من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
قاسم الرامي
ثغر ملك العربية الذي بهر ذكاء وطبعا، ونور شجرتها المباركة السنية الذي أزهر نباتا وينعا، فأقام للفصاحة برهانا وللأدب دليلا، ونظم للإعجاز جمانا واتخذ البلاغة سبيلا، فهو خازن الكمال وماحي دارس أطلال المعارف وناثر العقود واللآل.
الجامع لأنواع النوادر من اللطائف. وهو هدية الأيام والليال، الذي زين جيد الدهر بسوانح الظرائف. وهو مبرز الأدب ومنبع البيان، ومحرز الأدب الشائع بفضله في كل مكان. وهو غيث الفضل الساكب، الذي ملأ النواحي والجوانب. «كما رش ماء القطر ماء شقائق»
أنبت معارف وفطن، وزين معالم ودمن. فهو بحر الفصاحة الذي انفرزت منه الأنهار، وشمس البلاغة المشرق على دمن المعارف في ضحوة النهار. السباق في مضمار الشعر والقريض، المستخرج درر أفكاره من بحر الطويل العريض.
له الشيم الشم التي لا ينالهافتى علق الأذيال بالأنجم الزهر
حلى كنف العلم والأدب، وأخذ مجموع محاسن العرب. فهصر أفنان المعاني، وعصر عناقيد الأمن والأماني. فلم يجلس إلا للإفادة ولم يستأنس إلا بالمعالي والسيادة. ولا حسر إلا للكمال ذرعا، ولا حشر إلا للمعالي طبعا. فكم نشيد زينه، وكم قصيد حسنه، وكم شعر روقه، وكم نثر زانه وفوقه. فطبعه زناد أدب يوري كمالا، ويقدح معارف وأفضالا، ففضله كله حكم عطائية، ومنح موانح علية سماوية، تورث كمالا، وتدفع كسلا وملالا.
دع عنك ما خلدت يونان من حكموسار في حكماء الروم من مثل
وانظر إليها تجدها أحرزت سبقافي الجهد منها وحاز السبق في مهل
فمع ما فيه من الكمال والأدب، وكونه مرجع لسان العرب فهو ماهر بالموسيقى وعلم المقامات، قد صعد إلى أوج المنازل منه وأعلى المقامات.
وقد ذكرت من أشعاره ما يرشدك إلى علو منزلته ومناره، وقوله في مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم:
أحب غزال الحي عذب المقبلولست أبالي من وشاة وعذل
وفي ورد خديه وآس عذارهخلعت عذاري والتهتك لذلي
لبست ثياب السقم من سقم جفنهوفي خصره جسمي غدا جسم منحل
ولما بدا في مطلق الحسن قيد الفؤاد بوجد عنه سل كل مبتلى
ذوائبه فيها القلوب ذوائبوطلعته أن تبد للشمس تخجل
له قامة فيها قيام قيامتيتحملني في الحب ما لم احمل
وقد ضاء قلبي إذ تبسم ثغرهوضاع شذا من فيه ريا القرنفل
فقلت له يا مالك الرق رق ليوكن شافعي من ذا الجفا يا ابن حنبل
هذا الإبهام مع تداوله وكثرة استعماله فهو لطيف، فمنه قول ابن نجيع الحراني، وهو أشمل مما ذكر.
تفقهت في عشقي له مثل ما غداخبيرا بأحكام الخلاف يجادل
فيا مالكي ما ضر لو كنت شافعيبوصلك وافعل في ما أنت فاعل
فإني حنيفي الهوى متحنبلبعشقك لا أصغي لما قال قائل
وقد أجاد بعضهم بقوله:
يا مالكي شافعي ذلي فصل كرماولا تكن رافضي واقصر عن الملل
فجملة الأمر أني مغرم دنفشوقي أمامي وصبري عنك معتزلي
ولابن الوردي من رسالة في الكلام على مائة غلام.
يقول بدر طالعفي ليل شعر مالك
أنا أمامي مالكفقلت أنت مالكي
تتمة الأبيات المترجمة:
فقال إذا جردت قلبك في الهوىبترك السوى طوع الجوى بتذلل
فقلت بنون الحاجبين أليتنيكذا صاد عينيك الغزاة بمقتل
لأنت المني ما دمت حيا وميتافكيف فؤادي عن هواك بمنسل
فقال أترضى أن أزورك في الكرىوفي غرتي الغراء عينك تنجلي
فقلت له كم ذم حبيك عذليوما كذبوا في كل ناد ومحفل
فما الفخر الاحب أحمد في الورىمحمد المحمود طه المبجل
جزى الله عنا البدر ما هو أهلهأنار الهدى لما بدا غير مؤتل
له معجزات باهرات اجلهانزول كتاب الله من خير منزل
ومنها انشقاق البدر نصفين والظباله ناطقات أنه خير مرسل
وفي كفه صم الحصى سبحت وإذروى الجيش منها أعلنوا بالتهلل
وأن إليه الجذع أنا كهيكلنأت روحه عنه فلم يتحمل
وقد ظللته حيث سار غمامةتقيه هجيرا يا له من مدلل
دعاه وأدناه لحضرة قدسهإله قديم واحد لم يمثل
وناداه يا مختار شرف بساطنابنعليك خل الخلق عنك بمعزل
وسل تعط واشفع أنت خير مشفعوشاهد جمالي يا حبيبي واجتلي
وعاد عريض العرض يطلب مكةوجيه ويلقى الناس في وجه مقبل
لقد فاز رامي في مديح محمدكريم السجايا فاق كل مفضل
عليه صلاة الله ثم سلامهمدى الدهر ما راق المديح وما تلي
كذا الآل والأصحاب والتابعين ماصبوت إليهم ثم زاد توسلي
قوله «وسل تعط واشفع أنت خير مشفع» هو من قبل تضمين زين الدين ابن الوردي وهو:
سل تعط واشفع تشفع ما ترده يكنلو شئت لا تنقل الأضحى إلى صفر
والشيخ زين الدين تطارح مع أبي العلاء المعري في قصيدته الرائية، وضمن أعجازها وبعض صدورها، ونقلها إلى مدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولكونها في باب هذا المديح تعين أن نذكر من قصيدة المعري ما وقع عليه التضمين فقط، والأبيات المضمنة، تبركا بمدحه صلى الله تعالي عليه وسلم.
فمطلع قصيدة المعري قوله:
يا ساهر الطرف أيقظ راقد السمرلعل بالجزع أعوانا على السهر
ومنها في مخاطبة البرق:
وأن بخلت عن الأحياء كلهمفاسق المواطر حيا من بني مطر
يود أن ظلام الليل دام لهوزيد فيه سواد القلب والبصر
لو اختصرتم من الإحسان زرتكموالعذب يهجر للإفراط في الخصر
قلدت كل مهاة عقد غانيةوفزت بالشكر في الآرام والعفر
أقول والوحش ترميني بأعينهاوالطير تعجب مني كيف لم أطر
في بلدة مثل ظهر الظبي بت بهاكأنني فوق روق الظبي من حذر
لا تطو بالسر عني يوم نائبةفإن ذلك ذنب غير مغتفر
يا روع الله سوطى كم أروع بهفؤاد وجناء مثل الطائر الحذر
باهت بمهرة عدنانا فقلت لهالولا الفصيصي كان المجد في مضر
وافقتهم في اختلاف من زمانكموالبدر في الوهن مثل البدر في السحر
أعاذ مجدك عبد الله خالقهمن أعين الشهب لا من أعين البشر
سافرت عنا فظل الناس كلهميراقبون أياب العيد من سفر
لو غبت شهرك موصول بتابعهوأبت لانتقل الأضحى إلى صفر
ولا تزال بك الأيام ممتعةبالآل والحال والعلياء والعمر
قال الشيخ زين الدين ابن الوردي:
أدر أحاديث سلع والحمى أدروالهج بذكر الحمى والبانة العطر
وقف على الجزع واذكرني لساهره«لعل بالجزع أعوانا على السهر»
إذا تبسم ليلا قل لساهره«يا ساهر البرق أيقظ راقد السمر»
ويا سحائب أغنى عنك نائله«فاسق المواطر حيا من بني مضر
تشرف الركن مذ قبلت أسوده«وزيد فيه سواد القلب والبصر»
عذبت وردا فلم تهجر على خصر«والعذب يهجر للإفراط في الخصر
أن الغزالة لما أن شغفت تجب«وفزت بالشكر في الآرام والعفر»
ضمنت مدح رسول الله مبتهجا«والطير تعجب مني كيف لم أطر
ولي ذنوب متى أذكر سوالفها«كأنني فوق روق الظبي من خور
ولي فؤاد متى يفخر سوى مضر«فؤاد وجناء مثل الطائر الحذر»
والله لو أن أهل الأرض قاطبة«مثل الفصيصي كان المجد في مضر
وأين شعري من الهادي الذي نزلت«في وصفه معجز الآيات والسور»
وأنت في القبر حي ما اعتراك بلى«والبدر في الوهن مثل البدر في السحر
لله قولي لعبد الله والدهقولا إلى قص علياه على قدري
«أعاذ مجدك عبد الله خالقهمن أعين الشهب لا من أعين البشر
وارتجي منك من ذي العرش عافية«بالآل والحال والعلياء والعمر»
ولصاحب الترجمة في المديح من المجانسات الأواخر:
لا أوحش الله مناظرائفا ولطائف
وبيت شعر مشيدأني عليه لطائف
وأغيد ذا دلاليسبي النهى بالسوالف
وعود أيام أنسسقيا لتلك السوالف
وروضة دام فيها الهزار بالغصن واقف
وخادما قام وقفالخدمة النفس واقف
وراحتي وهو طوعاعن شربها لا مخالف
انعام أنغام صوتيصباه غير مخالف
وطيب عيش ومغنىقراه مأوى وظائف
فقد جرى لي دوامامن الوزير وظائف
ورب شعر لطيفقد قلته وهو عارف
بمدحه حسدونيعليه أهل المعارف
أخرت من سوء حظيوالغير كالبرق خاطف
يأتي بأدنى مقالوللجوائز خاطف
أبا مراد وكنز البلاد صدر المواقف
ركن السداد بيوم الجلاد خير المواقف
ما زلت للمجد شارعلى ذرى السعد شارف
فكم أخي البغي عاصريح الشقا منه عاصف
بالسيف لم تبق تالمن ذكره غير تالف
لديك ذو السلم راجومنك ذو الحرب راجف
جيد الوزارة حالبعزكم فهو حالف
والله ذو العرش عاطوغصن نعماك عاطف
فبرق زندك واروسحب كفك وارف
رام أتى لك ساعيا آصف الدهر ساعف
لا زلت للمجد كاسشمس الظهيرة كاسف
ولما انفتح لنا في هذا الجناس باب فلنذكر بعض ما ورد فيه من أشعار السلف. فمن عبث فيه الأديب الصرصري:
شدا هاتف بالغضا غردافأحدث لي طربا أن شدا
فرنح عطفي كأني سمعتفصيحا بأرجائه أنشدا
وأني لتملكني لوعةإذا حث حادي السرى أوحدا
غراما بمن فاق بدر التماموأصبح في حسنه أوحدا
ولولاه لم ترني والهاأهيم به متهما منجدا
سألت فؤادي عونا عليهفألفيت قلبي له منجدا
سأقتحم الهول في حبهلقيت نعيما به أو ردى
يحوم على العذب من وردهفؤادي حلا به اذ اوردا
أسامر في حبه الفرقدينوأرعاهما فرقداً فرقدا
وتعطفني نحوه حنةكعطف المهاة تلت فرقدا
سألتك حادي ركب الحجازبمن لكم نحوه أوفدا
وكم من ملب حرام مضىعلى عقد إحرامه أو فدى
ومن شهد الموقف المرتضىومد إلى الله فيه يدا
ليتخذن بإبلاغهرسائل شوقي عندي يدا
وقال الصرصري فيه أيضا:
لو جاب في عرض الفلاة فطارالقضى بوادى المنحني أوطارا
صب شجا رند الحجاز فؤادهعكف الحمام بفرعه أوطارا
وإذا بدا بدر كأن وميضههندية هزت لتدرك ثارا
أذكى تألقه وسرعة خفوهحرق الغرام بقلبه والنارا
هل ترجعن لي الليالي بالحمىفتحط عني عودها أوزارا
أيام لا أخشى وقد أنعمتمبالوصل صد خيالكم أو زارا
يا حادي البكرات غادرها السرىكقسي نبل لازمت أوتارا
تهوي هويا في الفلاة كأنهاتبغي لشدة حثها أوتارا
حملت رجالا اكرمين أعزةطلبوا العلى فتجشموا أوعارا
يتجلببون من الثناء أغضهويجانبون دنية أو عارا
من كل صادق استجار الله فيطلب البواقي الصالحات فخارا
يطوي الفيافي لا يني في سيرهلينال بالصبر الجميل فخارا
ماضي العزائم مذ توجه قلبهنحو المآثر والنهى ما حارا
منحته للرشد المبين عنايةمنذ استضاء بنورها ما حارا
عدل التعصب والرضى قصد الغنىوالفقر عن سبل الهدى ما جارا
يسعى ليدرك ثروة ومهابةيمحو بها بؤسا ويمنع جارا
علقت بحبل المكرمات يمينهفأجاد محكم فتله وأغارا
شهم يغار على الحريم وأن رأىجيشا يبارز بالضلال أغارا
ابشر فقد أضحت مطيك ترتميبإبر من للضيف أوقد نارا
جبلت على بذل النوال أكفهموسموا فطابوا محتدى ومنارا
وأجاد الصرصري أيضا:
سقى ربع أرض الحمى وابلإذا حل في جوها أمرعا
فثم لنا بين اكنافهحبيب أأهملنا أم رعى
وحيا بساحة وادي العقيقجنابا خصيب الربا أوسعا
نعمنا به زمنا لم نبلبمن هم كاد بنا أو سعى
فلله من سربه مودعكساه الجلالة من أودعا
هناك المآرب مقضيةلمن رامها صامتا أو دعا
فهل لي إلى ربعه عودةأجوب الفلا أجرعاً أجرعا
فأجرع من مائه جرعةرواء ومن لي بأن أجرعا
مواطن تجبر كسر القلوبوترفع ذا خفية أوضعا
فطوبى لمن نص في قصدها الركائب أو نحوها اوضعا
وللأديب حسين بن سالم الفارقي في الجناس، وكلها أي قوافي القصيدة من جناس واحد. وقد أبدع فيها:
بانت فما كحل الكرىلي بعد وشك البين عينا
فحكت مدامعها الغزار من الغيوم الغر عينا
من كل واضحة الترائب سهلة الخدين عينا
عين الحبيب ووجههاكالشمس حين تراه عينا
أصبحت من حبي لهاعبدا أضام وكنت عينا
لا حركت ركب الركائب إذ بهن سرين عينا
كاد الحسود على الوصال فلا رعى لله عينا
كم مرة قد عاينتعيناي ما أبداه عينا
ومصاحب ضيعت فيعمل له للغين عينا
لهفي وقد أبصرت فيميزان ذاك الود عينا
العين الأولى: الحدقة، والثانية: مطر أيام لا ينقطع. والثالثة:
واسعة العين، والرابعة: الشمس، والخامسة: من الأعيان، والسادسة عين الركبة، والسابعة: الجاموس، والثامنة: المعاينة، والتاسعة:
بمعنى العين المهملة، والعاشرة: وجود الشيء، أو المعنى في بطن الشاعر، والله أعلم.
ولصاحب الترجمة في المديح:
هنيت في منصب ما فيه من نصبحييت في رتب تعلو على رتب
وساعد السعد بالإقبال ساعدكمفي ذروة المجد بين العجم والعرب
إن الوزارة عادات لكم أبداأصلا وفرعا رعاه الله من نسب
حيث المعالي قد جاءتك خاطبةوالخاطبون لها بالجد والطلب
فالأمر قد جاء محمودا بحكمك ياأمينه ولك التقريض بالكتب
خفضت كل سفيه كان مرتفعاوالحال ذو العرض منصوبا بلا نصب
أنقذت موصلنا من كل مهلكةوقال كل سفيه آه وا حربى
رايات نصرك بالإقبال خافقةوسيف عزمك يفري هامة الريب
قيل يقيل عثار المستجير بهويحتمي بحمى الإقبال ذو النوب
الواهب الأرب ابن الواهب الأرب ابن الواهب الأرب ابن الواهب الأرب
فرد تباهت بنو عبد الجليل بهإذ جامع لكمال العلم والأدب
نجل الوزير حسين الخير من حسنتبه المدائح في الأشعار والخطب
أبو سليمان مولانا محمد منبه الزمان تهنا وانجلت كربي
تاج الوقار ومنهاج الفخار ومعراج المنار سراج بالكمال حبي
كم كفه وكفت جودا نعم وكفتعفاتنا وأظلتنا من العطب
ذو العزم والحزم والرأي السديد وذو البطش الشديد وذو الرايات والحسب
كالليث والغيث في يومي ردى وندىإذا سطا وعطا بالسيف والنشب
هذا وبالبشر يلقى من يؤملهومن تواضعه يدنو لمقترب
لا زال في أوج يرج المجد مرتقياوآصف الدهر يرعى كل منتسب
وله قصيدة في المديح:
سريت إلى سنجار كالبدر حولهنجوم غزاة للطغاة تكافح
وجئتهم والكفر قد مد ظلهوعسعس حتى لا تفيد النصائح
فكم مسلم من قبل سبعين حجةبدا دمه من سيفهم وهو سافح
وقد حاربت آل النبي أصولهمبقتل حسين الفرد والبغض واضح
ومنها:
ففرت إلى سنجار من قسور الورىفكانوا طيورا والهزبر الجوارح
فلم يغنهم حصن وغاروا بغارهمومذ أخذوا ناحت عليهم نوائح
وحنت رقاق البيض نحو نحورهموخضت بحار الحرب والدم طافح
قتلت وآسرت الرجال وأهلهموأموالهم في نهبها الشهم رابح
شياطين أصحاب الشمال تمردتفجاء سليمان فما ثم ناجح
وأضرمت نيران الخطوب عليهمفهم في سموم للجوانح لافح
ومن شعره في المديح أيضا:
سرى ولثام الليل قد جلل الفجراخيال تخطى البيض والأسل والسمرا
ألم ومن دون المحب فراسخفأعقب مرات مدى دهره سكرا
لحى الله أرباب الغرام فإنهمإذا رقدوا صارت حبائبهم فكرا
هم النفر اللائي أباح دماءهمحسام الهوى العذري فأوسعهم عذرا
وقائلة لم لا تشنف مسمعيفعهدي بنظم يزدرى الزهر والدرا
فقلت لها لا تعتبي حالة الهوىفقد قرح الأحشاء من كبد حرى
فقلت وهل بعد الكهولة مطلبسوى مبتغى الرضوان أو طلب الأخرى
فقلت وهل قبل الصبوة مشربسوى ماء دمع سال فاستغرق العمرا
موانع صرف الدهر مذ اهرقت دمادموعي لم تورث فؤادي سوى كسرا
سعينا به نبغي الكفاف لحالنافلم نلق إلا معتبا ويدا صفرا
هو الدهر أعطى الحالتين لأهلهفذو الجد محروم وذو راحة أثرى
دجى الليل بلواه فأعقب غمةإلى أن أرانا فجره الآية الكبرى
أتى بحليف الجود معتذرا بهفيا حبذا جودا ويا حبذا عذرا
أبى لسليم مذ رقي ذروة الندىتصاغر قطر السحب إذ كفه أجرى
وأن الأيادي بالأيادي تفجرتوقد ظللت من يطلب الرفد والجبرا
فما الغيث أن أعطى وما الليث أن سطاوما الحرب ان غازى وما السيف ان برى
وزير له الرايات والرأي شفعهاوكم سيد كانت محامده وترا
تسامى على إذ حاز خير وزارةفلم تر إلا عدله في الورى مهرا
فآصف هذا العصر حكما وحكمةلذات بني عثمان شدت به أزرا
مليك ببرج الأنبياء له الولاومن نال برج الأنبياء له البشرى
محا وحمى بالسيف والعزم في الورىفسيف محا الباغي وعزم حمى البرا
فكم من أديب جاء بالشعر قاصداذرى برج جدواه فبلغه الشعرى
يرى العلم والآداب خير بضائعفقيمتها تغلى فتولي له الشكرا
تعالى بنو عبد الجليل بمجدهوكم معشر بالفرد منهم علوا فخرا
فقالوا شديد بأسه قلت في العداوقالوا حليم قلت يستعبد الحرا
أبو العلم الفرد المفدى مرادهونعم أمين السعد للدولة الغرا
فديتك خذها من مصاغ قريحتيلرأس العلى تاجا تشيد لك الذكرا
فلا زلت في الدنيا مشيدا لأمة النبي عماد الدين تعلى له قدرا
قوله: فقالوا شديد بأسه البيت، فيه رائحة من قول الأرجاني لكن قول الأرجاني الطف وابلغ وهو:
ومن عجب أن يعبد الدهر معشروقد أبصروا المولى الذي استعبد الدهرا
أظلت بني الدنيا سماء علائهواطلع من أخلاقه انجما زهرا
وهذه الأبيات من قصيدة حذا صاحب الترجمة حذوها في ذكر الخيال ومطلعها:
خيالك من قبل الكرى طاربى ذكراففيم التزامي للكرى مرة أخرى
غدا شخصكم في العين مني قائمافمن نمة الواشي بكم أخذ الحذرا
فو الله ما ضمي الجفون لرقدةولكن لالقى منه دونكم سترا
ومن لي بكتمان الذي بي من الهوىومن تهدم الأعداء أن رمت أن أبرا
وتسهر في سحر المقنع مقلتيفتطلع لي بالليل من طيفكم بدرا
فما رائعي والليل يقضي ذماءهمن الصبح إلا نفثة تبطل السحرا
ولله من عليا عقيل عقيلةإذا رحلت كان الفؤاد لها خدرا
حكى ثغرها عقدا فان اخصر الندىقلائدها صبحا حكى عقدها ثغرا
وفنانة صاغت سلاسل صدغهاقيودا على اجياد عشاقها الأسرى
ولصاحب الترجمة في مدح شقيقي محمد العمري ﵀:
في ورد خديك وآس العذارقد طاب لي يا حب خلع العذار
وكان لي قلب وقد ضاع إذضاع شذا خالك في الجلنار
يا مخجل البان بقد لقدبان اصطباري فيك والوجد ثار
وقد جرى دمعي مما جرىعلي في حبك والعقل حار
يا مفردا جامع شمل البهاالشعر ليل والمحيا نهار
والجفن مكحول روى أننيقد قلت فيه فالحذار الحذار
واللحظ والحاجب ثم اللمىنبل وقوس وشراب عقار
أتى في هذا البيت باللف والنشر بين ثلاثة ونظيره ومثله قول حمدة الأندلسية:
ولما أبى الواشون إلا فراقناوما لهم عندي وعندك من ثأر
غزوتهم من مقلتيك وأدمعيومن نفسي بالسيف والسيل والنار
ومثله لابن حيوس:
ومقرطق يغني النديم بوجههعن كأسه الملأى وعن إبريقه
فعل المدام ولونها ومذاقهافي مقلتيه ووجنتيه وريقه
ومثله قول ابن الرومي:
آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفي الحادثات إذا دجون نجوم
فيها معالم للهدى ومصابحتجلو الدجى والاخريات رجوم
ومثله من أربعة قول بعضهم:
ثغر وخد ونهد واحمرار يدكالطلع والورد والرمان والبلح
ومثله قول ابن العفيف:
رأى جسدي والدمع والقلب والحشافأضنى وأفنى واستمال وتيما
ومثله قول ابن حجة:
من محياه والدلال ومسك الخال والثغر يا شيوخ البديع
انظروا في التكميل واللف والنشر وحسن الختام والترصيع
وللشيخ شهاب الدين بين خمسة:
ملك يجيء بخمسة من خمسةلقي الحسود بها فمات لما به
من وجهه ورقاده وجوادهوحسامه بيديه يوم ضرابه
قمر على رضوى تسير به الصباوالبرق يلمع من خلال سحابه
ولشمس الدين ابن جابر الأندلسي بين ستة:
إن شئت ظبيا أو هلالا أو دماأو زهر غصن في الكثيب الأملد
فللحظها ولوجهها ولشعرهاولخدها والقد والردف أقصد
وقد جمع قاضي القضاة نجم الدين عبد الرحيم ابن البارزي بين سبعة:
يقطع بالسكين بطيخة ضحىعلى طبق في مجلس لأصاحبه
كبدر ببرق قد شمسا أهلةلدى هالة في الأفق بين كواكبه
وجمع الشيخ علاء الدين الحموي بين ثمانية وثمانية:
خدود وأصداغ وقد ومقلةوثغر وأرياق ولحن ومعرب
كورد وسوسان وبان ونرجسوكأس وجريال وجنك ومطرب
ومثله لي بين تسعة وتسعة:
شعر وثغر شفاه أعين حدقريق وخد عذار ثم أجفان
زهر رحيق عقيق نرجس وسنشهد وورد وقل آس وريحان
وجمع بعضهم بين عشرة بقوله:
شعر جبين محيا معطف كفلصدغ فم وجنات ناظر ثغر
ليل صباح هلال بانة ونقاآس أقاح شقيق نرجس درر
عطف على الأبيات المترجمة:
والخال فوق الخد قد عمهحسن إذا شاهده البدر غار
وعاذلي العواء لما رأىبدري المفدى زاد بالاعتذار
فأي بال غير بال بهواللحظ فتاك حكى ذا الفقار
أفديه ذا جيد وذا لفتةقد صير الغزلان تأوي القفار
قلت حبيبي كف كف النوىعني فما لي في هواك اصطبار
فقال قاسي القلب قاس الهوىولم يكن لكسر قلبي انجبار
ولم أجد لي من ملاذ سوىمحمد بهجة أوج الفخار
الماجد المنجد سامي القرىحامي الورى ممن لجا واستجار
إن جاد ما الغيث وان جال ما الليث وأن حل يحل الوقار
مولاي كنز العلم كشافهحاوي الفتوحات سني المنار
لا عيب فيه غير بذل الندىفيا أخا الفقر إليه البدار
في الجود ما معن وما حاتموالبأس ما عنتر ما ذو الخمار
تكاملت أوصاف أخلاقهفذكره فاح وفاق العرار
من آل فاروق سما محتدافطيب الأصل يسود افتخار
لا زال ممدود الأيادي وفي اليمين يمن واليسار اليسار
وله في مليح استدار عذاره فحلقه:
بأبي قد ابن عشر ألفوبما تهوى الورى قد ألفوا
حرم الحسن وفي كعبتهكان لاه وأنا المعتكف
فأتوا فيه إلى ذي أدبفي حماه فحماه المصحف
احسن الله له رزقا وفيقسمة الفضل يبان الشرف
حسن الاسم وينسر إذاصرفوه وهو لا ينصرف
ثم في إحدى وعشر جد فيعرم ما اعترفوا واغترفوا
بدر تم بالدجى متزركادت الأبصار منه تخطف
تذكرت بهذين البيتين قول بعض الأدباء في مليح يسبح في الماء:
قد شق قلبي حين شق سباحةفي اليم بدر جل عن تشبيه
فكأنما البحر العجاج سماؤهوكأنه الشمس المنيرة فيه
ومن محاسن الشواء في مليح يعوم في الماء وحوله مماليك صغار:
قد راح يسبح وهو عاريبين المماليك الصغار
فكأنه بدر السماءوحوله زهر الدراري
وفيه للسراج الوراق:
ورأيته في الماء يسبح مرةوالشعر قد رفت عليه ظلاله
فظننت أن البدر قابل وجههوجه الغدير فلاح فيه خياله
وفيه لابن الغرس:
يا حسن عوام كغصن النقايبخل بالوصل لمن هاما
ويقنع العشاق منه بأنيريهم الأرداف أنعاما
وقال ابن سناء الملك في مليح ينظر في نهر:
يا ناظرا في النهر وهـوبشطه يتنزه
النهر كم ازرقوخيال وجهك طرزه
وبالمناسبة فيحسن ذكر قول ابن الوردي في مليح دخل الحمام وذر علي بدنه سدر:
وكأنه غرقان في حمامهوالسدر يزهو فوق ابيض أحمر
صنم من الكافور قلد لؤلؤارطبا والبس ثوب لاذ أخضر
وما ألطف قوله أيضا:
خشيت على حبيب القلب لماأتى حمامه ونضا الثيابا
نهار وجهه والجسم زبدإذا طلعت عليه الشمس ذابا
وفيه لبعضهم:
أبصرت في الحمام من لم يكنيدركه وصفي وأشعاري
رأيته والماء يجري علىجامد ماء ليس بالجاري
وظل طرفي منه في جنةوظل قلبي منه في نار
عابه بعض الأدباء فقال:
أقول شبه لنا جسم الرشا فرقايا مدعي الشعر في وصف وأنباء
فراح يفكر فيما قلته زمناوشبه الماء بعد الجهد بالماء
وما احسن قول ابن عربي في هذا الباب:
عاينت في الحمام بدرا مشرقايرنو بمقلة شادن مذعور
يرخى ذوائبه على أعطافهفيريك ظلا لاح فوق غدير
ومن محاسن الشواء في ملاح دخلوا الحمام وشدوا في أوساطهم فوط مآزر:
شدوا المآزر فوق كثبان النقابانامل حلوا بها عقد التقى
فتجردوا فرأيت غصنا عاريانشروا ذوائبهم عليه فأورقا
وقال فيهم ابن نباتة مضمنا:
تأملت في الحمام تحت مآزرروادف غيد ما سناها بغائب
كأني من هذا وهاتيك ناظر«بياض العطايا في سواد المطالب»
أخذه الصفدي فقال:
تبدي حبيبي في السواد فراقنيوما راعني لما أتى بالعجائب
وشبهت ذاك الجيد في طوق برده«بياض العطايا في سواد المطالب»
تتمة القصيدة المترجمة:
ثم في اثنين وعشر سرهصنعة الرمي وقلب يلهف
قلت ما يغنيك سهم اللحظ والحاجب القوس وقلبي الهدف
ثم في ثالث عشر ركب الخيل ذات العرف مما تعرف
قال أن الخيل عز وكذاظهرها حرز كذاك المرهف
ثم عمر البدر لكن حججاثم حاشا يعتريه كلف
وتولى مهجتي ثم انثنىوتولى وعيوني تذرف
فرماه الله في قيد الهوىوالفتى يجزي بما يتصف
فتعاطى الشعر حتى أنهفهو در وسواه الصدف
ثم في خمس وعشر بلغ الحلم اذ تم الحجى والشرف
زارني مع بدره في ليلةلا تسل أني أنا المنتصف
ثم في ست وعشر عارض العارض الخد ألا فاعترفوا
حيث زان الطور موسى أرخواحول ورد الخد آس يقطف
وللأديب أبي بكر التلمساني في هذا النمط:
رشأ في الخد منه روضةما جناها دانيا للمهتصر
طلع الآس مع الورد بهافهوى يعزب صبر المصطبر
جال ماء الحسن فيها والصبافالتقى الماء على أمر قدر
مر بالموسى على عارضهفكأن الآس بالماء غمر
مجمع البحرين أمسى خدهإذ تلاقى فيه موسى والخضر
وأجاد من قال مقتبسا في تزيين الرأس:
تجرد للحمام عن قشر لؤلؤوصار له ثوب الملاحة ملبوسا
وقد جرد الموسى لتزيين رأسهفقلت لقد أوتيت سؤلك يا موسى
وقد أحسن الوزير المغربي بقوله:
حلقوا رأسه ليكسوه قبحاغيرة منهم عليه وشحا
كان صبحا عليه ليل بهيمفمحوا ليله وأبقوه صبحا
وفيه لبعضهم:
وبمهجتي ريان من ماء الصباروض الشقيق بوجنتيه ينبت
قطعت ذوائب شعره فجمالهباق وشمل الصبر عنه مشتت
محيت غياهبه وأسفر صبحهوالله يمحو ما يشاء ويثبت
وكأنه أخذ صاحب الترجمة طريقة ابن خفاجة الأندلسي ومشى عليها حيث قال في صغير في المكتب. وهي:
لله أي قمير حسن شاقنيومدارس التعليم من هالاته
عثرت بخدي عبرتي في عتبهفتعثرت أقلامه بدواته
وسألته بحياته تقبيلةفأبى علي وقال لا وحياته
ودرى بمرتع حبه من صبهفخطا يبين الكبر في خطواته
وتناول المرآة ينظر وجههفلثمت موضع فيه من مرآته
فرمى بمصحفه هناك ولوحهوغدا ليشكوني إلى داياته
فنفثن في عطفيه تعويذا لهولقطن رطب الدر من عبراته
ورقينه في العشر من سنواتهبالله أو بالعشر من كلماته
ومن مقاطيع صاحب الترجمة قوله:
في روضة الروح والريحان در راحيصاح وغن على أقداح أفراحي
صبا حزين نوى نجد وهيج للحجاز عشاق من قد خالفوا اللاحي
وهو قريب من قول ابن جابر الأندلسي:
يا أيها الحادي اسقني كأس السرىنحو الحبيب ومهجتي للساقي
حي العراق على النوى واحمل إلىأهل الحجاز رسائل العشاق
وقريب منه قول الذهبي:
وبمهجتي المتحملون عشيةوالركب بين تلازم وعناق
وحداتهم أخذت حجازا بعد ماغنت وراء الركب في العشاق
ولصاحب الترجمة:
زهر الربيع وخد منأنا في هواه رقيقه
لا فرق بينهما أرىفشقيق ذاك شقيقه
وقال أيضا:
قل للحبيب محبفي الحب نال مناه
قد كان مضني ولكنلثم الشفاه شفاه
معنى هذين البيتين الأخيرين ينظر إلى قول ابن حجر العسقلاني:
سألوا عن عاشق فيقمر باد سناه
أسقمته مقلتاهقلت لا بل شفتاه
والأول إلى قول ابن نباتة:
يا حبذا خد الحبيبوقد أضاء شريقه
أن لم يكن في الحسن نفس الروض فهو شقيقه
ولصاحب الترجمة:
تدال على العشاق لا عند والدفما تعرف الأصداف ما قيمة الدر
وصهباء ما بين الندامى عزيزةولم تدر أيك الكرم ما قيمة الخمر
وقال أيضا:
أبي حبيبي أن يزرني ضحىفضلا ولكن خاف كيد الرقيب
فقلت زرني في الدجى منيتيفإنما الليل نهار الأريب
وقال معربا من الفارسية، ومثله في العربية كثير:
لا تحقرن فتى أخلاقه خلقتواستجل عنوان خافية من الكلم
وجرد السيف لا تعبأ بحليتهبجوهر الحد تغلو القضب بالقيم
وقال أيضا:
قالوا تركت الشعر من حسنهقلت نعم لو كان كالدر
شعيرنا ينوب عن شعرناوبرنا يلهي عن البر
وله أيضا:
قلت لما بدت حبيبة قلبيوهي تبدى بنظمها بالفنون
باعني قومك بابخس بيعانما انت ابنة الباعوني
وله مخمسا:
كان صبري والشوق ميتا وحياحيث سهدي وافى جفوني وحيا
أن تسل عن صبابتي يا أخياأهل ودي نأوا مكانا قصيا
صرت للحزن وارثا ووصيااظهر الحب في ما كان مخفي
وبدا في الأنام حالي ووصفيهام قلبي وجدا على رغم انفي
كلما قلت للمدامع كفىفتقول الجفون للدمع هيا
سلبوني أحبتي وسلونيحيث قد أثبتوا الجفا ونفوني
آه من لي كأس الصدود سقونييا جفوني فابكوا على من جفوني
تركوا بالغرام قلبي شقياودعوني وباللقا أو عدوني
طالما بالوصال قد عودونيكلموني من بعد ما كلموني
ونسوني من بعد ما آنسونيليتني قبل نسيهم منسيا
أيها الحاسدون بالغيظ قيلوالا يهم المحب قال وقيل
أن هم قصروا بنا أو يطيلواكذب الحاسدون فيما يقولو
ن بظلم فسوف يلقون غياكيف أسلو الهوى وقد جد وجدي
بعد بعد ولن أفوه بدعدأنتم السؤل أنتم جل قصدي
فاسألوا العاشقين عن حفظ وديلم أكن للغرام قط نسيا
ذكركم بالجنان والنطق يمليوامتداحي لكم حديثي وشغلي
أيروم السلو من كان مثليلا وحق الهوى وساعة وصل
وليالي مضين يطوين طيا
كل من في الورى ارى لم يزنكموأنا الواثق الذي لم أخنكم
قسما بالذي رأيناه منكمما نقضت العهود لا ملت عنكم
أهل ودي ولا أكون بغيا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع