تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

قاسم بن محمد حسن

فاق ذكاء وقلبا، وعمر بألبان الآداب قلبا. حصل من المعارف ما هو نور المقلة، ومن حسن الخط ما يفوق على ياقوت وابن مقلة، لبس ثوب الكمال واكتسى، ووقف زورق أدبه في بحر القريض ورسا. جرت فلك آدابه في أنهار الفصاحة

وسارت، وأضاءت معالم الكمال بقناديل مبتدعاته واستنارت.

فتوقدت دراري سوانحه في سماء النشيد توقد النجوم الثواقب، وهل هلال رجحانه من برج بديع البيان فحاز المكارم والمناقب.

فصل اجالات النظم بمحاسن أفكاره، وأخاط برود الفضائل ووشاها، ونشر ملفوف مطويات المعاني بمكامن أسراره، ونقش صحائف الفواضل وحشاها. فشد في عصابة الكمال أزر الساعد، ووصل صيت أدبه إلى المكان المتباعد.

كأنما هو فضل في فضائلهيراه كل مضل في الدجى سارا
غمامه قطرت في كل ناحيةعلما وفضلا وآدابا وأسمارا

له من النظم ما يحكى العقود، ومن النثر ما يزين النهود، وقد فاق بنظمه ونثره، وقد اثبت منه ما لو أبصره الزمان لجعله عقدا لنحره.

فمن قوله في المديح:

خذ أخا الإنس فرصة الإقبالواغتنم ساعة اللقا بالوصال
وتهيأ للشرب فالحب ساقلاح كالبدر في برود الجمال
قام يسقي من فيه خمر رضابفلذا شربها أخي حلالي
فسقى من الماه شهدا وحيابحميا أشهى من السلسال
هو للروح راحة يا خليليوهو للصب غاية الآمال
ألفي القوام وهو قواممستقيم في الميل والاعتدال
يعتري البدر أن تبدي محاقوكذا الشمس بادرت للزوال
في هواه وجدي وشوقي صحيحسالم من شوائب الإعلال
مطلق الدمع مرسل من جفونيفوق خدي مسلسل متوالي
وفؤادي يروي حديثا صحيحاحسنا صح عن ثقات الرجال
إن نظم القريض كالشهد يحلوفي امتداح الأمين بحر الكمال
نخبة الاكرمين نجل هماممن كرام هم مصدر الأفعال
سامي الجد باذل النقد شهموأبو الجود عم بالافضال
فهو مأمون عصرنا وأمينوبيمناه سح وبل النوال
ملأ الخافقين حسن ثناءوعلا الفرقدين والقدر عالي
وإذا كانت الملوك عقودافهو العين بين تلك اللآلي
فمساعيه قبلة لذوي الحاجات تسعى لها ذوو الآمال
ولقد رخص النضار ببذلحيث غالى الفخار والمجد غالي
ملك خالد به الجود يحيىوله الفضل دام بالإجلال
لا يجاريه في الشجاعة قرملا ولا عنتر بيوم النزال
فهو ليث الوغى وضيغم باسولدى النقع قامع الأبطال
نشر الجود كفه في البرايافانطوى ذكر حاتم والموالي
إنما رحب كفه بجرجودأغمر الوافدين قبل السؤال
وبه أعتز من يكون مضافالحماه وساد بالافضال
ليس فيه عيب سوى فرط حلموسماح فيا لها من خصال
دم بعز وسؤدد وفخارراقيا ذروة العلى بكمال
فإلى حيكم تحث المطاياولدى بابكم محط الرحال

ومن شعره في المديح:

مليك به الفوز الجليل لطائعوفي عصره أهل الفساد لفي خسر
أمين ومأمون رشيد برأيهمصيب وقد حفته ألوية النصر

ومن هذه القصيدة:

لأعتابه لما انتميت بفاقتيوجدت أمانا فيه من ريب الدهر
وأني لمستعف لتأخير مدحكموذاك لقصر الباع في صنعة الشعر
ولكن مع التقصير جئت مضمنالنظم بتلميح يلوح به عذري

وقد تعذر هذا الشاعر عن تأخر المديح ولكن لم يف بالمقصود.

وقد جمع محاسن الاعتذار، واتى بما هو انضر من النضار، وأبدع كل الإبداع، وتوسع غاية الاتساع، حائز قصب السبق في هذا المضمار، الشاهيني فإنه قال من قصيدة وقد مر منها شيء، والمقصود منها قوله.

يا وحيدا وافيته بمديحذي خصوص وفي ثناه شمول
بطء مدحي ما كان إلا لأمرجال فكري به فطال الذهول
وهو أني حاولت وصفا بديعافيك يرضي ففاتني التعجيل
ولأن الأيام قد وعدتنيبك والدهر بالوعود مطول
وإذا كان ما يراد نفيسافعجيب أن يسرع التحصيل
أنت أعلى من النجوم محلاوعسير إلى النجوم الوصول
طال تفتيشي الزمان وقلبيبك لا عنك بالسوى مشغول
حزت دون الأنام عرضا عريضاأين لي مثله ثناء طويل
وإذا كان ما يحلل عذراواضح النهج يحسن التعليل
إنما كنت في طلابك ليلاعلقت بالصباح مني الذيول
كنت من صدمة الخطوب جواداأدهما ثم زانني التجحيل
فثنائي على علاك مبينإنما للرياض تهدى الهديل
قد مدحت الأنام قبلك لكنلا لأمر لي عنك منه بديل
كنت كالكاتب المجرب خطاوهواه لخطه التكميل

ويسوغ هنا ذكر أبيات لابن النبيه وهي:

مولاي عندي سقم قد برى جسديوكيف ينهض من قصت قوائمه
قالوا تأخرت والتأخير ينقصنيمن جود من عمت الدنيا مكارمه
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة
لا فارقت ألسن المداح دولتهواحسن الروض ما غنت حمائمه
للشاعر كمال الدين ابن النبيه، اقرأ القصيدة

وتتمة الأبيات المترجمة:

وقوسك قوس الجود والوتر الندىوسهمك سهم العز فاجبر به كسري
فلا زلت في أوج السعادة راقيامدى الدهر في الدنيا وفي موقف الحشر

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من بيت السادة الفخرية

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.