من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
حسن بن عبد الباقي
واحد الادباء، وخاتمة الشعراء، ونادرة الفضلاء حسن بن عبد الباقي أديب جليل، وحسن جميل، وكامل له في جباه الكمال أكاليل. مشاطة المعارف والأدب، مرجع دهاة بلغاء العرب.
صاحب النظام الفريد المبتكر، والقريض البليغ المستهزئ باللالي
والدرر. فكم له من برود معارف نسجتها يد الفكر. وطيلسانات لطائف أظهر بوشيها العبر، تاهت برائق نسجها العقول. لو تصدى لنعتها ووصفها لسان بليغ لاعتراه فلول.
أنى تضاهيه فرسان الكلام ومنغباره في هواديهن ما نفضوا
جرت على مستو من طبعه كلمهي المشارب لكن ما لها فرض
كأن منشدها نشوان من طربأو بلبل بسقيط الطل ينتفض
فمعجز نظمه من دلائل المتنبي وآياته. وحلاوة نثره أحلى في المذاق من نثر ابن نباتة وأبياته. فكماله كمال الكمال، وهو في أعلى مقام من المعال.
وزر البلاغة حين يعضل حادثوشهابها في المكرمات الواقد
فهو الناظم لعقود الأدب، والراقم لبرود القريض والأرب.
فمقامه من البلاغة السماك، ومحله من الفصاحة هامة الأفلاك.
حسن النثر وروقه، ورصف الشعر وفوقه، فنظمه ارق من النسيم العليل، وآنق من الروض الزاهر البليل.
أحلى وأجلى للفؤاد من المنىوألذ من ريق الأحبة في الفم
فهو صاحب الأدب المنساب، والكمال الذي لا يعاب، والمالك لأعنة البيان والفائق على وائل سحبان. حلو السبك والمساق، بديع التلفيق والاتساق. رائق النظم والإنشاء، المتصرف في فنون الإبداع كيف يشاء.
مد باعه في ميدان الإعجاز، وأرخص متاع المجاز في سوق الإطناب والإيجاز. فهو في البلاغة الحسن، المخلوع الرسن.
العابث في وهاد القريض، والمقتطف من أزهاره السائغ المريض.
فكم بليغ أنشاه، وكم سحر فصيح أفشاه، وكم برد في الأدب زينه ووشاه.
فهو قبلة الأدب، وحجة لسان العرب. الموصوف بالفصاحة، والمنعوت بالرجاحة، ناظم الشعر البليغ، وناثر الكلام العذب المسيغ، واحد الأدب وإمامه، وسيد النظم وهمامه، وأسد الإبداع وضرغامه.
له من النظم ما يشاكل النور، ويصلح أن يكون قلادة لجيد الحور. قد أثبت منه الزاهد المنير، والواحد الذي لم يقبل النظير.
فمن ذلك قوله في مديح الوزير الحاج حسين باشا الجليلي، وهو:
حذار فسهم الأعين النجل صائبوقبلك منها كم دهتني المصائب
وعج دون أنهار الجنوب ولا تقفإذا ما بها للخود طاب التلاعب
الست تراني ثاكلا إنني امرؤفقدت فؤادا أزعجته الكواعب
بضائع أبكار الجنوب محاسنعليها من الشعر الاثيث سحائب
فنوحي على تلك البضائع ضائعوقلبي على تلك الذوائب ذائب
وبصرية ترضى إذا أبصرت دمادموعي وأن جفت جفوني تعاتب
هي الشمس والبدر الجبين وعقدهانجوم أضاءت والليالي الذوائب
تغيب وتبدي الصبح تحت ذوائبفما هي إلا مشرق ومغارب
هبوا كان كنز اللؤلؤ الرطب ثغرهاألم يك أرصادا عليه الحواجب
ظفرت بها بين النخيل بحندسبوقت سها عنها الحريص المراقب
كأن الدجى سوداء تزهو عقودهالها البدر شنف والعقود الكواكب
فنم حلي بات يستصرخ العدىوغير سواريها الجميع يحارب
ولي مذهب في العشق مجد وعفة«وللناس فيما يعشقون مذاهب»
مضى زمن عفو الكرام مؤملأرى مستحيلا أن تغيب الحقائب
عفا الله عني لم يك الدهر تائباعن المكر بي يوما ولا أنا تائب
فما زلت نماما على سوء فعلهفما الدهر ذو أفك ولا أنا كاذب
ولا عتب للكائدين مسرتيتسيء ذوي القربى فكيف الأجانب
وفي هذا البيت رائحة من قول القاضي أبي أحمد منصور بن محمد الازدي الهروي من قصيدة:
إذا كنت مضروبا بسيف تعززبه فعلى من ليت شعري أعتب
اذا انحط قدري عند من أنا بعضهفماذا أرجي عند من هو أجنب
وهذه القصيدة بديعة في بابها وقد تقدم منها أبيات ومطلعها:
أأضحك أم أبكي وأرضى أم اغضبوأعذر فيما قلته أم أؤنب
حياء لما ادعى وأنى لما أرىومعذرة مما أروم وأخطب
ينفذ هذا العذر لم تقض حاجةويذهب مني الدهر لم يلف مكسب
أيقشع هذا الغيم لم يهم قطرةوينجاب هذا الليل لم يبد كوكب
ألام ومم العجز لا الهم قاعدولا الرأي منحل ولا العزم لولب
وكيف أرجي الوقت لا موضعي يرىولا سعد لي يرجي ولا نحس يرهب
وفيم اصطناعي دون قاصية المنىإذا لم يكن عن مذهب الجد مذهب
اكرع في الاوشال والبحر معرضواقنع بالأخفاف والنجح مكسب
سأهجر أسباب الهويني وأذهببوجهي إلى الوجه الذي هو أصوب
وأبعد عن أرض تهز بها العصافتمضي وينبو المشرفي المجرب
ومنها:
أفي الحق أني كلما رمت رتبةتعرض قومي دون ما أنا اطلب
يريدون لي الأمر الذي لا أريدهويأبون لي ما فيه أسعى وأنصب
يؤمون بي أدنى الحضيض وهمتيإلى حيث أفراد الكواكب تذهب
فلو كانت الأخلاق تحوى وراثةولو كانت الأهواء لا تتشعب
لأصبح كل الناس قد ضمهم هوىكما أن كل الناس قد ضمهم أب
ولكنها الأقدار كل ميسرلما هو مخلوق له ومقرب
ويقول بعدها:
سيبدو لمن فارقت أي ذخيرةأضاع إذا ما كان يوم عصبصب
ويعلم من يمسي ويضحي مهذبارويته أي الرجال المهذب
ومن يحسب الاكداء ضربة لازبعلي فإني غير ذلك أحسب
تنفس محرورا وسار لطيةسيصدر عنها غانما أو يجنب
وأن جمعتنا الدار يوما فربماوأن يكن الأخرى فكاسا سنشرب
وللكاس خير من حياة مهينةيعذبني فيها المهين المعذب
وكنت أرى أني أزين عشيرتيفإن شنتهم فالصرم أولى وأوجب
ففي الأرض عن دار القلا متحولوللحر مرعى حيث كان ومشرب
وأن أنا أحسنت الزمان بأسرهتجاوز عن ذكري مقل ومسهب
فتعس ونحس عند كل إساءةوليس لدى الاحسان أهل ومرحب
تقضمني من لوحوى الماء شخصهلا عرضت عنه والصدى يتلهب
وما زال بي إقصاؤه واطراحهوإبعاده والمرء حيث يرتب
«إلى أن تحامتني العشيرة كلها»وجانبني منهم قريب وأجنب
وهي طويلة، ويكفي منها هذا المقدار. وتتمة القصيدة المترجمة
فما خولي إلا حتوف وإنما الأقارب في عسر ويسر عقارب
سأصبر حتى يرجع الدهر تائباوترتد عن دين النفاق الأقارب
ومن يرتدد منهم يمت وهو كافرعلى رأيهم ما تلك إلا عجائب
ألا أن طعم الصبر مر مذاقهويرغم مجبور كما قيل شارب
فما أدبي إلا غريمي وفطنتيعدوي ومن شعري دهتني المصائب
فلم تنل الأولى فلاحا ولم اكنبمتقى حتى تنيل العواقب
وان يد الأقدار الوت أعنتيكقوداء نحاها عن السرب جاذب
أحن لوادي الدير حتى تخيلاصفت لي على ذاك الغدير المشارب
أظن أبا نعمان وهو يذيقني القناني كأني بالتجارب راهب
عليكم بني الحدباء مني تحيةفإني إلى أقصى المدائن ذاهب
كفى حزنا أن حال بيني وبينكمبحار ويكفي للتلاقي السباسب
ولم أكره الأوطان أو قرب أهلهاوعن ملتي والله ما أنا راغب
ولكن من بحر النوال أخي الندىأبي حسن رعبا إلى البحر هارب
مشى هذا الأديب في حسن تخلصه في جميع قصائده على طريقة المتقدمين من غير ملاحظة تورية فيه. وقد تعين أن نورد سلك هذا المجموع فمنهم أبو نواس فإنه قال من قصيدة:
تقول التي من بيتها خف مركبيعزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للغنى متطلببلى أن أسباب الغنى لكثير
فقلت لها واستعجلتها بوادرجرت فجرى في اثرهن عبير
ذريني أكثر حاسديك برحلةإلى بلد فيها الخصيب أمير
وللبديع الهمداني ومطلع قصيدته:
على أن لا أريح العيس والقتباوالبس البيد والظلماء واليلبا
وأترك الخود معسولا مقبلهاواترك الكأس تغدو شربها طربا
حسبي الفلا مجلسا والبوم مطربةوالسير يسكرني من مسه نصبا
ومنها يقول:
قالت وقد أعلقت ذيلي تودعنيوالوجد يخنقها بالدمع منسكبا
لادر در المعالي لا يزال بهابرق يشوقك لا هونا ولا كتبا
إلى أن قال منها:
غضي عليك قناع الصبر أن لناإليك آوية مشتى ومنقلبا
أبى المقام بدار الذل لي كرموهمة تصل التخويد والخببا
وعزمة لا تزال الدهر ضاربةدون الأمير وفوق المشتري طنبا
وللباخرزي في وصف المطي وحسن التخلص، منها:
أعجب بفلك لها روم تفرقهامخاضة الآل في ماء بلا بلل
والجد نهزة ذي جد يطير إلى القتود عند وقوع الحادث الجلل
يغشى الفلا والفيا في والمطي لهاضربان من هزج فيها ومن رمل
حتى تقرب اطناب الخيام إلىمنجى اللهيف وملجا الخائف الوجل
وللنيسابوري من قصيدة:
وبهماء لو هبت بها الريح نذرةلما صادفت فيها مكان ركود
ولو شهدت فيها القطا بمعالملما صدقت إلا بألف شهيد
تسديتها والليل داج شبابهيروع بشيب رأس كل وليد
وقد لمعت فيها النجوم كأنهامسامير تبر في محن حديد
بعيس كأمثال الأهلة أرملتبأقمار ركب في بروج قتود
تؤم سمي المصطفى ركني الذيأريد به في قهر كل مريد
ويسوغ ذكر شيء من مديحها، منها قوله:
وإن زاره حادي المطي اعاضهأعنة جرد من أزمه قود
ويفضي الورى من ربعه وجنابهإلى روض جود بالسماح مجود
وكم لحياة الراغبين لديه منمجال سجود في مجالس جود
إذا ما انتضى آراءه استحيت القناوضاعت ظبا الأسياف بين غمود
وللشيخ محمد الخازن من قصيدة ومطلعها:
سمراء تخطر في الوشاح الماهبوتميس بين ربائب أو ربرب
ومنها قوله:
في ظل ليل راع من ظلماتهبسرادق نحو السماء مطنب
ارعيه طرفا ساهرا لم يكتحلفي جنحه إلا بأثمد غيهب
فكأنما شرك المجرة جوشننقطت حواشيه أسنة قعضب
والمشتري في لازورد سمائهمتلألئ عن درة لم تثقب
والبدر كالملك المهيب تمنطقتقدامه الجوزاء كالمتعجب
والنسر يطمح وهو يسبح في الدجىوالقطب يجمع دائرا في لولب
ما زلت ارقب صبحه حتى بدايفتر عن سمطي شتيت أشنب
وكأنه يجلو عهود حبائبيأيام أندية التصابي ملعبي
والمقصود منها:
وتحثني نغمات حاد مطربثقف بآداب الفلاة مجرب
ويقول لي ادن المهاري وانتدبعجلا وقرر ما عزمت وقترب
حتى تحط بحضرة ملكيةغراء رائد أهلها لم يكذب
فهناك شعب الجود غير محجروهناك فخر الملك غير محجب
وله من أخرى:
رب ليل نجومه كقلاصفي أزاهير جوه رائعات
خضت أحشاءه إلى أن أقام الصبح غربي عموده المنضاة
وبدا الشرق وهو يجلو على الأفق من الشمس صفحة المرآة
وركابي تطوي البسيطة بالوخد وتفلي مفارق الفلوات
حيث لا ماء غير ماء حساميلا ولا ظل غير ظل قناتي
حيث حث الحادي وغرد إثر العيس شدوا بذكر كافي الكفاة
وله أيضا من أخرى:
ولرب ليل خلت بدر سمائهتاجا وعالية المجرة مفرقا
وخرقت جلباب الدجى بيد السرىحتى أثرت له الصدوح الافرقا
وبدا الصباح مرنحا فكأنهنشوان قارب أن يفيق ويفرقا
وطويت ماء الدحرضين ولم أكنأرد البكيء مصردا ومرنقا
وقربت ماء العيش ماء متالعفشربته وسقيت قلبي الانيقا
ورأيت صبح الملك من أفق العلىمتبلجا وسناءه متألقا
ولأبي سعيد الرستمي من قصيدة طويلة:
تبدت مع الأتراب تدعو على النوىوإن لم يكن في الغانيات لها ترب
تسيل على الخد الأسيل دموعهاوصب دموع العين يروى بها الصب
وقد وكلت إحدى يديها بقلبهامخافة أن يرفض من صدرها القلب
وعضت بدر الثغر فضة معصميكاد يثنيه من الذهب القلب
وكادت تحط الرحل لولا عزيمتيقسي جفون العين أسهمها الهدب
وقائلة أذرت مع الكحل دمعهاوجيهية قب ومهرية نجب
إلى أي ارض ترحل العيس ظاعناوخلفك أفراخ بها ظمأ زغب
تق الله فينا لا تزدنا صبابةببعد فما نلقاه من كثب حسب
فقلت ثقي بالله يا أم معمرفبعض الصدى ري وبعض النوى قرب
إذا ما أنخت العيس بالري سالمافمشرعنا عذب ومرتعنا خصب
وله أيضا من أخرى:
وفارقت اذ أفرقت من نشوة الصباوقلت لشمس الحذر لا تتبرجي
ولذت من الدهر الفسوق بحضرةتحاط بأطراف الوشيج المزجج
هي الحضرة الغناء تهتز نضرةوتزري بأنواع الربيع المثجج
هنالك لا زند الرجاء لمرتجبكاب ولا باب العطاء بمرتج
حططت رحالي بل حططت منازليبها وادعا في ظلها غير مزعج
ولما تجلت سدة الملك لاح ليسنا ملك بالكبرياء متوج
وللقاضي الازدي من قصيدة:
سأتبعها والجو بالشهب ابلقواحتثها والليل بالشهب اشيب
ولا أتوخى الظل وهو مطيبولا أتوقى الشمس وهي تذوب
وأني في ظل المقام وبردهوظني أن العيش في البيت أطيب
لكا لمكتفي بالماء يرويك صفوهولم يدر ان الراح تروي وتطرب
إلى أن أحط الرحل في مبنت العلىبحيث الثرى يبتل والعود يرطب
وحيث الندى ينهل والحمد يقتنىوحيث جناب المجد ريان معشب
وأما المتأخرون فإنهم لم يرضوا في حسن التخلص إلا بالتورية كقول ابن نباتة من قصيدة في مدح تاج الدين السبكي، وقد أبدع:
قد أسرج الحسن خديه فدونك ذاسراج خد على الأكباد وهاج
والجم العذل فاركض في محبتهطرق الهوى بعد الجام واسراج
وقسم الشعر فاجعل في محاسنهشذر القلائد وأهد الدر للتاج
وقوله من قصيدة مدح بها القاضي جمال الدين.
حبذا منه مقلة لست ادريأبهدب تصول أم بنبال
صنفت شجونا بغزال جفنفقرأنا مصنف الغزال
وحوينا حلو القوام فنادتلا عجيب حلاوة العسال
من معنى على هوى زاد حتىأهملته نصائح العذال
لو رأى عاذلي حقيقة أمريلرثاني ولا أقول رثى لي
في جمال الحبيب مت شجوناوبروحي افدي تراب الجمال
وكقول الجزار في مدح الأمير جمال الدين موسى بن يغمور
وهيفاء تحكي الظبي جيدا ومقلةرنت وانثنت فارتعت بالبيض والسمر
جسرت على لثم الشقيق بخدهاورشف رضاب لم أزل منه في سكر
ولست أخاف السمر من لحظاتهالأني بموسى قد أمنت من السحر
فتى أن سطا فرعون فقر وجدتهيفرقه من جود كفيه في بحر
وكقول ابن حجة من قصيدة في مدح ابي بكر قاضي القضاة تقي الدين
فيا ساكني مغنى حماة نعمتمصباحا ولو ألغيتم في الورى ذكري
فودي ود مثل ما تعهدونهولكن صبري عنكم عاد كالصبر
وقد كنت أخشى هجركم قبل بعدكمفلما بعدتم قلت آها على الهجر
وان جلت في ميدان نظمي تشوقاتسابقني حمر المدامع بالنثر
وشيعي همي كلما رام بعدكميحاربني ناديت يا لأبي بكر
وكقوله من قصيدة في مدح المقر الأميني صاحب ديوان الإنشاء:
يا نزولا حمى الفراديس بالشام وأعلامهم على قاسيونا
بالنسيم العليل منكم إذا هـب على الغور والربا عللونا
وارحموا سائل الدموع وبالله عليكم لا تنهروا السائلينا
وإذا ما نهرتم الدمع نهرالا تخوضوا فيه مع الخائضينا
حبكم فرضنا وسيف جفاكمقد غدا في بعادنا مسنونا
والحشى لم يخن عهود وفاكمفاسألوا من غدا عليها أمينا
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
أراني وإن كنت الطليق مقيداكأن لم تكن قد أبعدني الركائب
وزير على صمصامة الموت راقمحساب المنايا من عصاه يحاسب
إذا قال قف للبدر لم يك آفلاوغب فهو من دون الكواكب غائب
فلم تر عيبا فيه غير تقاوةوعدل واعطاء فنعم المعائب
وشرف ملك الروم فهو مصانهولم يك ممن شرفته المناصب
وقائلة لا تستدل بخارجعلى عدله يكفيك أنك سائب
فلم يستطع صبرا لديه لأننيأراك شقيا والشقي يعاتب
فما قلت خاقان بوصفي ولم اقلنبي وإن كان المقام يناسب
لكم يا بني عبد الجليل شمائلفما هي إلا منحة ومواهب
جزمتم بخفضي لم يك الكسر فعلكموأني على التمييز للمدح ناصب
جنيت مذ استخدمتموني تعمدامن الود أثمارا حماها التحابب
قضيتم كما شئتم حقوق انتقامكمألم يك حق العفو دينا يطالب
عليكم صلاتي كالصلاة فريضةوايضاح منهاج التودد واجب
كأني بكم يوم الحساب وفي يديكتابي ويخفى البعض من هو كاتب
فلا شك عندي أن ذلك كائنومن قال أني في القيامة غالب
أيطربكم بالله نوح قرابتيإذا عددت يوما خصالي النوادب
فكونوا كما كنتم اسودا وسادتيفإني على عين الحسود حواجب
وله في حضرة المشار إليه يستعطفه عن جناية جناها، وقد أغرب.
نظمنا بشعر كالليالي لآلياوظفرنا فوق اللآل اللياليا
كواعب علمن الغصون تمايلاوضوعن من بين البرود الغواليا
ويوم تنزهن الغواني بروضةواذكر منها الساقيات الجواريا
تقطع قلبي حين اعرض قسوةولم يستطع صبرا ولا كان ساليا
بغير المواضي خفة ما تغامرتولم تعبأ الهيفاء إلا العواليا
روى رقة عن خصرها بعض عذليوعن قدها لينا فشدد مابيا
ولما التقينا بالعذيب وبارقوأسكر راح الثغر من كان صاحيا
رأتني كأيام ائتلافي متيماوأبصرته تهوى تلافي كماهيا
وقلت لذات الخال لم نخل ساعةفقالت تأهب قد أبحتك خاليا
كمنت لها بين الورود فأكمنتمن الشعر لي بين النهود الافاعيا
ولم يحل لي إلا مرارة هجرهادلالا وذا حال لمن ذاق حاليا
تسعر قلبي إذ تسعر وصلهاعلى ضعف حالي كم أساوم غاليا
أقيم لقولي في سلوى دلائلاوطول المدى دأبي أناسي اناسيا
كلانا بتذكار المحبة والعوما الفت منا الطباع التناسيا
ففي الدهر اما أن ألائم لائماواما أوري أو أقاسي القواسيا
سقتنا الرزايا حنظلا من دنانهافما للنوى ما زال ساق وماليا
وما استخلفت ودي سوى محنة النوىوفوق عليها بالخلوص التنائيا
وعهدي بقلبي لا يمر به العنافأغوتهما الأيام حتى تواخيا
هجرت سويدا قلب قومي ولم يلجسويدا فؤادي المستهام وحاليا
وأن أعدمتني بالبصيرة ثروتيومالي فما قد أعدمتني لسانيا
ولو لم أزل عني الأذى بتجاهليلما كنت فيهم لا علي ولا ليا
وهبني كروض أيبس الظما زهرهواهصر غصنا كان بالزهر زاهيا
ألا بلغا بالله مجدي وسؤدديوكيف الليالي بلغتني الامانيا
فلله دري إذ نجوت بمهجتيولا آسف إن أتلف الدهر ماليا
اذا ما سطا عسر علي التقيتهوجهزت في مدح الوزير القوافيا
وزير به الدين المبين محصنوكان لنا بعد النبيين هاديا
سراج منير ان دجى ليل أزمةيبشر ذا تقوى وينذر عاصيا
ولا ريب أن الله أرسل للندىحسينا رسولا فهو لا زال هاديا
إذا قابلته الشمس أبصرت نورهبها رائحا طبق المسير وغاديا
وقد كان مشهورا تلوح بروقهومن يومه سيفا يبيد الاعاديا
وسيان فعل السيف والرسل بالعدىيجهز جيشا أو يراسل باغيا
وما ازداد مجدا بالوزارة حادثاواكسبها فخرا أعز المواليا
فما كل من نال الوزارة ضيغموقد قل من أضحى وليا وواليا
نعم آل عثمان أسود وكلهمكأشبال من يحمي الأسود الضواريا
أبا المجد ذا العفو الذي كان نعمةوأن التلاقي فوق ما كنت راجيا
وهبت المعالي فاستمرت سجيةولم ترم العافون إلا المعاليا
وما خاب منك السائلون ولم يكنتخيب عبدا أم عفوك عافيا
غضبت فما يهوى الشفيقان رؤيتيرضيت فكان الدهر خلا موايتا
غضبت فأبصرت السموأل خائنارضيت فوافيت ابن سلكة وافيا
غضبت فأرضيت الخزائن طالمارضيت فأضحى من يدي المال ساعيا
سطت خيل أشعاري عليه مغيرةوظافرها جود يفوق الغواليا
فلم أر لا والله حلفة صادقولم ير غيري في الملا لك ثانيا
فما كنت إلا ضيغما وابن ضيغموأصبحت في غمد الوزارة ماضيا
ولم تبق للغر الكرام مآثراكذلك لم تبق الشموس الدراريا
ولما رأتك الروم ليث كريهةوآلك في الحرب الجبال الرواسيا
دعتك كما يدعي الطبيب لعلةويستخلص القرم الحسام اليمانيا
عقلت بعيري مخلصا متوكلالعلي ألاقي منك ما كنت لاقيا
ومن الاعتذارات والاستعطاف الذي يأخذ بمجامع القلوب، ويكاد له صم الصخر يذوب، ما كتبه أبو محمد الخازن
إلى الصاحب بن عباد وكان قد غضب عليه:
أيا من عفوه داني السحابصدوق البرق ثقاب الشهاب
مديد الظل معقود الاواخيعلى الجانين مضروب القباب
فكيف حجبت عنك وأنت شمستجل عن التستر بالحجاب
أيرتج باب عفوك دون ذنبيوعفوك لم يشن برتاج باب
وأعراض الوزير أشد بأساعلى الأحرار من ضرب الرقاب
ثنى عزمي وذل شبا شبابيوصب علي أسواط العذاب
ولم تبق الليالي في بقيالعتب منك فضلا عن عقابي
فهب لزيارتي خطئي وعمديلقصدي واغتراري لاغترابي
فما في الأرض إلا من يرانيبعين المختوي الضرم الضباب
كأني قد أردت بهم ذياباأو استنفرت منهم أسد غاب
حصلت وكنت ضيفك في الثرياوصرت ولست ضيفك في التراب
أعدني للقرى واجعل جوابيوإيجابي جفانا كالجواب
وجد برضاك فهو العيش غضاوكلا فهو ريعان الشباب
ولو رعت الحسام العضب سخطالذاب ذبابه بين القراب
أعيذك أن تصيخ إلى عدويوسمعك عن هنات القول نابي
علي أني أتوب إليك مماكرهت فرق لي واقبل متابي
وإن لم تعف عن ذنبي سريعافها أني وحق أبي لما بي
سألثم من ثراك الروض غضاومن يمناك منهل السحاب
أصبت بخاطري فأتى بشعرعليل مسه ألم المصاب
ومالي غير مدح أو ثناءمشيد أو دعاء مستجاب
وله من قصيدة أخرى قال الثعالبي في اليتيمة هي عندي أحسن من اعتذارات النابغة إلى النعمان بن المنذر وإبراهيم ابن المهدي إلى المأمون وابن الجهم إلى المتوكل وهي:
لنار الهم في قلبي لهيبفعفوا أيها الملك المهيب
فقد جاز العقاب عقاب ذنبيوضج الشعر واستعدى النسيب
وفاضت عبرة مهج القوافيوغصصها التذلل والنحيب
وقد قصمت عراها واعتراهابسخطك بعد نصرتها شحوب
وقالت ما لعفوك ليس يندىلنا وسماء مجدك لا تصوب
ومن يك شوط همته بعيدافمثنى عطفه سهل قريب
تجاوزت العقوبة منتهاهافهب ذنبي لعفوك يا وهوب
وأحسن إنني أحسنت ظنيوارجو أن ظني لا خيب
أترضى أن أكون لقى مقيماعلى خسف أذوب ولا أثوب
أبيت ومقلتي أبق كراهاوفي ألحاظها صاب صبيب
وقيذا لا يلائمني طعاميولا ينساغ لي الماء الشروب
صببت علي سوطا من عذابيذل لبأسه الدهر الغلوب
فأرهقني نكيرك لي صعودامن الأشجان ليس له صبوب
وما عوني على بلواي إلارجائي فيك والدمع السكوب
فان تعطف على رجل غريبفإني ذلك الرجل الغريب
عليك أنيخ آمالي فرحببها، وإليك من ذنبي أتوب
وأخطو ما يريب إذا دهتنيغوامضه إلى ما لا يريب
فأي طروبة للعفو أن الكريم وأنت معناه طروب
فإني نشء دارك والمغذىبسيبك والصنيعة والربيب
وأبت إليك من غفر مدلابما يقضي علاك لمن يئوب
ولذت ببابك المعمور علمابأن ذراك لي مرعى خصيب
وأن شعابه أندى شعابإليها يلجأ الرجل الأديب
وسقت بنات آمالي اليهاوقد حفيت وأنضاها الذروب
فبوئني اختصاصك حيث تجنىثمار العز والعيش الرطيب
ولكن كادني خب حقودلعقرب كيده نحوي دبيب
وما لجموع الفته جنيبوما لشمال فرقته جنوب
وما يشفيه مني لو رآنيوقد أخذت بحلقومي شعوب
بلوت الناس من ناء ودانوخالطني القبائل والشعوب
فكل عند مغمزة ركيكوكل عند مشربه مشوب
فجد لي بالرضا واقبل متابيوعذري، أنني آسف كئيب
طريح في فنائك مستضامغريب لا يكلمني غريب
أأمنع من بوادي العلم منعاكأني ليس لي فيها نصيب
واحرم من كلامك كل بدعتناهيه النواظر والقلوب
فلم لا تنتهي وتكف عنيعقابك بعد ما انتهت الذنوب
وغاية ما يصير إليه شعرإذا استقصيت أو مدح مصيب
ومن سقيا سحابك جاء طبعيولولا الغيث لم ينبع قليب
ومن شعر صاحب الترجمة مضمنا لبعض أبيات
نظرت ورنحت القوام لتزدريبين الملاح بأبيض وبأسمر
لم أنس إذ زارت لتنظر من بهبعد النوى قلق ومن لم يصبر
فنضت دمقسا من حرير ازرقوجلت صفاء مخلخل ومسور
فرأيت في ضمن الزبرجد جوهراوالشعر بين مجعد ومضفر
جاءت وقد مد الظلام سرادقاوالصبح شيء بيننا لم يذكر
في روضة ضحك الاقاح وغامزتأحداق نرجسها البهي المزهر
فهي الجنان وماء كوثرها الغدير فلا نبع نقد الهنا بمؤخر
خطرت فنم حليها ولقد أتىصبح الجبين بعرف مسك أذفر
هذا يتم لحارس وضياء ذايهدي الرقيب وذا دليل المفتري
باتت تردد ويلها ويدي لهاطوق وتبدي فكرة المتذكر
وغدت تنشف طرفها بيمينهاوتحل باليسرى عقود تصبري
فرأيت ما في نحرها بجبينهاخجلا وينثر من كحيل احور
قامت تودعني فلجلج نطقهاخوف الرقيب كلكنة المتضجر
وتنهدت جزعا فأثر كفهاأثرا يدل على جوى وتحسر
طبعت بمخضوب البنان علامةفي صدرها فنظرت ما لم أنظر
أقلام ياقوت كتبن بعنبربصحيفة البلور خمسة أسطر
فكأنها الحدباء بلدتنا التيتزهو وتزهر بالرداء الأخضر
إذ غاب عن غاباتها أسد الشرىنعم العرين غدت بغير غضنفر
والبصرة الفيحاء زال ظلامهاوبها بدا نور الصباح المسفر
إذ خادم الحرمين قال بنصهلأبي أمين يا أمين تبصر
تبت يدا من قال لي جهلا ألاهن ابن أندى الخلق وأنظم وأنثر
كل الهناء لبصرة ما أبصرتكأبي أمين في جميع الأعصر
ولسوف يرعى ذئبها مع شاتهاوسوادها ترعى أمام الجؤذر
أن كان يعقب مدها جزر ففيكفيه مد من ندى لم يجزر
هذا من الماء الأجاج وأن ذامد تدفق من نضار أحمر
بخل البحار الجزر والمد الندىحاشاه في يمناه خمسة أبحر
فهو السحاب ونحن أغصان زهتما بين ريان الأصول ومثمر
لو حاتم وافاه أبصر نفسهمتساخيا ونداه بذر مبذر
أنسى أحاديث الذين تقدموابشمائل ومآثر لم تحصر
وعدالة وبلاغة وجلالةووسامة وديانة وتجسر
عدل ابن سابور ومجد جذيمةوجلالة تروي لنا عن قيصر
ودهاء قيس مع وفاء سموألوسخاء معن مع جسارة عنتر
وسناء دحية مع ذكاء اياسهمورياسة تروي عن ابن المنذر
هذا مثل قول البديع الهمذاني من قصيدة:
فما السموأل عهدا والخليل قرىولا ابن سعدى ندى والشنفري غلبا
من الأمير بمعشار إذا انقسموامآثر المجد فيما أسلفوا نهبا
ولا ابن حجر ولا ذبيان يعشرنيوالمازني ولا القيسي منتدبا
هذا لركبته وذا لرهبتهوذا لرغبته وذا إذا طربا
ومثله لأبي سعيد الرستمي
إذا عد كعب في السماح أبت لهيمين له في كل أنملة كعب
وان الذي يرويه طي لحاتمإذا نحن أنشدنا فواضله ذنب
ومن القصيدة المترجمة:
الكل قطرة وابل في بحرهأو صيغة مشتقة من مصدر
لو سابقوه على جياد فنوبهمعلموا بان الفضل للمتأخر
لا زال نشوانا إذا اشتبك القناوتراه في الهيجاء كالمتبختر
أيتيمة الوزراء أنت الأشهر الحرم العظام وهم كباقي الأشهر
وحماك مأوى مستجير لائذوغياث ملهوف ويسر المعسر
خذها من العرب الكواعب غادةحسناء قد جاءت برى العنبر
وله في حضرة المشار اليه أيضا يعارض قصيدة السيد علي خان على هذا الوزن والروي:
خذها معتقة تروي عن السلفعطرا لمنتشق أنسا لمرتشف
من كف أهيف بادي الغنج مبتسمحلو الشمائل ظبي بين الوطف
تقول للبيض ذا فتكي لواحظهوالقد مال لسمر الخط ذا هيفي
والبدر قد غره البدر الأغر إلىأن رام يحكيه لولا خجلة الكلف
عاتبته إذ أمالته الصبا هيفافقال لي أي غصن غير منعطف
من ضيق عينيه لما أن رأى جلديأعدى بجفنيه جسم الناحل الدنف
لم أنس ليلة أنس بات معتنقيوعنده فوق ما عندي من الشغف
سقى عقيقا بدر حين أرشفني اللمى العقيق ودرا جل عن صدف
شربت من يده ما فوق وجنتهوما بيمناه من خديه مقتطف
أحنى بقامته قدي وعانقنيوما نهى حين ضم اللام للألف
فلم تهب حدقا بالزهر يرقبناكلا ومن ألسن النمام لم تخف
والروض مكتمل بالآس عارضهوالغصن ما بين ملوي ومنعكف
والورق يسجع بالأوراق من طربما بين متفق لحنا ومختلف
حتى تبسم ثغر الصبح عن فلقكأغيد بظلام الشعر ملتحف
أو قينة لقطت درا تنظمهوقد طوت شعرها الجعدي في كنف
كأنما الليل غمد والصباح لهسيف الوزير حسين ذي النجا الثقف
لا عيب فيه سوى أن لا يرى سرفابالجود والدين في صون عن السرف
وهذا البيت كقول النابغة الذبياني من قصيدة:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهمبهن فلول من قراع الكتائب
وهذا النوع يقال له تأكيد المدح بما يشبه الذم. فإنه قال: ولا عيب في هؤلاء القوم أصلا الا هذا العيب وهو فلول أسيافهم من المقارعة والمضاربة، وهذا ليس بعيب بل نهاية المدح. فهو تأكيد المدح بما يشبه الذم، لأن قوله غير أن سيوفهم يوهم أن ما يأتي بعده ذم فاذا كان مدحا فقد تأكد المدح.
يروى أن عروة بن الزبير سأل عبد الملك بن مروان أن يرد عليه سيف أخيه عبد الله بن الزبير فأخرجه إليه في سيوف منتضاة، فأخذه عروة من بينها. فقال له عبد الملك بم عرفته؟ فقال:
بقول النابغة وأنشده البيت.
وهذا النوع مستعمل جدا ومن جيده قول أبي هفان.
ولا عيب فينا غير أن سماحناأضر بنا والبأس من كل جانب
فأفنى الورى أرواحنا غير ظالموأفنى الندى أموالنا غير غائب
ولبعضهم ويسند إلى الفاضل الرومي ملا زاده:
ولا عيب فيكم غير أن ضيوفكمتلام بنسيان الأحبة والوطن
ومثله قول ابن نباتة:
ولا عيب فيه غير أني قصدتهفانستني الأيام أهلا وموطنا
وللصفي من قصيدة:
وافى وقد عاد السماح وأهلهرمما فكان له المسيح الثاني
فالطير تلجأ بالحصون لأنهابنداه لم تأمن من الطوفان
لا عيب في نعماه إلا أنهايسلو الغريب بها عن الأوطان
شاهدته فشهدت لقمان الحجىونظرت كسرى العدل في الإيوان
وقوله أيضا:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهميسلو عن الأهل والأوطان والحشم
وفيه لبعضهم:
لا عيب فيه سوى مكارمه التينسبت لحاتم نجل كل كريم
وفيه:
لا عيب فيه غير أن يمينهتدع العديم مهنئاً بيساره
ومثله:
ولا عيب في معروفهم غير أنهيبين عجز الشاكرين عن الشكر
ولابن الرومي
ليس له عيب سوى أنهلا تقع العين على شبهه
وما أحسن قول ابن الحاج
أتوني فعابوا من أحب جهالةوذاك على سمع المحب خفيف
وما فيه عيب غير أن جفونهمراض وإن الخصر فيه ضعيف
ولأبي جعفر القرطبي:
فتى لم نسافر عنه آمال آملوكان لها إلا إليه إياب
ولا عيب فيه لامرئ غير أنهتعاب له الدنيا وليس يعاب
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
أمنت يداه بيوتاً من خزائنهوإنما ساد بيت المجد والشرف
ترى لديه من العافين مزدحماكالمنهل العذب من حاس ومغترف
كأن سائله المسئول في شرفهذا الكريم فلا تذكر أبا دلف
مسلسلا مسندا تروي مآثرهبين الملا السن الأشعار والصحف
لم يخلق الله في أخلاقه ملكاًوالله والله أني صادق الحلف
لا غرو إن فخرت فيه الملوك فقدأبداه خالقه فردا من التحف
ولا عجيب إذا ما خاف سطوتهخلق وما ليس بالمخلوق كالنطف
من عصبة كنجوم الليل زاهرةمن كل متشح بالمجد متصف
ينسى البنون أحاديث الذي سلفواونحن نروي حديث المجد للخلف
أبا مراد بنو فني متى طعنتصدور شعري بهذا الضرب تعترف
ما كل صهباء خمراً يستطاب بهمن الهموم وليس الدر كالخزف
لا زلت منتصفا من كل مغترفبدراً بلا كلف بحرا بلا طرف
ومن مديحه في حضرة المشار إليه أيضا:
إن أنكر القلب يوما حبكم وأبىلا تثبتوا نسبا لي بينكم وأبا
فما التهى وتسلى بالغضا وبهلقد تسلى من الأشواق والتهبا
بمنحنى أضلعي ما ليس يخمدهاعقيق دمع حكى في سفحه السحبا
لم أنس مجلس أنس حيث ما فرجتبه الظلا ولدت شمس الضحى الشهبا
صهباء طاف بها ذو لثغة غنجوقد ألانت لنا منه الذي صعبا
أخذ معنى هذين البيتين الأخيرين من قول صفي الدين الحلي من قصيدة:
صعب القياد فإن راضت خلائقهكأس المدام ألانت منه ما صعبا
من قهوة كشعاع الشمس مشرقةإذا جرى الماء فيها اطلعت شهبا
ومنه أيضا للصفي من قصيدة أخرى:
عجوز إذا ما أبرزت من حجابهاتريك نشاطاً كالغلام إذا شبا
هي الشمس إلا أنها في شروقهاإذا مزجت في كأسها اطلعت شهبا
ومن القصيدة المترجمة:
تضرجت وجنتا خديه حين سقىمن كأسه ولماه الراح والشنبا
فقلت ما في كئوس كاللجين ألمتخف رقيباً يراها؟ قال لي ذهبا
كأن ما فوق خديه براحتهوكفه الغض من كلتيهما خضبا
هذا البيت قد أخذ معناه من قول السري الرفاء الموصلي:
وساق بحب الكأس أصبح مغرماًتلألأ منها مثل ضوء جبينه
سقاني بها صرف الحميا عشيةوثنى بأخرى من رحيق جفونه
عظيم الحشى ذو وجنة عندميةتريك احمرار الورد في غير حينه
فأشرب من يمناه ما فوق خدهوالثم من خديه ما في يمينه
ومن هنا أخذ ابن النبيه قوله:
ساق صحيفة خده ما سودتعبثاً بلام عذاره أو نونه
جمد الذي بيمينه في خدهوجرى الذي في خده بيمينه
ولديك الجن في هذا المعنى:
وساق يكاد الكأس يخضب كفهفتحسبه من وجنتيه استعارها
موردة من كف ظبي كأنماتناولها من خده فأدارها
وفيه لابن القيم:
أهلا بشمس مدام من يدي قمرتكامل الحسن فيه فهو تياه
كأن خمرته إذ قام يمزجهامن خده عصرت أو من ثناياه
وفيه أيضا لأبي الفضل ابن أبي الوفا الموصلي
والراح في يد ساقيها مشعشعةكأن وجنة ساقيها بها نضحت
ساق إذا اغتبقت ندمان قهوتهأضاء مبسمه الصبحي فاصطبحت
وقوله في الأبيات المترجمة «وكفه الغض من كلتيهما اختضبا» أخذه من قول الصفي:
فاترع الكأس حتى فاض فاضلهابكفه وسقاني بعد ما شربا
فمذ رأينا سرورا في أسرتهيبدو وكفاً له بالنور مختضبا
كلنا له فضة بالكف فاضلةعنا وكان له من دنه ذهبا
ولبعضهم في هذا المعني من قصيدة:
بقلبي ساق رد طرفي ساهراوقلبي من فرط الغرام معذبا
تبدى بكأس وردت لون خدهفخلناه من أنواره قد تخضبا
وقابلها خد له فتشابهاولكن ورد الخد زاد تلهبا
يطوف بها محمولة في بنانهفتحسب بدر التم قارن كوكبا
وفيه أيضا:
ألا ربما ساق سقاني سلافةبديع التثني واضح الثغر أشنب
إذا اختضبت أطرافه من شعاعهارأيت لجينا بالمدام مذهب
ومن القصيدة المترجمة:
فماس من عجبه في الروض في حللليزدري غصناً مهما التوى حطبا
لم أدر من كأسه قد صب في فمهأو كان في الكأس ما في فيه منسكبا
يسوؤني اذ سقيم الفكر قد ضرب الصهباء في مثل ما بالريق اضربا
سقيته خمرة من خده عصرتصرفاً وحيا بريق مثل ما شربا
فقال لي هاتها عذراء صافيةواسكر بسكري كسكري وانهب اللقبا
هات اسقنيها على ناي علانيةمع فتية يعلنون اللعب والطربا
حتى الكرى خاط جفنيه فكف يديعن جيده ثم أبدى الدل والغضبا
وقد تلجلج واختلت خلائقهسكرا ويلحن أن غنى وأن ضربا
فقلت خذ قال لالا أستطيع لقدأرخى المدام يدي والنطق والركبا
ما فاز من وصله إلا فمي ويديفأسال من الروض زهراً كان مرتقبا
وأكتم أخا الأنس أمري لا تبوح بهولا تكن لافتضاحي عامدا سببا
أن الوزير حسينا جاء منتقمالله منتصراً للحق مرتقبا
إن يحتم الليل فيه ما بدا فلقأو الصباح نجا من غاسق وقبا
ولصاحب النفحة في هذا المعنى من قصيدة:
دعواته تجلو الكروب وعزمهلو يلتقيه الموت مات توهما
ولو استجار به النهار من الدجىلم تبصر الاحداق شيئا مظلما
متوقد كالبدر ليلة تمهفإذا تحرك للعطاء تبسما
وللأديب فتح الله ابن النحاس في هذا المعنى:
مجرد العزم فرنده التقىوغمده تبسم الاجياد
أما ولو ببابه احتمى الدجىلما اختشى خطب صباح عادي
أو دخل النهار تحت ذيلهما زحف الليل على العباد
وهذه الأبيات من قصيدةبديعة يمدح بها أبا الإسعاد
الوفائي ومطلعها:
قد نفدت ذخائر الفؤادفلم أربي الدمع للسهاد
فؤاد من يحب مثل دمعهودمعه مظنة النقاد
اذا هدا الليل فطفل مقلتييبيت بالنزيف غير هادي
ومن بكى من النوى فقد رأىبعينه تقطع الأكباد
تمايلوا على الجمال ميلهفعلموها مشية التهادي
وما سمعت بالغصون قبلهممشت بها اكثبة البوادي
فإن تجد يدي على ترائبيفلا تقل لفيأة الفؤاد
وإنما رفعتها لأنهاكانت لهم حمائل الاجياد
حمر الخدود ان تغب فشكلهابناظري داخل السواد
لأجل ذا الدمع جرى بشوقهافنظم الياقوت في نجاد
لا وأبي ومن يقل لا وأبيفقد تلي إليه الأمجاد
ما عثر الغمض بذيل ناظريولا انثنت لطيفهم وسادي
وهب رشاش مقلتي حبائلافأين منها زلق الرقاد
آه وآه أن تكن ملء فميفإنها مضمضة الصوادي
قد نفض السمع كلام غيرهمكما نفضت الصبر من مزادي
أعاذلي وللهوى غوايةبعت بها كما ترى رشادي
ولعت بي وشعلتي كمينةبقادح يعبث في زنادي
دع الهوى يعبث بي وأن نشأفعدني من عذبات وادي
ما لحق اللوم غبار عاشقحدا به من المشيب حادي
أما ترى الاقاح حول لمتيحكى ابتسام البرق في البوادي
بشرني طلوعه بان ليصبح وصال لدجى بعادي
ولم أقل مناصل تجردتواركزت بجانب الأغماد
كأن شيب الشعرات ألسنعلى ضياع رونقي تنادي
لبست ما أضاعني فأسوتيكأسوة الجمرة في الرماد
وحاك في الرأس ضياء خيمةذات طنابين إلى الافواد
كأنها عمامة لبستهامن يد مولاي أبي الإسعاد
وهي طويلة كلها غرر. ومنها يقول:
كم أزرع الشكر وما لزرعهإذا أتى الابان من حصاد
واتبع الهوى بكل غادرليس هواه في سوى عنادي
فأنفث الرقى على مخبلوأطلب الحراك من جماد
ولي خطوط لا تفيد جملةكما يخط الطفل في المداد
تشعبت مني الصبا وناصبتعلى السرى مخارم البلاد
بين هوى لخاتل ومدحهلباخل وفرقة لعادي
نفرت من قصائدي لأنهاإلى الكثير سلم التعادي
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
رقى لمنزلة عذراء ما وجدتكفؤا إذا انتسبت إلا إذا انتسبا
وكل ما وهبت حتى كرام بنيعبد الجليل يد بعض الذي وهبا
ولو جمعت هبات السابقين من الكرام من أذخروا الأشعار والخطبا
كانت قياسا على إنعامه لمماوفي رياض نداه الطل والحببا
أو ساعة ناظر الطائي نائلهوفي يديه كنوز الأرض لاضطربا
وأن سحبان كالأمي لو بلغتأدني بلاغته أذنيه ما خطبا
يظنه وهو في الهيجاء منفردأخو الجسارة جيشا زاخرا لجبا
فما المراد بمدحي أن أحيط بمافيه من المجد أو اقضي الذي وجبا
أن يكتب الثقلان الدهر ما نفدتخلايق نسخت آياتها الكتبا
وللمحبي قريب من هذا المعنى:
ما عسى يبلغ المديح علاهملو تناهى في الحصر والإغراق
آل بيت هم معدن الجود والحلم وخير الأنام بالاتفاق
أن قلبي لهم مقيم على الميثاق من قبل ساعة الميثاق
وانتسابي منهم لأحمد يقضيأنني عبده بغير شقاق
وللشاهيني في هذا المعنى:
ماذا أقول وأنت صنع الله منقد خص بالآراء والتسديد
أن الذي يرجو لفضلك غايةليروم شيئا ليس بالموجود
وفيه لصاحب النفحة:
تحلت بنا الأعناق عقد مواهبإذا ما هطلن استحيت المزنة الوطفا
فما تنطق الأفواه إلا بمدحهولا ترفع الآمال إلا له كفا
فديتك يا من لو صرفت بمدحهجميع وجودي رحت أحسبه قذفا
ومثله قول الرقباوي في مدح شريف مكة:
أنت أولى الناس بالمدح ولولم يكن للبحر عن وصيفك نزح
هاك نظم الدر من معدنهرائق المعنى له بالمدح مدح
ضمن الدهر لها التخليد فيصفحات الكون والأيام فسح
ومنه أيضا قول ابن الحنائي:
ومن لي بأن أحصي ثناه وقد غداكمال الورى من عشر أوصافه قسطا
أمولاي أن الشعر عبد ملكتهففي مذهب الآداب تحرزه ضبطا
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
والكاتبان الكريمان اللذان علىأعماله أبصرا من فعله العجبا
فكاتب الحسنات الخير أتعبهأما أخاه فما أملى ولا كتبا
هب الوزارة كالضرغام فهي لهرأس وأضحى الذي قد نالها الذنبا
ما كل أيامنا في فضلها جمعولا الشهور تضاهي الصوم أو رجبا
قليلة القدر خير في فضائلهامن الف شهر بها كم نال من طلبا
أبا مراد أبا ليث أبا قمرأبا أديب أبا خير الأنام أبا
أبا أمين أبا بدر بلا كلفإذا بدا غار منه البدر واحتجبا
يا خير من أينعت أنواء نائلهروض الأماني فيه وهو خير ربا
فلم يزل غيثها المنهل متصلاولم نزل نزرع الآمال والاربا
فما اشتكت ظما يوما كصارمهولا اشتكى الوحش في أرض العدى السغبا
بآل عثمان محمود وأنت بناعلا كما شرف الأتراك والعربا
لولا كما لم يك الإسلام منتصراولا ازدرى المسلم الأوثان والصلبا
مهما التوى من وزير سوط همتهعلى جواد وقد جاراك فيه كبا
لو لم يكن خير من في الروم قاطبةما كنت من خير من في العرب منتخبا
يهنيك آلك والأشبال قد بزغتشمس المنى وتدانى الأنس واقتربا
هم النجوم وهم زهر الرياض وهمأسد العرين وهم أعلى الورى رتبا
شم الأنوف وآساد الصفوف وكممن مرة كشفوا الأحزان والكربا
بكل أنملة بحر وكل يدسحابة أمطرت للمرتجي النشبا
أني عقلت بعيري واتكلت لدىبحر وخلفت غيري يرقب القلبا
وكم جنيت عناقيد المرام وماجنى أخو الكيد فليستحمض العنبا
كم غارة شن حسادي على أدبيفما تأخر من خوف ولا رهبا
فلم يصب طاعن يوم الرهان دميمنها ولا ثائر من حيها السلبا
وأن أبكار فكري خرد عربمن أكرم العرب من أعلاهم نسبا
خذها أبا النصر بكرا بين أخبيةلم يقطع الناقد الواعي لها طنبا
فلو رأى حليها الحلي إذ خطرتما ماس منعطفا في قرطق وقبا
ان كان قبلي تثنى شاعر فلقدنطقت بالحق في مدحي وقد كذبا
وله وقد عرضت عليه قصيدة أنشأها أحد أدباء بغداد فكتب عليها مقرضا، وكانت تلك القصيدة في صدر كتاب:
حكيت كتابا جاء يا مدمعي نثراولم تحك ذاك النثر حسنا ولا قدرا
كتابا طوى نشري رقيق تغزليوفاق سحيق المسك طيا كذا نشرا
وقائله ماذا تروم بمدحهأذلك أجراً منك قلت لها أجرا
وقالت دع الأعراض آنا وعارض الأديب ولا تعجب فأوسعتها زجرا
وقالت تدفق أيها البحر إنماسواك سراب قلت لا تكذبي نهرا
وقلت لها هلا نهاك تعقبيجهارا لمن قد قال ممتدحا جهرا
ونظم عقدا من لآل ولم نزلنمد رقابا كي نكون لها نحرا
وزفت من الأعراب بكرا تغزلتوحاكت نسيما بعد أن طيبت عطرا
لقد خطرت غصنا، أضاءت غزالةرنت ظبية، فاحت عبيرا بدت بدرا
نعم تنظم الشعر الرحيق محسناولكن كهذا لم نكن نعلم السحرا
فلا زال من حان القريحة عاصراعتيق نظام مسكر حادث عطرا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع