من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)
عبد الله باشا الكوبرلي
الوزير الشهيد، والدستور السعيد، مفرد الوزراء. وواحد الوكلاء وأفضل الفضلاء، عبد الله باشا الكوبرلي
هو من بيت، يحيى بشذاهم الميت. كلهم رجال، لم يحتمل لقيل وقال. وكلهم أسود بدون باسهم الشجاعة لا تسود.
هم الأسد يغشون الوقائع حسراوهل يلبس الأسد الدلاص المسردا
على كل طيار العنان مطهمسليم الشظا ضافي السبيبين أجردا
وهذا السيد وزير، ما له في الفضل نظير، سامي الذات والجود، لا يحتاج إلى مكارمه شهود. عارف همام، ما عليه في المعارف كلام، أسد أسد، ما علاه في الشجاعة أحد، باسل جليل، ما له في البساله مثيل، سخي جواد، أربى بسخائه كل العباد، بليغ فصيح، يجل عن التعريف والمديح، قمر منير، يسمو على الصاحب والسمير.
شمس الوزارة حين يظلم أفقهاوهلالها في كل ليل أليل
رقت الوزارة في علو مقامهفغددت بسؤدده كبدر منجلي
زفت لجنابه من المعالي عروسها، وصعد أفلاك المعارف فدانت له شموسها، رقى أوج المكارم فكان قطبها الثابت. رتع في مروج الولاية، وقطف أزهار الموانح والهداية، فلم يخل ناد من سماحة ولم ينج زند من اقتداحه.
ورث العلم والرئاسة من أجداده، ونال أعلى المراتب بغريب استعداده. فالأديب نزيل هو منجده، والمجد عبد هو سيده.
فجميع الأدباء تحت ظلاله، تستمد الفضل من عام فضله وعميم افضاله. لم ير في الأدب والعلم والرئاسة له مثال، ويحق لمثله شمس كمال، ان يستهزئ بأقمار الليال.
وساحته مثوى الوفود فلم يزليفارقها وفد وينتابها وفد
أغر كأن المجتلين جبينهوقد ملأ الأنوار أعينهم رمد
يحوم على راياته النصر والضيابكفيه يجري فوقها الدم والحقد
ملك العلوم والأدب، وفاق برفيع المجد والحسب. سامي المقدار، الذي تلوح من غرره شموس وأقمار. وارف الأفياء والظلال، المشرق كالأقمار في الليال، يجري لسانه من الكلام، ما يستحسنه الدهر فضلا عن الأنام.
فيه لوذعية ترقيه، وألمعية من غرر در المحاسن تنقيه. له همم سائغة المذاق، وكرم ثبت له في ميدان العطاء السباق، مروق الخصال والأخلاق، مشمول الشمائل على الإطلاق.
له جل فضل لو تجسم بعضهومر بأهل الأرض لافتتن الكل
ترقى إلى أعلى مقام من العلافما سامه بعد ولا ناله قبل
فلله دره، في الكرم ما أبره. قد نظم الدرر، وطلعت لجبهة الوزارة منه غرر. فهو في الفضائل مشهور، وبجميل الذكر في الألسنة مذكور. جاء كما شاءت الظنون، متفرد من الفضل بجميع الفنون، وهو شمس تلك النجوم، الذي حصل من الشدة والبأس كل ما يروم.
فدرر البلاغة عن ذاته منشورة، ورتب المعالي على جنابه مقصورة، ونوادر اللطائف في ذاته الشريفة محصورة، وألويته في الظفر تحت جواشن الوقاية منصوره.
حلى جيد الوزارة بنظام أدبه، ورفع سامي الرئاسة برفيع حسبه
له جل ذكر إن خلا الدهر بأهلهتسطرها كتب وترسمها صحف
حوى كرما لو قسمت بعض أيدهعلى الناس وفاهم وتم له الصرف
له في العلا والجود والمجد رتبةوفي كل حزب في النوال له صنف
فالوزارة تشرفت بناديهم، والرئاسة هطلت من أكفهم وأياديهم.
فالإمارة ذروة حسبهم، والمهارة شطر من أدبهم، ففضائلهم خزائن الكمالات والمعارف، تتعلم من نقد مسكوكها الصيارف.
فقد تمت في الرئاسة شمائلهم، وعمت أرباب الفصاحة فضائلهم
فهم المقضون الحوائج، المرضون النتائج، المشار إليهم بالنباهة والذكاء، والموموقون بحسن البداهة والزكاء.
هو بحر تموج الفضل فيهوبدا الدر من فصيح مقاله
هو غيث من استغاث يديهأمطرت بالغنى ربي آماله
طلع في أفق الفصاحة بدرا، وغذا في قفار الفصاحة بحرا، زف عروس الوزارة بحلي المعارف، وأسبل على أكتاف الإمارة من اللطائف سوالف. إذ هو من بيت الفضل والكمال، الذي تحلت به الوزارة وحلت به المعال. فرجالهم صدور الصدارة، ومعارفهم عقود نحور الوزارة. وبيتهم في الدولة العثمانية من أعظم البيوت، لم يمكن للبليع في الثناء على بيتهم ورجالهم إلا السكوت إذ هم فوق ما ينطق ويقول، قد استغنوا في التعريف عن التحرير والنقول، ومع وزارتهم وعظم صدارتهم لم يمنعهم عن الكمال شاغل، ولا صدهم عن اكتساب الفضائل حافل.
فوالد هذا الوزير، ما له في المعارف نظير، وهو في صدارته العظمى، ومرتبته الأسمى كان يدرس بكل فن، ويفوق بعلمه وفضله فضلاء الزمن. وقد أخذ جدي عنه. واكتسب أنواع المعارف منه. وله من حضرته الإجازة العامة، والمعارف الطامة، ففضله ﵀ لا ينكر.، ولواء علمه في أندية الإفادة أخضر.
وأما صاحب الترجمة شبل ذلك الأسد، فلم يدانه في علمه ورئاسته أحد. رأيته سنة سبع وأربعين ومائة وألف وهو مقدم
جيش الروم وأميرهم، ورافع راية تدبيرهم ونصيرهم. وقسمت له في تلك الرئاسة شهادة، ونال من فضل الله تعالى فوق سعادته سعادة.
وله شعر يدل على كماله، وأثر ينبئ عن سناء أفضاله. وقد أثبت منه هذا القدر، يغني بسنائه عن الدر.
فمن قوله:
سرى من جميلة طيف الخيالفشرد نومي وكم طربا
فؤادي وهيج عيني البكافسحت مدامعها سكبا
أحب جميلة حب الحياةوأمنحها ودي الأطيبا
على أنها شحطت دارهاوأمسى الفؤاد بها متعبا
إليك جميل أسر الحشاهوى لن يغال ولن يكذبا
إذا كذب الحب أربابهوحال عن العهد من أغربا
فإن الذي لك في مدرجمن الصدر ما كان أن ينضبا
إذا غبت عن بصري ساعةولم اغتبق ريقك الأعذبا
بقيت مجناً على لوعةيظل الفؤاد بها ملهبا
وقيت الردى وبلغت المنىوسأمني حبك المعطبا
وليل تحير ظلماؤهتخال كواكبه لغبا
أرقت ومثلي يعاني الهموملأمر يرد الفتى أشيبا
لأجتلد القوم في دارهموأقضي من شأنهم مأربا
وبين سرند وسرخابهضمنت لخيلي أن تنهبا
سأمنح أو أستريح العلاوذكراً أسيره طيبا
ومن يك يصبو إلى المكرماترأى دونها الموت مستعذبا
وفينا إذا الحرب قد شمرتوخاف العواقب من جربا
ترى كل ابيض ثبت المقامإذا طلب الجازع المهربا
إذا راح يعدو به سابحيخال على متنه كوكبا
وله ﵀ عليه
أمن آل ليلى رسوم الديارفعيناك دمعهما بانحدار
فسلها النجاد وما بالجميلبكاء الكبير على رسم دار
تجر بها ذيلها الرامساتوصوب الحيا كل غاد وسار
على حين لاح قناع المشيبوأضحى الشباب كثوب معار
فدع ذا وعد لمسعاتناوأيامنا الغر غير القصار
بطاء الزمان على غيرناسبقن بها بالعلا والفخار
رفعنا الخوافق من أرضنانغير على كل باد وقار
إذا أرض قوم نزلنا بهاتركنا المنازل صفر المقار
نسوق نساءهم بالقناحواسر كالوحش بيض المعار
كرائم انزلن دار الهوانوالحق أربابها بالسوار
فلو أنهم حاولوا صلحناإذا وجدونا لهم خير جار
ولكنهم طلبوا حربنافسيموا الهوان بسوء ائتمار
فسل عن مآثرنا عالمافليس الجهول بها مثل دار
وشمنا بتبريز برق المنىفعجنا إليه صدور الفهار
نقود الجياد إلى أرضهاونرجو الذي نصره في نتظار
فلما طلعنا على مائهاإذا القوم حشوا جلود النمار
فلم يلبث الخيل إن شابهوابمنفجر من دم القرن جار
فأفلت فلّهم هاربينوغودر صرعاهم في الديار
وحل بسرخابها خيلناتغاديهم ناحلات العذار
ثمانية بعد عشرين يوماًيرون الكواكب نصف النهار
أخذنا عليهم بأطرافهاوضاق بنا ذرعهم بالحصار
وباتت عقائل في حوزهاسهارى يحاذرن غشيان عار
فان ما طلتنا فكان الإيابلأعداء جمع لها مستزار
فسوف ترى العام محفوفةقرى اذربيجان غابات غار
وملتثمين غداة الصباحإذا ركبوا كالنجوم السوار
يدبر أمرهم حازمطويل النجاد كريم النجار
يخوض بهم غمرات الردىإذا ما الجبان انثنى للفرار
فكيف يزيرونها وقعةينسى الخريدة عقد الازار
ولا خفض أو تستباح البلادبضرب الكتائب وسط الديار
وحتى ترى البيض مثل المهاعواني ترجى ببيض عوار
وله رحمة الله عليه:
من كان ذا حاجة في النفس يضمرهامخافة الموت لم يملك بها ظفرا
لقد حلفت يميناً ما أخيس بهاولا أبالي أطال العيش أم قصرا
لأقضين لنفسي العام حاجتهاأو تبلغ النفس من أعذارها عذرا
وله غفر الله له:
جد الرحيل ضحى فالعيش مذموموالشمل منصدع والليل مصروم
بانوا وغودر قلبي لهف واجدةاثر الحمول وماء العين مسجوم
وفي الخدور عروب غير فاحشةفي الخصر منها وفي الكشحين تهضيم
غراء عبهرة لفاء خرعبةشماء مارنها بالمسك مرثوم
كأنها رشا في ظل نادرةعاطى الخلا أحور العينين مشهوم
كيف العزاء وقلبي فيك مرتهنصب بذكرك مخبول ومفهوم
تعتادني فيك من فرط الهوى غيرتكاد تنشق منهن الحيازيم
ببيت متشجر أحوى له وهليراقب النجم والظلماء علجوم
قد طال فيك اشتياقي يا أمينة هليوماً برد جديد الوصل تنعيم
قد كنت منيتني ثم ارعويت بهلياً فيا لك وعداً فيه تزعيم
عودي فجودي بما أخلقت من أربللمستهام بها تشفى الحيازيم
قد كنت أضمر حاجاتي وأكتمهاحتى متى طول هذا الشوق مكتوم
وكنت أسألها حيناً فما وصلتحتى بليت ونال الجسم تسقيم
وحال ما بيننا غير ملمعةشهب متالف مقفار دياميم
بيد مسهبة مرت مخفضةبهماء صادية أصداؤها هيم
وحال دونك أقوام ذوو عددصهب السبال هلابيج مغاريم
هل يبلغني نواها بعد ما شحطتسحا النجاء جموم الشد مرسوم
عبل الشوى ساقط التقريب مندلقنهد التليل ستوح فيه تسهيم
مسانح خيفق نهد مراكلهكأنه سهد بالماء مرهوم
مدارك هاديات الوحش بسبقهاشد الجراء إذا كَلّ الصهاميم
وله رحمه الله تعالى:
سقى منزلا لم تلف قفراً به أهلاسجال الحيا وبلا بمنهمل وبلا
أقام به الأهلون حتى تصدعتبهم صارفات الدهر فانصدعت شملا
وكل عزيز كالغزالة بادنمخصرة أردانها تشتكي الثقلا
كأن على أنيابها ماء مزنةثياب بصا في الحلس طاب وما أحلى
فما أم خشف ترتعي وسط روضةخذول تزجي بالكثيب لها طفلا
بأحسن منها يوم قامت فودعتوقد سال منها الدمع يحدر وانهلا
أآمن قد مل العزاء وشفنيإليك ارتياحي وافتقاري لك الوصلا
بليت وما زاد الهوى غير جدةعليك فما أدرى المحب وما أبلى
لحاني عليها اللائمون وأسبلواعلي سفاها في مودتها جهلا
يعيرونني في حبها ثم لم يكدفؤادي من ذكرى أمينة أن يبلى
النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع