من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
ابراهيم سراج ولي
ابراهيم سراج ولي زاده، الذي لبس شعار الأدب واعتاده.
هذا الكامل أرخص الادب في سوقه، وأظهر آثار الصلاح في غرره وفروقه.
حتى قال فم القلم، ولقد آتينا إبراهيم رشده، ولم نجعل لأحد من أرباب الكمال قسمة بعده، حلى بكمال الجيد جيد الزمن الآخر، وحلى بشهد تقريره شفاه المكارم والمآثر. دخل نار الأدب وهي تشتعل ضراما، فنادى لسان البيان يا نار كوني بردا وسلاما. جعل تماثيل الآداب السالفة جذاذا، وأظهر الغريب
من مخترعاته حتى غدا لذوي الألباب ذخرا ولأرباب الآداب ملاذا. فعطر الآفاق بضوع نشره، ونور الأحداق بضوء بشره.
فكان جنابه بالذات ألم نشرح، في كل ما كان يجمل من صحف البيان ويشرح
رفع تيجان البلاغة بسعيه المشكور على هامه، وفسر مشروح البيان بفعله المبرور وبمعجز ابهامه. سير قوا في النظم إلى أرباب الكمال وجهز، وأسهب في معالم النظم لذوي المعالي وأوجز.
فهو من الذين يسمع الدهر إذ يقول، ويشار إليه بالأصابع بين الفضلاء والفحول. وهو الذي ترجع إليه بنو الآداب بأنسابها، وتنسق على عقود فضله وأدبه عقد عدها وحسابها. فكم أثر خلد وكم ذكر أبد، ومعاهد جدد، ومباني وحد، وفرائد افرد، فكان كالقمر إذا بدر، والفجر إذا انتشر، والقطر إذا قطر، والبحر إذا زخر. والسحاب إذا انساب، والهلال إذا آب، وكم مكارم أزهر، ومواسم أبهر، وفرائد نور أو محامد أثمر. ورياض عمر، وحياض غمر. وكم قضى بالأدب عمرا بعد عمر، وقضى بالفضائل دهرا بعد دهر، فانمحت آحاده في تلك العشرة فكل منهل من الآداب ورده، وكل حديث في الكمال سلسله واسنده.
فتى كالثريا في المعالي وفي النهىهو الشمس في وقت الضحى إذ تجلت
ولما سد ثغور الأدب، وانتهت اليه الرئاسة في العرب، أحلق
الجديد أن ثوبه القشيب، وذوي عمره الزاهر الرطيب. عامله الله بما يرضيه، ومنحه من فضله بكل ما يقتضيه.
كان ﵀ ينسر بالكمال وذويه، ويميل إلى الجمال ومن يحويه. ملازما لهذا الحال. ممتثلا لقوله أن الله جميل يحب الجمال.
وحشي لم يألف لأحد، ولم يذق طعم الغبطة والحسد. وهو بالتقى معروف، وبالزهد والصلاح موصوف. أمة بكتب القوم، لم يصغ في ذلك إلى العتب واللوم. وللقرابة بيننا كان يأتينا، ولمعالم ادبه يهدينا. وكان ينسر بحديثي وكلامي. وأنا إذ ذاك شاب لم ابلغ من الأدب إلى مرامي.
وكان كثيرا ما يتعاطى علم الغزل والمعمى وهو فيهم الواحد الذي عن غيره أصم أو أعمى.
وله في الأدب فصول، تعيي الفحول، وتذهل العقول، وقد أثبت منه ما هو الشهد. والسكر المكرر والقند. فمن قريضه، وطويل نظمه وعريضه، قوله:
يا قلب كرر مدح ذي النعماءبحر النوال ومفخر الكرماء
فحل الرجال ومعدن الافضال والمأمول للآمال والآلاء
لو كان حيا حاتم لسعى إلىهذا الجناب كأفقر الفقراء
سعد السعود الباذل الموجود والمقصود في السراء والضراء
أسد الأسود موصل المكمود للمقصود والمعدود في الفضلاء
ذو الجاه سعد الله مولانا ومنهو من عطاء الله للضعفاء
ما خاب قط مؤمل جدواه منأحد من القرباء والغرباء
لا يستطيع الحصر مداح لهمهما أرادوا المدح باستقصاء
يا رب طول عمره في صحةوسعادة وكرامة وعلاء
يا ربنا أسعده في الدنيا وفي العقبى ويوم الحشر والبأساء
بمحمد المختار طه الهاشميفخر الوجود وأسعد السعداء
صل وسلم ربنا أبدا علىهذا النبي وأشرف الشرفاء
وله من أخرى:
وحبذا ذلك القمري حين صباقلبي إليه وقد غنى مقام صبا
طاب المقام وقد هاج الغرام إلىالقوم الكرام وكم نلنا به رتبا
وفيهم قمر لو شام طلعته الغراء يوسف حسن عقله سلبا
أن بان للبأس فالآساد في هربوأن بدا لعطاء أخجل السحبا
ولست مقتدرا حصرا له أبداأنى وقد أعجز المداح والأدبا
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع