تجاوز إلى المحتوى

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)

الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٢)

فإنه ذو النظر العالي المدرك حقيقة الكنه، فإذا تنور من أذرعات أدنى ما تنوره إلى قيد شبرٍ منه.

فتأمل المملوك ما وقع من تلك المعارضة، التي أفضت إلى التحكيم والمفاوضة.

فإذا المتعارضان قد مزجا في حلو فكاهتهما شدة البأس في البحث برقة الغزل، وأخرجا الكلام لبلاغتهما على مقتضى حال من جد وهزل.

وجريا إلى غايةٍ حققا عند كل سابق أنه المسبوق، وأريا غبارهما لمن أراد اللحوق.

وكان الأحرى بالمملوك ستر عوار نفسه، وحبس عنان قلمه أن يجري في ميدان طرسه.

لكن لما كان ترك الجواب من الأمر المحظور، لم يلتفت إلى ما يترتب على الواجب من المحذور.

فقال حيث كان الأمر على ما أسنده مولانا عن الناظم وروى، من أنه قصد التشبيه في حال بقايا أثر السقام بغصنٍ ذوي.

فعدل إلى سبكه في قالب صياغته، وسلكه في سلك بلاغته.

فلا شك أنه أتى بما لا يدل على المراد دلالةً أولوية ظاهرة، وكان كمن شبه الأغصان أمام البدر ببنت مليكٍ خلف شباكها ناظرة.

وحينئذ فإطلاق القول بأن البيت الثاني لا يدل على ما أريد، ربما تمسك الخصم في عدم ثبوت الحكم عليه بأنه إطلاقٌ في محل التقييد.

كما أن للمعترض أن يتمسك في ذلك باستيفاء الدلالة الأولوية، فيكون المحكوم به هو المتعارض في القضية.

وهذا أجدى ما رآه المملوك في فصل الخطاب، وأحرى ما تحرى فيه أنه الصواب.

مع اتهامه نفسه في مطابقة الواقع في الفهم، لعلمه بدقة نظر مولانا إذا قرطس أغراض المعاني من فهمه بسهم.

وتجويزه على نفسه العجز عن الوصول إلى مأخذ المولى ومدركه، واعترافه بأنه لا يجارى في نقد الشعر لأنه فارس معركه.

انتهى.

قوله في أثناء الجواب: كان كمن شبه الأغصان، أمام البدر، يشير به إلى قول الصلاح الصفدي:

كأنما الأغصانُ لمَّا انْثَنتْأمامَ بَدْرِ التِّمِّ في غَيْهَبِهْ
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «كأنما الأغصان لما انثنت»
بنتُ مَلِيكٍ خَلْفَ شُبَّاكِهاتفرَّجتْ منه على موكِبهْ

وله فيه أيضاً:

كأنما الأغصانُ في رَوْضِهاوالبدرُ في أثْنائها مُسْفِرُ
بنتُ مَلِيكٍ سار في مَوْكِبٍقامتْ إلى شُبَّاكِها تنْظُرُ

قال النواجي: لا يخفى ما في هذين البيتين، بل المقطوعين من ضعف التركيب، وكثرة الحشو، وقلب المعنى، وذلك أنه جعل الأغصان مبتدأ، وأخبر عنه ببنت المليك، وهو فاسد، وإن كان قصده تشبيه المجموع بالمجموع، إلا أن الإعراب لا يساعده.

على أنه لم يخترع هذا المعنى، بل سبقه إليه القاضي محيي الدين ابن قرناص، فقال:

وحديقةٍ غَنَّاءَ ينْتظِم النَّدَىبفُروعِها كالدُّرِّ في الأسْلاكِ
والبدرُ مِن خَلَلِ الغصونِ كأنهوجهُ المليحةِ طَلَّ من شُبَّاكِ

فانظر إلى حشمة هذا التركيب وانسجامه، وعدم التكلف والحشو، واستيفاء المعنى في البيت الثاني فحسب، والصفدي لم يستوف المعنى إلا في بيتين، مع ما فيهما.

فلو قال في المقطوع الأول:

كأن بدرَ التِّمِّ لمّا بدَامن خَلَلِ الأغصانِ في غَيْهَبِهْ
بنتُ مَلِيكٍ خَلْفَ شُبَّاكِهاتفرَّجتْ منه على موكِبهْ

وفي المقطوع الثاني:

كأن بدرَ التِّمِّ في روضةٍمن خلَلِ الأغصانِ إذْ يُسْفِرُ
بنتُ مَلِيكٍ سار في موكبٍقامتْ إلى شُبَّاكِها تنْظُرُ

لتم له من غير تكلف.

ومن شعر علي المذكور:

هَذِي رياضُ الحُسْنِ أغْصانُهاغَرَّد بالدّوْحةِ منه الهَزارْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
يهْتزُّ فيها قَدُّ ذاتِ الرَّنَارقيقة الخَصْر على الاخْتصارْ
بِتُّ ونارُ الشوقِ قد أُضْرِمتْبمُهجةٍ أحْرَقها الاسْتِعارْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
رام عَذُولِي هَدَّ رُكْنِ الهوىيا كعبةَ الحُسنِ بكِ المُسْتَجارْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
غَضّيْتُ ذاك الطّرْفَ عن ناظِرٍهَيَّجه الوجدُ عَفِيف الإزَارْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

وقول في فتاة اسمها غربية:

ولي جِهَةٌ غَرْبيَّةٌ أشْرقتْ بهالِعَيْنِي شَمسُ الأُفْقِ من غيرِ لا حُجْبِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
ولاح بها بدرُ التّمامِ لِناظرِيومن عجبٍ شمسٌ وبَدْرٌ من الغَرْبِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

وقوله فيها أيضاً:

هَيْفاءُ كالشمسِ ولكنّهاغَرْبيَّةٌ يا قومِ عند الشُّروقْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
يفْتَرُّ منها الثّغْرُ عن لُؤْلُؤٍرَطْبٍ ويبدُو منه لَمْعُ البُروقْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
باللهِ يا عاذلُ عنِّي فذَاباردُه السَّلْسلُ فيه يَرُوقْ
رِفْقاً فما في العَذْلِ لي طاقةٌيُمْكِن منها لِعَذُولِي الطُّروقْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
غِبْتُ عن العاذِلِ فيها فماهَزْلٌ وجِدٌّ لِذَواتِ الفُروقْ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

وقوله فيها أيضاً:

إنّ الإهِلّةَ إذ بدَتْ غَرْبيَّةًفالغَرْبُ منه ضِيَا المَسَرَّة يُشْرِقُ
والشرقُ دَعْهُ فليس منه سِوَى ذُكَاتَحْتَرُّ في وَسَطِ النهارِ وتَحْرِقُ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

وقوله أيضاً، مشجراً:

غزال كبدرِ التِّمِّ لاح بوجْهِههلالٌ رأتْه العينُ من أُفُقِ الشمسِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
رنَا طَرْفُه الفَتَّانُ يوماً لناظرٍيهيمُ به من حيث يُصْبِحُ أو يُمْسي
بَدَا لِيَ في خُضْرِ الرياضِ بأسمرٍبه سُودُ هاتيك الحدائقِ في لَبْسِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
يُعلِّل بالتَّسْويفِ قلبي فليْتهرأَى دَنِفاً ما زال يقْنَعُ باللَّمْسِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
هَلكتُ جَوىً منه فَمن لِمُتَيَّمٍغريبٍ عن الأوطانِ يدْنُو من الرَّمْسِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

وكتب لبعض أحبابه في صدر رسالة:

على الحَضْرةِ العَلْياءِ دام مَقامُهاعَلِيّاً سلامٌ طيِّبُ النّشْرِ والعَرْفِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة
إلى نَحْوِها حَمَّلْتُه نَسْمةَ الصَّبالتكْسِب وصْفاً من شَذَا ذلك الوَصْفِ
للشاعر علي بن عبد القادر الطبري الحسني، اقرأ القصيدة

محمد علي بن إسماعيل الطبري أحد تلك الجلة الكرام، أئمة الحرم الذين وجب لهم الاحترام.

سما قدره فوق أعالي الجبال الشواهق، وبلغ غاية الكهول وهو في سن المراهق.

منزلةٌ لا يكتنه كنهها، ولا يوجد في العالم شبهها.

إلى فضلٍ ثنى إليه عنان الخطاب، وأدبٍ جنى به الثناء المستطاب.

ووراء ذلك رويةٌ أحسن من كل روية، وبديهة أورى من كل فكرةٍ ورية.

بلفظٍ ناهَبَ الحَلْىَ الغَوانِيوأهْدَى السِّحْرَ للحَدَقِ الصِّحاحِ

وقد جئتك من شعره بما يعطر شام النور العبق، ويروق به كأسه المصطبح على ماء النهر والمغتبق.

فمنه قوله من قصيدة، يمدح بها الشريف حسن بن أبي نمى.

مطلعها:

أسَرتْني بطَرْفِها الفَتَّانِوبحُسْنٍ يفوقُ حُورَ الجِنانِ
ذاتُ قُرْطٍ من طَوْقِها مطلع الشَّمْسِ فِدَا حُسْنِها البديع جَنانِي
ما تبدَّتْ تخْتال إلاّ أرَتْنابدرَ تِمٍ يُقِلُّه غُصْنُ بَانِ
ما حكاها في جَنَّةِ الخُلْدِ حُورٌلا ولا في مَراتِعِ الغِزْلانِ
قلّدتْها يدُ الجمال حُلِيّاًفاق حُسْناً قلائدَ العِقْيانِ
بخُدودٍ مُورّداتٍ حِسانٍما حكتْها شَقائقُ النُّعْمانِ
تَيَّمَتْنِي فَرَقَّ جسمِي نحُولاًمِن جَفاها فعَائدِي لا يَرانِي
وأذابتْ قلبِي المُعنَّى وجارتْوصَلَتْنِي لَواعِجَ الأشْجانِ
ليْتَها بَعْدَ بُعْدِها وصَلتْنِيوكَفاها ما مَرَّ من هِجْرانِ
أرَّقتْ مُقْلتِي فأذْرَيْتُ دَمْعاًكالغَوادِي دماً عَبِيطاً قَانِي
لا تَسَلْ ما جَرى على الخَدِّ منهايا حبيبي فقد جرَى ما كَفانِي
فجُفونِي على الدَّوامِ دَوَامٍودموعِي مَشارِعُ الغُدْرانِ
قيل مَهْلاً فمَن صَبَا صَيَّرتْهمُوجِباتُ الصِّبا أسيرَ الغَوانِي
حَبَّذا إن قَضيْتُ في الحُبِّ وَجْداًوقضى حاكمُ الهوى بهَوانِي
ظَبْيةٌ تقْنِصُ الهِزَبْرَ فيُمْسِيوهْو لَيْثُ الشَرَى الأسِيرَ الْعانِي
تتَّقِي الأُسْدُ في العَرِينِ سَطاهُوهْو يخْشَى من فَتْرةِ الأجْفانِ
كلمتْنِي بفَاتِراتٍ مِرَاضٍسِحْرُ هارُوتِها قضَى بافْتتانِي
جاوَز الحَدَّ لَحْظُها فمَلاذِيحَسَنٌ ذُو الفخار والسُّلْطانِ

وقوله من أخرى في مدحه أيضاً، ومستهلها:

أفْدِي مَهاةً تُلِينُ القوَل أحْيانَافتسلُب العقلَ ممَّن كان أحْيانَا
أماتَنا هَجْرُها المُولِي القلوبَ أسىًيُذيِب لولا رجاءُ الوصلِ أحْيانَا
لا عاش مَن يتمَنَّى بعد نَشْوتِهمِن خمرةِ الحبِّ أن يصحُو ولا كانَا
بمُتْرَفِ الخدِّ جَنَّاتٌ لناظرِهالكنّها أجَّجَتْ في القلبِ نِيرانَا
لولا سحائبُ جَفْنٍ سَحَّ وَابِلهُأجْرَى بِحاراً فأطْفاها وغُدْرانَا
تُرِيك من وجهِها الضّاحِي وقامتِهابدراً على غُصُنٍ يخْتال نَشْوانَا
جارتْ على قلبِيَ المجروحِ مُقْلتُهاوأتْلفتْه وما أضْمَرْتُ سُلْوانَا
لا تُسْتمال وإن مالتْ مَعاطِفُهاتحمَّلَتْ من رياضِ الحُسْنِ أفْنَانَا
ترْنُو بفاترِ طَرْفٍ زاد صَارِمُهفينا عن الحَدِّ مَسْنوناً فأفْنانَا
كأنما سيفُ بَدْرِ الدين أوْدَعَهمن طَرْفِها الفاترِ الفَتَّانِ أجْفانَا
ويحسَبُ الناسُ من أهلِ البَدِيعِ ومِنأهلِ السليميَّةِ الغَبْرَا ومعكانَا
أو آلِ خالد من أهدى ضلالُهُمُنُفوسَهم فغدوْا هَدْياً وقُرْبانَا
وغرَّهم فيهمُ حتى غَدَتْ فِئَةٌفَيْئاً وأخْرَى قضتْ لم تَرْجُ غُفْرانَا
هذا مُكبَّلُ مَأْسُورٌ وذا ورَدتْبه القنَا مِن حِياضِ الموت طُوفَانَا
وجرَّعتْهم كؤوسَ الحَيْنِ مُتْرَعةًوقائعٌ تتْرُك الوِلْدانَ شِيبانَا
لو أنهم عَقَلُوا أمْراً لَما شَهَرُواعَضْباً ولا اعْتقلُوا للحَرْبِ مُرَّانَا
ولو يُرِيدون خَيْراً أو يُرادُ بهمْكانوا على ما مضَى من قبلُ غِلْمانَا
لكنْ قضَى اللهُ باسْتِئْصالِهم فبَغَوْاعلى نفوسِهمُ ظُلْماً وعُدْوانَا
وشاهَدُوا جَحْفَلاً ذابتْ نفوسُهمُمِن خَوْفِه مَلأَ الآفاقَ فرسانَا
تَسُلُّ أسْيافَه أحلامُ نائِمهمْعليه رُعْباً ويَلْقَى الموتَ يَقْظانَا

هذا من قول أشجع السلمي:

وعلى عَدُوِّك يا ابنَ عَمِّ محمدٍرَصَدانِ ضَوْءُ الصبحِ والإظْلامُ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
فإذا تنبَّه رُعْتَه وإذا غَفَاسَلَّتْ عليه سيوفَك الأحْلامُ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «فإذا تنبه رعته وإذا»

منها:

له من الرُّعْبِ أنْصارٌ مُؤيِّدةٌتُصَيِّرُ الليثَ مثلَ الضَّبِّ حَيْرانَا

في الأمثال أحير من ضبٍ؛ لأنه إذا فارق جحره لم يهتد للرجوع.

يحُفُّه من بَنِيه أُسْدُ معركةٍتَرْوِي الْقَنا إن غَدا الضِّرْغَامُ ظَمْآنَا
بيتُ النُّبُوةِ بيتُ اللهِ مَن ورَثُواأمْرَ الخلافةِ سُلْطاناً فسُلْطانَا
يَفْنَى المَديحُ ولا تُحْصَى مَحامدُهمْفَدَعْ زُهَيْراً ودَعْ كَعْباً وحَسَّانَا

محمد جمال الدين بن عبد الله الطبري مقدم في المقال وإن تأخر، وإذا كان غيره بحراً يفيض فهو بحرٌ يزخر.

يتقدم حيث يتأخر الذابل، ويجود إذا ما ضن بجوده الوابل.

فروض طبعه تسرح النواظر في فضاه، ومرعى بيانه أينع سعدانه ورف غضاه.

وله ذكاء متطاير اللهب، وقريض يزري بقراضة الذهب.

وقد أثبت له ما يعلق من كعبة البلاغة، ويعرف منه أنه لم يبلغ أحدٌ بلاغه.

فمنه قوله، من قصيدة في المدح:

مُذ لاح بدرُ الدُّجَى وأشْرَقْأغْرقني مَدْمَعِي وأشْرَقْ
ورُحْتُ من لَوْعتِي أُصالِيجَوىً لقلبِي الكئيبِ أحْرَقْ
لا لَوْعَتِي تنْطفِي وحِبِّيفَرَّق شمْلِي وما ترفَّقْ

ومنها:

لمَّا رأيتَ الهوى هَواناًوأنني في يديْك مُوثَقْ
وأن جَوْرَ الغرامِ عَدْلٌوحاكمَ الحبِّ ليس يُشْفِقْ
جاوَزْتَ في الحدودِ ظُلْماًألستَ عَدْلَ الحسينِ تَفْرَقْ
بدرُ الملوك الحُسَين مَن فينَدَى يديْه البِحارُ تَغْرَقْ
ومَن له صَوْلةٌ وعَزْمٌمنها أُسودُ الحروبِ تُشْفِقْ

ومنها:

لو لَمَستْ رَاحتاهُ عُوداًأثْمَرَ في كفِّه وأوْرقْ
ولو ينال السحابُ فَيْضاًمن بعضِ جَدْواهُ كان أغْرَقْ
فلا تقِسْ بالحسين خَلْقاًفمثلُه ما أظنُّ يُخْلَقْ
ومَن بنُورِ النبيِّ طهضَمَّخَه ربُّه وخَلّقْ
أعْظَمُ من قيصرٍ وكسرَىوتُبَّعٍ مَنْصِباً وأعْرَقْ

وقوله في الغزل:

أسيرُ العيونِ الدُّعْجِ ليس له فَكُّلأنَّ سيوفَ اللّحْظِ من شأنها السَّفْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
حَذارِ خَلِيَّ القلبِ من عَلَقِ الهوىوأوّلُها سُقْمٌ وآخرُها فَتْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
ورُحْ سالماً قبلَ الغرامِ ولا تقِسْعليَّ فإنِّي هالكٌ فيه لاشَكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
ألم تَرَنِي وَدَّعتُ يوم فِراقِهمْحَشايَ لِعلْمِي أن ما دونه الهُلْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
وكيف خَلاصِي من يَدَيْ شادِنٍ إذابَدا ابْيَضَّ في الدَّيجُور من نُورِهِ الحَلْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
وهيْهات أن تُرْجَى لِمثْلِي سَلامةٌوقد سَلَّ بِيضَ الهنْدِ ألْحاظُه التُّرْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
يقولون تَرْكُ الحُبِّ أسلمُ للفتىنعم صدقوا إن كان يُمكنُه التّرْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
دَعُونِي وذِكْرِي بين بَاناتِ لَعْلَعٍعُرَيْباً هواهم في المَواقِفِ لي نُسْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
وإن رُمْتُمُ إرشادَ قلبي فكرِّرُواأحاديثَ عشقٍ طاب في نَظْمِها السَّبْكُ
أما والخدودِ العَنْدَمِيَّاتِ لم أحُلْوكلُّ الذي عنِّي روَى عَاذِلِي إفْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
وما بمَصُونِ الثّغْرِ من ماء كَوْثرٍوكأسِ عَقِيقٍ خَتْمُه خالُه المِسْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة
لقد لَذّ لي خَلْعُ العِذارِ وطاب فيهَوى الخُرَّدِ الغِيدِ الدُّمَى عنديَ الهَتْكُ
للشاعر جمال الدين الطبري، اقرأ القصيدة

قوله: لاشك قد يتوهم أن فيه لحناً، على أن لا نافيةٌ للجنس واسمها في ذلك منبيٌّ على الفتح.

ولا لحن فيه، بل فيه وجهان: أحدهما، منع كونها نافيةً للجنس، بل عاملة عمل ليس، والخبر محذوف جوازاً، كقول الحماسي:

مَن صَدَّ عن نِيرانِهافأنا ابْن قَيْسٍ لا بَراحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «كن كيف شئت فلا براح»

والثاني؛ أن تكون نافيةً للجنس، إلا أنها ملغاة، والرفع بالابتداء، فلم يجب تكرارها، لجواز تركه في الشعر.

وله تصدير وتعجيز لقصيدة ابن الفارض، وقفت منه على قطعةٍ، وهي:

ما بين ضَالِ المُنْحَنَى وظِلالِهِرَشَأٌ سَبَى الألبابَ عَنْبَرُ خالِهِ
في ليلِ طُرَّتِه وصُبْحِ جَبينِهِضَلَّ المُتَيَّمُ واهْتدَى بضلالِهِ
وبذلك الشِّعْبِ اليَمانِي مُنْيةٌما بين سَفْحِ طَوَيْلعٍ وجِبالِهِ
مِن دونها حَتْفُ النفوسِ وبُغْيةٌللصَّبِّ قد بَعُدتْ على آمالِهِ
يا صاحِبي هذا العَقيقُ فقِفْ بهواحرُس فؤادَك من لِحاظ غَزالِهِ
فإذا وصلتَ الجِزْعَ طُفْ بِقبابِهِمُتَولِّهاً إن كنتَ لست بِوَالِهِ
وانْظُرْه عنِّي إن طَرْفِي عَاقَنِيياقوتُه بصَفا لُجَيْنِ رِمالِهِ
مارَام منه ذاك إلاّ صَدَّهُإرْسالُ دَمْعِي فيه عن إرْسالِهِ
واسْألْ غَزال كِناسِه هل عندهخبَرٌ بمَن أضْحَى قتيلَ نِزالِهِ
أو عنده ممَّا أُلاقِي من أسىًعِلْمٌ بقلبِي في هَواه وحالِهِ

وكتب إلى شيخه عبد الرؤوف بن يحيى الواعظ المكي، مسائلاً بقوله:

يا أَيها الحَبْرُ يا مَنْمنه العلومُ تفجَّرْ
ومُفَرَدَ العصرِ مَن قدلمسجدِ اللهِ أَزْهَرْ
بالاشْتغالِ دَواماًبقُرْبِ بيتٍ مُطهَّرْ
ما الحكمُ في كلِّ قاتٍوكفتةٍ هو مُنْكَرْ
أَم لا لنا فأبِينُوالديكُم الصَّعْبُ يظْهَرْ
أَنتم مَلاذٌ وأَمَّافي الحكم كُلٌّ تحيَّرْ

فأجابه بقوله:

الحمدُ لله حَمْداًأفرادُه ليس تُحْصَرْ
ومنه خيرُ ثَناءٍلأحمدَ الطُّهْرِ يُنْشَرْ
الحكمُ في ذَيْنِ حِلٌّوالتَّرْكُ للضُّرِّ أظْهَرْ
عبدُ الرؤوف وَشاهُيرجُو المَزلاّت تُغْفَرْ

فضل بن عبد الله الطبري ذاته كاسمه، والفضل كله برسمه أجل قدراً من أن لا يعرف، وحاشاه أن يكون نكرةً فيعرف.

وقد سمعت من يقول عنه: هو العلم الذي عرف العالم فضله، والفاضل الذي إذا اعتبر فغيره بالنسبة إليه فضلة.

وله من الأشعار كل درةٍ فريدة، هي روي في طلا كل وليدة خريدة.

فمنها قوله، من قصيدة يمدح بها الشريف زيد بن محسن، أولها:

يا مَيُّ حَيَّى الحَيْاَ أحْيَا مُحَيَّاكِهلاَّ بأعْتابِ عُتْبَى فَاهَ لي فَاكِ
مَن لي إليك وقد أوْدَى صُدودُك بيولا تَزالِين طَوْعاً لَيَّ أفَّاكِ
يا هذه لم أزَلْ مِن بُعْدِها ودُنُوِّالسُّقْمِ من بَعْدِها مَوْثوقَ أشْرَاكِ
تِيهِي أَطِيلي التَّجنِّي والجَفَاءَ وماأرَدْتِ فاقْضِيه بي فالُحسْنُ وَلاَّكِ
رِفْقاً رُويْداً كأني بالعَذُولِ علىتَطاوُلِ الصَّدِّ في ذا الصَّبِّ أغْراكِ

منها:

حَسْبي دليلاً على شوقي المُبرِّح بيأنِّي لَثَمْتُ عَذُولِي حين سَمَّاكِ
والجَفْنُ في أرَقٍ والقلبُ في حُرَقٍوالعينُ في غَرَقٍ إنْسانُها باكِي
يا مُهجةَ الصَّبِّ غير الصَّبْرِ ليس وقدجَنَتْ عليك بما لاقيتِ عَيْناكِ

منها في المديح:

قد زاد في شرفِ البَطْحاءِ أنَّك فيجِيرانِها خَيْرُ فَعَّالٍ وتَرَّاكِ
مُولِي الجميل ومَنْجاةُ الدَّخِيلِ ومَنْحاةُ الخَذِيلِ سَرِيُّ عَيْنِ أمْلاكِ

قوله في مطلع القصيدة: فاه لي فاك، جرى فيه على اللغة الضعيفة، وهي لزوم الألف للأسماء الخمسة في جميع الحالات، كقوله:

إنَّ أبَاها وأبا أباهَا

ومن شعره قوله:

لا تُضيِّعْ سَبَهْلَلاً فُرَصَ الْعمرِ بلا طاعةٍ ولا تتعلَّمْ
سوف يَدْرِي الجَهْولُ عند انْقضاءِ العمرِ سُدىً كيف ضاع فيَنْدَمْ

عبد الرحمن بن عيسى المرشدي مفتي القطر الحجازي وعالمه، وصدره الذي قامت به معالمه.

جواد قلمه في ميدان الطرس مرخي العنان، وشرح نموذج حاله أجلى وأظهر من العيان.

سلم له من كل فنٍ أهل حله وعقده، وأذعن لبلاغته من كل صوبٍ جهابذة نقده.

وألقت إليه الفصاحة مقاليدها، وكتبت رؤساء البراعة باسمه تقاليدها.

وهو الطود رصانةً، والطور رزانةً.

بعلمه يقتدى، وبحلمه يهتدى.

وكان عصره يربو على العصور شرفاً، ويرتقي من المعالي فنناً وشرفاً.

بضروبٍ من المآثر والمفاخر، ازدانت بها الأوائل والأواخر.

يحديها حادي الرفاق، على مطالع الإشراقين من الآفاق.

حتى سمعتها كل أذن صما، ورأتها كل عينٍ عميا.

وكان حماه للقصاد قبلة، وما أظن أحداً بلغ مثل شأنه قبله.

يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا، وينشد ببابه تمام الحج أن تقف المطايا.

وله من الآثار ما هو في مسامع النبغاء شنف، وفي مجامع البلغاء روضٌ أف.

ومن خبره على ما نقل ابن معصوم، أنه لم يزل ممتطياً صهوة العز المكين، راقياً ذروة طود الجاه الركين.

لا يقاس به قرين، ولا تطأ آساد الشرى له عرين.

إلى أن تولى الشريف أحمد بن عبد المطلب مكة المشرفة، ورفل في حلل ولايتها المفوقة.

وكان في نفسه من الشيخ المشار إليه ضغن، حل بصميم مهجته وما ظعن.

فأمر أولاً بنهب داره، وخفض محله ومقداره.

ثم قبض عليه قبض المعتمد على ابن عمار، وجزاه الدهر على يديه جزاء سنمار.

إلاأن المعتمد أعض ابن عمار بالحسام الأبيض، وهذا طوقه هلال فترٍ من أنامل عبدٍ أسود، فجرعه كأس الموت الأحمر.

وكان قد أبقاه في محبسه إلى ليلة عرفة، ثم خشي أن يسعى في خلاصه من أكابر الروم من عرفه.

فوجه إليه بزنجيٍ أشوه خلق الله خلقا، وتقدم إليه بقتله في تلك الليلة خنقا.

فامتثل أمره فيه، وجلله من برد الهلاك بضافيه.

فأقفرت لموته المدارس، وأصبحت ربوع الفضل وهي دوارس.

وذلك في عام سبع وثلاثين والف.

ومن الاتفاق أن الشريف المذكور قتل هذه القتلة بعينها، حين تقاضت منه الليالي ما سلفت من دينها.

وفي الأثر: كما تدين تدان، وهذا حال الدهر مع كل قاصٍ ودان.

وهذا حين أتلو من آياته، وأثبت ما يدل على بعد غاياته.

فأعظمها قصيدته التي مدح بها الشريف حسنا، وابنه أبا طالب، مهنياً لهما بالظفر بأهل شمر، وهو جبل بنجد:

نَقْعُ العَجاجِ لَدَى هَياجِ العِثْيَرِأذْكَى لدَيْنا من دُخانِ العَنْبَرِ
وصَلِيلُ تجْريدِ الحُسامِ ووَقْعُهفي الْهامِ أجْدَى نَغْمةً من جُؤْذُرِ
وسَنَا الأسِنَّةِ لاَمِعاً في قَسْطَلٍأسْنَى وأسْمَى من مُحَيّاً مُسْفِرِ
وتَسَرْبُلٌ في سابِغاتِ مُزَرَّدٍأبْهَى علينا من قَباءٍ عَبْقَرِي
وتتَوُّجٌ بقَوانِسٍ مَصْقولَةٍأزْهَى علينا من سَدُوُسٍ أخْضَرِ
وكذاك صَهْوةُ سابِحٍ ومُطهَّمٍأشْهَى إلينا مِن أَرِيكةِ أحْوَرِ
ولِقَا الْكَمِيِّ مُدَرَّعاً في مِغْفَرٍكلِقَا الغَرِيرِ بمِقْنَعٍ وبِمخْمَرِ
ألِفَتْ أسِنَّتُنا الورُودَ بمَنْهَلٍعَلقتْ به عَلَقَ النَّجِيعِ الأحْمَرِ
وسيوفُنا هجَرتْ جِوارَ غُمودِهاشَوْقاً لِهامَةِ كلِّ أصْيَدَ أصْعَرِ
فتَخالُها لمَّا تُجرَّد عندماهاج القَتامُ بَوارِقاً بِكَنَهْوَرِ
وصَهِيلُ جُرْدِ الخيلِ خِيلَ كأنهرَعْدٌ يُزَمْجِرُ في الْجَدَى المُثْعَنْجِرِ
ودمُ العِدَى مُتقاطِراً مُتدفِّقاًكالوَبلِ كالسيلِ الجُرافِ الْجِوَّرِ
ورُءوسُهم تجْرِي به كجَنادِلٍقذَفْت به مَوْجُ السيولِ الهُمَّرِ
غَشِيَتْهُمُ في العامِ مِنَّا فِرقةٌتركتْ فَرِيقَهم كسَبْسَبِ مُقْفِرِ
أوْدَتْهُمُ قَتْلاً وأجْلَتْهم إلىأن حطَّم الهِنْدِيُّ ظَهْرَ المُدْبِرِ
تركتْ صَحاراهُم مَوائِدَ ضُمِّنَتْأشْلاءَ كلِّ مُسَوَّدٍ وغَضَنْفَرِ
ودَعتْ ضُيوفَ الوحشِ تَقْرِيهمْ بماأفْنَى المُهَنَّدُ والوَشِيجُ السَّمْهَرِي
فأجَابها من كلِّ غِيلٍ زُمْرَةٌتحْدُو مَنارَ عَمَلَّسٍ أو قَسْوَرِ
وأظلَّها ظُلَلٌ نِشَاصُ سَحابِها الْمرْكومِ أجْنحةُ البُزاةِ الأنْسُرِ
فبَراثِنُ الآسادِ تضْبثُ في الكُلَىومَخالبُ العِقْبان تنشَب في المَرِي
شكَرتْ صَنيعَ المَشْرَفيَّةِ والْقَناإذْ لم تَضِفها الهُبْرَ غيرَ مُهَبَّرِ
فغَدتْ قبورُهمُ بطونَ الوَحْشِ مِنْها يُبعَثون إذا دُعُوا للمَحْشَرِ
وخلَتْ ديارُهمُ وأقْوَى رَبْعُهمْوسَرى السَّريُّ مُشَمِّراً عن شمّرِ
أنِفَتْ من اسْتقْصاءِ قَتْلِ شَرِيدِهمْكَيْما يُخبِّرَ قائلاً مِن مَخْبَرِ
فثَنتْ أعِنَّةُ خَيْلِنا أجْيادَهاعن قَتْلِ كلِّ مُزَنَّدٍ وحَزَوَّرِ
حتى إذا حان القِطافُ لِيانِعٍمن أرْؤُسٍ تُرِكتْ ولَمّا تُؤْبَرِ
عصفَتْ بها رَيْبُ المَنُونِ فأُلْقِحتْوتحرَّكتْ بزِعَازِعٍ من صَرْصَرِ
فدعَتْ سُراةَ كُماتِنا لِقطافِهابأناملِ القصَبِ الأصَمِّ الأسْمَرِ
فتجهَّزتْ لحَصادِها في فَيْلَقٍلو يسْبَحون بزَاخرٍ لم يَزْخَرِ
مَلأٌ تنُوق إلى الكفاحِ نُفوسُهمتَوَقَانها لِلِقَا الرَّداحِ المُعْصِرِ
يغْشَوْن أبْطال الخَمِيسِ بَواسِماًكالليثِ إن يَلْقَ الفَرِيسةَ يَكْشِرِ
وتَخالُهم فوق الجِياد لَوابِساًسَدّاً يمُوجُ من الحديدِ الأخْضرِ
فإذا همُ ازْدحمُوا بجِزْعٍ وانْثَنَوْاأوْرَى زِنادُ دُروعِهم ناراً تُرِي
جيشٌ طَلائعُه الأوابِدُ إن تُصِخْلوَجِيبِه من قِيدِ شَهْرٍ تنْفِرِ
يقْتادُهُ الملك المُشِيحُ كأنهبين العَوالي ضَيْغَمٌ في مَزأَرِ
مَلِكٌ تَدرَّع بالبَسالةِ فاغْتنَىيومَ الوغَى عن سابِغٍ وسَنَوَّرِ
مَلِكٌ تتوَّج بالمَهابةِ فاكْتفَىعند الطِّعان لِقرْنِه عن مِغْفَرِ
مَلِكٌ تُذكَرنا مَواقِعُ حَدِّهفي الْهامِ وَقْعةَ جَدِّه في خَيْبَرِ
مَلِكٌ إذا ما جال يومَ كَريهةٍلم تَلْقَ غيرَ مجدَّلٍ ومُعَفَّرِ
مَلِكٌ يُجهِّز من جَحافلِ رَأْيِهقبلَ الوَقيعةِ جَحفَلاً لم يُنظَرِ
مَلِكٌ تسنّمَ ذِرْوةَ المجدِ التيمِن دونها المَرِّيخُ بل والمشْترِي
الأشْرفُ الشَّهمُ الذي خضَعتْ لهشُمُّ الأُنوفِ وكلُّ جَحْجاحٍ سَرِي
الأفضلُ السَّنَدُ الذي أوْصافُهأنْسَتْ سُمَا الوَضَّاحِ وابنِ المُنْذِرِ
الأكْرمُ المِفْضالُ مَن إحسانُهأرْبَى على كسرَى الملوكِ وقَيْصَرِ
ذُو الهِمَّةِ العَلْيا الذي قد نال ماعنه تُقصِّر هِمَّةُ الإسكَنْدَرِ
شَرَفاً تقاعَستِ الكواكبُ دونَهلو لم تُمَدَّ بنُورِه لم تُزْهِرِ
هَبْها بمنطقةِ البُروجِ مَقَرُّهاأمُناهِزٌ هذا بُنُوَّةَ حَيْدَرِ
كَلاَّ فكيف بمَن حَواها جامِعاًنَسَباً سَمَا بأُبُوَّةِ المُدَّثِّرِ
أعْظِمْ بها من نِسْبةٍ نَبَويَّةٍعَلَويَّةٍ تُنْمَى لأصلٍ أطْهَرِ
قد شُرِّفْت بَدْءًا بأشْرفِ مُرْسَلٍونِهايةً بالسيِّدِ الحسَن السَّرِي
فَخْرُ الخلائقِ دُرَّةُ التَّاجِ الذيبِسواه هامُ ذوِي العُلَى لم يَفْخَرِ
لم تَلْقَه يَوْمَيْ وَغىً وعَطاً سِوَىطَلْقِ المُحَيَّا في حُلَى المُسْتَبْشِرِ
يعْفُو عن الذَّنْبِ العظيمِ مُجازياًجَازِيه بالحُسْنَى كأن لم يُوزَرِ
يا سيِّد الساداتِ دُونَك مِدْحَةًنفَحت بعَرْفٍ من ثَناك مُعَطَّرِ
قد فُصِّلتْ بلآلىءِ المَدْحِ التييقفُ ابنُ أوْسٍ دُونها والبُحْتُرِي
وَافتَكْ تَرْفُل في بُرودِ بلاغةٍوبراعةٍ ببُرودِ صَنْعا تَزْدرِي
صاغتْ حُلاها فكرةٌ قد صانَهاشَمَمُ الإباءِ عن امْتداحِ مُقصِّرِ
ما شَأْنُها كَسْب القَرِيضِ تكسُّباًلولا مَقامُك ذُو العُلَى لم تَشْعُرِ
فورَدتُ مَنْهَلَها الرَّوِيَّ فلم أجِدْأحَداً فنِلْتُ صَفاهُ غيرَ مُكدَّرِ
فنَهلْتُ منه وعَلَّني بنَمِيرِهوطَفِقْتُ وَارِدَه ولمَّا أصْدُرِ
خُذْهَا عَقِيلةَ كِسْرِ جَيْشِ فَصَاحةٍسَفَرتْ نِقاباً عن مُحَيّاً مُسْفِرِ
جمعتْ بَلاغةَ مَنطقِ الأعْرابِ مَعْحُسْنِ البيانِ ورقَّةِ المُسْتَحْضِرِ
لو سامَها قُسٌّ لمَا سُمِعتْ لهبعُكاظَ يوماً خُطْبَةٌ في مِنْبَرِ
شرُفتْ على مَن عارَضتْه بمَدْحِ منأضْحَى القَرِيضُ به كعِقْدٍ جوهرِي
فاسْتَجلِها وَافتْ تُهنِّي بالذينفَحتْ بَشائرهُ بمِسْكٍ أَذْفَرِ
نصرٌ تهُزُّ بُنودَه رِيحُ الصَّباخفَقتْ على هامِ الأشَمِّ الْحَزْمَرِ
هو نَجْلُك الْمنصور دامَ مُؤيَّداًبك أيْنما يُلْقِ العزيمةَ يظْفَرِ
لا زلتُما في ظلِّ مُلْكٍ بَاذِخٍوجنودُ مُلْككمُ ملوكَ الأعْصُرِ
مُسْتمْسِكين بهَدْي جَدِّكم الذيبالرُّعْبِ يُنْصَر من مسافةِ أشْهُرِ
أهْدَى الإلهُ صَلاتهُ وسلامهلجَنابِه في طَيِّ نَشْرِ العَبْهَرِ

أخوه القاضي أحمد شهاب الدين الشهاب الساطع، والحسام القاطع.

له المجد المضاعف، والأمل المساعف.

والتباهي في التهذيب والتحليم، والتناهي في التجريب والتحكيم.

وكان في أيام صدارة أخيه عضده الذي أزره به اشتد، ومضاهيه الذي تهيأ به لقيام تلك الحرمة واعتد.

وولي حكم القضاء بالحرم فأضاءت العقد درةٌ وكانت واسطة، وامتدت يد من القوة وكانت بها باسطة.

ولما قبض ابن عبد المطلب على أخيه، أردفه معه على ذلك الأدهم، حتى جرع أخاه تلك الكأس فألهمه الله في إفراجه ما ألهم.

فنحي بعد ظنه أنه لم يكن ناحياً وسومح بالجناية التي اجترمت عليه وما أحسبه عد جابيا.

فمتع الله به سائر أودائه، ونولهم بقاه إرغاماً لأعدائه.

ثم انقضت دولة ابن عبد المطلب فانهش له الدهر وأراه وجهاً بسيطاً، وساعفه بعيد ذلك التواني فحباه عطفاً نشيطاً.

وراش حاله، وأعاد منه ما غيره وأحاله فما برح في حالٍ حالية، وأيامه من النكد خالية.

إلى أن انمحى رسم عيشه ودثر، وانفصم عقد أيامه المنظوم وانتثر.

واتفق تاريخ وفاته صدر هذا البيت:

مَن شاء بعدَك فَلْيَمُتْفعليك كنتُ أُحاذِرُ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كنت السواد لناظري»

وله شعر كرأد الضحى في التألق، وبهجة الروض الأريض في التأنق.

أثبت منه ما به الكتاب عبق، وخاطر المترنح به علق.

فمنه قوله من دالية مشهورة، مدح بها الشريف مسعود بن إدريس، ومستهلها:

عوُجاَ قليلاً كذا عن أيْمَنِ الوادِيواسْتوقِفا العيسَ لا يحْدُو بها الحادِي
وعَرِّجا بي على رَبْعٍ صحِبتُ بهشَرْخَ الشَّبِيبةِ في أكْنافِ أجْيادِ
واسْتعْطِفا جِيرةً بالشِّعبِ قد نزلُواأعْلَى الكَثِيب فهمُ عزيِّى وإرْشادِي
وسائِلاَ عن فؤادِي تبْلُغا أمَلِيإن التَّعلُّل يشْفِ غُلَّةَ الصَّادِي
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «صوادج البان ولنا هجرها بادي»
واسْتشفِعا تُشْفَعا نَسألْكُمُ فعسَىيُقدِّر اللهُ إسْعافِي وإسْعادِي
وأحْمِلاني وحُطَّا عن قَلُوصِكمافي سُوحِ مُرْدِي الأعادِي الضَّيْغَمِ العادِي
مسعودُ عينُ العُلَى المسعودُ طالِعُهُقلبُ الكتيبةِ صدرُ الْحَفْلِ والنَّادِي
رأسُ الملوك يَمين المُلكِ ساعدُهزَنْدُ المعالي جَبِينُ الجَحْفلِ البادِي
شهمُ السُّراةِ الأُلَى سارتْ عَوارِفُهمْشرقاً وغرباً بأغْوارٍ وأنْجادِ
نَرِدْ غِمارَ العُلَى في سُوحِه ونُرِحْأيْدِي الرَّكائِب من وَخْدٍ وإِسْآدِ
فلا مُناخَ لنا في غيرِ ساحتِهوجودُ كفَّيْه فيها رائحٌ غادِي
يَعْشَوْشِب العِزُّ في أكْنافِ عَقْوتِهيا حَبَّذا الشِّعبُ في الدنيا لِمُرْتادِ
ونجْتني ثَمرَ الآمالِ يانعةًمن رَوْضِ مَعْروفِهِ من قبل مِيعادِ
فأيُّ سُوحٍ يُرَى من بعد ساحتِهوأي قصدٍ لمقصودٍ وقُصَّادِ
لِيَهْنِ ذا المُلكَ أن أُلْبِسْتَ حُلَّتَهتُحْيي مآثرَ آباءٍ وأجْدادِ
لبسْتَها فكسَوْتَ الفخرَ مُرْسِلَهامُشهَّراً يبْهَرَ المصبوغَ بالجادِي
عَلَوْتَ بيتاً ففاخرْتَ النُّجومَ عُلاًوالشُّهْبَ فَخْراً بأسبابٍ وأوْتادِ
ولُحْتَ بَدْراً بأُفْقِ المُلك تحسِدهشمسُ النهارِ وهذا حَرُّها بادِي
وصُنْتَ مكةَ إذْ طهَّرتَ حَوْزَتَهامن ثُلَّةٍ أهلِ تَثْليثٍ وإلْحادِ
قد غَرَّ بعضَهم الإهمالُ يحسَبُهعَفْواً فعاد لإتْلافٍ وإفْسادِ
فذُدْتهم عن حِمَى البيتِ الحَرامِ وهممن السَّلاسلِ في أطْواقِ أجْيادِ
كأنهم عند رَفْعِ الزَّنْدِ أيديهَميدْعُون حُبَّاً لمولانا بإمْدادِ
وما ارْعَوَوا فشَهرتَ السيفَ مُحتسِباًيا بَرْدَ حَرِّهم في حَرِّ أكْبادِ
غادَرْتَهم جَزَراً من كلِّ مُنْجَدِلٍكأن أثوابَه مُجَّتْ بفِرْصادِ
سعَيْتَ سَعْياً جَنَينْا من خمائلِهنَوْرَ الأمانِ لأرْواحٍ بأجْسادِ
فكم بمكةَ من داعٍ ومُبْتهِلٍومن محبٍ ومن مُثْنٍ ومن فادِي
وعاد كلُّ عَصِيٍ ذلَّةً وصَلَىوكان من قبلُ صَعْباً غيرَ مُنْقادِ
نَفَى لَذيذَ الكرى عنهم تذكُّرُهموقائعاً لك بين الخَرْجِ والوادِي
أباح سَرْحَك أن يرعى منازِلَهممُهمِّلاً كلَّ مُعْوَجٍ ومُنْآدِ
مِن كلِّ أبْيضَ قد صَلَّتْ مَضاربُهلمَّا ترقَّى خطيباً مِنْبَرَ الهادِي
وكلِّ أسْمَر نَظَّامِ الطُّلاَ ولهإلى العِدَى طَفْرةُ النَّظَّامِ مَيَّادِ
وصانَ وَسْمَكَ في حاشٍ مُخالطةٌعن ربِّ غَزْوٍ تنضَّاه بأحْشادِ
وأسْكَنتْ قلبَهم رُعْباً تذَكُّرُهيُنْسِي الشَّفُوقَ المُوالِي ذِكْرَ أولادِ
أقْبلْتَهم كُلَّ مِرْقالٍ وسابحةٍيُسْرِ عَنْ عَدْواً إلى الأعدا بأطْوادِ
من كلِّ شهمٍ إلى العلياءِ مُنتسِبٍبسادةٍ قادةٍ للخيْلِ أجْوادِ
فهاكَ يا ابنَ رسولِ اللهِ مِدْحةَ مَنأوْرَتْ قَريحتُه من بَعْدِ إخْمادِ
فأحْكمَتْ فيك نظماً كلُّه غُرَرٌما أحْرزَت مثلَه أقْيالُ بَغْدادِ
أضْحَتْ قَوافِيه والآمالُ تَسْرَحُهاروضَ البديعِ لإرْصادٍ بمِرْصادِ
ترْوِيه عنِّي الثُّرَيَّا وهْي هازئةٌبالأصْمَعِيِّ وما يرْوِي وحَمَّادِ
وتسْتحِثُّ مَطايَا الزَّهْرِ إن ركَدتْكأنها إبلٌ يحْدُو بها الحادِي
وتُوقِظُ الرَّكْبَ مِيلاً من خُمارِ كَرىًوالليل من طَوْقِ تَدْآبِ السُّرَى هادِي
أتتْك تشْفَع إدْلالاً لِمُنشِئِهافاقْبَلْ تذلُّلَها يا نَسْلَ أمْجادِ
وأسْبِلِ الصَّفْحَ سِتْراً إن بَدا خَلَلٌتهتك به سِتْرَ أعداءٍ وحُسَّادِ

وكتب إلى القاضي تاج الدين المالكي، من الطائف:

لا هاج قلباً هام مِنْبُرَحِ التَفَرُّقِ بانْصِداعِ
غَيْمٌ أرَقُّ حَواشِياًمِن بُرْدِ ضافِيةِ القِناعِ
زَجِلُ الرُّعودِ كأنهانَغماتُ آلاتِ السَّماعِ
والهَمْعُ مثلُ الدمعِ مِنعَيْنَيْ مُراءٍ أو مُراعِ
يَهْمِي ويسكُن كي يعُمَّبرِيِّهِ شَعَفَ التِّلاعِ
والبرقُ يخفُق مثلَ قَلْبِ الصَّبِّ في يوم الوَداعِ
ونَسِيمُه قد رَقَّ مِنحَرِّ اشْتياقِي والْتياعِي
لِفراق تاجِ الدِّين ماصِي الأمْرِ قاضِينَا المُطاع
مَن جُمِّعتْ فيه العُلَىوتوفرتْ فيه الدَّواعِي
ذِي الفضل بالمعنَى الأعَمِّولا أَخُصُّ ولا أُراعِي
سبقتْ أنامِلُه الأنامَ فأحْرزَتْ قَصَبَ اليَرَاعِ
لَخجلْتُ إذْ فاتحتْهُ التَّرْسيلَ من سوءِ اصْطِناعِي
مَن ذا يُبارِي ذَا البيانِ بِرَاقِمٍ ويَدٍ صَناعِ
إذْ حاك وَشْياً لا يحُوكُ بالابْتكارِ والاخْتِراعِ
لا زال محمودَ الخِصالِ ودام مشكورَ المَساعِي
فإليْكها ابْنةَ خاطرٍأصْفَى من الذهب المُماعِ
تزْهُو على دُرِّ النُّحورِ وتزْدرِي وَدَعَ الوَداعِي
وعلى شهابِ الدِّين مَنيهْوى النُّزوعَ إلى النِّزاعِ
منِّي تحيَّةِ شَيِّقٍمَزَجَ الخلاعةَ بالخَلاعِ

فراجعه بقوله:

إن همَّ قلبُك صِينَ مِنبُرَحِ الفِراق بالانْصِداعِ
فالقلبُ قد غادرْتُهشَذَراً بمُعْتَرَكِ الوَداعِ
إذ هاجَ الزَّجِلُ الرَّعُودُ سَرَى وأصبح في انْدِفاعِ
وسمعت من نَغماتِهِرَنَّاتِ آلاتِ السَّماعِ
فلقد رحَلْتُ بمُقْلةٍعَمْيَا وسَمْعٍ غيرِ وَاعِي
ولئن يكُنْ رَقَّ النَّسِيمُ بما تُجِنُّ من الْتياعِ
فبِزَفْرَتي اشْتَعل الهوَاءُ من العَنانِ إلى اليَفاعِ
كم قلتُ للقلبِ المُصَدَّع بالنَّوَى جُدْ بارْتجاعِ
فأحالَ ذاك على انْتِظامِ الشَّمْلِ في سِلْكِ اجْتماعِ
عهدِي به لمّا أن اسْتولَتْ عليه يدُ الضَّياعِ
أضْلَلْتُه في موقفِ التَّودِيعِ من دَهَشِ ارْتياعِي
ناشدْتكُم نُشْدانَهلي بيْن هاتِيك الرِّباعِ
تحت المَواطىءِ مِن مَمَرّصَديقيَ الخِلِّ المُراعِي
يا سَيّدي وأخِي هَوىًوجَلالةً ويَدِي وباعِي
مَن أصبحتْ شمسُ العُلَىبسَناه ساطعةَ الشُّعاعِ
فخرُ القضاة وفَيْصلُ الْأحكامِ في يوم التَّداعِي
بحرُ العلوم فإن أفادَ ترَى له سَعةَ اطِّلاعِ
قُل للمُحاولِ شَأْوَهقَصِّرْ خُطَى هَذِي المَساعِي
فانْظُر لمِرآةِ الزَّمانِ وقد غدتْ ذاتَ اتِّساعِ
لا غيرَ صورةِ مَجْدِهفيها تراه ذَا انْطِباعِ
يا مُحْرِزاً ببَنانِهقَصَبَ السِّباقِ بلا دفاعِ
ومُوَشِّياً حِبَرَ البلاغةِ والبراعةِ باليَراعِ
أنَّى يُحاكَى وَشْيُهابِحياكتِي ذاتِ الرِّقاعِ
كان الحَرِيُّ بها اشْتمالِي ثوبَ صَمْتِي وادِّراعِي
لكنْ أمَرْتَ بأن أُجيبَكَ وامْتثالُ الأمْرِ دَاعِي
فأتْتك من خَجَلٍ تجرُّالذَّيْلَ مُرْخِيةَ القِناعِ
فانْشُرْ لها سِتْر الرِّضا الْمنسوجَ من كَرَمِ الطِّباعِ
لا زال مجدُك كلّ وقْفي ازْديادٍ وارْتفاعِ

وكتب يستدعي جماعةً من الفضلاء، وهم بجبل النور من المعلاة، وهو بمنىً:

عليكمُ مِن مُحِبٍ حَشْوُ أضْلُعهِوُدٌّ أرق إلى الظَّامِي من النُّطَفِ
تحيّةٌ يرْتضيها الفضلُ إن نَفحتْأرْبَتْ على نَفَحاتِ الرَّوضةِ الأُنُفِ
حَواكمُ الجبلُ العالِي بكم شَرَفاًعلى المَعالِي التي تعلُو على الشّرَفِ
نُظِمْتمُ فيه نَظْمَ العِقْدِ مُتّسِقاًعلى تَليِلِ كَعابٍ ظاهِر التّرَفِ
وغادرتْ عقدَكم أيْدي مُؤلِّفهِمُكَبَّلاً وحدَه في رَبْقةِ الصَّدَفِ
مِنىً هي الصَّدَفُ المُومَى إليه مُنىًللنفسِ فيها وفي أفْنائِها الوُرُفِ
ولا أنيسَ له إلاّ مُماثِلُكمْعلى ثَبِيرِ جميلِ السَّفحِ والشّعَفِ
يُجيبُني بصَدَى صَوتي فأرفعُهمِن قِلّةِ الإلْفِ لا مِن كثرةِ الشّغَفِ
فهل وَفِيٌّ مِن الخِلاَّن يُسْعِدُنِيفي الفجر أو بعد ما صُلِّي مع الحَنَفَي
يُجيبني أو يُجيب الغَيْرَ عنه ومايُجيبُني غيرُ مُحْيي الدِّين أو شَرَفِ
كُفوانِ يرْضاهما الإحسانُ إن نَطَقَاأو أُرْعِفَ الدَّنُّ للأقْلامِ في الصُّحُفِ

ومن بديع نظمه، ما كتبه في ديوان قصر ابن عقبة، في قرية السلامة، من أعمال الطائف، وهي قصيدة فريدة، لا يحضرني منها إلا قوله:

قصرَ ابنِ عُقْبةَ لا زالتْ مواصِلَةًمني إليك التَّحايَا نَسْمةُ السَّحَرِ
ولا عَدَتْك غَوادِي السُّحْبِ تسْحب فيرِحابِك الفِيح ذَيْلَ الطَّلِّ والمَطَرِ
كم لَذّةٍ فيك أرضيْتُ الغرامَ بهايوماً وأرْغَمْتُ أنْفَ الشمسِ والقمرِ
وكم صديقٍ من الخِلاّنِ حاوَرَنيأطْرافَ أخبارِ أهلِ الكْتبِ والسِّيَرِ

ويعجبني من شعره قوله في مطلع قصيدة مدح بها السيد شهوان ابن مسعود، وهو:

فَيْرُوزجٌ أو وِشامُ الغَادةِ الرُّودِيبْدُو على سِمْطِ دُرٍ منه مَنْضُودِ

وأعجب منها مخلصها، وهو:

صَهْباءُ تَفْعلُ بالألْبابِ سَوْرَتُهافِعْلَ السَّخاءِ بشَهْوانِ بنِ مسعودِ

ومن شعره قوله في البرقع الشرقي، المعروف عند أهل اليمن:

وخَوْدٍ كبدرِ التِّمِّ في جُنْحِ مِصْوَنٍحَماها عن الأبْصارِ بُرْقُعُها الشَّرْقِي
سِوَى طُرَّةٍ مثل الهلالِ بَدَتْ لناعلى شَفَق والفَرْقُ كالفجرِ في الأُفْقِ
فقلتُ هلالٌ لاحَ والفجرُ طالعٌمن الغرب أمْ لاح الهلالُ من الشَّرْقِ

وقوله في مثل ذلك:

بالبُرْقِع الشرقيّ تحتَ المصْوَن الباهي الجمالْ
أَبْدَت لنا شَفقاً وكيْلاً لاحَ بينهما الهلالْ

وقال معللاً تسمية القدح قدحاً:

مُذْ صَبَّ ساقينا الطِّلاَحتى تناثرَ وانتضَحْ
خالوا شَراراً ما رأَوْافلأَجْلِ ذا قالوا قَدَحْ

وله في صوفية عصره:

صُوفيَّةُ العصرِ والأوانِصُوفِيَّةُ العَصْرِ والأوانِي
فاقُوا على فعلِ قومٍ لُوطٍبنَقْرِزَانٍ لِنَقْرِزَانِ

وله، وهو معنى مبتكر:

ألا انْظُر إلى هذا الصَّفاءِ لِبِرْكَةٍتقول لِمَن قد غاب عنها من الصَّحْبِ
لئِن غبْتَ عن عينِي وكدَّرْتَ مَشْرَبِيتأمَّلْ تجِدْ تِمْثالَ شَخْصِك في قَلْبِي

حنيف الدين بن عبد الرحمن المنيف في دوحة النبل فرعه، الحنيف في ملة الفضل شرعه.

قام مقام أبيه بعده، فصدق فيه الدهر وعده.

بمرأى كالصباح إذا وضح، ووجهٍ لو قابله البدر في تمه افتضح.

وفكرٍ أسرع في تدبر الأشياء من الوهم، ورأيٍ يفعل عزمه الشهم ما لا يفعله السهم.

فاستقر في مركز أبيه مكملاً لكمالاته، وهو بدر سمائه ومن عادة البدر أن لا يخرج عن هالاته.

فلم تنطق الأفواه بمدحه إلا وقفت وفيه كثرة الفكر، واستبقت السراة إلى سؤددٍ إلا تناهت وله محكم الذكر.

وهو في الفضل،

تجاوَز قَدْرَ المدحِ حتى كأنهبأحْسنِ ما يُثْنَى عليه يُعابُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وفي الأدب،

تبوَّأ أسْمَى منزلٍ فازْدهَتْ بههضابٌ تسامَتْ للعُلَى وشِعابُ

وله أشعار بحبر الرقة موشاة، كأن صحائفها بنقوش الزبرجد محشاة.

فمنها قوله، مراجعاً عن لسان أبيه لبعض الأدباء:

تبدَّى لنا بَرْقٌ بأُفْقِ رُبَا نَجْدِفأذْكَرني عَهْداً وناهِيكَ من عهدِ
وهَيَّمَنِي شوقاً وزاد بيَ الأسَىوأضْرَم لي نارَ الصَّبابةِ والوجْدِ
وجدَّد لي ذكرَ الليالي التي خَلَتْوطِيبَ زمانٍ بالحِمَى طَيِّبِ الوِرْدِ
زماناً جلاَ ذو الحسن شمْسَ جمالهِعلينا فشاهدْنا به الشمسَ في بُرْدِ
وأبْدَتْ لنا ذاتُ الجمال جَبِينَهافأخْجَل بدرَ الأُفْقِ في طالِعِ السَّعْدِ
هي الروضُ تبْدو للأنام بوَجْهِهافتقْطفُ زهرَ الوردِ من خَدِّها الوردِي
وفاح لنا نَشْرُ الخُزامَى برَوضةٍشَدَتْ وُرْقُها شوقاً على الأغْصُنِ المُلْدِ
تغنَّتْ على غصنِ الأَراكِ بمَدْحِ مَنعلا قَدْرُه السامِي على ذِرْوةِ المجدِ
كمالُ قُضاةِ المسلمين إمامُهمومُوضِحُ مِنْهاج الرَّشَادِ لِذي الرُّشْدِ
عليه مَدى الأيام منِّي تحيَّةٌتفُوق فَتِيتَ المِسْكِ والعُودِ والنَّدِّ

وقال في مثل هذا الغرض:

غنَّتِ الوُرْقُ في المَسَأ والبُكورِساجِعاتٍ على غُصونِ الزهورِ
وتبدَّتْ من كَلَّةِ الحُسْنِ خَوْدٌتُخْجِلُ الشمسَ مَعْ سَناءِ البدورِ
قد تحلَّتْ من الجمالِ بِعقْدٍجَلَّ في الحُسْنِ والبَها عن نَظِيرِ
فاقْتطفْنا من خَدِّها زَهْرَ وَرْدٍفاق نَشْرَ النِّسْرِين والمَنْثُورِ
وارْتشَفْنا من ثَغْرِها العَذْبِ شُهْداًفانْتشَوْنا لا نَشْوةَ المخمورِ
برَّدتْ بالوِصالِ قلبَ كَئِيبٍكان فيه للهجرِ نارُ السَّعيرِ
يا لَها عَذْبةَ الثَّنايا رَداحاًقد تبدَّتْ في زِيِّ ظَبْيٍ غَرِيرِ
قد أتتْنا من عالِمِ العصرِ مَوْلىًقد تَسامَى على السُّها والأَثِيرِ
قد أتاني مولايَ منك كتابٌذُو نظامٍ حكى عُقودَ النُّحُورِ
فَفضضْتُ الخِتامَ عن كَنْزِ عِلمٍحاز منه الغِناءَ كلُّ فقيرِ
فتأمَّلتُ في رياضِ حِماهُوتنسَّمْتُ ما به من عَبِيرِ
فبَدا نَظْمُ طِرْسِه مع نَثْرٍذِي بَيانٍ فسُرَّ منه ضَمِيرِي
دُمْتَ يا أوْحَدَ الزمانِ فريداًفي أمانٍ بحِفْظِ ربٍ خَبيرِ

ومن بديع شعره قوله:

أمْسي وأصبح من تَذْكارِكم وَصِبَايرْثِي له المُشْفِقان الأهلُ والولدُ
قد خدَّد الدمعُ خدِّي من تذكُّرِكمْواعْتادَنِي المُضْنِيان الوجدُ والكَمَدُ
وغاب عن مُقْلتِي نومِي لغَيْبتِكموخانَنِي المُسْعدِان الصبرُ والجَلَدُ
لا غَرْوَ للدمعِ أن تجري غَوارِبُهوتحته المُظْلِمان القلبُ والكَبِدُ
كأنما مُهْجتي شِلوٌ بمَسْبَعةٍينْتابُها الضَّارِيان الذئبُ والأسدُ
لم يبْق غيرُ خَفِيِّ الرُّوحِ في جسدِيفِدىً لك الباقيانِ الرُّوحُ والجسدُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.