من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٤)
منها وهو آخرها:
سأملأُ ديواني بمَدْحِك مِدْحةًلِشعْرِ لكي يستوجبَ الحمدَ والغَبْطَا
فدُمْ وابْقَ واسْلمْ لا بَرِحْتَ مُؤيَّداًعلى العِزِّ مهما أن تحاوِلَه تُعْطَى
وله من أخرى أولها:
على مُهْجةِ المَعْمودِ والعاشقِ المُضْنَىأعِدْ نَظْرةً تَشْفِيه يا مَن له الحُسْنَى
بدا قَدُّكَ الميَّاسُ في حُلَلِ الْبَهافألْبَسنِي جِلْبابَ سُقْمِيَ والحُزْنَا
أجِيءُ إلى الأعْتابِ في غَسَقِ الدُّجَىوما خِلْتُه ألاّ يزيدَ بي الوَهْنَا
لواءُ وَلائي تحت قَبْضِ يَمينِهوإن كان عن رِقِّي بغيرِي قد اسْتغْنَى
وَدِدْتُ لخدِّي تحت نَعْليْه مَوْطِئاًفيا ليْته يَرْضَى وَضعتُ له الجَفْنَا
أيُشبه غُصْنُ الْبانِ لين انْعطافِهفلا الصَّعدةُ السمراءُ تحْكِي ولا الغُصْنَا
به في فؤادِ الصَّبِّ سُقْمٌ مُبَرِّحٌفللهِ سُقمٌ ما ألّذ وما أهْنَا
نَحيفُ قَوامٍ لا من السُّقْمِ رِقّةًبها صِرْتُ رِقّاً بالنُحُولِ له قِنَّا
حريقُ فؤادي لا يزال مُؤجَّجاًومَدْمَعُ جَفْنِي وابِلُ السَّحِّ لم يفْنَا
سَماحُ مُحَيَّاه دليلٌ على السَّخَافما بالُه بالوصلِ عن عَبْدِه ضَنَّا
نَبِيُّ جمالٍ مُعْجِزٌ بجمالِهومُعْجِزُ لَحْظَيْه عن الكلِّ قد أغْنَى
إليه إشاراتُ المحِبِّين حيثماتولّى وكلٌّ في هَواه به مُضْنَى
به كلُّ أوصافِ الجمالِ تجمَّعتْفمِن أجْلِه في الحبِّ صرتُ له رَهْنَا
نَفَى وَسَنِي عنِّي وذَوَّبَ مُهْجتِيوحَنَّ فؤادي للوِصالِ وما حَنَّا
عُبَيْدٌ له لا أبْتغِي العِتْقَ دائماًفيا ليْته يَرضَى حُلولِيَ في المَغْنَى
له في حَشايَ منزلٌ ومَودَّةٌمُشيَّدةُ الأركانِ مُحْكمةُ المبْنَى
يَهيمُ به عقلي فسِرِّي تهتُّكِيورُشْدِي ضَلالي في هواه ولا مَنَّا
أبُثُّ له شوقي فيَلْوِي وينْثنِيبِتِيهِ تَثَنٍ يُخْجِلُ الذّابِلَ اللّدْنَا
لماذا تُطيلُ الصَّدَّ يا غايةَ المُنَىومُغْرَمُك الوَلْهانُ أفْنيْتَه حُزْنَا
نَهتْنِيَ عُذّالِي وبي يتمَسْخَرُوايقولون يا وَلْهانُ إرْعَ لنا الظّعْنَا
زمانُك يا مجنون ضاع بحُبِّهولم تر أهل العشق مثلَك قد جُنَّا
يُصدُّ ويجْنِي في فِراقِك دائماًفقلتُ فعندي ذاك أطيبُ ما يُجْنَى
إلى كم جفَا حتى متى تَرْض باللِّقاوتُطْفِي لَهِيباً لاعِجاً مُهْجةَ المُضْنى
هنِيئاً لقلبي ما فيك مَحبَّةًبما يُرْضِي الرحمن والإِنْس والجِنَّا
وما عَشْقتِي فيه قَبيِحاً ولا خَناًولكنّها للهِ خالصةُ المعنَى
وله من أخرى في الغزل، أولها:
أمالَ عِطْفاً وطُلاه لَواهْوأخْفَق الحسنُ عليه لِوَاهْ
عِطْفٌ حكى الصَّعْدةَ في صَدْعِهاوالغُصن المائسُ يحْكي انْثِنَاهْ
يتْلوه لَحْظٌ نافِثٌ تالياًسِحْراً فيا وَيْلاه ممَّا تَلاَهْ
في كلِّ يومٍ منه لي آيةلو أنّها للطّوْدِ حصَباً تَرَاهْ
وكم به كلّمني إذْ مضَىفمذُ دَعاه القلبُ وَافَى وجَاهْ
فدَيْتُها من لَحْظةٍ لي بهامن المَنايا وشَهِيّ الحيَاهْ
لا صبرُ لي عنها ولا طاقةٌعندي لها والأمرُ فيه اشْتِباهْ
من حَسِبها عَقْربَ صُدْغٍ بهاقلبيَ مَلْدُوعٌ وما مِن رُقَاهْ
دبَّتْ له دَبَّ لذيذِ الكرَىفي مُقْلَةٍ أوْدَى بها الانْتباهْ
ثم تحرَّتْ في سُوَيْداه أنتشُوكَه وَيْلاه وا ويْلتَاه
بدرٌ ثنانِي حبُّه فاغْتدَىفكرِي بنَانِي دَيْدَناً في ثَناهْ
ظَبْيٌ وعنه لم يزلْ ناهِياًكلُّ جَهُولٍ عارِياً عن نُهاهْ
في ثَغْرِه العَذْبِ وسِلْكِ الجُمَانِ الرَّطْبِ فانْظُر للحُلَى في حُلاَهْ
وفي شِفاهُ اللُّعْسِ خمرٌ حَلاَلكنَّ لَحْظَيْه هما حَرَّمَاهْ
بمنطقٍ ذِي غُنَّةٍ خِلْتُهاصَلِيلَ عَضْبٍ في حَشايَ فَرَاهْ
لجِيدِهِ جُدْتُ برُوحِي وبالْآباءِ والبيْتِ وما قد حَواهْ
فتَاه بالحُسْنِ وما ضَرَّهلو أنَّ بالحُسْنِ يُواتِي فَتَاهْ
لا غَرْوَ أن تَاه على مَن لهليلاً صَباحاً بالشّجَى أنَّتَاهْ
لِمْ يا خليليَّ تلُوما لِمَالُمَا جَهُولاً عاذَلِي عن لَماهْ
كم ليلةٍ أمسيْتُ ذا جَذْوةٍتسوءُ ظَني لا عِجِي لا عَجَاهْ
وسيِّدي عَنِّىَ لاَهٍ ولمأُحِرْ سَداداً والحِجا فيه لاَهْ
آهِ لقلبي آهِ آهاً لهآهِ لقلبي آهِ آهاً وآهْ
ذا لُؤلُؤِي ثغْرِه جِسْمُهولُؤْلُؤِيُّ الثَّوْبِ قلبي لَواهْ
يا رَشَأً بالكُمِّ عنِّي أرَاهْيسترُ لَحْظاً فاتِكاً بالكُمَاهْ
أفْدِيكَ من خَجْلانَ لا عنك ليمُسْتَبْدَلٌ لا والعَلِي في عُلاهْ
صَبْراً لهجْري إن به تَرْضَ لييوماً فيوماً ثم مَاهاً فمَاهْ
وهكذا يقْضِي زَمانِي بهلا حولَ لي ما شاءَ ربِّي قضَاهْ
تقي الدين بن يحيى ابن إسماعيل بن عبد الرحمن بن مصطفى السنجاري الاسم تقي والعرض نقي، والخلق رضي، والفعل بحمد الله مرضي.
تميز بهذا الشأن على وفور حلبته، وفرع فيه البيان على سمو هضبته، وفوق سهمه إلى نحر الإحسان فأثبته في لبته.
مع أدبٍ غاص في لجة بحره، فاستخرج درره وأثبتها في جيد الدهر ونحره.
وقد أثبت له ما يغني عن ارتشاف ثغور الأقداح، ويكفي عن استنشاق عرف الرياض تفتح فيه الورد والأقاح.
فمنه ما كتبه إلى القاضي تاج الدين المالكي، ملغزاً في نخلة:
أيها المِصْقَعُ الذي شرَّف الدهْرَ وأحْيَى دَوارِسَ الآدابِ
والهمامُ الذي تسامَى فَخاراًوتناهَى في العلمِ والأحْسابِ
والخطيبُ الذي إذا قال أمَّابعدُ أشْفَى بوَعْظِه المُسْتطابِ
والإمامُ الذي تهذَّب طِفْلاًوزَكا في العلومِ والأنْسابِ
إن تُصحِّفْه كان فيه شفاءٌوبه النَّصُّ جاءنا في الكتابِ
ولك الفضلُ إن تُصحِّفْه أيضابالعَطا لا بَرِحْتَ سامِي الرِّحابِ
مُفْرَداً إن حذَفْتَ منه أخيراًصار جمعاً له بغير ارْتيابِ
أو وصلتَ الأخيرَ منه بصَدْرٍكان عَدّاً برأْيِ أهلِ الحسابِ
وبثَانٍ إن ضُمَّ تالٍ إليهفهو خِلٌّ من أعظمِ الأحْبابِ
وإذا ما صحَّفْتَه لَذَّ للنفْسِ مَذاقاً في مَطْعَمٍ وشَرابِ
خَلِّ نِصْفاً يُحَلُّ عنه وبادِرْقَلْعَ عيْنٍ ما إنْ لها مِن حسابِ
قلعَ اللهُ عيْنَ شَانِيكَ يا مَنقَدْرُه قد سَما عن الإسْهابِ
وابْقَ في عِزَّةٍ وعِزٍ مَنِيعٍما حَدا بِالحجازِ حادِي الرِّكابِ
فأجابه بقوله:
يا إماماً صلَّى وسلَّم كُلٌّخلفَه من أئمَّةِ الآدابِ
وخطيباً رقَى فضمَّخ طِيباًمِنْبَر الوعظِ منه فَصْلُ الخطابِ
لم يُنافَس لَدَى التَّقدُّم إلاّقال مِحْرابُه هو الأحْرَى بِي
أشْرقتْ شمسُ فضلهِ لا تَوارتْعَيْنُها عن عِيانِنا بحِجابِ
وأتى رَوْضُ فكرِه بعَرُوسٍقد أُمِدَّتْ أنهارُها من عُبابِ
تقْتضي مِنِّيَ الجوابَ وعُذْرِيفي جوابِي حُوشِيَت أنَّ الجَوَى بِي
شَبَّهُ في حَشايَ فَقْدُ فتاةٍرحلتْ تمْتطِي مُتونَ الرِّقابِ
وانْطَوتْ بعد بَيْنِها بُسْطُ بَسْطِيوانْقضتْ دولةُ الصِّبا والتَّصابِي
ليت شِعْرِي بمن أَهِيمُ وشمسِيما لها في أُفُولِها من إيابِ
كيف أصْبُو ووردةٌ كان رَوْضُ الْأُنْسِ يزْهُو بها ثَوتْ في التُّرابِ
لا وعَيْشٍ مضَى بها في نعيمٍلستُ أصْبُو من بَعْدِها لكَعابِ
هاتِ قُلْ لي يا مَلْعَبَ السِّرْبِ ما لِيلا أر فيك ظبْيةَ الأتْرابِ
قال سَلْ حاسبِ الكواكبَ عمَّاحار في دَفْعِه أُولو الألْبابِ
أصبحتْ من بَناتِ نَعْشٍ وكانتْبدرَ تِمٍ فهل تَرَى من جَوابِ
فابْسُطِ العُذْرَ يا أخا الفضلِ فَضْلاًإن تجدْني أخْطأتُ صَوْبَ الصَوابِ
أتُصِيبُ الصوابَ فكرةُ صَبٍيحْتسي كأسَ فُرْقةِ الأحْبابِ
وتطَوّلْ وأسْبلِ السِّتْرَ صَفْحاًفهْو شأنُ الخِلِّ المُحِبِّ المُجابِ
في جَوابٍ عن نَخْلةٍ قد أتتْنابِجَنَى النحْلِ في سُطورِ الكتابِ
أتْحفتْنا باللُّغْزِ في اسمِ أُخْتٍلأبِينا خُصَّتْ بذا الانْتسابِ
وكَساها المَرْوِيُّ من شَبَهِ المُؤْمِن فَضْلاً في سائرِ الأحْقابِ
وهْيَ ترْقَى من غير سَوْءٍ فطَوْراًيستحِقُّ الجانِي ألِيمَ العذابِ
ثم طَوْراً وهو الكثيرُ يُرَى الجْانِي عليها من أفْضلِ الأصْحابِ
ولها إنْ تَشَأ تَصاحِيفُ منهامُفْرَدٌ فيه غايةُ الإغْرابِ
جاء قَلْبُ اسمِ جِنْسِه وهْو لَحْنٌلا تُنافِيه صَنْعةُ الإعرابِ
ومُسَمَّى التصْحيفِ هذا إليه اللّهُ أوْحَى سُبحانَه في الكتابِ
وهْو ذُو شَوْكةٍ وجُنْدٍ عظيمٍخَلْفَ يَعْسُوبِه بغيرِ حسابِ
ذُو دَوِيٍ في جَحْفَلٍ يَمْلأُ الجَوَّكرَعْدٍ في مُكْفَهِرِّ السحابِ
حيوانٌ وإن تُصحِّفْ جَمادٌمُفْصِحٌ عن مُرادِ سامِي الجَنابِ
يا خليلِي بل يا أنا فاتِّحادِيبك يقْضِي بذا بغيرِ ارْتيابِ
إنَّ صُنْعِي في حَلِّيَ اللُّغْزِ باللُّغزِ بديعٌ فلا تَفُه بِعتابِ
وابْقَ في نعمةٍ وفي جَمْعِ شَمْلٍببَنِيك الأفاضلِ الأنْجابِ
ما سَرَتْ نَفْحةُ الأزاهرِ ترْوِيضَحِكَ الروضِ بُكاءِ السحابِ
وأعقب ذلك بنثرٍ صورته: المولى الذي إذا أخذ القلمَ ووَشَّى، وأرى غباره أرباب البلاغة والإنشا.
لا يرى على من رماه الدهر بسهمه، ولعبت صوالج الأحزان بكرة فهمه.
فمزج المدح بالرثا، وقابل النضر بالغثا.
فقد بان عذره، واتضح فعل الزمان به وغدره.
وقد كنت قبل إدراج هذا الرثاء في أثناء الجواب، أرقت ذات ليلةٍ من تجرع صاب ذلك المصاب.
فنفثت القريحة، في تلك اليلة التي كاد أن لا يكون لها صبيحة:
لقد كان رَوْضُ الأُنْسِ يزْهُو بوردةشَذَا كلِّ عِطْرٍ بعضُ نَفْحةِ طِيبِهَا
فمَدَّ إليها البَيْنُ كَفَّ اقْتطافِهِوأمْحَلَ ذاك الرَّوْضُ بعد مَغِيبِهَا
ولم يصْفُ لي من بعدِها كَأْسُ لَذَّةٍوكيف تلَذُّ النفسُ بعد حَبِيبِهَا
فرَوِّي ثَراها يا سحائبَ أدْمُعِيومَن لي بأن تَرْوَى بسَحِّ صَبِيبِهَا
فقصدت أن أثبتها في ذيل الجواب وأخرياته، لما عسى أن يكون من محفوظات مولانا ومروياته.
وقد طال هذا الهذا، وطغى القلم بما هو للعين قذى.
فلنحبس عنانه، ونرح سمع المولى وعيانه.
حفيدة علي بن تاج الدين فاضلٌ نشر أدبه فأدهش مخبره، وتنسم صبا خلقه فعطر المشام مسكه وعنبره.
نشأ في حجر الكرم، متفيئاً ظل حرم المجد المحترم.
فطلع وفق ما اقتضته العناية، ودلت عليه كلمة الفضل بالصريح والكناية.
وقد رأيته وليس بينه والمنى حجاز، وحقيقة فضائله لا يطرقها مجاز.
فاستضأت حيناً بمنظره البهي، وتمتعت آونةً بلفظه الشهي.
ورأيت أدباً كالعمر في ريعانه، وسمعت شعراً كالشباب في رونقه ولمعانه.
فمما تناولته من شعره، قوله من قصيدة أولها:
على مِثْلِها من أعْيُنٍ كَحلُها السِّحْرُيهُون الذي نَلْقَى وإن عَظُمَ الأمْرُ
فعنِّي إلى غيري العداةِ عَواذِلِيفلي شِرْعةٌ في الحبِّ لستُمْ بها تَدْرُوا
دَعُوني وما ألْقاه من حُبِّ شادِنٍمَحاسنُه لي في الغرامِ به عُذْرُ
مِن التُّرْكِ لَمَّا في الحِياصَة قد بَدارأتْ هالةً عَيْنِي ومنه بها بَدْرُ
يُريك جَنِيَّ الوردِ من وَجَناتِهويبسَم عن زَهْرِ الأقَأحِ له الثَّغْرُ
تعلَّقْتُه بادِي النِّفارِ كأنهغزالٌ قد اسْتوْلَى على قلبِه الذُّعْرُ
فما زلتُ أسْقِي قاسياً من طباعِهمُدامةَ لُطْفٍ مَزْجُ أكْؤُسِها التِّبْرُ
فرَقَّ وقد رقَّتْ مَعانِي تغزُّلِيفلما رَنَا لم أدْرِ أيُّهما الشِّعْرُ
عشِيَّةَ وافانِي على غيرِ مَوْعِدٍوجُنْحُ الدُّجَى من دونِ حُرَّاسِه سِتْرُ
فقبَّلْتُ منه راحَ كَفٍ أُجِلُّهاعن الرَّاحِ حاشَ أن يُلِمَّ بها وِزْرُ
وصارتْ يَميِني كالنِّطاقِ لخَصْرِهعلى رَغْمِ مَن قد قال بان له خَصْرُ
وقال وقد رُمْتُ ارْتِشافَ رُضابِهمتى بِحياتي قد أُحِلَّتْ لك الخَمْرُ
فَلوْلاه ما كان الغرامُ بمُهْجتِيمُقيماً وقد سارتْ بأخْبارِه السَّفْرُ
سَلُوا الليلَ عني كم سهِرْتُ ظَلامَهأُكابِدُ شوقاً دون حُرْقتهِ الجَمْرُ
أرى نَجْمَه أدْنَى من الوصلِ مَأْخَذاًوأبْعَدَ من سَلْوايَ إن يمْحُه الفَجْرُ
فما زلتُ أُزْجِيها مَطايا تصبُّرٍبأرضِ الجَنَى حتى اسْتبان لِيَ البِشْرُ
وقال لِيَ الوصلُ الذي أنا طالبٌله مَرْحباً في الأمْنِ قد رحَل الهَجْرُ
وأنشدني من لفظه لنفسه:
إذا غاب كان المَيْلُ منِّي لغيرِهوإن لاح كان المَيْلُ منِّي له حَتْمَا
كأنِّي هل في النحوِ والفعلَ حُسْنُهوكلَّ الورى إن لاح محبوبِيَ الأسْمَا
يريد به ما ذكره النحويون، من أن هل مختصة بالفعل إذا كان في حيزها، فلا يجوز هل زيد خرج؛ لأن أصلها أن تكون بمعنى قد، كقوله تعالى: " هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر "، وقد مختصة بالفعل، فكذا هل، لكنها لما كانت بمعنى همزة الاستفهام، انحطت رتبتها عن قد في اختصاصها بالفعل، فاختصت به فيما إذا كان في حيزها؛ لأنها إذا رأته في حيزها تذكرت عهوداً بالحمى، وحنت إلى الإلف المألوف، ولم ترض بافتراق الاسم بينهما، وإذا لم تره في حيزها، تسلت عنه، وذهلت، ومع وجوده إن لم يشتغل بضميرٍ لم تقنع به مقدراً بعدها، وإلا قنعت به، فلا يجوز في الاختيار هل زيداً رأيت بخلاف هل زيداً رأيته.
انتهى.
القاضي محمد بن خليل الأحسائي أديبٌ لا يجارى في ميدان إحسان، ولا يبارى في صنعة يدٍ ولسان.
وهو في علم العروض خليفة الخليل، وتحريره فيه الكافي عن شفاء العليل.
وكان ولي قضاء الطائف فاكتست به جمالاً، وبلغت في أهلها مآرب وآمالاً.
فكثر فيه المطري والمادح، وتفنن في وصفه الشادي والصادح.
وقد وقفت له على شعرٍ بهر اتقاده، وصح على زيف الأنام انتقاده.
فأثبت منه ما يقتطف زهراً جنياً، ويتخذ لتعليل النفس نجيا.
فمنه قوله، مخاطباً للقاضي تاج الدين المالكي، وقد طلب شيئاً من شعره:
لدَيْك أخا العَلْيَاء والفضلِ والعلمِومَن جَلَّ من بين الأجِلاَّء بالفَهْمِ
تُحَلَّ رحالُ الظَّاعنِين ومَن غَداإليك بَدا في حامِلي العلمِ كالنَّجْمِ
لئن كان ربُّ الفضلِ كالرأسِ في الوَرىفأنتَ له تاجٌ يُضِيءُ بلا كَتْمِ
طلبتَ من النظمِ البديعِ لآلئاًفدُونكَها كالعِقْدِ في الحُسْنِ والنَّظْمِ
تُشنِّفُ أسْماعَ الرُّواةِ بدُرِّهاوتقطع أفْلاذَ الغَبِيِّ من الغَمِّ
فيا أيُّها القاضي المُولِّد طَبْعُهمن العلمِ أفْناناً تجِلُّ عن العُقْمِ
نوائبُ هذا الدهرِ غالَتْ قَرِيحَتِيودقَّتْ عظامِي بعد تمْزيقها لَحْمِي
فلو أن هذا الدهرَ يُبْدِي تَعطُّفاًلظَلَّ بديعُ النظمِ وَالنظمُ في سَهْمِ
ولو أن جُزْءاً من هُمومي مُفَرَّقٌعلى الخَلْقِ عامُوا في بحارٍ من الهَمِّ
وسامِحْ فمِنْدِيلُ القَرارِ مُقطَّعٌورِقَّ لقلبٍ لا يقَرُّ من العُدْمِ
ودُمْ أبداً في نِعْمةٍ ضِدُّها لهايُطَأْطِىءُ رَأْساً في الرَّغامِ على الرَّغْمِ
وكتب إلى القاضي أحمد بن عيسى المرشدي، يهنيه بزيارة النبي ﷺ:
زيارةٌ رفعتْها للقبولِ يَدٌوسَفْرةٌ أسْفرَتْ في طَيِّها مُدَدُ
يَهْنيِك زَوْرةُ خيرِ الخلقِ في رَجَبٍيا مَن ربيعُ يديْه دائماً لُبَدُ
اللهُ والشافِعُ المُخْتَارُ قد نَظراإليك والرَّكْبُ إذ سايرْتَه سَعِدُوا
أخْلَصْتَ للهِ في هذِي الزيارةِ إذْشدَدْتَ وَجْنَاء لا تشكو إذا تَخِدُ
وفُزْتَ في لَثْمِ أعْتابٍ مُقَرَّبةٍإليه قومٌ بها في زِيِّهمْ حمدُوا
نعمْ لكم ذِمَّةٌ منه بتَسْمِيةٍيَهْنِى مُحمَّدَ من ذَا الحمْدِ ما يَجِدُ
قد سِرْتَ للَّهِ سيرَ الصالحين إلىنَبيِّه وعلى الألْطافِ تعْتمِدُ
قصَدتَ سُوحَ إمامِ الرُّسْلِ سَيِّدهمغَوْثِ العبادِ إذا في حَشْرِهم جُهِدُوا
ورُمْتَ من فضلهِ فضلاً تَزِيد بهفضائلاً هي في عَلْيائِك السَّنَدُ
طابتْ بطَيْبةَ أوقاتُ الأُلَى قصَدُواتقْبِيل تُرْبتِه والخيرَ قد وَجدُوا
هبَّتْ عليهم نُسَيْماتُ الرِّضا سَحَراًفزال عنهم لَهِيبُ القلبِ والكَمَدُ
زاروا جُسوماً وزُرْنا نحنُ أفئدةًفي سَبْسَبِ الوجدِ والأشْواقِ تَطَّرِدُ
بُشْراكَ يا زائرَ المُختارِ لا برِحتْعليك منه مَبَرَّاتٌ سَمتْ تَرِدُ
لا زلْتَ تقصِده ما سار زائرُهإليه في كلِّ عامٍ نَجْمُه يَقِدُ
فأجابه بقوله:
أذِي زهورُ رياضٍ زَانَها النَّضَدُأمِ الدَّرارِي التي في أُفْقِها تَقِدُ
أم ذِي جواهرُ تِيجانِ المُلوكِ بَلَىجواهرُ التَّاجِ إذْ قِيستْ بها تَأَدُ
أم العقودُ أم المنظومُ من كَلِمٍأعان نَأظِمَه التَّأْيِيدُ والمَدَد
أم ذِي عرائسُ أفكارٍ مُحجَّبةٌأماطَتِ السِّتْرَ عنها للأديبِ يَدُ
يدٌ طويلةُ باعٍ في العلومِ لهافي كلِّ ما يُعْجِزُ الأفهامَ مُنْتقَدُ
كأنها حين وافتْنِي على غِرَرٍأرْى قُتيلِ الهوى عَذْبِ اللَّمَى الصَّردُ
قد أذْكرتْنِي أيَّاماً حَلتْ وَخَلَتْواغْتال لَذَّتَنا في طَيِّها الأبَدُ
وافتْ تُهنِّي مُحِبّاً لم يزَلْ قَلِقاًإلى لقائِكَ صَبّاً وهْو مُضْطَهَدُ
وكان لما أتتْ أحْرَى بتهْنِيَةٍبها لِمَا أطْفأتْ من حَرِّ ما يَجِدُ
وقلت فيها وزُرْنا نحن أفئدةًمُعرِّضاً فانْجلَى ما جَنَّهُ الخَلَدُ
فالحمدُ للهِ زار المُصطفى الجسدُمع الفؤادِ وحُقَّ الأجرُ والرَّشدُ
هذا وأنتَ على العِلاّتِ أجْمَعِهالَدَى المُحِبِّ لَموْمُوقٌ ومُعْتَمَدُ
لأنَّ كلَّ اعْتدالٍ من سِواكَ يُرَىيفُوقُه منك عندي ذلك الأَوَدُ
عليك منِّي تحيَّاتٌ مُضاعَفةٌمن المُهَيْمِنِ تَتْرَى مالَها أمَدُ
عفيف الدين بن عبد الله ابن حسين الثقفي هذا من أهل الطائف، أديبٌ كثير اللطائف.
ثقفي مثقف قناة المجد، جرى إلى آماد الفتوة فبلغها بالجد والجد.
وقد أطرب بأناشيده من لم يكن يطرب، وأتى بما يسكر من سمعه وإن لم يكن يشرب.
بعبارة مستغنيةٍ عن التصنع، وبديهة لم تشب بخطر التمنع.
مصقولةٍ بلا تطرية واسطة، مجلوة بلا منة ماشطة.
وكل كلامه عليه مسحة النضارة، وله ملاحة البداوة وهي تفوق الحضارة.
وقد جئتك من شعره بما يصف نفسه إذا لاح، وإذا ارتصفت درر عقوده تغايرة عليها لبات الملاح.
فمنه قوله من قصيدة:
سَقَى طَلَلاً بين الأجارِعِ واللِّوَىوحَيَّى زماناً لم نُرَعْ فيه بالنَّوَى
ورَعياً لأيامٍ هناك سوالِفٍقضيْنا بها عصر الشَّبِيبة والهَوى
بظِلِّ جَنابٍ والنَّدامَى عِصابةٌكرامُ المساعي تُرغم الخَصْمَ إن غَوَى
على السَّفْحِ ما بين القُصَيرِ إلى الحِمَىإلى الحِصْنِ نَطْوِي الوُدِّ عنَّا وما انْطَوَى
لياليَ لا تُخْطِي سهامُ رَمَّيتِيولا عاقَنِي الوالي الغَيُورُ وإن زَوَى
وأصبحتُ يَثْنيني الحِجَى عن هَوِيَّتِيويمنعني دهرٌ تمادَى وما ارْعَوَى
فللهِ كم من يومِ دَجْنٍ وصَلْتهُبلَيلٍ على الرَّبْعِ الجنوبِي وما حَوَى
وساعاتِ أُنْسٍ كلما عَنَّ ذِكْرُهايُهيِّجني فَرْط الصَّبابةِ والجَوى
لكلِّ غَضِيضِ الطَّرْفِ أحْوى إذا رَنَاسَباكَ النُّهى والصبرَ واسْتأثر القُوَى
إذا افْتَرَّ عن ثَغْرٍ حكى الدُّرَّ نَظْمُهوإن لاح قلت الشمسُ حَلَّتْ في الاسْتِوا
يُشِيرُ فأدْرِي ما يقول برَمْزِهفأقْضِيَ على ما في هَواه بما نَوَى
عليم بعِلاَّتِ الغَوانِي وطِيبِهاومُفْتِي النَّدامَى في مُحاورةِ الهَوَى
وكتب إلى السيد علي بن معصوم:
برُوحِيَ مَجْبولاً على الحبِّ طَبْعُهوقلبيَ مجبولٌ على حُبِّه طَبْعَا
يُراقِبُ أيامَ المُحرَّم جاهداًفيُطلِعُ بدراً والمُحبُّ له يَرْعَى
كلِفتُ به أيامَ دهرِيَ مُنْصِفٌووجهُ الصِّبا طَلْقٌ وروضُ الهوى مَرْعَى
جنَيْنا ثمارَ الوصلِ من دَوحةِ المُنَىلياليَ لا وَاشٍ ولا كاشحٌ يسعَى
فللهِ أيامٌ تقضَّتْ ولم تَعُدْيَحِقُّ لعَيْنِي أن تَسِحَّ لها دَمْعَا
فراجعه بقوله:
بنفسِيَ مَن قد حاز لَوْنَ الدُّجَى فَرْعَاولم يكفْهِ حتى تقمَّصه دِرْعَا
بَدَا فكأن البدرَ في جُنْحِ ليلهِتعلّم منه كيف يصْدعُه صَدْعَا
نمَتْه لنا عَشْرُ المُحرَّم جَهْرةًيُطارِحُ أتْراباً تكنَّفنه سَبْعَا
تبدَّى على رُزْءِ الحسينِ مُسوَّداًوما زال يُولي في الهوى كَرْب لا مَنْعا
وقد سَلَّ من جَفْنيْه عَضْباً مُهنَّداًكأنَّ له في كلِّ جارِحةٍ وَقْعا
هناك رأيتُ الموتَ تَنْدَى صِفاحُهوناعِي الأسَى يَنْعَى وأهلُ الهوى صَرْعَى
وكتب إليه ابن معصوم في لا بس أسود مستجيزاً في عشر المحرم:
لا تقُلِ البدرُ لاح في الغَسَقِهذا سوادُ القلوبِ والْحَدَقِ
إنسانُ عيني بدَا بأسْودِهافعاد لي إذْ رَمَقْتُه رَمَقِي
يا لابِساً للسَّوادِ طِيبَ شَذاًما المسكُ إلاّ من نَشْرِك العَبِقِ
لبِسْتَ لَوْنَ الدُّجَى فسَرَّ وقدأغَرْتَ ضوءَ الصباحِ في الأُفُقِ
حتى بدا وهْو فيه مُنْفَلِقٌيشُقُّ ثوبَ الظلامِ عن حَنَقِ
فأجازه بقوله:
رُوحِي فِدَا مَن أعاد لي رَمَقِيلَمَّا بَدَا كالهلالِ في الشَّفَقِ
يهْتزُّ كالغُصْنِ في غَلائلهِويرشُق القلبَ منه بالرَّشَقِ
قلتُ له مُذْ بدَا يُعاتبنِيويمزُج الهَزْلَ منه بالحَنَقِ
لو أنْصَفَ الدهرُ يا شِفَا سَقَمِيما بِتُّ أرْعَى النجومَ من أَرَقِ
لكن عسَى عَطْفةٌ تُسَرُّ بهافيها سرورُ القلبِ والْحَدَقِ
ومن شعره في النسيب قوله:
للهِ دَرُّ ظِباءِ الهنْدِ كم ترَكتْمن ماجدٍ دَنِف الأحْشاءِ مُضْطَرِمِ
نَواعِسٌ كلَّما فَوَّقْنَ أسْهُمَهاتركْن أُسْدَ الشَّرَى لَحْماً على وَضَمِ
وقوله:
قلتُ لمَّا بدَا يميسُ بقَدٍجَلَّ مَن صاغ حُسْنَه وتَبارَكْ
عَمِّرِ الوقتَ بالرَّجا أو بوَصْلٍعَمَّر اللهُ يا حبيبي دِيارَكْ
وقوله:
لقد صار لي مَدْمعٌ بعدَكمْيفيضُ على وجَنتِي كالعَقِيقْ
لِتَذْكارِ أيَّامِنا بالحِمَىوتلك الليالِي بوادِي العَقِيقْ
أحمد بن الفضل باكثير الفضل والده، وبه تم له طارف المجد وتالده.
فمقداره في النباهة جليل، ومثل باكثير في الناس قليل.
جيد النثر والنظام، كثير الارتباط في سلكه والانتظام.
وله قريحةٌ سيالة، وطبيعة في الأفنان ميالة.
وشعره بعيدٌ عن الكلف، نقيٌّ من النمش والكلف.
فمنه قوله مصدراً ومعجزاً قصيدة المتنبي، يمدح بها السيد علي بن بركات الشريف الحسني:
حُشاشةُ نفسٍ وَدَّعتْ يوم وَدَّعُواوقلبٌ لأظْعانِ الأحِبَّةِ يَتْبَعُ
وصبرٌ نَوَى التَّرْحالَ يومَ رحيلِهمفلم أدْرِ أي الظاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ
أشارُوا بتسليمٍ فجُدْنا بأنْفُسٍتسيلُ مع الأنْفاسِ لَمَّا ترَفَّعُوا
وسارُوا فظلَّتْ في الخدودِ عيونُناتسيِلُ من الآماقِ والإسمُ أدْمُعُ
حَشايَ على جمرٍ ذَكِيٍ من الهوىوصَدْرِيَ مُذْ بَانُوا عن الصبرِ بَلْقَعُ
وقلبي لَدَى التَّوْديعِ في حَزْنِ حُزْنِهوعَيْنَاي في روضٍ من الحُسْنِ تَرْتَعُ
ولو حُمِّلتْ صُمُّ الجبالِ الذي بنامن الوجدِ والتَّبْريح كانت تضَعْضَعُ
وأكْبادُنا من لَوْعةِ البَيْنِ والنَّوَىغَداةَ افْترقْنا أوْشكَتْ تتصدعُ
بما بيْن جَنْبَيَّ التي خاضَ طَيْفُهادُموعِي فَوافَى بالتَّواصُلِ يطمعُ
تخَيَّل لي في غَفْوةٍ وجَّهتْ بهاإليَّ الدَّياجِي والخَلِيُّون هُجَّعُ
أتتْ زائراً ما خامرَ الطِّيبُ ثَوْبَهاوخَمْرتُها من مِسْكِ دَارِينَ أضْوَعُ
فقبَّلتُ إعْظاماً لها فضلَ ذَيْلِهاوكالمِسْكِ من أرْدانِها يتضَوَّعُ
فشَرَّد إعْظامي لها ما أتَى بهاوفارقْتُ نَوْمِي والحشَا يتقطَّعُ
وبِتُّ على جمرِ الغَضا لفِراقِهامن النومِ والْتاعَ الفؤادُ المُفجَّعُ
فيا ليلةً ما كان أطولَ بِتُّهاسميرَ السُّها حِلْفَ الجوَى أتضرَّعُ
يُجرِّعني كأسَ الأسى فَقْدُ طَيْفِهاوسَمُّ الأفاعِي عَذْبُ ما أتجرَّعُ
تذلَّلْ لها واخْضَعْ على القُرْبِ والنَّوَىلعلّك تحْظَى بالذي فيه تطمعُ
ولا تأْنَفَنْ من هَضْمِ نفسِك في الهوىفما عاشقٌ من لا يذِلُّ ويخْضَعُ
ولا ثَوْبُ مَجْدٍ غيرَ ثوبِ ابنِ أحمدٍعليّ الذي أضْحَى له الفخْرُ أجْمَعُ
عليه ضَفَا بالمَكْرُماتِ ولم يكُنْعلى أحَدٍ إلاّ بلُؤْمٍ مُرَقَّعُ
وإن الذي حَابَى جَدِيلةَ طَيِّءٍبحاتمِهم وهْو الجوادُ المُمنَّعُ
حَبَى بعَليٍ آلَ طه فإنّهبه اللهُ يُعْطِي مَن يشاءُ ويمنعُ
بذِي كَرَمٍ ما مَرَّ يومٌ وشمسُهبغيرِ سَناً منه تُضِيءُ وتَسْطَعُ
ولا ليلةٌ تزْهُو به ونجومُهاعلى رأسِ أوْفَى ذِمَّةٍ منه تطْلُعُ
فأرْحامُ شِعْرٍ يتَّصِلْنَ لَدُنَّهفكم سِعْر شِعْرٍ في مَعاليِه يُرْفَعُ
ومنها في الختام:
ألا كُلُّ سَمْحٍ غيرَك اليومَ باطِلٌلأنك فَرْدٌ للكمالاتِ تجْمَعُ
وكلُّ ثناءٍ فيك حَقٌّ وإن عَلاَوكلُّ مَديحٍ في سِواك مُضَيَّعُ
واتفق له أنه سمع وهو محتضر رجلاً ينادي على فاكهة: ودعوا من دنا رحيله فقال بديها:
يا صاحِ دَاعِي المَنونِ وَافَىوحَلَّ في حَيِّنا نُزولُهْ
وها أنا قد رَحلْتُ عنكمفودعوا مَن دَنَا رَحِيلُهْ
محمد بن سعيد باقشير وحيد نسجه رويةً وإسراعاً، ونسيج وحده ابتكاراً واختراعا.
بهر بمحاسنه التمائم، قبل أن توضع على رأسه العمائم.
فانجلت به النواظر وقرت، وابتسمت به ثغور الأماني وافترت.
وقد سلك في الشعر مسلكاً سهلاً، فقالت له غرائبه مرحباً وأهلاً.
فلبس الشعر حلية الحلاوة، ووشاه برونق الرقة وطل الطلاوة.
وقد أوردت له ما يطلع بدره في تمه، ويرقص زهره في كمه.
فمنه قوله، من قصيدة في الغزل:
ألآلٍ ما أرى أم حَبَبُأم أقاحٍ لا ولكن شَنَبُ
حُرِّمتْ وهْي حَلالٌ قد جرَىفي خلالِ الطّلْع منها الضَّرَبُ
ما ورَى بارِقُ ذَيَّاك اللَّمَىأن لي قلباً بها يلْتهبُ
دَعْ لما قد نقَل الرَّاوي لناعن لَماه ما رَوتْه الكُتبُ
آهِ ما أعْذبه من مَبْسَمٍوهْو لو جاد به لي أعْذَبُ
ليت لو أنَّ مَنالاً منه ليغير أن البرقَ منه خُلَّبُ
جُؤْذُرٌ يَرْنُو بعيْنَيْ أغْيَدٍمِن مَهَا الرملِ أغَنُّ أخْلَبُ
ومُحَيّاً كَلِف الحُسْنُ بهفغَدا يُنْشِد أين المَذْهَبُ
هَزَّ عِطْفيْه فلم يَدْرِ النَّقاأقناةٌ هزَّه أم قُضُبُ
رَقَّ فاسْتعْبد أرْبابَ الهوىفله في كلِّ قلبٍ مَلْعَبُ
يا لها من نِعْمةٍ في ضِمْنِهامَهْلَكٌ هان وعَزَّ المَطْلبُ
وقوله، من قصيدة يمدح بها السيد أحمد بن مسعود، أولها:
عَلِقاً أظُنُّك بالكَعابِ الرُّودِأمْ والِهاً بهوَى الظِّباءِ الغِيدِ
أسْبَلْنَ أمْثلةَ الغُدافِ غَدائراًسُوداً تطولُ على الليالِي السُّودِ
وسفَرْنَ عَمَّا لو لَطَمْنَ بمثلهِخَدَّ الظلامِ لَما بدا بالبِيدِ
بِيضٌ يُرنِّحهُنَّ رَيْعانُ الصِّباتِيهاً كخُوطِ الْبانةِ الأُمْلودِ
عذَر العَذُول على الهوى فيها وقدعَنَّتْ لنا بين اللِّوى وزَرُودِ
فطفِقْتُ أُنْشِده على تأْنِيبِهأرأيتَ أيَّ سَوالفٍ وخُدودِ
تَرِبتْ يدُ اللُّوَّامِ كم ألْظَتْ حَشاًدَنِفٍ بأُلْهوبٍ من النَّفْنيدِ
أو مَا دَرَوْا أن الجمالَ حَبائلٌما إن يُصاد بهِنَّ غيرُ الصِّيدِ
ولرُبَّ مُخْطَفةِ الحَشَا بَهْنانةِ الْمْتنَيْنِ مُفْعَمةِ الإزارِ خَرُودِ
ترْنُو فتحسب أُمَّ خِشْفٍ ثارَها المِقْناصُ عن خَضْلِ الكَلاَ مَخْضُودِ
للهِ أحْداقُ الحسانِ وفعْلُهافي قلبِ كلِّ مُتَيَّمٍ مَعْمودِ
ألْحَفْنَنِي البُرَحاءَ لكنِّي امْرُؤٌوَزَرِي برُكْنٍ في الملوكِ شَديدِ
وكتب إليه، يصف أمةً له سوداء مداعباً:
أبَتْ صُروفُ القضا المَحْتومِ والقدرِإلاّ إشابةَ صَفْوِ العيْشِ بالكَدَرِ
وإنَّ مِن نَكَدِ الأيامِ أن قُربتْدارُ الحبيب ولكن شَطَّ عن نَظَرِي
بِي من سَطَا البَيْن ما لو بالجبالِ غدتْعِهْناً وبالسبعةِ الأفْلاكِ لم تَدُرِ
نَوى الأحِبَّة والشوق الشديد ولىجَوىً تُجدِّدُه مهما انْقضَى فِكَرِي
وزادني الدهرُ همّاً لا يُعادِلُههَمٌّ بسمراءَ ألْهتْني عن السَّمرِ
زَنْجِيةٌ من بنات الزَّنجِ تحسبُهاحَظِّي تجسَّم جُثْمانا من البشرِ
كأن قامَتها ليلِي ومِنْخَرَهاذيلي فيالَك من طول ومن قِصَرِ
لها يدٌ ألِفَتْ خَطْفَ الكسارِ ولوباتتْ تُحوَّطُ بالهِنْديّةِ البُتُرِ
تسْطو على القُرْصِ سَطوَى غيرِ ذي جُبُنٍلو أنه بيْن نابِ الليثِ والظُّفُرِ
كم غادرتْنِيَ من جوعٍ ومن سَغَبٍحُزْناً أعَضُّ بَنانَ النادِم الحَصِرِ
ورُبَّ يومٍ غدا مَوْتي يُجرِّعنيكاساتِه فيه حتى عِيلَ مُصْطَبَرِي
أرُوضُها تارةً عَتْباً وأزْجرُهاطَوْراً فلم يُجْدِ تأْنيبِي ومُزْدَجَرِي
وربما أفْحمتْنِي القولَ قائلةًوليس كلُّ مَقالٍ بالجوابِ حَرِي
تخْشَى الرَّدَى وبُنودُ المجدِ خافِقةٌعلى ابنِ مسعود فَرْعِ الفرعِ من مُضَرِ
وله من قصيدة:
بِذِي العَلمْين من شَرْقيّ حَاجِرْتَوَقَّ أخا الغرامِ ظُبَا المَحاجرْ
فكم برُبَه من صَبٍ عَمِيدٍ لسائلِ دمعِه الثَّجَّاجِ ناهِرْ
به السُّودُ التي في السُّودِ منهافِعالُ السُّمْرِ والبيضِ البَواتِرْ
فأيُّ حَشاً يمُرُّ به خَلِيّاًوقد رمَقتْه هاتِيك الجَآذِرْ
به البِيضُ الرَّعابِيبُ السَّوافِرْوآسادٌ بفَدْفَدِه قَساوِرْ
لَعَمْرُك ما سيوفُ الهندِ يوماًبأمْضَى من بواترِها الفَواتِرْ
عيونٌ ما مضنَحْنَ السُّقْمَ إلاَّلقَدِّ القلبِ أو شَقِّ المَرَائرْ
مَرِضْنَ وما مَرضْنَ سُدىً ولكنْلسَلْبِ قلوبِ أربْابِ البَصائرْ
بأُمِّي ثم بِي وأبِي رَبِيبٌغَضِيضُ الطَّرْفِ مَكْحولُ النَّواظِرْ
نَحِيلُ الخَصْرِ عَبْلُ الرِّدْفِ أحْوَىأزَجُّ الحاجبيْن أغَرُّ نافِرْ
يميِلُ بمِثْلِ غُصْنِ الْبانِ لَدْنٍتُرنِّحه الصَّبا والغُصنُ ثامِرْ
ويُسْفِرُ عن مُحَيّاً لو رآهصَباحاً ذو الهدايةِ ضَلَّ حائرْ
ويبْسَم عن شَهِيِّ الظَّلْمِ عَذْبٍتَرقْرَق فيه سَلْسَالُ الجواهِرْ
جَفَا جَفْنِي الكرَى مُذ بان عَنِّيفجَفْنِي مُذْ نأَى سَاهٍ وساهِرْ
وقال على مصطلح أرباب الحال، وهي قصيدة غريبة:
ربَّما عاكفٍ على الخَنْدَرِيسِرَافلٍ في مَلابس التَّلْبيسِ
جَهْبَذٌ يملأُ الدفاترَ عِلْماًلم يُنَلْ باتَّقْريرِ والتَّدْريسِ
أيُّما خُطَّةٍ أردْتَ تجِدْهقَهْرماَ المَعقولِ والمَحْسوسِ
يعلَم السابقين من عَهْدِ طَسْمٍويُفِيدُ الطلاَّبَ عصرَ جَديسِ
علَمٌ لم يكن على رأسِه نَارٌ ولكنْ كالنورِ في الحَنْدُوسِ
ماشياً عُمْرَه على نَهْجِ الصِّدْقِ على ما به من التَّدْلِيسِ
دُغَةٌ مَرَّةً وآونةً قُسٌّوطَوْراً يُمْلِيك عن إبليسِ
وعليمٌ بطِبِّ عِلَّةِ بقْراط ويهْزُو بجِدِّ جَالِينُوسِ
ارْمِه حيثُ شئتَ تلْقَ أخَا النَّجْدةِ من آدمٍ ومن إدريسِ
لِعب الحبُّ منه بالجبَلِ الرَّاسِي وبالضَّيْغمِ الهَمُوسِ العَبُوسِ
مِن هوَى رَبَّةِ الحِجالِ ومَن قدلعبتْ مِن دَلالِها بالنفوسِ
والتي خيَّمتْ على كلِّ قلبٍورمَتْ كلَّ مُهْجةٍ برَسِيسِ
وأبَتْ أن تُرَى بعيْنِ مُحِبٍقَطُّ إلاّ في صورةٍ ولَبُوسِ
لاح مِن نُورِها الأغَرِّ سَناءٌفَتراءَى في نارِه للمَجُوسِ
قد بدَتْ للكليمِ ناراً ولكنْلا بحَصْرٍ فغاب بالتَّقْديسِ
وغَدا المَانَوِيُّ منها على رَأْيٍ صحيحٍ لكن بلا تأسِيسِ
والنَّصارَى ظلَّتّ على صُوَرٍ شَتَّىفضلَّتْ برأْيها المعكوسِ
قيَّدُوا مُطلَق الجمالِ فباتُوافي قيودِ الشَّمَّاسِ والقِسِّيسِ
كيف مَن قيَّدتْ تُقيَّد والإطْلاقُ قيْدٌ والقَيْدُ غيرُ مَقِيسِ
شَأْنُها في حِبِّها فَتُّها الأكْبادَ من رائسٍ ومن مَرْءُوسِ
رُبَّ قلبٍ قد تَاهَ فيها فلم يَدْرِ حَسِيساص ولم يَمِلْ لِلْمَسِيسِ
ظَلَّ فيها في جَحْفلٍ من سرورٍوخَميسٍ يلْقَى الأسَى بخَمِيسِ
كلَّما أسْفَرتْ له عن نِقابٍوفَنِى في فِنائه المَأْنُوسِ
أشْرقتْ مِن وراءِ ذاك لعَيْنَيْهـ بِمَغْنَى حُسْنِ الجمالِ النَّفِيسِ
فطوَى كَشْحَه على غُصَصِ الوَجْدِ تُقىً بين طامعٍ ويَؤُوسِ
ذكرت بمطلع هذه القصيدة، ما حكاه البهاء الحارثي في كشكوله، وهو أن تاجراً من تجار نيسابور، أودع جاريته عند الشيخ أبي عثمان الحيري، فوقع نظر الشيخ عليها، فعشقها، وشغف بها، فكتب إلى شيخه أبي حفص الحداد بالحال، فأجابه بالأمر بالسفر إلى الري؛ لصحبة الشيخ يوسف.
فلما وصل إلى الري، وسأل الناس عن منزل الشيخ يوسف، أكثروا من ملامته وقالوا: كيف يسأل تقيٌّ مثلك عن بيت فاسق؟ فرجع إلى نيسابور، وقص على شيخه القصة، فأمره بالعود إلى الري، وملاقاة الشيخ يوسف المذكور.
فسافر مرةً ثانية إلى الري، وسأل عن منزل الشيخ يوسف، ولم يبال بذم الناس له وازدرائهم به.
فقيل له: إنه في محلة الخمارة.
فأتى إليه، وسلم عليه، فرد ﵇، وعظمه.
ورأى إلى جانبه صبياً بارع الجمال، وإلى جانبه الآخر زجاجةً مملوءةً من شيءٍ كأنه الخمر بعينه.
فقال له الشيخ أبو عثمان: ما هذا المنزل في هذه المحلة؟ فقال: إن ظالماً شرى بيوت أصحابي، وصيرها خمارة، ولم يحتج إلى بيتي.
فقال: ما هذا الغلام، وما هذه الخمر؟ فقال: أما الغلام فولدي من صلبي، وأما الزجاجة فخل.
فقال: ولم توقع نفسك في محل التهمة بين الناس؟ فقال: لئلا يعتقدوا أني ثقةٌ، فيستودعوني جواريهم، فأبتلى بحبهن.
فبكى أبو عثمان بكاءً شديداً، وعلم قصد شيخه.
انتهى.
وبهذه الحاية يظهر مغزى صدر هذه القصيدة، ويحصل الجمع بين ما في ظاهرها من المدح والقدح.
والله أعلم.
رجع.
ومن شعر باقشير، وهو مختار من قصيدة له:
أتعْذِلُ في لَمْياءَ والعُذْرث ألْيَقُتعشَّقْتُها جهلاً وذو اللُّبِّ يعشَقُ
ولا عيشَ إلاّ ما الصَّبابةُ شَطْرُهوصوتُ المَثانِي والسُّلافُ المُعتَّقُ
وجَوْبُك أجْوازَ المَوامِي مُشمِّراًإلى المجدِ يطْوِيها عُذَافِرُ مُعْنِقُ
وأن تَتهاداك النَّعائمُ مُعْلَماًتُضِلُّك أو تَهْدِيك بَيْداءُ سَمْلَقُ
وأن تَرِدَ الماءَ الذي شَطْرُه دَمٌفتسعَى برأيِ ابنِ الحُسَين وتُرْزَقُ
وأسْوَغ ما بَلَّ اللَّهَى بَعْدَ عَيْمةٍوأرْوَى من الماءِ الشَّرابُ المُرَوَّقُ
فدَعْ لَجَجَ التَّعْنيفِ وابْكِ بذِي اللِّوَىدياراً كأنْها للتَّقادُمِ مُهْرَقُ
أحالتْ مَغانِيها السِّنون فأصْبحتْقِوَى لهَرِيق الوَدْقِ والرِّيح مَخْرَقِ
وقفتُ بها والقلبُ بالوَجْدِ مُوثَقٌكُفِيتَ الرَّدَى والجَفْنُ بالدمعِ مُطْلَقُ
أُناشدُها بَيْنُونةَ الحيِّ عن جَوىًلقلبٍ إذا هَبَّ النَّسائمُ يخْفِقُ
شَجٍ تتَصاباهُ الصَّبا وتلُوعُه الجَنُوبُ ويشْجُوه الحَمامُ المُطَوَّقُ
إلى اللهِ أفعالَ الليالِي بها وبِيلقد كنتُ منها دائمَ الدهرِ أفْرَقُ
فسِمْ سِمَةَ الصبرِ الجميلِ لعلَّهاتُدِيلُ فإنْ لم تُغْنِ فالصبرُ أخْلَقُ
فلو سلِمتْ من حادثِ الدهرِ دِمْنَةٌتمَطَّى على هامِ الدهورِ الخَوَرْنَقُ
ومن محاسنه، قوله في زيات بديع الجمال، وقد أجاد في التورية:
أفْدِيه زَيَّاتاً رَنَا وانْثنَىكالبدرِ كالشَّادِنِ كالسَّمْهَرِي
أحسن ما تُبْصِرُ بدرَ الدجَىيلعبُ بالمِيزانِ والمُشْترِي
وقوله:
كيف التخلُّصُ من حُبِّ المِلاحِ وقدتبادرَتْ لِقتالِي أعْيُنٌ سَحَرَهْ
تغْزُو لَواحِظُها في العاشقِين كماتغْزُوا جيوشُ بني عثمانَ في الكَفَرَهْ
أحمد بن محمد علي الجوهري جوهرٌ استخرجته أفكار الليالي من بحورها، والتقطته أبكار المعالي لنحورها.
له ذاتٌ تخلصت من الكبر، وخلصت من الخيلاء خلوص التبر.
وأما أشعاره فكلها قطعٌ من خالص الجمان، قلد بها صدور الأيام وشنف آذان الزمان.
فإذا حدثت عن آثار قلمه، فارو الصحاح عن جوهري كلمه.
وقد جئتك من كلماته بأنفس نفيس، فلا تذكر الدر بعدها إن كنت ممن يقيس.
فمن ذلك قوله:
ما شِمْتُ بَرْقاً سَرَى في جُنْحِ مُعْتكِرِإلاَّ تذكَّرتُ بَرْقَ المَبْسَمِ العَطِرِ
ولا صَبَوْتُ إلى خِلٍ أُسامِرُهإلاّ بكَيتُ زمانَ اللهوِ والسَّمَرِ
شَلَّتْ يدٌ للنَّوَى ما كان ضائرَهالو غادرتْنا نُقضِّي العيْشَ بالوَطَرِ
في خِلْسةٍ من ليالي الوصلِ مُسْرِعةٍكأنما هي بيْن الوَهْنِ والسَّحَرِ
لا نَرْقُبُ النجمَ من فَقْد النَّدِيمِ ولانسْتعجلُ الخطْوَ من خوفٍ ومن حَذَرِ
وأهْيَفَ القَدِّ ساقِينا برَاحتِهكأنه صنمٌ في هيكلِ البشَرِ
مُنَعَّمين وشَمْلُ الأُنْسِ منتظِمٌيربُو على نَظْمِ عِقْدٍ فاخرِ الدُّرَرِ
فما انْتهيْنا لأمرٍ قد ألَمَّ بناإلاَّ وبُدِّل ذاك الصَّفْوُ بالكَدَرِ
لا دَرَّ دَرُّ زمانٍ راح مُخْتلِساًمن بيْننا قَمَراً ناهِيك من قَمَرِ
غزالُ إنْسٍ تحلّى في حُلَى بشَرٍوبدرُ حُسْنٍ تجلّى في دُجَى شَعَرِ
وغُصْنُ بانٍ تثَنَّى في نَقَا كَفَلٍلا غصنُ بَانٍ تثنَّى في نَقَا مَدَرِ
كأنَّ لَيْلِي نهارٌ بعد فُرْقتِهمِمَّا أُقاسِي به من شدَّةِ السَّهَرِ
يا ليت شِعْرِيَ هل حالتْ مَحاسنُهوهل تغيَّر ما باللَّحْظِ من حَوَرِ
فإن تكنْ في جِنانِ الخُلْدِ مُبْتهِجاًفاذْكُرْ مُعَنَّى الأمانِي ضائعَ النَّظَرِ
وإن تأنَّسْتَ بالحُورِ الحسانِ فلاتَنْسَ الليالِي التي سَرَّتْ مع القِصَرِ
وقوله:
كيف أسْلُو مَن مُهْجَتِي في يديْهِوفؤادي وإن رحَلتُ لدَيْهِ
إن طلبتُ الشَّفاءَ من شفتيْهِجادَ لي بالسّقامِ من جَفْنيْهِ
إنَّ حِلْفَ السُّهادِ عينٌ رأتْهُوجنَتْ وَرْدَ جَنَّتَيْ خَدَّيْهِ
كلما رُمْتُ سَلْوةً قال قلبيلا تلُمْني على العكوفِ عليْهِ
لستُ وحدِي مُتيَّماً في هَواهُكلُّ أهلِ الغرامِ تصْبُوا إليْهِ
وله مقاليع، سماها لآلىء الجوهري، منها قوله:
كيف يرجو العِرْفانَ باللهِ مَن قدقيَّدتْه الذنوبُ طولَ حياتِهْ
لا لَعَمْرِي أم كيف يُشْرِقُ قلبٌصُوَرُ الكائناتِ في مِرْآتِهْ
وقوله:
إذا مضتِ الأوقاتُ من غيرِ طاعةٍولم تكُ مَحْزوناً فذا أعظمُ الخَطْبِ
علامةُ مَوْتِ القلب أن لا ترَى بهحَراكاً إلى تَقْوَى ومَيْلاً عن الذنبِ
وقوله:
إن حُزْتَ عِلْماً فاتَّخِذْ حِرْفةًتصُون ماءَ الوجهِ لا يُبْذَلُ
ولا تُهِنْه أن تُرَى سائلاًفشأْنُ أهلِ العلم أن يُسْئَلُوا
وقوله:
جانبِ اللهوَ والبَطالةَ واحْذَرْمِن هوَى النفسِ إن أردتَ السَّعادَهْ
واعبُد اللهَ ما استطعتَ بصدقٍمَطْلبُ العارفين صِدْقُ العبادَهْ
وقوله:
قُلْ للذي يبْتغِي دليلاًمن غير طُولٍ على المُهَيْمِنْ
ما ذَرَّةٌ في الوجودِ إلاَّفيها دليلٌ عليه بَيِّنْ
وقوله في الغزل:
ولقد سقتْنا البابِليَّةُ إذْ رأتْأنَّا نُحدِّثُها لِنَسْبُرَ حُسْنَهَا
خَمْراً أدارتْها العيونُ فأذْهَبتْمِنَّا العقولَ ولم تُفارِقْ دَنَّهَا
وقوله:
لمَّا بدا البدرُ يجْلُودُجَى الظلامِ وأسْفَرْ
ذكرتُ وجهَ حبيبيوالشيءُ بالشيءِ يُذْكَرْ
وقوله:
وأسْمَحُ الناسِ كَفّاًمَن لا يقولُ ويفعلْ
وأعْذَبُ الشِّعْرِ بيتٌيرْوِيه عَذْبُ المُقبَّلْ
وقوله:
لا تعذِلونِيَ في وقتِ السَّماع إذاطرِبتُ وَجْداً فخيرُ الناسِ مَن عَذَرَا
حتى الجمادُ إذا غنَّتْ له طَرَبٌأمَا ترى العودَ طَوْراً يقْطعُ الوَتَرَا
وقف بعض أدباء عصره على هذين البيتين، فكتب إليه مقرظاً: وصل البيتان بل القصران فما ألفاظهما إلا الدر النظيم، فلا وحقك لم يفز بمثلهما العصران لا الحديث ولا القديم.
فلله درك، ما أحفل درك، وأبهج في أسلاك المعاني درك.
ولقد خاطبت بمعناهما عند سماعهما من عذل، وطربت لحسن سبكهما طرب من منح عند نشوته سبيك النضار وبذل.
بل طرب لهما حتى الجماد، ومن ذا الذي سمعهما وما ماد.
فالله تعالى يبقيك للأدب كهفاً يرجع إليه، وذخراً يعول عند اشتباه الألفاظ والمعاني عليه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع