تجاوز إلى المحتوى

من «الروض النضر في ترجمة أدباء العصر» لعصام الدين العمري (ت ١١٩٣هـ)

محمد باشا الراغب

الصدر الأعظم، والهمام الأفخم، والإمام المقدم صاحب المواهب، محمد باشا الراغب.

يسابق أجياد الرماح إلى الندىويفضح جدوى راحتيه الغواديا

هذا الوزير الأكرم، والصدر الأعظم، والفاضل الأعلم.

ريحانة الروم، وفهرست مجلدات العلوم. ورئيس الوزراء، وعلامة الفضلاء، إمامة سبحة الرئاسة، وفص خاتم الكياسة والفراسة.

منشئ الزمان، الفائق على العماد وابن خاقان. عميد الدولة العثمانية، ومشير الصولة السلطانية، ومدبر أمور المملكة الخاقانية، أفلاطون الزمان، آصف الوقت والأوان، رشيد الوجود، مأمون الإقبال والسعود، أمين الذات، محمود الصفات، منصور اللواء، واثق الآراء.

اياسي الذكاء، برمكي السخاء. هادي الأنام، مهدي المقام.

صاحب الأدب العظيم، والكرم العميم، والفضل الجسيم، والوجه الأغر الأغر الكريم.

فهو الذي يده البيضا وصنعتهانسج المكارم من أبان إدراك
ما بأس عمرو وما هم ابن ذي يزنوما سياسة ساسان وأنباك
ما زال لا زال يطوي كل منتشرمن الممالك من عرب وأتراك

فهو الذي أدخره الله لهذا العصر ليفضله على الأعصار، واراد تأخير فخاره إلى هذه الأيام ليتم به منار الفخار. قد جمع الله به لأشتات المكارم شملا، وجعله لا يقاد سراج الرئاسة أهلا.

فالثغور بباسه مبتسمة، والأمور بتدبيره منتظمة، والنعمة بحمد الله من إنعامه عظيمة، والآلاء على ارباب الأدب من كرمه عميمة، قد سد بجوده خلة المعيل، وأبر من بر عطائه المنقطع وابن السبيل. سما بكرمه على الوجوه الأعاظم، وأحيى سنن المحامد والمكارم.

فهو محطة الفضائل، ووسيلة المراجي والوسائل. حدث الصبا عن أسفار صبحه، وروى الهزار عن فصيح مدحه.

خص بالعلم والمكارم والفضل وهذا مواهب الرحمن

فهو كنز ومجمع لعلومقد حواها بغاية الاتقان
وهو صدر الشريعة المشرع العذب البسيط المحيط والبرهان

شامة الدهر، وعلامة العصر، عالم الغرب والشرق، طلعة غرة الجمع والفرق. صدر الصدور، وغرة جبهة الأعصر والدهور. بدر الزمان، المشرق في كل مكان. عين الأدب الذي هو أحلى من الشهد والضرب، نزر الكمال، الذي ليس فوق معاليه معال. فص خاتم الصدارة، الذي ما دانت لوزارته وزارة

أدب الوزراء وأوحد الوكلاء، وأحلم الأمراء، وأجود الأسخياء شمس الأمصار. وزهرة الأخيار. حاتم الوجود، الفائق بمزيد العطاء والجود. صاحب البذل والاحسان، الذي لم ينتج بمثله الوقت والزمان.

أسعدته المعارف، فغدا على كئوس الأدب كالحباب طائف.

فلم تزل ورق الفصاحة تصدح بناديه، وثمار أشجار البلاغة والبراعة تقتطف من غرس أياديه. فهو الطويل النجاد، الوري الزناد، الهاطل الأياد، الخائض من الأدب كل واد.

مولى غدا ربعه أمن المروع كذاجنابه ظل مأوى الخائف الحذر
أقلامه السمر في بيض الطروس إذاشيمت أرتك فعال البيض والسمر
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة
يلقاك طلق المحيا وهو مبتسمبمنطق ورده أحلى من الصدر
للشاعر أبو المعالي الطالوي، اقرأ القصيدة

حسان زمانه، ونعمان أوانه، جمال الكتب والسير، فريد الطرق والأثر، حياة الأرواح والنفوس، الذي تستمد من أنوار بهجته الشموس.

ذو شعر بكل لسان كالجوهر، ونظم في العذوبة أحلى من السكر المكرر، تخاله لصفائه ومحسناته خمرة من خدود الغواني تعصر. أقبلت على غرته الفصاحة بوجه جميل، ووقفت الأذهان عن إدراك نسيم بلاغته وهو عليل. عبث في رياض المواهب والمكارم نشرا، وأظهر لأرباب الحاجات الوافدين إلى حماه الرفيع بشرا. فكل وفد من تلك الوفود بإنعامه العميم آب. وكل بذل بالنسبة إلى بحر عطاياه سراب. فرياض علمه وأدبه أنيقة، وحدائق فضله وكرمه وريقة، لا البدر يحكيه بكماله وجماله، ولا البحر يقربه بعظم عطائه وعميم نواله. فهو الشمس في الفلك والبدر في الحلك.

إذا رفعت عند السجوف وأشرقتأسرته خر السلاطين سجدا
له راحة مأمولة نفحاتهايلوذ به العافون مثنى وموحدا
ووجه مريع البشر باد حياؤهيكاد يروي ماؤه غلة الصدى
ويغشى عيون الناظرين فكلهمتقلب في أنواره لحظ أرمدا

لم تر العيون أبسط منه يدا، ولا أحسن منه في المكارم جدا.

إن حدث فاللآل، أو سمح فالنوال، أو جاري فسحاب، أو

هطل فآداب، أو حدث فبحر، أو نفث فسحر، أو تحلى فغمام، أو تصدى فهمام

أشرقت الدنيا بنور طلعته، وسطعت الأرض بأنوار علوم أشعته، فهو الآن محط الرحال، وكعبة الآمال، وقبلة الرجال، ومنبع الجود والنوال، لا زال في حفظ الملك المتعال.

النص من طبعة المجمع العلمي العراقي ببغداد (١٣٩٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من في أدباء الحلة والمشهدين وفضلائهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.