق الافاخم الأعاظم. إن لواعج المخلص إلى ذلك المطلع غير متناهية، والتشوقات إلى ذلك النادي الأرفع لأنواع التأسفات حادية. وهو ناد كما قيل فيه.
بطيب نسيم منه يستجلب الكرىولو رقد المخمور فيه آفاقا
فلمثل هذا النادي كيف لا أتشوق. وعلى مثله كيف لا أصدو وأتحرق. فالشوق إليه لا يحصره قلم الصابي وابن وائل والقلب الشريف على زيادة الأشواق شاهد عادل. وهو من أوضح البراهين التي لا يحتاج فيه إلى الحجج والدلائل. فو حقكم أن الشوق إلى ذلك المقام، لا يحصى ويحصر ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام. فإني مطوق من ذلك النادي بالإحسان الغزير، ومن لم يعرف القليل لم يعرف الكثير. ولا زال مجلسكم هو الشريف العال. ونثاره الفرائد واللآل.
ومن اللطائف التي لا ينقضي الإعجاب منها ما كتبه في الجواب:
أزكى سلام صدح في حدائق الوداد هزاره الشائق فأينعت رياضه، وأبهى إكرام سرت نفحات أنسه من مهب قبول الاتحاد فعطرت المشام وأترعت بالإخلاص حياضه. وثناء يفوح منه ما يزري بأنفاس الأزهار إذا طلعت من الأكمام، ودعاء يلوح منه أن عروة وداد المخلص وثقى ليس لها انفصام. إلى جناب من تميز بأنواع البلاغة وأجناسها. وجر على المجرة أذيال الفصاحة الذي هو من لباسها. ولمع بارق مجده في الآفاق، وعلى حسن سيرته وفرط أدبه وقع الاتفاق. وغدا في سؤدده أحد الشهب السيارة، حتى اقتحم من بحر العز لجه وتياره. وطوى لكماله على الحسب أديمه، ونشر من الأدب حديثه وقديمه. معدن السؤدد العد. فرع دوحة شرف النجاد وكرم المحتد. صديقي الولاء، عمري التقى، عثماني الحياء، علوي الحيا، حسني اللقا، حسيني الرضى، حريري التحرير، زمخشري التقرير.
له قلم اذا ما جال يومافما الهندي والعضب المهند
ذو الشرف الشامخ. والعز الراسخ، الذكي الالمعي، والزكي اللوذعي، الأسعد الأكرم، والأوحد المكرم. لابرح مجلسه العالي، محفوظا من طوارق الأيام والليالي، ما أسفرت ذكاء عن وجهها المنير، ورشفت ثغور الاقاح بعارضها المستدير، آمين
أما بعد: حسب ما نجنه من الوداد، ونكنه من صحيح الود وخالص الاتحاد، لم نزل نترقب أخبار صحتكم السارة، ونترصد
آثار عافيتكم البارة. إذ وردنا في أيمن الأوقات كتابكم الكريم المنبئ عن صحة الذات واقتبال وجه العيش الوسيم، ففض المخلص ختامه عن رحيق بلاغة تسلي قهوة الإنشاد، وتلهي عن المدامة والنديم. فابتهجت منه النفوس، ببدائع معان تزهو في الطرس زهو العروس. وكان لما حاز من مزايا الأدب ولطائف بلاغة المقال، حريا بقول من قال:
ورد الكتاب المنتقى الزاهي الذيقد أحسن الأستاذ في إملائه
ببديع نثر كالزلال لطافةفيه شفاء الصب من برحائه
ومن جملة ما احتوت عليه مطاويه، وانطوت عليه فحاويه اظهاركم الأشواق وايشادكم الاتواق فتلك ما شهدت به القلوب وأعانت على وجدانها مصدقات الغيوب.
الشوق أعظم أن يختص جارحةكلي إليك وحق الله أشواق
ومن حال التاريخ القدسي، والكتاب اللطيف الإنسي، ان الجناب حسب ما سبق إليه تلك الإشارة التي وقعت بتعريض طلب المخلص له قد صدعتم الخاطر وكلفتموه باستنساخ الكتاب المذكور وأتعبتموه، وإلى طرف المخلص أرسلتموه.
فقد وصل بلطف الله ﷾ أحسن وصول، ورقى أسنى وارفع مواضع القبول. لا غرو أن المخلص كان في غاية الاشتياق إلى هذا. لما فيه من عذوبة سلاسة اللفظ
وفصل الخطاب. فقد كاشفتم في ارساله، وتلطفتم في إيصاله أزعجتم الخاطر في ذلك: وأخجلتم المخلص فيما هنالك، جزاكم الله عنا خير الجزاء، وخصكم بجزيل النعم وسوابغ الآلاء.
ولا برحتم بعين عناية الله ملحوظين، ومن بوائق الدهر والأيام محفوظين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما حدا الحادي وغنىبهوى سعدى ولبنى
ومما يتناسب ذكره ما ورد فيه نظما. فمن ذلك ما أرسله حجة هذا الفن ونادرة الحين والزمن الشيخ محمد الغلامي إلى الشاب الأديب أخي علي بن علي العمري وهو:
روض طبعي سرت لكم منه نفحهفأطلنا على سجاياك مدحه
أيهذا الخليل سري عجيبولسان الخطوب يسرد شرحه
وحديثي عن الهموم غريبغير أني أعد ودك فرحه
وزناد القريض زاد خبواوتعامى فكيف أطلب قدحه
كان نشد القريض عندي أشهىمن صياح الديوك في دير بحه
وطراز الأقلام كالصدغ في الخد إذا أحسن التنمنم سطحه
فإنا الآن لي بقلبي جرحصدني عن سواه تطبيب جرحه
أفسد العيش ملحة الفكر منيرب عيش ترميه أن زدت ملحه
ذقت خمر النوى وقد أظهرت ليمن إناء الفؤاد شكواي نضحه
يا أخا الود بالحشى كم سهامصائبات تطوي على الهم كشحه
وزماني له على الحر دينأنا أخشى بالكل يطلب ربحه
سيئات الزمان قد أغضبتناوبمثل العزيز نطلب صلحه
جاءنا عصرنا بأحسن عذرفمحا حسن ذلك الطبع قبحه
أن دهرا حبا بريحانة الدهر جدير بأن نؤمل نجحه
فأجابه ذلك الشاب، بما هو في كئوس الآداب كالحباب، وهو:
نبهت طرف فكرتي منك نفحهمذ سرت من رياض طبعك منحه
يتمنى النسيم لو يعطى منهايا أخا المجد والفضائل صحه
أخلجت أهيف القوام المفدىمن عليه من الملاحة مسحه
حبذا نسمة سرت لي سحيرامن أديب الزمان تحمل مدحه
مفرد الوقت حائز الفضل طرامن لجسم القريض قد صار روحه
ذو المعالي له الكمال شعاروهو في روض ذي المحامد دوحه
أيها الخل قد أدرت عليناكأس خمر قد أعقبت منها فرحه
قطعة كالرياض تزهو وطرفيفي رباها البديع أطلقت روحه
أن يكن متن ذا الخطوب عجيباأن صنع الإله يوضح شرحه
أو يكن ليل ذا الهموم طويلاكلما رمت فجره مد جنحه
فعسى يصدع الإله دجاهفانتظر من سنا اللطائف صبحه
ولأنت العزيز في كل مصرولذاك الزمان حسنت قبحه
أتحفتني الأيام فيك بخلمحكم الود خالط الصفو نصحه
إنما طبعك الزكي سلافمن أناء الوداد أظهرت نضحه
هكذا الدهر طبعه ليس يصفوحيث ما جاد أعقب الجود شحه
ليت شعري وللزمان ذنوبليس تحصى وقد سمعت أصحه
كلما هز لليراع بنانمنك في الطرس أمضى في الدهر جرحه
فكأن الزمان أغضبت منهليله أن رقمت في الطرس صفحه
فراجعه أيضا:
يا أديب الزمان أبديت لمحهمن جمال الحسان في كل ملحه
هزلي سادة اليراع رماحاحيث جاء الشقيق يعرض رمحه
يا أخا العلم والرسائل والودوطرس كالمسك ضوعت فتحه
لست أدري أجاء طرسك أم سحر أم الفجر حين نفست صبحه
ضمنه متن ذي الخطوب عجيبوصنيع الإله يوضع شرحه
غير أني ما قد قرأت حواشيالخطوب إلا وفي فؤادي قرحه
أن عثمان كان لي خير ذخروشفيق وكان يحفظ جنحه
فتنحى لسوء حظي حتىلو لقيت الأمين يعرض صفحه
كل أمري مذ غاب عنه سقيمآه لو عاد لي الزمان بصحه
دون أبوابه حجاب عليناكان عهدي بالباب مسهل فتحه
صار ملقى الأمير صعبا عليناوعسيرا إذا توخيت ربحه
قابلتنا من الزمان سنونآكلات وكان ذخري مدحه
ففقدنا خير الوسائط حتىلو نظمنا القريض لم نلق منحه
إن عثمان كان أعرف قدرابأناشيدنا وأكثر سمحه
فرمينا من الزمان بسهممن أضاع القريض قد فاز مدحه
أن عثمان هذبته اللياليفهو في صدر ذي المعارف فسحه
فدواء لمن يحاول طباوحسام لمن يحاول جرحه
والثريا لمن أراد اهتداءوالحميا لمن يساوم فرحه
ليت شعري هل الليالي معيدات لنا من دجى الحوادث صبحه
فراجعه شاب حبنا علي العمري بقوله:
صحف الشوق بالمدامع سطرلك يا رونق الجمال وحبر
مغرم كلما أديرت عليهأكؤس الوجد قلبه يتفطر
من ثناياك كلما شام برقعارض منك بالمدامع أمطر
لا تهن قلبه فانك فيهوهو بالشوق والغرام تعمر
يا مليح الدلال أرخصت دمعيوبخديك مهجتي تتسعر
وعذول إذا لحاني بجهلقوله فيك يا مليح مكفر
نسخ صبري محقق بعذارمنك قد خطه الجمال وحرر
وحواشي الكمال من قلم الريحان في خدك الجني مشعر
بأبي أهيف لقد نام عنيولجفني القريح أسهى وأسهر
بخدود إذا نظرت إليهارجع الطرف خاسئا يتحسر
صبروا القلب ثم قالوا تسلىيا لعمري أنا القتيل المصبر
يا نديمي فقم بنا لرياضفيها ذيل النسيم أمسى مجرر
منبر البان كللته الغواديوخطيب الحمام أملى وكرر
وخرير المياه يعطي سروراحيثما في الرياض يغدو مكسر
فضة في الضحى يلوح ولكنقد كساه الأصيل ثوبا مدنر
وإذا ما الظلام جن عليهخلت فيه النجوم درا تنثر
لا تقل خده تورد عجبابشعاع الذكاء أزهى وأزهر
مد من فوقه النسيم شباكاولذا في الهموم أمسى مظفر
ليت لو يشعر الأديب بعيشيقد صفالي من بعد ما قد تكدر
كيف لم نشكر الزمان بفعلوبمثل الخليل للنظم أمر
ونعم ذنب ذا الزمان عظيموبهذا الصنيع فالذنب يغفر
فكره مقذف عقود لآلمن بحار القريض درا وجوهر
شابهت قطعة الرياض طروسفي يديه والشيء بالشيء يذكر
وإذا طاول القنا ليراعمنه في الطرس بالمضاء تقصر
وإذا خط بالمهارق سطرافهو أجلى من الصباح وأسفر
ولقد أحرز الكمال بسبقفي ذكاء وفطنة ليس تنكر
ولئن كان قد تقدم عطراغيره عن كماله قد تأخر
فأجابه الشيخ محمد المذكور بقوله:
جاء خد اللجين يحمل عنبرأم كتاب وبالسطور تعذر
قيد الطرف اذ اقر عيونييا أمير الكمال حزت المقرر
مع أخي الرشد غاض بحر قريضيآه من قصة الرشيد وجعفر
ليت شعري سامرت منك سطوراأم هو الخال بالطروس مسمر
حج شعري بيت العلوم ولا عتب على من يحج أن قيل قصر
أم قدود الملاح لاحت لعينيلست ادري فالكل قد بان اسمر
ملكت مهجتي برقة معنىطلت عمرا كيف الرقيق تدبر
لاح من لفظك العلي با صداغ حبيبي ميزان شعرك عبر
يا خليلي ذكرتني ذا عذارسال منه في جنة الخد كوثر
صحف الشوق في عذاريه تملىفقرأنا من خطه ما تيسر
فقهتنا رسائل الخد لمابيراع الأنوار أضحى محرر
زاده الشعر في محبيه عزافهو في الحالتين يبدو مظفر
غير أني أنفت إذ قال عنيمن أديب الزمان خدي أشعر
ملت عنه إلى نقي خدودحسنها قط ما صفا وتعذر
ناعم الجسم قد حلالي لماجاءني صدره الشريف بمرمر
ما كفاه سيف اللواحظ حتىمده الحاجب الجميل بخنجر
آه وا شقوتي لغصن طريلي عليه من الجدار مسور
ما بدا لي جماله قط إلاصب دمعي بجفن عيني تعثر
ليت لو يشعر الأديب بعيشويدي فوق وجنتي أتفكر
كيف سود الأيام قد بيضت ليلمتي إذ أرتني الموت أحمر
قلبه الماء رحمة غير أناقد رأيناه في الخطوب غضنفر
أورثته الآباء سيفا من العزم فأجرى في ذلك السيف جوهر
وبنت قبة عليه من المجد ففي جامع المكارم أزهر
يا شقيق الندى ورب القوافيلا بل الجود من يديك مصور
لك عندي من الثنا ليس يحصىولنا منك رأفة ليس تحصر
يا طبيبا درى منابض دائيفتحرى إلى الدوا وتخير
عجبا منك يا مهذب من قدكان إدراك بالدواء وأخبر
يا رجيح المقدار يا عالي القدر ويا من على الكرام تأمر
لحت شمسا للمكرمات لعينيثم قمرت لي هلالي فأقمر
يا خليلي عذرا لتقصير لفظيأنني عن منال شأوك أقصر
ولما جرى ما جرى من تعاطي هذه المداعبات التي نفثت مسكا وعنبرا، أنشأ الغلامي قصيدة في مدح الشاب المذكور وهي:
مليح من الولدان ذكرني الخلداإذا لمسته الكف من حسنه أعدى
لمست بكفي خده فتضمختفها أنا حتى الحشر انشقها ندا
صقيل يريك الوجه مترف جسمهفمرآة ذاك الصدغ بالصد لن تصدا
إذا احدقته العين ردت كليلةكما لاح ضوء الشمس في المقلة الرمدا
وان مر في فكري مدام رضابهيقيم على الأحشاء من هجره الحدا
قضى لي شرع المغرمين بأنهسيصبح لي مولى وأمسي له عبدا
وافرش من شوق القتاد مضاجعيوإن كنت من خديه أستقطر الوردا
فأظهر أني في المحبة هازلولا أخ لي وجدا لمن يعرف الجدا
ولي عشق ذي فهم أديب لسانهعلى كل حال لا أعاد ولا أبدى
أموه في ذكرى بهند وتارةبسعدى ولا هند بقلبي ولا سعدى
ولكن بي روحا لطيفا حديثهله كبدي الحراء كم تشتكي البردا
بدا قلت بدرا وانثنى قلت صعدةوناقلت ظبيا مال فالغصن أو أندى
فهبه غدت كل الملاح جنودهفما باله لم أحص عذاله عدا
وهب أن ذاك الخال في الخد خادملمرشفه الأشهى فما بالني أصدى
وما بال هذي الروح في الصدر رددتوأهجس في رد السلام لها ردا
خليلي أني لم أر غير مغرمكما مد عين العشق قد جاوز الحدا
تفردت في صدق الغرام كما غداعلي الوفا ما بين أقرانه فردا
تفردت في قوم خصائلهم إذاتضعضع بيت الجود كانوا له عمدا
هو الشهم فيه همة عمريةبأمثالها النساب قد عرفوا الولدا
فلا عدمت أهل الكمال حياة منأبشهم وجها واكثرهم ودا
وأرجحهم حلما وأسمحهم يداوأوفرهم عقلا وأكرمهم جدا
أرى جيد هذا الدهر قد كان عاطلافحلاه مولانا بأخلاقه عقدا
وقلده سيفا من العلم بعد أنبمصقلة الآداب سن له حدا
رأيت عليا أمة لا أرى لهنظيرا بهذا العصر قبلا ولا بعدا
واسمعني أهل القصيد بيوتهمفأبصرت هذا البيت أعذبهم وردا
فإن يك ناس أحرزوا المجد سرقةأراه عن الأجداد قد ورث المجدا
وإن تكن الأيام أنست جميلهمإلى الناس هذا فعله جدد العهدا
لقيت عليا فابتدرت أرى لهرفيقا فأعياني فهمت به وجدا
فلا زال من حاز الفضائل كلهايحوك له مدحي بأيدي الثنا حمدا
واتفق أن صاحب الترجمة خرج من البلد لبعض مصالح له، فلما رجع أرسلت لقدومه هذه الأبيات، وهي:
قدومك خير فيه كل التكرمفأهلا وسهلا بالحبيب المكرم
جلبت لنا الأفراح في خير مقدمفدم واسم في مجد وجود معظم
فأنت أيا ابن الاكرمين كرامةلقد نلتم العلياء من عهد آدم
سموت بآداب وفضل ومحتدعلوت بعرب في الكمال وأعجم
ملكت من الفضل اللهام وقد جنتيداك علوما للمكارم تنتمي
غلوت فأرخصت النفوس جميعهاسموت وهل بالفضل مثلك قد سمي
ففضلك معروف ومجدك باهروحلمك موصوف بعبس وجرهم
وجودك مذكور وبذلك وافروعلمك مشهور بلا كيف أو كم
وفاؤك معلوم لذي كل صاحبولست الذي باع الوداد بدرهم
تراعي وداد الحب في كل حالةوتألفه والله باللحم والدم
فمثلك في حفظ العهود على المدىوحيد فدم في حفظ ود مسلم
وإن قصر الجسم النحيف بزورةفذكرك لا يخلو من القلب والفم
فدم بسعود كامل ومكملنهارك شمس والليالي كانجم
فأجابني بقوله:
نظمت أيا نجل العلي المكرموسابقت في نظم القريض المقدم
وأتحفتني فيها ولست بأهلهاوما هي إلا بهجة المتكلم
وأنسبت فيها للوفاء وإنماأصاب لذاتي منك قطرة درهم
فلا غرو أن أصبحت أمة وقتنابفضل وأفضال وعلم مسلم
فذيلت باهي باهر الشمس منشداوطرفت ساهي ساهر الطرف بالفم
ويعجبني من أنواع الجناس المذيل، كما في قوله باهي وباهر، وساهي وساهر، لأنه من غير تكلف، ويسوغ للناظم نظمه، ويعذب فيه نشيده.
فمنه قول كعب بن زهير:
ولقد علمت وأنت خير عليمةأن لا يقربني الهوى لهوان
وما ألطف قول بعضهم:
وسألتها بإشارة عن حالهاوعلي فيها للوشاة عيون
وتنفست صعدا وقالت ما الهوىإلا الهوان أزيل عنه النون
ومن غراميات البهاء زهير فيه:
أشكو وأشكر فعلهفأعجب لشاك منه شاكر
طرفي وطرف النجم فيهـ كلاهما ساه وساهر
يا ليل بدرك حاضريا ليت بدري كان حاضر
حتى يبين لناظريمن منهما زاه وزاهر
وقد اعتنت الشعراء به، فمما نظم فيه قصيدة المارديني:
سطا بسيوف مقتله الجوارحوقد ملك الجوانح والجوارح
هلال في بروج الحسن سارغزال في مروج القلب سارح
حسام الفتك من عينيه ناضلذاك دمي على الخدين ناضح
فكيف تخلصي والطرف رامبسهم جفونه والقد رامح
بصاد لواحظ وعذار لامحمى ميما يحبر عين لامح
سكرت بعينه من غير جامفأمسى بالدلال علي جامح
واعجب انه في الحب جانعلي ولا أزال عليه جانح
وهي قصيدة طويلة. ومن مديحها قوله:
جواد لا يخيب لديه راجكما ميزانه في الفضل راجح
بروض نداه يروي كل صادوفيه بلبل المداح صادح
كريم للثنا بالجود شارمناقبه تعجز كل شارح
تدين له من العليا نواصلأن علومه أبدا نواصح
فأقلام السعود له جواروهم لطيور أعداه جوارح
ومن نظم فيه حسين بن عبد الصمد وهو:
أرق الرق دمع غير راقووجدي فيك راق غير راقد
وعقرب صدغك اللساع راقبخدك وهو بالنيران راقد
فلم أر قبله نارا بماءعلى غصن نضير القد مائد
وخال من نفوس غير خاللذلك صار في الميزان خالد
ومنها أيضا:
يصول على المتيم صول تالفاخفق في الغرام كخفق تالد
يهز قوام غصن منه زاهويرغب عن محب غير زاهد
فيأمن دمعه كالوبل هامعلى الأطلال يهمي غير هامد
إلى م ترى تهيم بكل وادفلا معنى فتب واصلح ووادد
وبالمهدي أمعن في معانعلى رغم المساوي والمعاند
أمام حبه قربي موالكريم في السجايا والموالد
وهي طويلة. فمن تتمة القصيدة المترجمة:
تحاميت عما ظل في النظم حميةتساميت ته دلا على كل أعلم
فكم لك في يوم الفضائل رفعةوكم لك من نظم بديع مترجم
فإن جئت للآداب أديت دأبهاوإن جئت للتقوى توازي ابن أدهم
وان قالت العرب الكرام مناشدالقلت أقيل الكل عند التكلم
وما هو إلا منحة ووراثةعن الجد والآباء من عهد آدم
سلكت سلوك الاقدمين أولي النهىملكت ملوك الفضل للمجد فانتمى
وذا الود مذود القريض بمدحكمفجئني بضعف في ملال منظم
وما قارف البال الهنا غير لمحةفخار يراعي مثل ليت غشمشم
وأن كان هذا النظم راق لناظرفقد قيل أن الفضل للمتقدم
فلا زلت يا عزي بسعد ورفعةوفيض وافضال وقدرك قد سمى
وبوئت يا ذا الجود أكمل صحبةبطول بقاء في نجاح معظم
ومن شعره قوله معجزا ومصدرا لبيتين هما سؤال وجواب للرامي وقاسم بن حسن.
قل لي إذا زارك المحبوب في سحروكان في القلب من هجرانه نار
وقد أتى خفية والناس في سنةبلا رقيب فماذا منه تختار
الجواب:
أشمه قبل أن يحظى النسيم بهلانني رجل في الحب مغوار
وأحتظي بورود الخد في مهلوالثم الثغر لكن غير غدار
ومن شعره أيضا، معجزا ومصدرا البيتين الشهيرين عن لسان الليالي واعتذارها، قوله:
كل يوم أريد أن أتملىوجهك الباهر البهي المنور
ودواما أود أن أتباهىبك والدهر بيننا يتعذر
والليالي تقول لي بلسانمجمل بل مفصل ومكرر
أيها العاشق المحب اجتماعالا تلمني فالاجتماع مقدر
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع