من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
ملا جرجيس الأديب
هذا الأديب الذي رفعه المجد، وأوقعه في الكمال من المكان النجد. عمر ربع النظم بصخور أدبه وشيده، وأحيا دارس النثر بنظام عقوده ووطده. أمطر واستبرق، واثمر المعارف وأورق
أسهر في ليالي الفضائل وأسهد، وسابق في ميدان المعارف فأبعد.
أسفر عن البلاغة صباحها، وصير نفسه جناحها. فلم يبق من البيان موردا إلا وقد ورده. ولا عقدا إلا وقد أحرزه وأصفده. فرقى من الفضل إلى المقام الاسنى، وملك في الفصاحة زمام المكارم والحسنى
من البشانقة الغر الذين لهملواء حسن على الأقمار معفو
فهو الدقيق الفكر، والشهير الذكر. الذي عمر المشاهد، وأساغ لها المصادر والموارد، حتى أثمرت أغصان بأنامله، وتفتحت أزهار حدائق الأدب بموارده ومناهله.
فكل فضيلة لديه منحطة، وكل حسنة بكمالاته مزينة ومختطة، فهو رئيس حرفة النظم والنشيد، ونفس جسد البيت والقصيد.
إذا نظم أصغى الدهر إلى نظامه، وصار بكله مسامع إلى سماع كلامه.
تخذ التطول بالفصاحة عادةفكأنه كلف بذاك متيم
لازم الوالد ملازمة الزند للساعد، فقضى العمر والزمان مساعد.
ثم أتم نحبه، ولقي بالخير ربه.
مات من كنا نراه أبداطود فضل راسخ كالوتد
بحر فضل ماج في أحشائهفرمى في قلبه بالزبد
كان مثل السيف إلا أنهحسد الدهر عليه فصدى
له أدب تحسد عليه النفوس الآذان، وكمال يصلح أن يكون عوضا عن الأرواح في الأبدان. تستفيد منه العيون نورا، والقلوب بهجة وسرورا. وله من النظم ما هو البدر المقمر، والشمع المقصور المزهر. وقد ذكرت منه، ما يخبرك عنه.
فمن ذلك قوله في مدح الوالد رحمه الله تعالى.
ربع الشباب هو الربيع الاينعورياضه لذوي البلاغة مرتع
اكداره صفو المشيب وماؤهخمر وظلمته شموس تطلع
فاغنم لذيذ حياته فالمرء لايدري لعمرك أين منه المصرع
لا تجعلن العيش منه مؤجلاما فاز باللذات إلا مسرع
وانهز به فرص الزمان فإنهما مر من أيامه لا يرجع
أو ما ترى من مر عمر شبابهمنه بلهو صباه كان يولع
فاليوم أن ذكرت له أيامهكادت حشاه أسى عليه تقطع
يا لائمي باللهو في زمن الصبالست النصوح ولست ممن يسمع
أني امرؤ لا يلو عن لذاتهأن شئتموا لوما فلوموا أو دعوا
مالي ومن يدعو التنسك رتبةدعني فلى بين الندامى موضع
فلقد عركت ذوي التزهد برهةلم ألتق إلا أفاعي تلسع
وقد اطلعت على حقائقهم فخذفيما أردت فأنت منهم اورع
أني عليك أخا الشباب لمشفقأن كنت لي فيما أرى لك تتبع
واصل به الإخوان أصحاب الوفاممن له أن غاب كأس يكرع
صل بالغبوق صبوحه واشرب علىنغم البلابل حيث ما هي تسجع
ما بين كل مهذب الأخلاق ذيأدب على حسن الطبائع يطبع
قد هذبته يد التجارب فاستوىفيه لكتمان السرائر موضع
بكر معتقة إذا جليت غدتمنا العقول بما عليها تخلع
من كف ظبي أشبهت وجناتهغنج من التقبيل لا يتمنع
إن قام فالأشطان فيه شواخصأو ماس فالأغصان منه خضع
يزري بالحاظ الجآذر لحظهوالوجه بالأقمار اذ تتشعشع
فتخاله لترجج الأرداف إذيسعى إليك إلى وراء يدفع
لا يفصلن عليك بين كئوسهابل بين فارغة وأخرى تترع
هذا هو العيش الهني فطب ولاتعبأ بما نقل الحسود الأشنع
واذا نبابك سيف عزمك لا تخففجوارك الكهف الظليل الأمنع
أعني علي القدر خير أولي النهىبل خير ما حوت الجهات الأربع
ذاك الذي يحمي الذمار كما حمىأشباله الليث الهزبر الأروع
من معشر شم الأنوف وحسيهمنسب إلى الفاروق طردا يرفع
أن كان بحر العلم أصبح جاريابين البرية فهو فيهم منبع
حبر غدا لذوي التصدر مصدراأفعالهم منه غدت تتفرع
شرف له الأيام تسجد رهبةوالدهر بين يديه طوعا يركع
يا راقيا درج المعالي سؤدداولديه فيض عناية مستودع
حاولت إرثا عن أبيك فضائلافبلغت منها خير ما يتوقع
وكسيت من حلل العلوم براعةحتى غدوت من البراعة ابرع
هيأت نحو الصرف نطق بيانهوحديث تهذيب الأصول لأبدع
لا زال نصبك في محلك سرمداوعلاك من مجرى المجرة أرفع
قل للذي جعل الفخار جهالةاقصر فليس العز ما لا يجمع
كلا ولا خيلا يطيب ركوبهاأو باز صيد او كلابا تخدع
بل كنت مرتبة بعز مثالهامن أن يكون بها لمثلك مطمع
هي رتبة العلماء كم من دونهامهج تذوب أسى وهام تقطع
فاسعد بعيد بل بعيدين أتتمجموعة وقد المثنى يجمع
بالفطر والنوروز هذا يعلن البشرى وهذا بالربيع يلعلع
والحق إن تهنا بك الأعياد إذهي شكل دائرة وأنت المرجع
فوجودها في كل عام مرةونداك عيد كل عامك اجمع
بالصوم كنت لأمر ربك طائعاويداك مفطرة لأمرك أطوع
صوم بلغت به النجاح وإنماقد صم فيه من العداة المسمع
وفطرت بالإفطار عزم قلوبهمفانزاغت الأبصار نحوك خشع
هذا الربيع تبهرجت أيامهوالأرض زخرف وشيها المتنوع
فكأن رقم زهورها سحب يرىبخلالها للماء برق لامع
واعتاض معتل النسيم بصحةفسرى من الكافور نشر أضوع
والزهر يبسم عن ثغور اقاحهوعيون مسود السحائب تدمع
وزبرجد الأوراق كل صبيحةبالدر من حبب الندى مترصع
قم للنعيم بروضة عمرتهاقد أينعت زهرا وخطك اينع
أشجارها كعرائس كل غدتمن سندس خضر عليها برقع
تسمعك أن عبث الصبا بغصونهاكيف المثاني بالأنامل تقرع
يحكي بها الناعور حين حنينهصوت الرضيع إذا أبته المرضع
والسلسبيل حكت سلاسل مائهحبات رمل راعهن مروع
لا سيما الغرف التي فيها لهامهج الملوك من المهابة تصدع
وطغو حوض وانسكاب جداولما بين منصرف وآخر يمنع
ولك الهنا في مورد الورد الذيبنفيس رياه النفوس تمتع
لو لم يكن ملك الزهور لما غدافوق الأسرة دونهم متوقع
فكأنه بالروض شبه كواكبوله بأفق الأرض حينا مطلع
من لا يهيج صبابة لقدومهوجوى فدعه مع البهائم يرتع
من لم ينفس كربه متنزهابرياضه فالعمر منه مضيع
أيكون في طبع البلابل فضلةعن طبعنا فتفوز فيه وتمتع
فانهض لها ودع الهموم لوقتهاأن الهموم بمثل هذا تدفع
لا زال ما أثرت عمرك عامراأبدا وما عمر الأعادي بلقع
فو حق مجدك أنني لمهذبإذ منك ملتمس وأنت المفزع
هذا المعنى بديع إلا أنه متداول، فممن اكثر استعماله الأديب الكامل المازن الشيخ أبو محمد الخازن وقد قال من قصيدة:
ولئن كنت قد أجدت فمنهوإليه ما كان من حسناتي
هو اورى زندي وأنبت منيفي رياض الصنيع أزكى نبات
كم تهاديت في حواشي نداهكتهادي الفتاة بالحبرات
وللصاحب كمال الدين ابن النبيه في هذا المعنى أيضا:
يا جامعا بالعطايا شمل عترتهكالقطب لولاه ما صحت دوائرة
إن جاد شعري فهذا الفضل علمنيمن غاص في البحر جاءته جواهره
وقريب منه أيضا قوله:
أنا الذي شملتني منك عاطفةفما أقول على ما فات وا ندامي
عزيتني بيد اثري تراني بهافاقطف ثمار جني الشكر من كلمي
وللشيخ أبي محمد الخازن أيضا فيه:
أطرى وأطرب بالأشعار انشدهاأحسن ببهجة إطرابي وإطرائي
ومن منائح مولانا مدائحهلأن من زنده قدحي وايرائي
فخذ إليك ابن عباد محبرةلا البحتري يدانيها ولا الطائي
وللسري الرفاء الموصلي فيه:
أثنى عليه ثناء روض هزهسيل الحيا فاهتز في أشباله
وغدت خلائقه أحق بمنطقيفمزجت صفو زلالها بزلاله
أهدي له مارق من أفواههوأبيحه مارق من سلساله
ويقول لي قوم فضلت وإنمافضل الثناء عليه من أفضاله
لأحمد لي أن راح در مدائحيعبقا وقد فضلتها بخلاله
ولابن النبيه مثله:
منك مدحي يا أيها الملك الأشرف والدر بعض فضل البحر
وثنائي عليك منك ونشر الروض شكر لمستهل القطر
أنت قربتني فأعليت قدريأنت خولتني فأغنيت فقري
وله مثله:
لي ذهب الشعر الذي كلماقلب في نيرانهم يزدد
وليس لي فضل سوى أننيانظم ما موسى به يبتدي
ومن تتمة القصيدة المترجمة:
لي في مقامك همة لكن منواخاه عكس الدهر ماذا يصنع
أني رهين سحابة لا تنجليظلماتها كلا ولا هي تهمع
لا غرو أن الدهر من عاداتهيضع اللبيب وذا الجهالة يرفع
يزري بكل محجب ذي طرةتحكى الدجى ويسود فيه الأقرع
ان يحتسب مفني لأجل فضيلةأشهدت هذا الدهر أني أهلع
ماحزت من قطر الخضم ومائهمما به حدث الحوادث يرفع
فالكيس مثل فؤاد موسى أمهوالجيب أقوى في فناه الاصبع
وكذلك من رزق الحجى حرم الغنىكيف السبيل وبينهم لا يجمع
والله لولا سوء حظي خاننيلرأيتني آتي بما لا يسمع
فلا جعلن بك القريض نظامهسمطا يتيمته سناك الألمع
ولأشهرن به لعمرك انهنبل له مهج الاعادي موقع
وأرى بقاك هو الغنى وكفى بهنفعا وربي فوق ذلك أنفع
وله في مدح الوالد أيضا:
عطف الحبيب وجاد لي بوفاءوطفى ببرد الوصل حر جوائي
ومضى قديم الهجر حتى لم يكنوصفا جديد الود أي صفاء
سكنت عيون الدهر عن حركاتهاونمت سعودي واضمحل عنائي
وغدا الحبيب يقول لي هنيت فيهذا الوصال لقد أمنت جفائي
رشأ رنا لاح السنا لما دناوإذا انثنى كالصعدة السمراء
ظبي أرى فيه الكرى عني سرىدمعي جرى أنبا الورى ببلاء
لم انس ليلة زارني متوحداتحت الدجى في غفلة الرقباء
فنهضت ارفل قائلا أهلا بهمن طارق تحت الظلام فنائي
عانقته مستبشرا بقدومهكتعانق الأحباب يوم لقاء
وغدوت مبتهجا به وشكرت صنع الدهر حيث البدر من ندمائي
طاب المقام وبث كل شوقهبأرق معنى من نسيم صباء
ثم انثنى طلب المدام وحثنيلجلاء بكر قرقف عذراء
حتى إذا حضرت وباشر أخذهافأبيت شربي غاية الايباء
وأقمت عذري أنني ذو حلفةأن لست أشربها بطول بقاء
فأقالني مستعذبا لقبولهوكذا قبول العذر للكرماء
لا زلت اسقيه وارشف ثغرهوكفى به سكرا عن الصهباء
وإذا نشقت شذاه أنشدني الهوىارج النسيم سرى من الزوراء
حتى غدت شفتاه إذ هو طافحسكرا كعقد عقيقة حمراء
وتوردت وجناته فتخالهاخمرا بجوف زجاجة بيضاء
عبثت به أيدي الكرى ورايتهيومي إلى بمقلة نعساء
بادرت في إفراده بمبيتهفأبى وأقسم غير تحت ردائي
فأجبته يا حبذا وضممتهمتعففا عن موقع الفحشاء
حتى سطا جيش الصباح بصولةمحقت رسوم ثوابت الزرقاء
قبلته في نحره متودعامنه وحسبي أن بلغت منائي
ثم استمر زماننا في لذة العيش الهنيء وبهجة الآلاء
سعد علمت بأنني ما نلتهإلا بطالع سيد السعداء
وهو الذي حاز الفخار بهمةحلت عقود كواكب الجوزاء
حامي ذمار من استلاذ بركنهوظلال كهف الموصل الحدباء
أعني علي المجد من فاق الورىبمناقب جلت عن الإحصاء
من معشر خشي الزمان حراسهمفغدا لهم من جملة الخدماء
لو شد أصغرهم لأمر عزمهحنيت لديه كواهل الكبراء
قوم ينابيع العلوم صدورهميرد الورى منها ورود الماء
من ذا يفاخر مجد قوم همهمضعف القوي وقوة الضعفاء
يا سيدا ساد الأنام بحلمهوبذاك أحيا سنة الآباء
يا ذا الفضائل أنت من شهدت لهبالفضل لكن السن الخرساء
فذووه عنك تصرفت بفروعهإذ أنت مصدر صيغة الفضلاء
يهنيك هذا العيد بل بثلاثة الأعياد كل واجب التهناء
عيد أتى النوروز فيه مبشراوبعيد ينع الورد خير هناء
هذا الربيع وقد بدت أعلامهوالروض يضحك من بكى الأنواء
فكأنما الأشجار فيه عرائسقد قمصت بالحلة الخضراء
وكأنما الأوراق كل صبيحةقطع ترصعها يد الأنواء
والأرض من وشي الزهور أديمهامتلون كتلون الحرباء
قم فاغتنم أوقاته متنزهافيها برغم خياشم الأعداء
هذا طريق لطيف في الاستطراد من المديح إلى وصف الربيع وغيره. وقد استعمله الكثير من الشعراء المتقدمين. فمنهم أبو سعيد الرستمي فقد قال من قصيدة:
علي أنابيب القناة تتابعتتتابع دال المعجمات وذالها
مكارم عبادية صاحبيةشريفة عم الأولياء وخالها
إليك ابن عباد ابن عباس انثنتأعنة شكر الدهر بعد انفتالها
ألم تر انوار الديار تبسمتوقابلها عين الحيا بانهمالها
وخيم للنوروز من زهراتهاعساكر في قيعانها وتلالها
وصال على الأسد المها في عراصهاوقال مع السيد الطلا في ظلالها
ولولاك ما نامت على الأرض وحشهاولا أمنت عصم المها في قلالها
لك افتر ثغر الملك واهتز عطفهوجرت بك الدنيا ذيول اختيالها
بقيت مع الدنيا تصون مذالهاوإرشاد غاويها وسد اختلالها
تباهي بك الأيام عند اختلالهاوتزهى بك الأعياد عند اقتبالها
وللشيخ أبي محمد الخازن من قصيدة طويلة:
ملك تجلى باتضاح جبينهعن كوكب ومحله عن كبكب
ويحيط بالآفاق طودا شامخامستعلى العرنين ثبت المنكب
كافي كفاة بني بويه ونابهموشهابهم في كل خطب مرهب
طاب الزمان ورقت الاسحار مذجاء الخريف وقال للصيف اذهب
قد جاء بالجادي احسن منظروأسر منتظر وأغنم منهب
تعطى العذارى ورده ببنانهافتضم بين مخضب ومخصب
فكأن بعض رياضه متلفعبالاتخمي وبعضه بالشرعبي
وتلونت زهراته من ازرقفي أصفر أو أحمر في أصهب
وموشح بحلي القطار موشمومطير بذرى الشمال مطيب
ولئن أطلت فقد أطبت وأننيرجل متى أصف المعالي أطنب
أطري وأطرب منشدا فليستمعشاهانشاه نشيد مطر مطرب
وقوله من اخرى في مدح الصاحب بن عباد كذلك:
أيها الصاحب اطلعت عليناطود علم أشم ذا هضبات
فتن العالم افتتانك في العلم فظنوك عالم اللذات
أثبت الله طود عزك فالتوحيد في ظل ذلك الإثبات
زارك العيد في جيوش سعودخافقات الأعلام والرايات
وتراءت منها طلائع للنوروز تجلو أعطافه العطرات
وتعير الربي مطارفها الخضر وتهدى ابرادها المعلمات
وبدت كي تعيد نرجسها الراقد يقظان بعد طول سبات
فهنيئا سعادة الدين والدنياله واختصاصه بالثقاة
أفحمتنا أوصاف علياه بسطافاعتصمنا منه بمختصرات
كرم في شجاعة وعلوفي خشوع وقدرة في أناة
ويقرب مما نحن فيه قوله أيضا من قصيدة مدح بها فخر الدولة
يا أيها الملك المهدي للندىوالمجتبى والمنتقى والمتقى
كم من نذور للقواضب في العدافانهض لهن محققا ومصدقا
وأقم حسامك في منابر هامهموذرى مفارقهم خطيبا مفلقا
واملك بقايا هذه الدنيا فقدعقدت عليك صافناتك خندقا
واستجل روض الزعفران بمثلهصرفا كلون الزعفران مصفقا
ناب الخريف عن الربيع بوردهمتفتحا وبمسكه متفتقا
كأسنة ذهبية مسنونةألقت عليها الشمس ريضا ازرقا
وتألقت أوراقه واستعطفتما بين جنبيه الحمام الاورقا
وله من أخرى صاحبية مثلها:
فيا فلك الدنيا بروجك لم تسعلهمتك العليا فصلها بأبرج
تملكت بسط الأرض. بالحلم والحجىوأنت خليق بالذي نلته حجي
وهذا الربيع الطلق حط سعودهبربع زكي معلم ومعرج
ولم يعلم العشاق أن ربيعهمينازعهم في كل احور أبلج
أغار على غر الثغور فحازهاوركبها في الأقحوان المفلج
وأعطى العيون النجل روضة نرجستدق الشفاه اللعس روض بنفسج
وكم شجر أنواره قمريةتفاصحها قمرية لم تلجلج
ولاح شقيق الروض ولهان حائرابوجنته ملطوم رأس المشجج
وكم جزع واد مغدق النبت معشبمتى يخط سيار الصبا فيه يأرج
ترقرق عن ساج من الماء سابلوأشرف عن ضاح من الطل سجسج
وغردت الأطيار في جنباتهاقطائع شتى بين فرد ومزوج
ومثل هذا الأسلوب كثير، إلا أنه قد اكتفينا من هذا البحر الزخار بهذا المقدار. رجع، تتمة القصيدة المترجمة:
واحكم بصنعك إن أمرك نافذفعساك يا ذا الطلعة الغراء
تنصف بعد لك قصة المظلوم فالإنصاف نصف علامة العلماء
عجبا أيظلم جاركم وفقيركموبكم تزاح مظالم الفقراء
نبئت أن مصيبتي في زلتيكانت بيوم وليمة الأمراء
والله ما أذنبت فيه ولم اكنكالغير مثل الأنفس الطمحاء
لكن سمعت بي التقول جاهلاإضمار ما قصدت به غرمائي
والله قال إذا أتاكم فاسقفتبينوا ما قال من أنباء
كيلا تصيبوا غيره بجهالةخطأ وذاك بمنزل الإيحاء
ولقد أظن بان فيكم حالتيلا تستقيم وهؤلاء ورائي
قوم يرون به التقرب رتبةفيداهنون بتهمة البراء
تالله أن مدحوا وأن ذموا فتىفكلاهما في الحالتين مرائي
لا يتقون الله في خزي امرئيلقونه حسدا بكل بلاء
يا ذا ترى حسدي لأي فضيلةأف لهم من حسد جهلاء
يا ليت شعري ما ابتنيت ببابكمحتى مشوا سعيا بهدم بنائي
ويل لهم يوما انوط بذيلهمويكون للجبار فصل قضاء
فهنالك النهاش يكلح وجههويبوء بالتنكيل والاخزاء
ولأنت أخبر فيهم من مخبرعنهم ولكن لا أفوه بذائي
ولقد أحس بها فؤادي قبل أنوقعت فلم يخطئ بها ظنائي
لكنني أن لم أثق بمظنتيجهلا فكان الخزي فيه جزائي
وأرى قليلا في ما جوزيتهمالي أنا ومجالس الوزراء
وقد اعترفت وما أراني مذنباإذ لي بذلك أسوة بسوائي
لكن إذا علت الشقاوة ربهافصوابه في الفعل عين خطاء
مثلا يقال إذا البهيمة ما جثتعقرت بوقع مشافر الخلطاء
والعفو أجدر للمقر بذنبهولأنت فيه لذو اليد البيضاء
أن لم يكن لي في جنابك حرمةأرعى بذاك تقارب الإغراء
أني لكم وبكم ومنكم نسبةفيكم إليكم مقصدي ورجائي
ما راعني إلا مقالة حسديأبعدتهم وشفيت منه حشائي
والله ما استغنيت عنكم لا وهلجسد بمستغن عن الأعضاء
في الدار قرب والمزار تباعديا حسرتي فأنا القريب النائي
فأسمح ندى وأصفح يدا وأفسح مدىوأمنح رضى وأربح جزيل دعائي
والطف بعيد لم تعبه رديةوافي إليك مبرقعا بحياء
ما نال من دنياه غير نفائس الألفاظ وهي ذخيرة الأدباء
أهديتها لك وهي لي شرف إذالثمت أنامل معجم الفصحاء
ولئن أتت ردا فيا حزني وإنوقع القبول بها فيا بشرائي
لكن اذا ما دمت باق لم أزلأرضيت عني أم عكست رضائي
فلأصبرن لحكم ربي قائلاحمدا على السراء والضراء
وله في الوالد ﵀ تهنئة بعيد الفطر:
شهدت بفضل محلك الافضالورست بساحل مجدك الآمال
بزغت نجوم علاك من أفق النهىفغدا يجدد عزك الإقبال
لا يدعى متشبه بك رتبةفالنجم نجم والهلال هلال
هيهات ذلك كيف يدرك فضل منشهدت له بمهودها الأطفال
علم غدا لذوي التصدر مصدراتشتق منه لديهم الأفعال
بالجزم في حركاته متصرفما أثرت في منعه الإعلال
عنا به ظلل الهموم تقشعتوتألقت أنى يكون ظلال
حامي الذمار نعم وكهف الجار بلعلم الفخار على الورى مفضال
فإذا الضعيف غدا له يشكو غداعنه وما في جانبيه هزال
وإذا المقل به التجى من فاقةأودت به ما ضره الإقلال
حبر ولكن بالحبور متوجبحر ولكن في الورود زلال
ليث ولكن لا يضام جليسهغيث ولكن ما به أوحال
من عترة سادوا البرية محتديوبذاك فيهم تضرب الأمثال
فكأنهم قد صاح فيهم صائححولوا إلى نهج الجدود فحالوا
يا دوحة الشرف التي قد أينعتعذباتها وزهابها الاخضال
يا من يوبل جوده ووجودهتحيى الرسوم وتشرق الأطلال
يا عز من يحمي جوارك خيموايا فخر من بضلال كهفك قالوا
يا من له ببيانه وبنانهويراعه فبراعة وجمال
نثر حكى المنثور في زهراتهوبديع لفظ في البديع لئال
ما ذاك الا خير إرث عن أبوأب رأوا شرف الكمال فمالوا
شرف نما مجد سما بحر طمىعز الحمى غيث همى مهطال
ما نلت من قلل المعالي رتبةإلا ودون منالها الأهوال
من لم ير سنن الوجود فريضةطلبا لماذا تخبأ الأموال
من طل وبلك يرتوي صادي الحشىوبريق لمع ماء غيرك آل
لولا يمينك في النوال تيمنالعلت على كف اليمين شمال
في ذروة المجد انتمى لك منهجتنبو وتقصر دونه الآمال
لك بالوفا والجود في أجيادناطوق وفي ساق الزمان حجال
بين المرادين استوت لك كنيةفاطلب بها ما شئته ستنال
حظ وهي كبد الحواسد دونهوالكد في كبد الحضيض مجال
لا غرو أن يقضوا الحياة بدائهمكمدا وداء الحاسدين عضال
إذ يرجعون وكيدهم بنحورهموكفى بما رجعوا عليك وبال
فليهنك العيد المبارك سيدييوم برفحته الهناء يقال
لا زالت الأيام عيد كلهالك باقيات ما لهن زوال
فضل الصيام بلغته طوعا وقدأفطرت مغفورا ونعم مآل
بذت يداك نداك فيه فأغمرتوبذاك فضل شائع ونوال
ومن لطائف التهنئة قول القاضي الارجاني:
أنت للعيد وهو للناس عيدصاحب مسعد ويوم سعيد
إنما تسعد الأنام لعمريبالذي تستمد منه السعود
وعلى ذاك فاغتنمه نزيلافهو بين الأنام يوم جديد
لك فيه وبعده كل يومفرح طارف وعز تليد
ولك الدهر إن رضيت غلامولك الناس أن قنعت عبيد
أنت في الدهر لا تزال مقيماوهو يمضي مرددا ويعود
هل رأى العيد قط قبلك مولىكل معنى في جوده موجود
وجهه المستهل والأنمل العشرففي كل لحظة منه عيد
يقتل الحاسدين قتلا نداهويرجى قراه فرد وسيد
وقد أخذ ابن النبيه معنى أول هذه الأبيات فقال:
رمضان طيفك سار حولا كاملاومضى لما أوليته متشكرا
فتهن عيدا أنت حقا عيدهيا خير من صلى وصام وأفطرا
ومن البدائع قول الصابي في بعض الوزراء:
يصوم الوزير الدهر عن كل منكروليس لهذا الصوم عيد ولا فطر
ويفطر بالمعروف والجود والندىوليس لهذا الفطر صوم ولا فطر
فاكرم به من صائم مفطر معاتوافي لديه الأجر والحمد والشكر
وللصابي أيضا:
يا ماجدا يده بالجود منفطروفوه من كل هجو صائم ابدا
اسعد بصومك إذ قضيت واجبهنسكا ووفيته من شهره العددا
واسحب من العيد أذيالا مجددةواستقبل العيش من إفطاره رغدا
وانعم بيومك من ماض قررت بهعينا ومنتظر يفضي إليك غدا
وفز بعمرك ممدودا وملكك موطودا ونل منهما الجد الذي بعدا
حتى ترى كرة الأرض البسيطة فييمناك مملوة أرجاؤها رشدا
ومولك الفلك الدوار متبعااوطار نفسك لا يألوك مجتهدا
ومن لطائف التهنئة قول الارجاني في عيد الأضحى:
قدمت مع الأضحى فأضحى مجيئهوراءك عن ثغر الميامن مفترا
تطالعتما سعدا ولكن سبقتهفأسعدته وانساق يتلو لك الأثرا
وقالوا ترى النحر المبشر لم يزليحل بطوق من هلال له النحرا
تعوض من أعلامه بأهلةطلعن عليه يوم موكبه تترى
فقلت بل المولى ابن خالد الذيبأسنى العطايا منه زائره يقرى
لنا كل يوم منه عيد تكاملتمواسمه ما قلب الأنمل العشرا
كفى وجهه والكف والعمر والعدىهلال الورى والعشر والعيد والنحرا
ومنه قول بعضهم:
عماد الدين قابلك السعودوعشت كما تريد لمن تريد
وأظهرك الإله على الأعاديومات بدائه فيك الحسود
أتاك العيد مقتبلا جديداوجدك فيه مقتبل جديد
تهنا الناس في الأعياد فيناوأنت لنا برغم العيد عيد
عطفا على القصيدة المترجمة
فانهض وجرد عطفة عمريةفالوقت راق وحلت الأشكال
ودنا السرور اليك متبهجا وقدصفت الكدور وخفت الأثقال
وأتمم مسرة نجلك الزاكي الذيقد زانه فضل به وكمال
ينبوع زهر حديقة الكرم الذيعرفت به في المكرمات خصال
اكرم به خلفا لعمري أنهشهم له فوق المقال مقال
صل شمله وارغد بذلك عيشهفالعيش أهنأ ما يكون وصال
تبلغ بذلك من مرادك فرحةأبدا وأنت القائل الفعال
لا اشمت الله العدا بكم ولابلغوا منى ما أملوه ونالوا
خذها إليك هدية من وامقفي مدحكم لا يعتريه ملال
جارت عليه حرفة الأدب التيفيها لألسنة العقول عقال
كعروسة بكر تنظم عقدهاعذراء ما في جيدها أعطال
وأجز القبول بها لعمرك إنهادرر وفي مهج العداة نبال
فأنا كمهد وردة لحديقةإذ منك لي بوصولها إيصال
ولقد أمنت من الزمان وصرفهما دام لي بحماك منه ظلال
لا زلت في حلل الفصاحة رافلاما صافحت ريح الجنوب شمال
وله يمدح بعض الفضلاء:
كفى من جفوني ما تفيض المدامعوحسبك ما عني بحبك شائع
إلى الله ما اخفت حشاي من الجوىوما في الهوى أحنت عليه الاضالع
تق الله في قلب لديك وديعةوعند كرام الناس تجنى الودائع
فرفقا بمن أمسى أسير كآبةأبى أن يقيه ذلك السجن شافع
بحسنك مشغول لودك حافظلأمرك مأمور لحكمك طائع
هواك سطا ظلما علي فها أنالعزة سلطان المحبة خاضع
فيا منيتي أن كان في بذل مهجتيرضاك فأني في هواك لبائع
تعودت منك الهجر حتى الفتهفصبري على ما دون بعدك واسع
فلا تحرم العين القريحة نظرةوكن كيف ما تهوى فما أنا جازع
خفضت جناحي ناصبا حال ذلتيلعل ابتداء منك للخفض رافع
فما أنا كالموصول لا صلة لهولا عائد قد نازعته المواقع
وأوضح من هذا قول البهاء زهير:
يقولون لي أنت الذي سار ذكرهفمن صادر يثني عليك ووارد
هبوني كما قد تزعموني أنا الذيفأين صلاتي منكم وعوائدي
ومثله لابن عنين:
انظر إلي بعين مولى لم يزليولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي احتاج ما تحتاجهفاغنم ثنائي والدعاء الوافي
وللأديب جعفر المصري:
وافيت بابكم لأرفع مبتدأشعري وانصب خفض عيش أغبرا
حاشاكم أن تقطعوا صلة الذيأو تصرفوا من غير شيء جعفرا
وللسليماني:
وأنا الذي أضنيته وهجرتهفهل صلة أو عائد منك للذي
وقال آخر:
لا تهجروا من لا تعود هجركموهو الذي بلبان وصلكم غذي
ورفعتم مقداره بالابتداحاشاكم أن تقطعوا صلة الذي
وللصفي الحلي:
لما رأت علياك أني كالذيأبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارمفنداك لي صلة وأنت العائد
ولابن حجة:
قطع الأحبة عادتي من وصلهمفكأن قلبي بالتواصل ما غذي
فاذا سمعتم في النحاة بعاشقمنعوه من صلة له فأنا الذي
تتمة القصيدة المترجمة:
عسى عطفة تحيي على البعد مغرماإذا عز وصل بالرضا فهو قانع
اذا جن ليل جن إذ حن صبوةفلا دمعه راق ولا الطرف هاجع
وأصغي بسمعي للعواذل تارةكأني لما جاءوا من اللوم سامع
وهيهات إلا أن ذكرك منه لييلذ ولو أن العذول منازع
أوضح من هذا والطف معنى قول البهاء زهير:
أحب العذول لتكرارهحديث الحبيب على مسمعي
وأهوى الرقيب لأن الرقيبيكون إذا كان حبي معي
ومثله قول مجد الدين الاربلي:
أصغي إلى قول العذول بجملتيمستفهما عنكم بغير ملال
لتلقطي زهرات ورد حديثكممن بين شوك ملامة العذال
عطف على القصيدة المذكورة:
أراني وقلبي ما خلا قط من هوىكأني من ثدي المحبة راضع
بروحي حبيبا لم يزل متعطفاجميل الثنا تزكو لديه الصنائع
بجيد حكى ظبي الفلاة تلفتاإذا راعه عن ورده الماء رائع
فما البرق إلا من ثناياه لامعولا الطيب إلا من شذاياه ضائع
فلله أجفان الظبا زمن الصبابهاكم صباصب وهانت فجائع
ولعت بصغري بالمحبة والشقافما زال حظي منه ما أنا والع
رعى الله دهرا بالحمى مع أحبةلهم سوق شوق كم فنى فيه طامع
بضاعتهم فيه خدود وأعينفقلبي على تلك البضائع ضائع
سقى الله ربعا كان معهد عهدناوجاديه من هامل المزن هامع
وحيا الحيا حيا به معدن الحياولا زال في أرجائه الزهر يانع
فعهدي به يزهو بكل محجببطلعته تسبى البدور الطوالع
وحظي سعيد والزمان مساعدوليس لحبل الوصل إذ ذاك قاطع
أفتية ذاك الحي هل فيكم رشاعهدت له بين الضلوع مراتع
وهل للصبا عود وللدهر عطفةوهل ما قطعناه من العيش راجع
وهيهات ذاك العيش إلا بأن يكنبحضرة من للحلم والعلم جامع
أبو الفضل إبراهيم ذو المجد والتقىله قدم فوق البراعة بارع
هو الماجد المعروف بالبذل والسخافإحسانه بين البرية ذائع
إمام الهدى مجلي الصدا منهل الندىمريع العدى للناس فيه منافع
إذا ما رأى الإسراف من بسط كفهوحاول قبضا خالفته الأصابع
أخذ هذا المعنى من قول أبي تمام:
تعود بسط الكف حتى لو أنهثناها لقبض لم تطعه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحهلجاد بها فليتق الله سائله
أخذ معنى البيت الثاني أبو سعيد الرستمي وسبكه في مدح الصاحب ابن عباد فقال:
واجد بالعلاء والمجد وجدالم يجده بيوسف يعقوب
وإذا ما أتاه طالب جدوىراحتيه فالطالب المطلوب
قل لباغي الندى خف الله لا تسأله عمرا فإنه موهوب
أخذ هذا المعنى الشيخ زين الدين ابن الوردي أخذا فاحشا وأورده في الغزل دون المديح فقال:
تعجبت من مهديه لو أن لامساأراد انقباضا لم تطعه أنامله
وسال عذار لو نعى نفس صبهلجاد بها فليتق الله سائله
والطف منه قول ابن نباته:
وضعت سلاح الصبر عنه فمالهيقاتل بالالحاظ من لا يقاتله
وسال عذار فوق خديه جائرعلى مهجتي فليتق الله سائله
رجع تتمة القصيدة المترجمة:
شريف زكا أصلا وفرعا ومحتدىولا سيما ما قد زكته الطبائع
ومن ذا يضاهي نجل حيدرة الذيله في بديعات الكلام بدائع
تأثل علم الله فيهم تسلسلافكل لكل في الفضائل تابع
هم السادة الغر الميامين خلتهمنجوما لهم أوج الكمال مطالع
بهم يهتدي الساري إلى منهج الهدىويجبر مكسور ويؤمن فازع
فإن كان بحر العلم في الناس جاريافهم أبدا عين له ومنابع
فلا زلت يا كهف المساكين رافلابثوب الهنا ماحن في الأيك ساجع
ولصاحب الترجمة أيضا:
هي المنازل لا أودى بها المللولا تخلل في اكنافها الخلل
ولا خلا روضها من كل يانعةولا ذوى ظمأ أملودها الخضل
كلا ولا زالت الأنواء صيبةتروي ثراها وعمت أهلها الخول
دار الأحبة لا أعفى لهم أثرولا خلا منهم ربع ولا طلل
عهدي بنا معهم في كل مغتبطوالشمل مجتمع والحبل متصل
أيام كانت ميادين الزهور لنامراتعا حيث يشدو الورق والحجل
من كل ذي هيف ما ماس منعطفاالا وسبحت الأغصان والأثل
وان رنا بلحاظ كحلت دعجاأرتك سحر الحلال الأعين النجل
مدت أيادي سبا من ذاك فينا بنافحال دون التلاقي السهل والجبل
وطاش سهم الأماني لم يصب غرضاوقد وهي الحبل لما أعيت الحيل
فهم أحبة قلبي أين حط لهمرحل ولست بساليهم وإن رحلوا
عسى الزمان الذي أبلى بفرقتهميثني الأزمة رجعا والقضا دول
ويصبح الخوف أمنا والفراق لقىوالبعد قربا وماضي عمرنا سهل
بسعد من لا يداني الهم همتهفخر الوجود الكريم الماجد البطل
بنى له في المعالي من فضائلهبيتا دعائمه آباؤه الأول
فذاك كعبة جود طالما ولكمحجت إليه مطايا القصد والقفل
وللرستمي في هذا المعنى من قصيدة صاحبية:
وأنت الذي حج المرجون بيتهفأعطيتها الآمال قبل سؤالها
يسيرون في شرق البلاد وغربهانواشط عن أوطانها وحلالها
تنص إليك العيس من كل وجهةعلى بابها من أينها وكلالها
يحجون بيت الله في العام مرةودارك طول الدهر ملقى رحالها
ومثله للارجاني:
فما أنت إلا بيت مجد وسؤددللقياه يسرى دائما ويسار
على أن حج البيت في العام مرةوحجك في اليوم القصير مرار
وقوله أيضا:
إذا ما الورى طرا فدوك من الردىفقد جل من يفدى وقد قل من يفدي
وما أنت إلا للورى بيت سؤددوكعبة مجد قصدها أبدا يجدي
وتلطف ابن النبيه بقوله:
كعبة إحسان يدا كفه البيضاء مثل الحجر الأسود
يزدحم الناس على لثمهاكالإبل الهيم على المورد
تتمة القصيدة المترجمة:
فمن يضاهي بني الزهراء في شرفأو من يفاخرهم أصلا إذا أصلوا
هو النقي فما في فعله دنسهو الجري فما في نقله زلل
من معشر قد سموا هام السماك علىبالعز والفضل فيهم يضرب المثل
قوم إذا فخرت قوم بجدهمكانوا لتيجان أعلى مجدهم كلل
أن حدثوا صدقوا أو حاججوا غلبواأو ناسبوا فخروا أو قابلوا قبلوا
وكيف لا وهم المعروف أنهممن طينة الفضل والمعروف قد جبلوا
من لا يرى مدحهم فرضا فذاك من الذين هم عن طريق الحق قد عدلوا
هذا المعنى مأخوذ من قصيدة عبد الرحيم البرعي وهي:
كل من لم ير فرضا حبهمفهو في النار وان صلى وصاما
هم نجوم اشرف الكون بهمبعد ما كانت نواحيه ظلاما
فتحوا الأرض بعليا بأسهمواستباحوا يمنا منها وشاما
وللأديب علي بن الجهم الشامي في معناه:
ولا يقبل الإيمان إلا بحبهموهل يقبل الله الصلاة بلا طهر
ومن كان مجهول المكان فإنمامنازلكم بين الحجون إلى الحجر
وما زال بيت الله بين بيتوكمتذبون عنه بالمهندة البتر
ومثله للصفي من قصيدة:
لو أن عبدا أطاع الله ثم أتىببغضكم كان عند الله غير تقي
فضل به زينة الدنيا فكان لهاكالتاج للرأس أو كالطوق للعنق
صلى عليك اله العرش ما طلعتشمس النهار ولاحت انجم الغسق
وآلك الغرر اللائي بهم عرفتسبل الرشاد فكانت مهتدى الفرق
قوم متى أضمرت نفس امرئ طرفامن بغضهم كان من بعد النعيم شقي
ولي في هذا المعنى من قصيدة في مدح آل البيت ﵃:
بجدهم وبسعي منهم وبهمنلنا المنى وسما الإسلام في الأمم
لا يقبل الله مناقط نائلةولا فريضة ان لم يذكروا بفم
ما حل بغضهم قلبا وحل بههداية أبدا فاحذر من التهم
هم علة الكون بل روح الوجودوهم هداية منحت من بارئ النسم
فحبهم فرض عين بغضهم خطأكفر صريح فحاذر زلة القدم
وللصفي أيضا من قصيدة في آل البيت رضي الله تعالى عنهم:
يا عترة المختار يا من بهمأرجو نجاتي من عذاب أليم
حديث حبي لكم سائروسر ودي في هواكم مقيم
قد فزت كل الفوز إذ لم يزلصراط ديني بكم مستقيم
فمن أتى الله بعرفانكمفقد أتى الله بقلب سليم
ولصاحب الترجمة قصيدة يتشوق بها إلى حلب:
أمن الوشاة وأعين الرقباءهذا نحيبك أم حبيبك نائي
أم ضاع من عطر الأحبة نسمةأهدتك طيب محاجر الكباء
أم من وميض بويرق من بارقأجلى سناه حنادس الظلماء
أم شاقك الربع القديم فلم تزلتهفو إلى نفحاته الفيحاء
لولا غرامك لم تذق أرقا ولاأشجاك ذكر منازل عفياء
أيظن أن يخفي المحبة عاشقوالظرف منه ينم بالإفشاء
صرح وصرح بالحبيب ولا ترىحمل الغراب يخف بالإخفاء
كيف الصيانة والصبابة برحتبك والدموع تسيل كالأنواء
فالصب من خلع العذار تهتكايبدي حنين خليعة النفساء
فسقى عفيفا من ديار اعفةصوب الولي وجادها بولاء
عهدي بنا وبهم بها في غبطةنمشي فنسحب أذيل الخيلاء
أيام كان بها الحبيب مواصلاوالبشر محفوفا بكل هناء
رشأ من الأتراك في لحظاتهسلب الفؤاد وفتنة السحراء
يا قاتلي بلحاظه مهلا فقدأصمي جفونك نبلها أحشائي
هلا رعيت قديم عهد بالحمىحيث المروج أريجة الارجاء
ومبيتنا زهر الرياض ووردناصفو الحياض ونحله الندماء
والزهر ينفح والرياض أنيقةوعلى الغصون صوادح الورقاء
وزبرجد الأوراق تحسب إنهاقطع ترصعها يد الانداء
عمري على تلك المعاهد لم يزلبادي الأسى متنفس الصعداء
ما أن يراجعنا الزمان بأوبةويصح فيه لدى الاياس رجائي
وارى الأحبة في الربوع روائعاحول المشاهد من حمى الشهباء
بلد لها شهد البرية أنهاعدن البلاد ومعدن الفضلاء
حلب جلت عن قلب ساكنها الصداوحلت بألطف زخرف وبناء
فاقت على كل البلاد بما حوتمن لطف ماء واعتدال هواء
فهي المقدسة التي قد شرفتلا سيما بمصارع الشهداء
بلد تراها حيث ما قابلتهابالوضع شكل حمامة بيضاء
لو لم تقاس بجنة ما كانت الفردوس فيها بهجة النظراء
فكأنما غرر البلاد جماعةوهي العروس بدت بهم لجلاء
تنسي الغريب بأنسها أوطانهويرى المقام بها من النعماء
يا ليت شعري هل أراني مرةألقى بها دون البلاد عصائي
ولئن قضى لي في الزمان بزورةمنها إذا أني من السعداء
هيهات حال البعد بين منالهاشتان بين الشام والحدباء
أن ذاك إلا أن يكون بهمة المولى الذي بلغت فيه منائي
مولاي إبراهيم ذو الشرف الذيخرق السها وسما على الجوزاء
من محتد سادوا وحسبك من غدتتثني عليهم السن الأعداء
السادة العلماء نسل السادة الفضلاء نسل السادة النجباء
لا زلت يا كنز الفضائل رافلاأبدا بثوب العز والآلاء
وهي طويلة حذفت منها أبياتا.
وله أيضا يتشوق إلى وطنه، ويتذكر معاهد انسه ولذات مساكنه.
تاق الغريب لعودة وإيابوصبا لجمع الشمل بالأحباب
وغدا يحن إلى اللقاء تشوقالقديم أنس محاضر الأصحاب
من كل مطبوع الخصال مهذبأهل الوفاء معادن الآداب
كرر على سمعي أخي حديث اخوان الصبا لا زينب ورباب
يا لائمي لتشوقي تلك الرباعني وخفض عنك ما بك مابي
لو ذقت حلو الجمع بعد مرارة التفريق يوما لم تفه بعتاب
أني امرؤ والله ما ذكر الحمىألا وأسكرني بغير شراب
ولئن صبا قوم لمال أو غنىفأنا إلى عهد التصابي صابي
صلة الأحبة مذهبي وودادهمأربى وتذكار المنازل دابي
مالي وللزوراء بعد زيارتيأقطارها لمراقد الأقطاب
حادي المطي هديت قف بي ساعةواحبس مطيك أن تنال ثوابي
أن كنت للحدباء تعزم راشدامهلا فذاك من الزمان مآبي
لم اتخذ بلدا بها بدلا ولاأسلو عهود صبوتي وشبابي
شرفي بها وبأهلها إذ لم أزلما بينهم أبدا عزيز جناب
حتى أحمل حمل راحلة بهاالقى وجوه أحبتي الأنجاب
ونظير هاتين القصيدتين ما كتب به الأديب ابن حجة إلى القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي من القاهرة إلى حماة، يتشوقه ويذكر وطنه:
يا طيب الأخبار يا ريح الصبايا من إليه فؤاد صب قد صبا
يا صادق الأنفاس يا أهل الذكايا طاهر الأذيال كم لك من نبا
يا من نراه عبارة عن حاجريا روح نجد مرحبا بك مرحبا
يا نسمة الخبر الذي من طيبهتتنسم الأخبار عن تلك الربا
بالله أن رنحت ذاتك بالحمىووردت شعبا من دموعك معشبا
وهززت فيه كل عود اراكةأضحى بهاتيك الثغور مطيبا
ودخلت كل خباء زهر قد غدابدموع أجفان الغمام مطنبا
وطرقت حي العامرية ظامئافنعمت بالوادي بريا زينبا
عج بالعذيب فإن محجر عينهأمسى لما حملته مترقبا
واصحب عبير المسك منه فإنهلشوارد الغزلان أضحى مشربا
فإذا تنسمت الشذا وتعطرتمنك الذيول وطبت يا ريح الصبا
عرج على وادي حماة بسحرةمتيمما منه صعيدا طيبا
واحمل لنا في طي بردك نشرهفبغير ذاك الطيب لن نتطيبا
واسرع إلي وداو في مصر بهقلبا على نار البعاد مقلبا
لله ذاك السفح والوادي الذيما زال روض الأنس فيه مخصبا
وانعم بمصر نسبة لكن أرىوادي حماة ولطفه لي أنسبا
ارض رضعت بها ثدي شبيبتيومزجت لذاتي بكاسات الصبا
يا ساكني مغنى حماة وحقكممن بعدكم ما ذقت عيشا طيبا
وبعيد هاتيك الموارد لم أجدلي في المناهل منهلا مستعذبا
ومهالك الحرمان تمنع عبدكممن أن ينال من التلاقي مطلبا
وإذا اشتهيت السير نحو دياركمقرأ النوى لي في الأواخر من سبا
وخسرت أياما مضت لكن إذاشاهدتكم يوما رأيت المكسبا
والله أن لم ألقكم من بعد ذافعلى زماني لم أزل متعتبا
وقد التفت اليك يا دهرى بطول تعتبي ويحق لي أن اعتبا
قررت لي طول الشتات وظيفةوجعلت دمعي في الخدود مرتبا
وأذقتني فقد الأحبة والهوىوالأهل والأوطان في زمن الصبا
وأسرتني لكن بحق محمديا دهر كن في مخلص متسببا
فمحمد ومدينة قد حلهالم ألق غيرهما لقلبي مطلبا
مولى إذا قصد الزمان بلحنهخفضي غدا عن رفع قدري معربا
ذو رتبة نصب السعود بيوتهامن فوق هام الفرقدين وطنبا
وفضائل أمست على حلل العلوم برقمها الزاهي طرازا مذهبا
وكتابة منسوبة لكن إلىغير الكمال وحقها لن تنسبا
وإذا تسنم ذروة من منبرلخطابة فابن الخطيب هنا هبا
من بيت فضل قد علت طبقاتهواراه للعلم الشريف مبوبا
وإذا وقفت بحاجة في بابهتلقاه بابا للنجاح مجربا
يا كاتب الأسرار يا من فضلهقد جمل الدنيا وزان المنصبا
أقلامك السمر الرشاق إذا ثنتأغنت نهار الخطب عن بيض الظبا
وسرى نسيم الذوق في قضبانهافغدا بها بين الأنام مشببا
فلأجل ذا أن رجعت أقوالهالم تلق إلا مرقصا أو مطربا
ومن النظائر، التي تشق لطافتها المرائر، قصيدة الشيخ شمس الدين ابن الصائغ، يتشوق إلى دمشق وأطرافها وأدبائها، وهي:
أدمشق لا بعدت ديارك عن فتىأبدا إليك بكله يتشوق
أشتاق منك منازلا لم أنسهاأني وقلبي في ربوعك موثق
أني اتجهت رأيت دوحا ماؤهمتسلسل يعلو عليه جوسق
والريح تكتب والجداول أسطرخط له نسخ الغرام محقق
والطير يقرأ والنسيم مرددوالغصن يرقص والغدير يصفق
ومعاطف الأغصان هزتها الصباطربا فذا عار وهذا مورق
وكأن أزهار الرياض سرادقفي ظلها من كل لون نمرق
وكأنما في كل عود صادحعود خلا مزمومه والمطلق
والورق في الأوراق يشبه شجوهاشجوى وأين من الخلي الموثق
تتلو على الأغصان أخبار الهوىفيكاد ساكت كل شيء ينطق
يا سائرا والريح تعثر دونهوالربع يبسم إذ به يتألق
أن جئت من وادي دمشق منزلالي نحوه حتى الممات تشوق
بالجبهة الغراء والنهر الذييزهو به القصر المنيف الابلق
ورأيت ذاك الجامع الفرد الذيفي الأرض مثل جماله لا يخلق
قل للفتى عبد الرحيم بأننيأبدا لحسن وداده أتخلق
إن كنتم عرضتم بتشوقوحياتكم أني إليكم أشوق
وللبرهان القيراطي في هذا الباب، ما يحير عقول ذوي الألباب ويكاد أن يهزأ رقة بماء السحاب. وهو:
لله ليل كالنهار قطعتهبالوصل لا أخشى به ما يرهب
وركبت منه إلى التصابي ادهمامن قبل أن يبدو الصباح الأشهب
أيام لا ماء الخدود يشوبهكدر العذار ولا عذاري أشيب
كم في مجال اللهو لي من جولةأضحت ترقص بالسماع وتطرب
وأقمت للندمان سوق خلاعةتحيى المجون إلي فيه وتجلب
وذكرت في عليا دمشق معهداأم الزمان بمثله لا تنجب
قوم بحسن صفاتهم وفعالهمقد جاء يعتذر الزمان المذنب
اشتاق في وادي دمشق معهداكل الجمال إلى حماه ينسب
ما فيه إلا روضة أو جوسقأو جدول أو بلبل أو ربرب
وكأن ذاك النهر فيه معصمبيد النسيم منقش ومكتب
وإذا تكسر ماؤه أبصرتهفي الحال بين رياضه يتشعب
وشدت على العيدان ورق أطربتفغناؤها من غاب عنه المطرب
والورق تشدو والنسيم مشببوالنهر يسقى والجداول تشرب
وحلت لقلبي من عسال جنةفيها لأرباب الخلاعة ملعب
ولكم طربت على السماع بجنكهاوغدا بربوتها اللسان يشبب
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع