تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

محمد العبدلي

شيخنا صاحب الفضل الجلي، محمد العبدلي.

علامة الأدباء، وواحد الأطباء، ساحر البيان، وناثر عقود الجمان.

هو الكامل الفرد الذي في ظلالهتكف صروف المشكلات وتصرف

الفريد المغوار، الوحيد المقدار، والسحاب المتقاطر الزخار.

شرف عنوان الأدب، إحسان مملكة العرب، دهمة الزمان، الراجح في ميزان الامتحان. قلائد الأعناق، محاسن الأحداق، هلال الأدب في جميع الآفاق، الشامخ العلم، والراسخ القدم. صاحب الإعجاز، والإطناب والإيجاز.

دعا دعوة فوق الصفا فأجابهقطوف من الفج العميق وراسم
للشاعر ابن السيد البطليوسي، اقرأ القصيدة

فهو المجد الأسنى، وحسنة الدهر الحسنى، ذو الفطنة والنباهة، والمعجز البليغ في البداهة. جامع الفضائل، غرة وجوه الأماثل ابن سينا زمانه، وداود عصره وأوانه. لو أبصره صاحب إشارات الشفا لأقسم بالنبي الهاشمي المصطفى، أنه العقد الانضد، والفريد الأوحد، وبدر سماء السها والفرقد. الذي لم ينتج الدهر بمثله من أديب، وأنه الآخذ من المعالي بكل نصيب. له بكل مقام مقال، وبكل جيد عقود ولآل.

ولو أني أنثر ما يستحقنثرت عليه عقود الفلك

له رسائل بكل فن، فاق فيها أبناء العصر والزمن. رحمه الله تعالى، كم من يد له علينا، وكم مزنة من سحاب فضله هطلت علينا. كان يحبني الحب الشديد، ويوادني بما لا عليه مزيد وكنت كثير الأمراض، ولم أخل من تداخل الأعراض. وكان يلازمني أتم الملازمة، ويعالجني بالمفاكهة والمنادمة. فيبرئ أمراضي بأنفاسه العيسوية، ويقذفني من بحر الأمراض بآياته الموسوية.

جزاه الله عنا وكافاه، وغمره بسيول رحمته ووافاه.

وكان آية الشعر، ومعجزة ببداهة النظم والنثر. بديهة آخر البلاغة، وكلامه أجمل أنواع الأدب مع أكمل صياغة. وقد اثبت من شعره، ما يدلك على علو قدره.

فمن نظمه ما أهداه للوالد طاب ثراهما لما عاد إليه الإفتاء.

وهي قصيدة طنانة:

حمدا لمولى بعين اللطف قد نظراإلى العباد أزال الضر والضررا
فأصبح الكون طلق البشر منشرحاصدرا وبالبشر والإقبال قد سفرا
وبالمنى والأماني الزمان أتىوالدهر مما جناه جاء معتذرا
عناية نزلت في الأرض فاعتدلتأوقاتها فخلت من مفسد غدرا
أطيارها صدحت، غدرانها طفحترياحها نفحت، تهدي شذا عطرا
فالناس ثمة في أمن وفي فرحوالغم والهم كل منهما نفرا
بشرى لمن حل بالحدباء قد برزتقرائن الخصب بعد الجدب إذ غبرا
غلا فأرخص أرواح الأنام وقدتسعرت بضرام في الحشى سعرا
لا بر منه يرجي البر محتسباببره لا ولا ما قل أو نزرا
يشكو الغني به فقرا فكيف بمنأمسى معيلا عليل الجسم منذعرا
فما لنا غير رب العرش خالقنانشكو له لا لمن قد باه أو بطرا
إليه بالمصطفى الهادي توسلناما خاب راج به يدعو ولا عسرا
نرجو برحمته، إتمام نعمتهوالستر خلاقكم بالحلم قد سترا
وقد حمى كرما، عرض العباد بمنيقفو بفصل خطاب جده عمرا
وصار بين الورى في الكون لفظة إجماع عليها وفاق العصر قد قصرا
اثيل مجد تليد عن أبيه وعنأجداده فهو ارث ليس مبتكرا
روح الوجود وملجأ للوفود ومنأضحى غياثا لمجهود ومتبرا
بالحلم والعلم ساد الناس قاطبةولم يقاربه منم من علا سيرا
يروى أحاديث جود عن يديه عطاأخبار صدق بلا شك لمن أثرا
من جعفر بالندى من ابن زائدةومن زهير ومن قس اذا جهرا
ما ابن ماء السما ما حاتم كرماإلا كقطرة ماء منه قد قطرا
تجمعت فيه أوصاف مغرقةفي الخلق يدرك ذا من كان مختبرا
اذ يجمع الله كل الناس في رجلوليس ذلك بدعا عند من سبرا
علم وحلم وجود عفة وتقىطلاقة بوقار هيبة وفرا
شهامة كرم بأس على شممفضل وفا همم من وصفه وقرا
إلى محاسن تغني الدهر ذاك وفيخوض الدماء عرفنا المحو والغيرا
قامي العدا لوسطا طامي الندى بعطاغوث وغيث به استنزالنا الدررا
ألفاظه نجمت، لو جسمت لنمتفاقت أن انتظمت في عقدها الدررا

وفي هذا المعنى لابن النبيه قوله من قصيدة:

معسول أطراف الحديث كأنمايسقى المسامع مسكرا أو سكرا
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
اني لأقسم لو تجسد لفظهأنفت نحور الغانيات الجوهرا
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وعلى هذا بنى المحبي صاحب النفحة قوله في ختام قصيدة

فإليكها زهراء ذات بلاغةلو رامها قس لأصبح أبكما
من كل بيت لو تجسد لفظهلرأيته وشيا عليك منمنما
أن العلا بدأت بذكرك مثلماآلت بغيرك في الورى لن تختما

ومنه قول النيسابوري أيضا

ومن كلمات جامعات بحسنهابلاغة حمد في بيان سعيد
ومن فقر لو أمكن الحور لبسهاغنين بها عن وشي كل برود

رجع:

آراءه كم جلت، ما قد دجت وسجتمن مدلهمات ظلم ألقت الشررا
أقلامه مغنم للمعتفين غنىوهي الرماح على من جار أو قهرا

البيت الاول فيه قول الارجاني:

وكالصبح مبيضا له الصبح ينقضيإذا ما أظل الخطب كالليل واسودا
بمسترشد بالله مستخلف لهمليك يريك الله طاعته رشدا

والبيت الثاني فيه قول التهامي

وتشكره أقلامه ساعة الرضىوتشكره أرماحه حين يغضب
للشاعر التهامي، من قصيدة «ألم وليلي بالكواكب أشيب»
له قلم فيه المنية والمنىومنه الرزايا والعطايا تشعب

وقريب منه ايضا قوله:

يرضي الكتيبة والكتابة والندىبفعاله ومقاله وسخائه
للشاعر التهامي، من قصيدة «قولا له هل دار في حوبائه»
يجلو الخطابة والخطوب بكفهقلم يرجى الرزق من أرجائه
كذب المبخل للزمان وأنت منجدوى أنامله ومن إهدائه
للشاعر التهامي، من قصيدة «قولا له هل دار في حوبائه»
زان البلاد وأهلها بك فاستوىالأموات والأحياء في آلائه
للشاعر التهامي، من قصيدة «قولا له هل دار في حوبائه»

وللقاضي الأرجاني

ذو قلم اعجب به جاريامن مثبت آية ملك وماح
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «صوت حمام الأيك عند الصباح»
تديره يمنى يدي ماجدله بزند المكرمات اقتداح
للشاعر الأرجاني، من قصيدة «صوت حمام الأيك عند الصباح»

تتمة قصيدة المترجم:

إذا تصدى لتقرير الفنون وتحرير المتون فلا يبقي ولن يذرا
بمنطق وبراعات مطالعهاشمسية قطب دين ثابت جدرا
فتاح أبواب تلخيص الفصاحة لايحتاج فيها إلى المفتاح لو حضرا
حبر بدايته فضل نهاية منسواه، فرد علا أقرانه نيرا
صدر الشريعة مختار لقمع ردىوقاية سند حصن منيف ذرا
خزانة لبني الآمال كنزهمذخيرة الخلق كم قلب به جبرا
كافي لطلابه شافي الغليل وفيبسوط راحته الراحات للشعرا
محيط مجمع بحرين العلوم وأسرار المنار الذي قد أوضح الغررا
حاز الدراية من بالحد تابعهونال منيته أو فاز وانتصرا
من حلمه أطمع الجاني لكثرة مايهنو فيعفو بصفح منه مؤتجرا
قد قلت في مدحه صدقا وبعضهمبالكذب ينطق لما يمدح الكبرا
من أين للغير وجه لم يزل طلقاأن يبتسم فاعتمد من برقه المطرا
وأن شكونا ليمنى راحتيه أذىبؤسا أزاح بعون الله ما حذرا
هذا وأني وأن فارقت مجلسهجسما لما بي من ضر سرى وبرى
فإن قلبي لديه دائما أبداوحق من انزل الآيات والسورا
وكيف أرضى ببعدي عن حماه وقدأفنيت عمري فيه لابسا حبرا
أو أن أقصر في حجي وفي نسكيوإن يكن عنده التقصير مغتفرا
لولاه حظي عن الأقران أخرنيحتى دعاني بين الناس محتقرا
ولم يكن لي من التنكير معرفةنعم ولولاه صدري لم يزل حصرا
ان خانني الدهر يوما جاد لي بوفاوبالصفاء يوافقني إذا كدرا
كم قد دهيت بخطب واستجرت بهفلم أر بعدها بؤسا ولا ضررا
وكم تقطعت الأسباب واتصلتبفضله وارد من فيضه غدرا
ما دمت حيا فمجهودي الدعاء لهوشكره دائما او ان سكنت ثرى
فالله يجزيه عني كل صالحةفقد حباني ورباني وثيق عرا
يا سيدي منصب الفتوى وظيفتهجاءتك خاطبة تبغي لها وزرا
اذ لم تر في الورى كفئا سواك لهاولم يجد غيركم أهلا ومعتصرا
وقد أصابت ولم تخطئ فراستهاوذاك شيء مريح ليس فيه مرا
فجد عليها وانعم بالقبول وانزهدت فيها وخذها بالغا وطرا
وقل لمن يعتني هذي بضاعتناردت إلينا فأرخنا هدى ظهرا

سنة

واحمد إلهك واشكره على مننأوليتها نعمة منه فطب عمرا
وعشي ودم بالهنا دهرا فإن لنايمن بيمنك منه الخير قد كثرا
واغنم وجد وارق واسلم واستعن واعنلا زلت للاغنيا عونا وللفقرا
وأن همو أرخوها: فيه خير يرىأرخت: فتوى علي قدرها بهرا

سنة

ومن محاسنه ما كتبه للوالد أيضا، روح الله روحيهما في رياض الجنان

تحية عنبريةعن كل لوم برية
تهدى إلى من تصدىفي الحضرة القمرية
لا سيما المفتدى منله كمال المزية
زفت إليه عروستجلى ضحى وعشية
إذ ما تحرت سواهكفؤا لها في المبرية
فيا لها خود بكربالحسن صارت غنية
يا ليتها لم تكن عنذا الانتساب خلية
عقائد الماتريديلا السادة الأشعرية

وفي سنة ثمان وخمسين لازمتني الحمى، وأردفتها ظهور حمرة في الجسد، وتوالى على بدني الضعف والكمد، فلازمني أيام، وأنا في تلك الأسقام. فبين ذلك الخبط والخطا، والألم الملم الذي سطا لم أدر ما أقول، حيث تاهت الآراء وضلت العقول، أنشأت أبياتا فيه ﵀، وأرسلتها إليه هي:

أربع أسمة بين الضال والعلمأمن تذكر جيران بذي سلم
أم نسمة نسمت من نحو كاظمةأم غادة بزغت في حالك الظلم
لله من غادة حوراء ذي غنجتزري بعشاقها في الحل والحرم
جيداء في خفر تغنيك عن قمرتفتر عن درر في ثغر مبتسم
أن كلمت فصمت، أو سلمت حسمتكأنها قسمت، من جوهر الحكم
لبواء مثقلة الردفين ناعمة الصدغين قد كحلت قدما من السقم
إن أسبلت سلبت، أو قاربت هلكتذا الدل مخضوبة الكفين بالعنم
وافت وفي القلب نيران تأج جوىوفي الحشا لهب يغني عن الضرم
شكوتها سقمي، عرفتها حزنيزادت على ألمي الفا من الالم
فقلت مهلا فهلا نظرة سمحتمنك لطرف قريح بات لم ينم
يشكو الجوى وبه الاآام قد عظمترفقا به قبل أن ينحو إلى الهرم
عطفا ومهلا وإلا لم يكن أبدابدا من الواحد الموصوف بالهمم
الملتجي المقتدي السامي الولا أبدابحر الندى من غدا بالفضل كالعلم
بحر العلوم الذي قد شاع في شرفبالهند والسند والأعراب والعجم
فكم له من أياد جل خالقهالقد سمت فحلت ذكرا بكل فم
هو الطبيب الأديب البارع السندالسامي الفريد الذي ينهل كالديم
فما ابن سينا فلا تذكر فضائلهفإن ذاك بهذا الفرد كالعدم
سما نما فحوى الأفضال قاطبةوقد غدا بحر علم غير ملتطم
ريحانة الفضل بالآداب قد نبتتفاستكملت بمياه العلم والحكم
فلو ذكرت أياديه التي سلفتواستوعبت وعلت فضلا من القدم
قضيت عمري سدى إذ لم أطق أبداوكيف يمكن حصر العارض السجم
مولاي مولاي اني الآن في تعبعجل فإنك عيسى الوقت للسقم
جزاك مولاي عني كل مكرمةوحفكم أبدا بالمجد والكرم
لا زلت في نعم تربو بكثرتهاما اطرب العيس حادي العيس بالنغم

وكتب إلي أبياتا في الجواب، وهي على نهج الصواب. فأقام بها وأقعد، واعجز بها عن الحل والعقد. وهي:

ومن شيمي أني إذا المرء ملنيوأظهر إعراضا ومال إلى الهجر
أطلت له فيما يحب عنانهوتاركته في حسن ستر وفي سر
فإن عاد في ودي رجعت لودهوان لم يعد ألغيت ذاك إلى الحشر

وأردفها بعقود أخر، تسمو على الدرر. وهي:

ما ودني أحد إلا بذلت لهصافي المودة حتى آخر الأبد
ولا قلاني وأن كنت المحب لهالا دعوت له الرحمن بالرشد
للشاعر ابن عيسى الكاتب، اقرأ القصيدة
ولائتمنت على سر فبحت بهولا مددت إلى غير الجميل يدي
ولا أقول نعم يوما فاتبعهامنا ولو ذهبت بالمال والولد
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

وبالمناسبة أرسل إلى المرحوم مراد باشا.

ولم يك قطع الكتب مني ملالةوحاشا لمثلي أن يقال ملول
ولكن رزايا قد علت ومصائبألمت وشرح الحادثات يطول

وعلى كل حال

فلو لم أسل القلب منكم بنظرةوأطمعه في قربكم مت من قرب
وما عشت بعد اليوم الا لأننياذا اشتقت رؤياكم نظرت الى قلبي

نعم ديدني بعد وردي

أسائل عن أخباركم فيسرنيسماعي بما أرجوه فيكم وأطلب
إذا كنتما في نعمة وسعادةفما أنا الا فيهما أتقلب

لا زالت مساعيكم الجميلة مشكورة، وألوية فضلكم في العالم منشورة وبابكم ملجأ لأصحاب الحاجات، وحرما آمنا لأرباب المناجاة.

ومن شعره تاريخ ولادة المكرم محمد أمين باشا.

لرب العلى حمد مع الشكر والثنافقد زال ضر طالما كر وانثنى
وأصبح ثغر الكون مبتسما لهطلاقة وجه بالملاحة والسنا
وللكون صدر بات منشرحا وقدنشرنا على الآفاق ألوية الهنا
فأضحى لنا عصر سعيد تكفلتمواقيته بالأمن واليمن والمنى
بمولد نجل الاكرمين الالى لهممزايا بها جيد الزمان تزينا
بهم جبر الله الأنام وخصهمبنصر له جاء المعاند مذعنا
ومن ظلهم ستر جميل على الورىبه لم يزل عرض الخليقة صينا
لهم في العلى مجد أثيل ومحتدوحكم بأحكام الشريعة متقنا
إذا ما دعوا يوما لدفع كريهةفلا فيء إلا للأسنة والقنا
متى رام شخص من سواهم نوافلافقد رام أمرا مستحيلا مخلقنا
وإن شاء تعدادا لبعض صفاتهمعلى نفسه فليجعل النوح ديدنا
ألا أن فعل الخير فيهم سجيةوينصح جهرا بالذي حازه الأنا
وفي حلبة السبق المجاري لهم كباوما ناله غير المشقة والعنا
وكل امرئ والاهم يرتقي علىوأما الذي عاداهم حتفه دنا
فسبحان مولى قد حباهم بفضلهفعم بهم كل الأنام وخصنا
فلا ضيم تخشاه ولا فاقة ترىولا من صروف الدهر نرتاب لوجنى
وكيف وقد جاء الأمين محمدومولده مذ أرخوه لنا غنى
فلا زال يعلو بالسما طير سعدهمعمر محروس الجناب محصنا

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيت السادة الفخرية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.