من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
العلامة السيد نصر الله المشهدي الحسيني
وحيد أديب في الفضائل واحدغدا مثل بسم الله فهو مقدم
إذا كان نور الشمس لازم جرمهافطلعته الزهراء نور مجسم
واسطة عقد بيت السيادة، وإكليل هام النجابة والسعادة، تجسم من شرف باهر، وكرم سعى إليه الظلف والحافر. فهو من بيت، يحيى شذاهم الميت. وهو غصن من نبعة مكارم، قد تعفرت بتراب أعتابها وجوه الأعاظم. بيت النبوة والرسالة، ومهبط الوحي والبسالة، الذي تشرفت بدعائمه الأرض، وكان حبه على الخليفة من أنواع الفرض، حيث ينفع حبه لدى الله يوم العرض.
وهذا السيد ريحانة من تلك الحديقة. وزهرة من تلك الروضة الأنيقة، قد جمع لأشتات الكمال، وملك لأصناف المعال. فهو مزن الفضل الهاطل، وعقد جيد الأدب العاطل، ونرجس مروج الفصاحة، ووردة روضة المكارم والسماحة. وسحب الأدب
الزاخر، وبحر العلم الذي ما له آخر
فكم سدة معال رصفها، وجنة كمال زخرفها، وشاردة نوال ألفها. فهمي بأفضاله، وسما بعلمه وكماله. فلم تر العيون مثل طلعته، ولا رقى أهل الأدب إلى أكرم من قلعته.
قلعة هبط عليها وحي المعارف من سماء البلاغة، وتنزلت عليها صحف اللطائف حتى درس دفاتر أدب البلاغ والبلاغة.
أعجز بما تلاه من قرآن صدره وقلبه. وأبدع بما أبداه من توراة لبه وخلبه، فجاء نصر الله بفتحه التالي، وظهرت نسمات اللطف بفيضه المتلالي. ودخل أرباب الأدب إلى ديم مجده أفواجا، وصادفت بحر كمالاته في تيار الأنواء ماء ثجاجا، فسبح بحمد ربه على ما منحه من الأدب والفصاحة، واستغفره شكراً لإحسانه اذ جعله من بيت الشرف والسماحة. فأدبه مما يبهر العقول،
وقد عاشرته فرأيت منه في معرفة أبيات العربية، وأمثالها التي، شاكهت في سنائها النجوم المضية، ما يعيي الفصحاء، ويبهر البلغاء.
فمما اتفق إنه في مجلس عبد الله كاتب ديوان بغداد الذي مر ذكره، وطاب في هذا الكتاب نشره، قرأت أبياتاً من ديوان أبي تمام، فأسفر عن خرد عرائس تلك الأبكار كشف اللثام.
فلعمري رأيت منه كل غريب، ومعرفة ما نالها في هذا العصر بفصاحة بيان، وطلاقة لسان.
فلم أر ممن رأيته سوى هؤلاء الثلاثة: العلامة صبغة الله، والسيد عبد الله، وهذا الفاضل، بحور أدب ماء فضائلها في جداول البلاغة سائل. لا يحتاجون في السؤال والجواب إلى مراجعة رسالة أو كتاب.
له شعر مع أنه لم يحتفل به زلال، ونثر مع أنه لم يعتن به لآل.
إلا أنه أخذه الدهر، وحسده كف العصر. فأخذ ولم يراع صفوة شبابه وقد أثبت من شعره ما هو كالقمر ليلة بدره، فمن ذلك قوله مشطراً بيتي سيد الساجدين ﵁:
إذا ذكرت أياديك التي سلفتوقد نسيت عهوداً منك في القدم
وشاهدت مقلتي حسن التفاتك ليمع قبح فعلي وزلاتي ومجترمي
أكاد أهلك يأساً ثم يدركنيحسن الرجاء فينجيني من العدم
وكيف ييأسني فعل القبائح مععلمي بأنك مجبول على الكرم
وله ﵀ مصدراً ومعجزاً أبيات أبي نواس
مطهرون نقيات ثيابهموالذكر يشهد والقرآن والسور
تجري مجاري نداهم للأنام كماتجري الصلاة عليه كلما ذكر
من لم يكن علوياً حين تنسبهفليس يعلو له قدر ولا خطر
وكيف يسحب ذيل الفخر يوم علافماله من قديم الدهر مفتخر
الله لما برى خلقاً فأتقنهولا كم أمرهم فالكل مفتقر
وحيث كنتم لسر الله أوعيةصفاكم واصطفاكم أيها الغرر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكمتوراة موسى وما قد أودع الخضر
والصحف أجمع والإنجيل يتبعهاعلم الكتاب وما جاءت به السور
وله مشطراً بيتي دعبل الخزاعي:
لا أضحك الله سن الدهر ان ضحكتولا تبسم في أفنانه الزهر
ولا مشى في الورى حاف ومنتعلوآل أحمد مقهورون قد أسروا
مشردون نفوا من قعر دارهمفليس يأويهم بدو ولا حضر
جنوا ثمار المنايا وهي يانعةكأنهم قد جنوا ما ليس يغتفر
وله مشطرا بيتي أبي نواس
إذا عاينتك العين ما بعد غايةونورك يسمو البدر والشمس لا يخبو
وأدهشت الأبصار من عطر ما رأتوشكك فيك الطرف أثبتك القلب
ولو أن قوماً أمموك لقادهمسنا وجهك الوضاح والسابق الحب
وان خسئت أبصارهم بالسنا يقدنسيمك حتى يستدل به الركب
وله مخمساً أبيات المجنون:
سما وجه ليلى أن يشاهد جهرةولكن وراء الستر يلمح خلسة
فصرت وقد أمسيت للخلق عبرةإذا رمت من ليلى على البعد نظرة
لأطفى جوى بين الحشى والأضالعأجل تراها أن تشاهد في الكرى
ولكن إذا ما السكر للعقل حيراوحاول طرفي أن يرى الوجه سفرا
يقول رجال الحي تطمع أن ترىبعينيك ليلى مت بداء المطامع
متى تستطيع العين شرب شرابهاوقد أسكر الكونين لمع سرابها
وقد نظرت من لم يقس بترابهاوكيف ترى ليلى بعين ترى بها
سواها وما طهرتها بالمدامعوتنشق ريا من بها الكون عطرا
فأهدت الى العشاق مسكا وعنبرا
وأنت تشم الدهر شيحاً واذخراوتلتذ منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامعفلما صحا النشوان من خمرة اللمى
وألبس للآداب برداً منمنماغدا قائلا لما أتاها مسلما
أجلك يا ليلى عن العين إنماأراك بقلب خاضع لك خاشع
وله أيضا مخمساً بيتي المجنون أيضاً:
أسال العشق دمع العين سيلاوشن على الحشى رجلا وخيلا
فصيرني الهوى صبحاً وليلاأمر على الديار ديار ليلى
أقبل ذا الجدار وذا الجداراأشم تراب من للعقل نسبي
فينعش نشره المسكي لبيواستلم السلام بكل شعب
وما حب الديار شغفن قلبيولكن حب من سكن الديارا
وله وقد شطرهما:
أمر على الديار ديار ليلىفألقى العاشقين بها حيارى
وأطلب غفلة الرقباء عنيفألثم ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبيوان حازت محاسن لا تبارى
وكانت كالجنان مزخرفاتولكن حب من سكن الديارا
واتفق انه حضرنا معه في مجلس، وكنت إذ ذاك شاباً، فجرى ذكر القريض فقال رأيت على باب مرقد أحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مكتوبا بيتين من الشعر، وقد خمستهما وشطرتهما،
فطلب مني أن أخمسهما قبل أن أرى تخميسه، فقلت:
قد ضاقت السبل والأرواح في وهجوالضوء في القلب والأحشاء والمهج
بالله أقسم لا بالبيت والحججلن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى
وتقبلوني على عيبي ونقصانيقد أسعر القلب والعينان في ذرف
والصدر في قلق والروح في تلفوقد أتيت لدفع الحزن واللهف
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفيوان أبيتم فمن أرجو لغفراني
واعترض ﵀ على قولي: بالله أقسم لا بالبيت والحجج، حيث وقع القسم بالله دون الحجج، فأجبته بالفور بقول الشيخ عبد الغني النابلسي، رحمه الله تعالى:
بالله أقسم لا بالذاريات ولابالعاديات ولا بالنجم والفلق
فانه أقسم بالله دون سور القرآن. فاستحسن مني الجواب وسرعته.
وتخميسه هذا:
يا سادة نورهم كالصبح في البلجوفيض نائلهم للوفد كاللجج
وترب أعتابهم كالمسك في الأرجلن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجى
وتقبلوني على عيبي ونقصانيسودت وجهي بما أودعت في صحفي
وقد مددت إليكم كف معترفبالذنب. من أبحر الغفران مغترفي
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفيوان أبيتم فمن أرجو لغفراني
وتشطيره رحمه الله تعالى:
لن أبرح الباب حتى تصلحوا عوجيفقد حنت قامتي أثقال عصياني
وتقبلون على الجاني بوجد رضىوتقبلوني على عيبي ونقصاني
فان رضيتم فيا عزي ويا شرفيويا سمو مقامي فوق كيوان
ويا بشارة نفسي بالذي ظفرتوان أبيتم فمن أرجو لغفراني
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع