من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
الشيخ أحمد النحوي
هذا الأديب الذي نحا نحو سيبويه، وفاق الكسائي ونفطويه.
ليس من الأدب برودا، ونظم من المعارف لآلئ وعقودا. صعد إلى ذروة الكمال، وتسلق على كاهل الفضل إلى أسنمة المعال.
فهو أحمد مجد ونهي. وسماء فرقد وسها، ضياء فضل ومعارف، وسناء علم وعوارف.
وزهر رياض وحدائق، ونور مروج وشقائق
غمام كمال هطله العلم والحجىووبل معال طله الفضل والمجد
له رتبة في العلم تعلو على السهافريد نهى أضحى له الحل والعقد
غرفة أدب مريع النضرة، وسقف أدب نقشته يد القدرة.
وجدار كمال أربى على الكيوان، وقصر أفضال سما على الإيوان في سنا مكرماته. وصل من الفصاحة إلى أقصاها، ومن الرجاحة إلى منتهاها، ورقى منابر الفضل وأعوادها، ووصل أغوار البلاغة وأنجادها.
فهو تلميذ الشيخ نصر الله المذكور، وزبد ذلك البحر العميق المسجور. وكنت أراه في خدمته. ملازماً أتم الالتزام لحضرته.
له اليد العالية في نظم الشعر، وهو في مدن القريض عند أرباب الأدب مشتهر.
فمما أثبته له في هذا الكتاب، مما يحاكي في عذوبته القند المذاب، ما تلقيته من فمه، من موانح قرطاسه وقلمه قوله مضمناً ألفية ابن مالك، وقد سلك بذلك أحسن المسالك، صارفاً عنها قواعدها، إلى مدح شيخه السيد نصر الله الحسيني المذكور:
لله كم أعرب عن نحول«نحو فتاة أو فتى كحيل»
همت بنون الصدغ حيث زانا«والفم حيث الميم منه بانا»
أفدى الذي سناه أضحى قمرا«أو واقع موقع ما قد ذكرا»
بل مثلوك يا حبيبي والقمر«في ذا بنحو تنجلي واستتر»
وقولنا بك الكمال البين«والنقص في هذا الأخير أحسن»
نصبت قلبي لسهام الجفن«وليس عن نصب سواه مغني»
فاعطف فلم يبق بي الضعف رمق«والعطف أن يمكن بلا ضعف أحق»
واصفح عن القتل فكم مولى صفح«فما يبيح افعل ودع ما لم يبح»
قد صح في عذارك الجمال«ولم يكن في لامه اعتلال»
مالت لك الروح فته دلالا«فإنك ابتهاجك استمالا»
يا صاح ان يسألك عني قل تلف«وفي جواب كيف زيد قل دنف»
هذا سهام لحظه مشهوراً«فأين من علمته نصيرا»
وددت لو أضحى بروحي يفدي«وقائلا واعبديا واعبدا»
لا تذكر البدر لحبي ثاني«فذكر ذا وحذفه سيان»
ولي فتاة إن رنت بالمقلة«فلي بكا بكاء ذات عضلة»
إذا سطت بطرفها المسمار«فالضيغم الضيغم يا ذا الساري»
بالله كفي عن حشاي المؤلمة«فلم تكوني لترومي مظلمة»
خل حديث لحظها الذي يرد«في النظم فاشياً وضعفه اعتقد»
بل عد عن كل الورى طراً ولا«تمرر بهم إلا الفتى إلا العلى»
سلالة الأمجاد نسل المصطفى«وآله المستكملين الشرفا»
الراهب البيض الهجان مثقلة«وكلها يلزم بعدها صلة»
فاق الأيادي بجود منهمر«وهكذا ذو عند طيء شهر»
إن قال لفظاً لهج القبائل«بنحو نعم ما يقول القائل»
وكم له عبارة سنية«مقاصد النحو بها محويه»
فاز بخط في العلا موفور«فما لذي غيبة أو حضور»
بجده ارتقى مكارماً وما«كالمصطفى والمرتقي مكارما»
قرى الضيوف وحوى الانافة«وشاع في الأعلام ذو الإضافة»
راحته تولي غناء المعوز«وتبسط البذل بوعد منجز»
الجود والمجد إليه ينتسب«وكونه أصلا لهذين انتخب»
حتى تزره فالعطايا هامرة«والله يقضي بهبات وافرة»
يخاطب الضيف خطاب من يحب«كنحو أما أنت براً فاقترب»
كم قد أفاد بدرة وعشرا«ومنوين عسلا وتمرا»
فيا لهيف أقصد حماه والتزم«واستعذ استعاذة ثم أقم»
والهج بمدح ذاته مفضلا«وزكه تزكية واجملا»
واعدده مع والده في الكرما«ولهما كن أبداً مقدما»
إن جاءه الضيف يقل نلنا المنى«ورجل من الكرام عندنا»
يوليك من غيث نداه الهامي«ما تستحق دون الاستفهام»
يسمح للوفد بما قد طلبا«إن كان مثل ملء الأرض ذهبا»
ألفاظه للوفد خذ اليكا«وهكذا دونك مع عليكا»
أضحى الندا وصفا له منتسبا«واسما أتى وكنية ولقبا»
كلامه الجامع كله حكم«وكلمة بها كلام قد يؤم»
قد حتم الفضل له وقدرا«جميعه وهوا الذي قد قصرا»
خاطب عبده خطاب الكرما«كأعط ما دمت مصيباً درهما»
يكاد يدري إذ ذكاه اتقدا«ما ناطق أراده معتمدا»
إن زاره اثنان وجمع وفدوا«وقد يقال سعدا وسعدوا»
وكم سخت يمينه بالصفد«لمفرد فاعلم وأي مفرد»
وإن تسل عن قدره بما غدا«يختص فالرفع التزمه أبدا»
كم وصل الوفد ببذل تبر«أو بإضافة كوصل يجري»
قصدت مغناه فأبت بالصفد«وسرت سيرتين سير ذي رشد»
وكم ولى الجيش فأولاه العطب«وكلما يليه كسره وجب»
يقول دائماً لحب العدل لا«يبغ امرؤ على امرئ مستهلا»
قد اقتنى العلم وحاز الشرف«والعلم نعم المقتنى والمقتفى»
جرى على نهج أبيه المرتضى«وما أتى مخالفاً لما مضى»
من معشر غر مديحهم أتى«في النظم والنثر الفصيح مثبتا»
عن جبرئيل والنبي المرسل«في الخبر المثبت والأمر الجلي»
وكم وكم من جوده الذي هطل«من صلة وغيرها نلت الأمل»
وكم حباني هبة معجلة«على الذي استقر أنه الصلة»
يلهج مهتزاً لأرباب الأمل«بنحو نحن العرب أسخى من بذل»
يقول وفده لكل من سنح«أعرف بنا فإننا نلنا المنح»
وكم له رويت أوصافاً سوى«ما مر فاقبل منه ما عدل روى»
يقول جبر الضعف دأبنا فمن«يصل إلينا يستعن بما يعن»
غيري إذا الظامي إليهم قد وفد«أبوا ولا أمنعه فقد ورد»
يا طالباً للعلم من غير مرا«على الذي ينقل منه اقتصرا»
والزمه مثل العروة الوثقى ولا«تعدل به فهو يضاهي المثلا»
وخاطبنه بين أرباب العلا«مفضلا كأنت أعلى منزلا»
فانه مع الكمال ركباً«تركيب مزج نحو معدي كربا»
كم قال للوفد نداه عطفا«نحوله علي ألف عرفا»
من يتخذ مغناه خير كهف«فذاك ذو تصرف في العرف»
فاقطع إليه البيد سهلا وجبل«وجد كل الجد وافرح الجذل»
أعلى بناء مجده وشيدا«على الذي ينقل منه اقتصدا»
شاء الورى بالفضل جيلاً جيلا«وهو بسبق حائز تفضيلا»
وهو كما أولاني التبجيلا«مستوجب ثنائي الجميلا»
والآن إذ نظمت في المولى الأجل«نظما على كل المهمات اشتمل»
مضمناً ألفية ابن مالك«أحمد ربي الله خير مالك»
مصلياً على الذي حاز العلا«محمد خير نبي أرسلا»
وصفوة الهادي مبيد الفجرة«وآله الغر الكرام البررة»
ورهطه المتبعين سيره«وصحبه المنتخبين البررة»
وأختم النظم لعلى أسعد«بنحو خير القول أني أحمد»
والشيء بالشيء يذكر، فمن هدا القبيل ما جعلته في جواب رسالة السيد علي:
يقول راجي الرشد في المسالكأحمد ربي الله خير مالك
مصلياً على الذي نال العلامحمد خير نبي أرسلا
وصحبه المسترشدين السلفاوآله المستكملين الشرفا
وبعد عرض ابلغ الثناءوكثرة الأشواق والدعاء
للواحد القرم الهزبر الأصيدالماجد القمقام وابن الأمجد
الصاحب المفضال من حاز العلاعلى الأصح ما لغير جعلا
الهاطل الغيث السحاب المنجليكلم يفوا إلا امرؤ إلا على
واترك سوى ذا الفرد في الفضل ولاتمرر بهم إلا الفتى إلا العلا
والزم مديح فضله حتما ولاتعدل به فهو يضاهي المثلا
فافرده في آدابه بلا مراحتماً موافقا لما قد أظهرا
في فضله ومجده تعالىأختار. غيري اختار الانفصالا
فانه شمس سما عن كلفمهدى تأوله بلا تكلف
فافرد له الفضل وأول بالجداوثن واجمع غيره وافردا
فحبه في القلب مستور الخبرولا أرى منعاً إذا القصد ظهر
فأوصفه إذ بعلمه لقد عرففليستحق العمل الذي وصف
أضف له العفة واتبعه العلامثل الذي له أضفت الأولا
فإنه إلى المعالي قد رفعمعنى كمحمود المقاصد الورع
فهو فريد الذات أينما نزلفي الحكم والشروط حيثما عمل
قرم همام في الورى حيث ذكرولا تقس على الذي منه أثر
إن أمه الراجي ببشر ورحبومصدر العادم بعد ينتصب
فقدرة العالي لمجد مستعدوهو بما يعمل فيه متحد
كم باد جيشاً ذا حسام وزردوكر زيد أسد أي كأسد
من سادة سادوا بكل الأممنصب الجميع احكم به والتزم
فكم له فضل ببذل عجسدلمفرد واعلم وغير مفرد
شافهه الدهر بما قد أجملامفضلا كأنت أعلى منزلا
يا مدعي له الشريك في الأدبما كان في تثنية له وجب
فامنحه نعتاً وأوصفنه في الملاأو أعطه التعريف بالذي تلا
والزمه إذ فيه الخلوص والوفاكالعلم نعم المقتنى والمقتفى
عظمه وارفع قدره على المدىوأفعل التفضيل صله أبدا
واعدده مع آدابه في القدماوأبدا كن لهما مقدما
قد شاع بالفضل بكل ما يليفي الخبر المثبت والأمر الجلي
فامدحه والزم مدحه وان عتافي النظم والنثر الصحيح مثبتا
قل بعض ما قد جاء عنهم في الجداوانو انضمام ما بنوا قبل الندا
سام بفضل وكمال ورشدووصف أي بسوى هذا يرد
قل للذي حماه عن قصد نزلمن صلة أو غيرها نلت الأمل
فمدحه ووصفه لنا انتدبوالزم بنا النوعين فهو قد وحب
فانه مع المعالي ركباتركيب مزج نحو معدي كربا
فاثبت له الجود مع المفاخرثبوت قصر بقياس ظاهر
فاق أولي النظم بكل ما نطقوالغرض الآن بيان ما سبق
أتى كتاب وهو عرف وشذالم يلف ذا النطق للبس منفذا
أضمر تبكيتي لدى كل الملاضمير خفض لازم قد جعلا
يبهر من يفتحه مستأنساًأن يكن الفتح بوهم لابسا
فانه المفرد بالفضل فلايكون إلا غاية التي تلا
يلعثم النطق فلا يعادىكيا سعا فيمن دعا سعادا
إذ قد سما فضلا بكل ما كتبوكلما يليه كسره وجب
فاستفهمن آدابه وصله ليهمزاً كمن ذا أسعيد أم علي
حاز علا بفضله وسؤدداًوبعض ذا قد بات لفظاً مفردا
فاق أولى الفضل بما تسطراقبلا وما من بعده قد ذكرا
بالفضل والهطل سما كل الكتبوكونه أصلا لهذين انتخب
علا على الدر بكل منتظموغير ذي التصرف الذي لزم
يجل إذ يسمو على هطل السحبعن فاعل نحو تدبرت الكتب
قل فيه ما شئت فذاك أحسنلأن قصد الحنس فيه بين
قد فاق في ترتيبه الذي قضىوما أتى مخالفاً لما قضى
فإنني من حسنه الذي انجلىمغرى به في كل ما قد فصلا
لكونه حاز علا نبيلامستوجب ثنائي الجميلا
فخذ مديحاً في علاه نعنيوليس عن نصب سواه مغني
هذا الكتاب الذي يغني عن السمرولم يدع أبداً للفضل من أثر
قل للذي غاص في إخراج لؤلؤهقد غاص حتى جنى ما شاء من درر
لله عذراء قد سامت بكل سناتكاد تهز وبضوء الشمس والقمر
صداقها الروح إذ توفي لها بدلامكانها بمكان السمع والبصر
ما كنت أحسب أن الشمس يا أمليتصيدها فخخ الإدراك والنظر
ولا ظننت بأن الزهر منتقشاًفي ساحة الوهم والتخييل والفكر
قد خامرتني بما أبدته من أدبكأنها الخمر أشفتني على السكر
أما الجواب فإني لست ذا ثقةبالفكر إذ ذاك معدود من الخطر
جازاك عني يراع لوصغا لبكىإذ أنت يا سيدي صبح بلا سحر
بقيت بالفضل والافضال منتصباودم فانك إنسان إلى بصري
رسالة عن المعالي مخبرهمفردة جاءتك أو مكررة
مفردة إن قلت فيها المتسعوكونها في الوصف كاف أن وقع
فإنها في الفضل لا تبارىواعز لغير هذه استدرارا
وأولها التقديم من غير مراوجوزوا التقديم إذ لا ضررا
رسالة فاقت بكل خصلهحاوية معنى الذي سيقت له
كأنها بدر علينا قد هبطفنمط عرفت قل فيه النمط
إن قيل فيها مثلها لقد ورديجوز نحو فائز أولو الرشد
فإنها مفردة كما هيهفجئ بها متلوة لا تالية
ألفاظها در وشهد وسناوكل حرف مستحق للبنا
وقد حوت مقاصداً بهيةمقاصد النحو بها محوية
فإنها أصلا بلا تجوزتقرب الأقصى بلفظ موجز
فيا لها فاقت بتسطير الحكموكلمة بها كلام قد يؤم
تستوجب المدح بكل بسطوتقتضي رضا بغير سخط
بمدحها فاعن لفضل وعلاإياي والتفريع ليس مشكلا
إن قصر المدح بفضلها مضتإياهم الأرض الضرورة اقتضت
إن قيل فيها مثلها قد ورداأيضاً وتعويض بذاك قصدا
فكلها فرائد مفصلةعلى ضمير لائق مشتملة
إن قيل فيها إنها تجلي النظرناوين معنى كائن أو استقر
يا سائلي عن فضله الذي سرىعلى الذي ينقل منه اقتصرا
فانه بدر غدا منيراكذا إذا يستوجب التصديرا
شمس معال وكمال وهدىولا يلي إلا اختيارا أبدا
مالت أولو الفضل إليه والعلاللمح ما قد كان عنه نقلا
فافرده في فنونه بين الملاوأبرزنه مطلقا حيث تلا
قد نطقت بمثله الأماثلبنحو نعم ما يقول الفاضل
لقد رويت فضله الذي حوىما مر فاقبل منه ما عدل روى
فمن يكن مسلماً لوصفيفذاك ذو تصرف في العرف
مذ فان في الأفاضل ذا المولى الأجلوما بجمعه عنيت قد كمل
فالله يجزي بعطايا فاخرةلي وله في درجات الآخرة
سأختم النظم بخير في الملافالحمد لله مصليا على
محمد الذي أباد الفجرةوآله الغر الكرام البررة
وعونه الفائزين المهرةوصحبه المنتخبين الخيرة
واختم النظم بطه المصطفىبها ونطقي الله حسبي وكفى
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع