من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٥)
وقد نظمت البارحة أبياتاً في العود، أحببت أن تلاحظها بملاحظتك لها السعود.
وهي:
وعُودٌ به عُودُ المَسَرَّةِ مُورِقٌيُغَنِّي كما غَنَّتْ عليهِ الحمائمُ
إذا حرَّكتْ أوتارَه كَفُّ غادَةٍفسِيَّانِ من شوقٍ خَلِيٌّ وهائمُ
يُرَنّحُ مَنْ يُصْغِي إليهِ صبابةًكما رَنَّحَتْهُ في الرِّياضِ النَّسَائِمُ
فراجعه بقوله: يا مولاي الذي إن عد أرباب المجد عقدت عليه الخناصر، وإن ذكر أصحاب الفضل فلا يدانيه متقدم ولا معاصر.
لو أمدني ابن العميد وأضرابه، والصاحب بن عبادٍ وأصحابه.
ما استطعت تقريظ أبياتك الأبيات إلا منك، الممتنعات إلا عنك.
فأنت فريد دهرك، ولا أقول في هذا الفن، ووحيد عصرك، وليس ذلك عن ظن.
وقد دعتني داعية الأدب، إلى أن أقول إن العود يفوق آلات الطرب.
فمدحته كما مدحته، ووصفته كما وصفته.
وقلت:
فاق كلَّ الآلاتِ في اللحْنِ عُودٌحين تَعْلُو أصواتُهَا وتَرِنُّ
فكأن الحَمام دهراً طويلاًعلّمَتْهُ ألْحَانَهَا وهْوَ غُصْنُ
قلت وهذا من قول أبي الفضل أحمد بن يوسف الطيبي:
من أين للعُود هذا الصوتُ تأخذُهأطْرافُهُ بأطَاريفِ الأناشيدِ
أظُنُّ حينَ نَشَا في الدَّوْحِ علَّمهسَجْعُ الحمائِمِ تَرْجِيعَ الأغارِيدِ
ومثله قول معاصره الصفي الحلي:
وعُودٍ به عاد السرورُ لأنهُحَوى اللهوَ قِدْماً وهْوَ رَيَّانُ ناعمُ
يُغَرِّبُ في تَغْرِيدِه فكأَنَّمَايُعيدُ لنا ما ألَّفَتْهُ الحمائمُ
ولبعضهم فيه:
وعُودٍ له نوعانِ من لذَّةِ المُنَىفبُورِكَ جانٍ يجْتَنيهِ وغارِسُ
تغنّتْ عليه وهْوَ رَطْبٌ حمامةٌوغنَّتْ عليه قَيْنَةٌ وهْوَ يابسُ
وأصله قول الوزير المغربي:
وطُنْبُورٍ مَليحِ الشكلِ يحكيبنَغْمَتِهِ الصَّلِيبةِ عَنْدَلِيبَا
رَوَى لما دَرَى نَغَماً فصيحاًحَواها في تقلُّبهِ قَضِيبَا
كذا مَنْ عاشَرَ العلماءَ طِفْلاًيكون إذا نَشَا شَيْخاً أدِيبَا
ومن لآليه المذكورة قوله:
لا تَجْهَلَنْ قَدْراً لنفسِكَ إنّهاعُلْوِيَّةٌ تَرْقَى لما هو شِبْهُهَا
والنفسُ كالمِرْآةِ يَصْقُلُهَا التُّقَىفَسْراً ويُظْلِمُ بالمعاصي وَجْهُهَا
وقوله:
في المَنْعِ والإعْطَاءِ كُنْ شاكِرَاواستقْبِلِ الكلَّ بوجهِ الرِّضَا
فالخيرُ للعارفِ فيما جَرىورُبَّ مَنْعٍ كان عينَ العَطا
وقوله:
إذا الْتَبَسَ الأمرانِ فالخيرُ في الذيتَرَاه إذا كلَّفْتَه النفسَ تَثْقُلُ
فجانِبْ هَواها واطَّرِحْ ما تُرِيدُهمن اللهوِ واللَّذَّاتِ إن كنتَ تعْقِلُ
وهذا من قول الأحنف بن قيس: كفى بالرجل رأياً إذا اجتمع عليه أمران، فلم يدر أيهما الصواب، أن ينظر أعجبهما إليه، وأغلبهما عليه؛ فيحذره.
وقريب منه قول أبي الفتح البستي:
وإن همَمْتَ بأمرٍولم تُطِقْ تخْريجَهْ
فقِسْ قياساً صحيحاًواحكُم بضدِّ النتيجَهْ
ومن الحكم المروية عن أبي العلاء المعري: الخير كل الخير فيما أكرهت النفس الطبيعية عليه، والشر كل الشر فيما أكرهتك النفس الطبيعية عليه.
ومن مقاطيعه في الغزل قوله:
وظَبْيٍ نافرٍ ممَّا أراهُيَذِلُّ لحُسْنِه الملِكُ المَهِيبُ
عرفتُ مِزاجَه فانْقادَ طَوْعاًومَن عرَف المِزاجَ هو الطبيب
وقوله:
وأهْيَفٍ كالسيفِ ألْحاظُهوقَدُّه العَسَّالُ كالسَّمْهَرِي
أخْجَلنِي ثَغْرٌ له باسمٌفاعْجَب لثَغْرٍ يُخْجِلُ الجَوْهَرِي
وقوله:
قال عَذُولِي إذْ رأَىأخَا الغزالِ الأعْفَرِ
هذا الذي مَبْسَمُهفتَّتَ قلب الجَوْهَرِي
وقوله:
جرَح اللَّحْظُ خالَ خَدِّ غُلامٍفضَح الْبَان قَدَّه باعْتدالِهْ
فإذا ثار طاعِناً لفؤادِيقال خُذْها من طالبٍ ثَارَ خَالِهْ
وقوله:
تذكَّرتُ إذْ الحَجيجُ بمكَّةٍونحن وقوفٌ ننْظُر الرَّكْبَ مُحْرِمَا
فصرْتُ بأرضِ الهندِ في كل مَوْسمٍيُجدِّد تَذْكارِي لقَلبيَ مأْتَمَاَ
وقوله:
ولو أنَّ أرضَ الهنْدِ في الحُسْنِ جَنَّةٌوسُكَّانَها حُورٌ وأمْلِكُها وَحْدِي
لَما قِسْتُها يوماً بَبطْحاءِ مكةٍولا اخترتُ عن سُعْدَى بديلاً هَوى هندِ
وقوله:
وقالوا بالْمَخَا خيرٌ كثيرٌفقلتُ صدقتمُ وبها الأمانُ
ولكن حَرُّها يشْوِي البَراياولولا الرِّيقُ لاحْترق اللِّسانُ
وقوله:
شبَّهتُ أمواجَ بحرِ الهندِ حين رسَتْبه السَّفائنُ من هندٍ ومن صِينِ
بأسْطُرٍ فوق قِرْطاسٍ قد انْتسقَتْوالسُّفْنُ فيه عَلاماتُ السَّلاطينِ
وقوله:
إذا تكنْ ناقِداً للرجالِوصاحبْتَ مَن لا له تعرفُ
فخالِفْه في بعضِ أقوالِهفإنك عن خُلْقهِ تكشِفُ
أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن عبد الرءوف بن يحيى الواعظ لوذعيٌّ وجه أدبه سافر، وخبر نباهته فيما بين الخافقين مسافر.
له كلف بالفنون وعناية، مع ديانة ارتدى بردائها وصيانة.
فمجده مشنف من عقد الثريا، ولديه من نسج السجية ما يهزأ ببرد الروضة الريا.
وأما أدبه فله رواء الوجوه الحسان، وله شعرٌ أفرغ في قالب الحسن والإحسان.
فمنه قوله من نبوية:
يا صاحبِيَّ حَقِّقا مِيعادِيوانْطلِقا لأخْصَبِ الوِهادِ
ولاحِظاني في السُّرَى فإننينِضْوُ هوىً مُقرَّحُ الأكْبادِ
قد ترك الجَفْنَ مَفازةً فلايضْوِي إليه وافدُ الرُّقادِ
وضَلَّ شَرْخُ العمرِ في بياضٍاشْرَق من أشِعَّةِ الأفْوادِ
فعرِّجا بمَسْرحِ السُّرْبِ الذيليس له مَرْعىً سوى فؤادِي
وخفِّضا عليكما وخَلِّيادمعِي السَّفِيحَ رائِحاً وغادِي
يرْمُل في جَرْعائِها بعَسْفِهالا يعْترِيه وَهَنُ الوِخادِ
ويجعل الحصْبَا عَقِيقاً أحمراًمن النَّجِيعِ الأحمرِ الفِرْصادِ
ويترك القاع له أعِقّةٌيكْرَع منها كلُّ صَبٍ صادِي
وزَفْرةٌ قد غُرِست بمُهْجتِيوطَلْعُها في لِمَّتَيَّ بادِي
تتابعتْ حتى يُخالُ أننيمن فَرَقٍ لِمُنْجِدٍ أُنادِي
أذابت القلبَ سِوى ما أحْرزُواثم ثَوَى في وسَط الفؤادِ
وعاذلٍ يعبثُ بي لَوَ انَّهيُمازِجُ التْشكيكَ باعْتقادِ
كأنما يرقُم في كوثرٍ ماأفْرغ في الفؤاد من وِدادِ
لا يقبلُ التَّعْنيفَ في الهوى سِوَىمَ، يقْتنِي غيرَ هوَى سُعادِ
واحَرَّ قلباه وبَرْدَ المُشتهَىهيْهات كيف مَجمَعُ الأضْدادِ
ذادُوا السيوفَ عن وُرودِ هائمٍزادتْ على الأنْواءِ للُورَّادِ
ما حَنَّ طَرْفٌ جاد إذ قد ضَنَّ نَوْءُ الطَّرْفِ أن يحمْي عن المِبْرادِ
هيهات لم يبرحْ يرُوم نَظْرةًمن حضرةِ الإسعافِ والإسْعادِ
من حضرةِ المختار طه أصْلِ مَبنَى الكونِ في التَّعيين والإيجادِ
مِن نُورِ ذي العرشِ الرفيعِ كُنْهُهتواترٌ قد جاء بالآحادِ
في قولِ لولاك إشارةٌ ولاخَفاءَ للمُريدِ في المُرادِ
يدْرِيه مَن يرى الشُّئونَ جُمِّعتْفي مُفْردٍ مجتمعِ الإفْرادِ
فآدمُ الآبا وغيرُه لهفرعٌ على معنىً جَلِيِّ الرَّادِ
وذاك معنَى أنه أصلُ الوجودِ أوّلٌ في البَسْطِ بالأعدادِ
فاعْجَبْ له خَتْماً نَبِيّاً أوَّلاًقد جاء بالتحقيقِ في الإسْنادِ
الواضحُ الحقَّ الصَّحيح حَسْبَماحَرَّره أئمَّةُ الإرشادِ
وبعد أن زان جمالُ وجههِوجودَه جاء الكمالُ هادِي
فقام بالتَّوحيدِ داعِياً لهوراقَب المُدْعَوْنَ بالمِرْصادِ
ومَهَّد الشرعَ القديم للورَىمُبَيَّنَ المِيعادِ والإيعادِ
وشَتَّ شَمْلَ الكفرِ بانْتظامِنافي سِلْكِه كالعِقْد في الأجْيادِ
فابْتَهَج الكونُ بن نَضارةًوصدَحتْ في دَوْحِها الشَّوادِي
وخفَقتْ ألْوِيةُ النصرِ علىسكُونِ ريح الكفرِ والأعادِي
وزَمْزَم الرعدُ على مَسْرَى الصَّباوشقَّتِ السُّحْبَ ظُبَا الغَوادِي
وأضْحك الرَّوضَ بُكاؤُها علىمَسرَّةِ النِّتَاجِ والإيلادِ
وأحْيتِ الأنْوا مَواتَ الجَدْبِ مِنمُرْتَبعِ التِّلالِ والوِهادِ
ونُتِجتْ من صُلْبهِ أئمَّةٌقادوا إلى الإيمان والرَّشادِ
مِن مَظْهر الزَّهراء ذات الفَخْرِ فيحظائر التَّقديس والإسْعادِ
مِن حَيْدرٍ عليٍ الطُّهْرِ أمير المؤمنين سيِّد الأمجادِ
قد أعْرَضوا عمَّا به الناسُ عُنُواوصرَفوا الوجْهَ إلى المَعادِ
تزهَّدوا وذاك مِن صِفاتِهمذاتاً وهل يخْفَى شَمِيمُ الجادِي
قد شرفوا على الورَى فحَسْبُهمنَصُّ الكتابِ عن حَصا التَّعْدادِ
يا سيِّدَ الرُّسْل ويا خِتامَ منقد خُصِّصوا بوافرِ الأيادِي
يا خيرَ مبعوثٍ على ظهرِ الثَّرَىبسَيْبه أخْضبتِ الأيادِي
يا مَن هو الأَوْلى بكلِّ مُؤْمنٍمن نفسهِ من سائرِ العبادِ
أحْنتْ عليَّ حَوبةٌ جَنيْتُهاقد جَرَّعتْني غُصَصَ البِعادِ
وعرَّضتْني هدَفاً لأسْهُمٍ الإعراضِ لا أخلُو من العَوادِي
وأخْلَقتْ صَبْرِي وجَدَّ مَطْمَعيفي أَن أُرَى في هذه النوادِي
وضاق ذَرْعي فذَرِيعتي إلىرِحابِك الفَيْحاء شَوْقٌ حَادِي
فحُلَّ عَقْدِي يا مَلاذِي مثلَماحَللْتَ عَقْدَ العُسْرِ بالإنْقادِ
وأطْلِق القَيْدَ المُحيطَ عَلَّنِيفي سُوحِكم أنْفَكُّ عن قِيادِي
فأنت كَهْفُ المُلْحِفِين في الوَرىوغيرِهم من زُمَرِ القُصَّادِ
وأنت بابُ اللهِ كلُّ مَن أتىمِن غيرهِ يُسامُ بالإبْعادِ
فمن دنَا مِن سُوحِه مُلْتمِساًبادرَهُ العفوُ إلى المُرادِ
وعَمَّه الفضلُ فقال شاكراًقد كثُرتْ ذخائرُ الفُؤادِ
صلَّى عليك اللهُ ما تَلأْلأتْصِفاتُك البِيضُ على السَّوادِ
محمد بن أحمد المنوفي هو في المقام خليفة الشافعي، وكلامه في العلوم كافي المهم وشافي العي.
وكان آيةً في قوة الحافظة، قائماً في الإفادة بوظيفتي المثابرة والمحافظة.
ودخل الروم فقام الدهر بحقوقه، ولم يشب بره بعقوقه.
فاخضرت بالإدرارات أكنافه، وتجملت أنواع رعيه وأصنافه.
إلا أنه عارضه الأجل في طريقه، وأغصته إذ ساغت له أمانيه بريقه.
فقبضه الله بالشام إليه، فلا زالت رحمة الله منهلة عليه.
قال سبطه ابن معصوم: ولا يحضرني الآن من شعره غير ما رأيته منسوباً إليه بخط سيدي الوالد:
عَتبْتُ على دهرِي بأفعالِه التيأضاقَ بها صدرِي وأضْنَى بها جِسْمِي
فقال ألم تعلمْ بأن حَوادثِيإذا أشْكلتْ رُدَّتْ لمن كان ذا عِلْمِ
وهذان بيتان لا يشيد مثهلما إلا من شاد ربوع الأدب، وسارع لاقتناص شوارد القريض وانتدب.
وهما نموذج براعته وبلاغته، واقتداره على سبك إبريز الكلام وصياغته.
وقد صدرتهما وعجزتهما، فقلت:
عَتبْتُ على دهرِي بأفعالِه التيبَراني بها بَرْيَ السِّهامِ من الهَمِّ
ليصْرِف عني فَادحاتِ نوائبٍأضاق بها صدْرِي وأضْنَى بها جسْمِي
فقال ألم تعلمْ بأن حَوادثِيوأخْطارَها اللاتي تُلِمُّ بذِي الفَهْمِ
يضِيقُ بها ذُو الجهلِ ذَرْعاً وإنماإذا أشْكلتْ رُدَّتْ لمن كان ذا عِلْمِ
ولده عبد الجواد فاضل البيت بعد أبيه النبيه، وأشبه من تصدر في مركز العزة فقيد المثيل والشبيه.
اشتملت عليه دولة آل الحسن، اشتمال الفم على اللسان، والمقلة على الإنسان.
وقامت فضائله في رياض محامدها تلو آية البيان، بما تردد بين السمع والعيان.
وهو أديبٌ عرف بكمال الفطنة من حين المهاد، وله خلالٌ كلها روضٌ قريب العهد من صوب العهاد:
فتىً صَفَتْ من القَذَى مَواردُهْوانْتثرتْ في رَوضِه فَرائدُهْ
مَبْذُولةٌ لوفدِه فوائدُهْشاهدةٌ بفضلهِ مَشاهِدُهْ
منظومةٌ من شُكْرِه قلائدُهْيحمِدُهُ وَلِيُّه وحاسدُهْ
وله شعر حسن الأسلوب، يرف على مائة ريحان القلوب.
فمنه قوله، من قصيدة يمدح بها الأمير محمد بن فروخ أمير الركب الشامي.
مستهلها:
لأيِّ كَمالٍ من كمالِك أذْكُرُوأيِّ جميلٍ من جميلِك أشْكُرُ
ألِلسَّابقِ الآتِي به أنت لاحقاًأم اللاحقِ التَّالي له يتكرَّرُ
تحيَّرتُ في هذا الكمالِ ولم أزَلْأنا والنُّهَى في ذا البَها نتحيَّرُ
جَمعتَ كمالاً في سِواك مُفرَّقٌوأنت به فَرْدٌ وجمعُك أكثرُ
رفعتَ لِواءَ الدِّين حتى خَفْقتَهامن الدُّونِ يوم النصرِ بالفتْحِ يظْهَرُ
ألسْتَ الذي يوم ابنِ مَعْنٍ ونجْلِهتأزَّرْتَ مجداً عنه غيرُك يُزْجَرُ
وصَوَّمْتَه فيه عن الفِطْرِ بالقَنَاوقلبُ السِّوَى منها بها يتفَطَّرُ
ويمَمْتَ إذ يمَّمتَ للنصرِ مُسْرِعاًوجوهاً تَراها في الوَطِيسِ تَعفَّرُ
وصَلَّيْتَهم من ذلك اليومِ مَشْهداًتأمَّمْتَ صَفّاً فيه أنت المُكبِّرُ
وأوْردتَ منهم مَعْشراً مَشرعَ الوَغَىوأصْدرْتَهم والسيفُ بالدَّمِ يقْطُرُ
فما السُّمْرُ إلاّ في الوَغَى كغُصونِهبهَامِ العِدَى سُمْراً من البِيض تُثْمِرُ
ولا عجَبٌ هذا فآيُ محمدٍتَدِينُ لها أهلُ الدُّنا حين تُذْكَرُ
هو البطلُ الحامِي الذِّمارَ ومَن بهتُهَدُّ حصونُ المارِقين وتُهْدَرُ
فيا أيُّها الشَّهْمُ الهِزَبْرُ الذي إذادَعاهُ امْرُؤٌ أغْناه إذْ هو مُفْقَرُ
إليَّ فمالي غيرَ سُوحِك مُنْجِدٌأمَسُّ بوجْهِي بابَه وأُعفِّرُ
وقد ضاقتِ الدنيا عليَّ بأسْرِهاوضِقْتُ بها ذَرْعاً وقَفْرِيَ مُقْفِرُ
وأنت لنا غَيْثٌ إذا شَحَّ مَاطِرٌوماسَحَّ يَرْوِي المُمْطَرين ويُمْطِرُ
وأنت الذي قد عَمَّ وَاكِفُ كَفِّهِبوَزْنِ نُضارٍ لا بمُزْنٍ يُدَرَّرُ
وسائله نيلاً وسائله ترىمَقاصد عمَّن رامَها ليس تقصُرُ
إليَّ وفرِّج ما انْطوَى في جَوانِحِيمن الهمِّ حتى بعدُ لا أتأمَّرُ
فكم لك في يومِ الوغَى من مَعارجٍومن فُرَجٍ فَرَّجْتها حين تَنْضُرُ
وكم لك في الحُجَّاجِ آيٌ جميلةٌيُقصِّر عنها في مُنَى الطَّوْلِ قَيْصَرُ
وكم لك في ساداتِ مكةَ من يَدٍومن حسَناتٍ فضلُها ليس يُحْصَرُ
وماذا عسى أُحْصِي صفاتِك والورَىبأجْمعِهم عن وَصْفِ فضلِك تقصُرُ
ومن شعره قوله:
أتزعُم أنك الخِدْنُ المُفدَّىوأنت مُصادِقٌ أعْدايَ حَقَّا
إليَّ إليَّ فاجْعلنِي صديقاًوصادِقْ مَن أصادقُه مُحِقَّا
وجانِبْ مَن أُعادِيه إذا ماأردتَ تكونُ لي خِدْناً وتَبْقَى
وهو ينظر إلى قول الآخر:
إذا صافَى صديقُك مَن تُعادِيفقد عاداك وانْفصلَ الكلامُ
وله رسالة في شرح البيتين المشهورين:
مِن قِصَرِ الليلِ إذا زُرْتِنِيأشْكُو وتشْكِين من الطُّولِ
عَدُوُّ عينيْك وشانِيهماأصْبَحَ مَشْغولاً بمشْغولِ
أحمد نظام الدين ابن الأمير محمد بن نصير الدين بن إبراهيم بن معصوم هذا النظام، به تم نظام النثار والنظام.
فهو في حوزة المعالي ذو قدرٍ معظم، وفي صنعة النظم صاحب درٍ منظم.
طلاع أنجدةٍ للمجد بواري زنده، مصقول شبا الفكر كالسيف مع فرنده.
تبلغ بالفضل غاية الاشتهار، وبدا كما تبدو الشمس للمبصر في وسط النهار.
حتى عشقت أوصافه الأسماع، وتوفرت للتملي من مشاهدته الأطماع.
فاستدعاه الملك شاهنشاه صاحب حيدر أباد، فدخل إليه الديرة الهندية، متهيئاً لأن يتفيأ كما يستحقه ظلال دولته الندية الندية.
فلما رآه الملك اعتد به واغتبط، وأكرم نزله بمواهبه فارتبط.
ثم أملكه بنته، ورعى غرسه ونبته.
فكثر رياشه، وحسن معاشه، وتولته العناية فعظم انتعاشه.
فأقام وسوق الفضل به نافق، وحظ الكرام بملاحظته لهم موافق.
إليه مطايا الأمل تزجى، ومن يده سحب المكارم ترجى.
حتى ولعت بالملك يد الهلك، واستولى الميرزا أبو الحسن بعده على الملك.
عند ذلك صدمه الزمن المتقلب، وانقلب عليه الدهر المتغلب.
فقفبض عليه أبو الحسن وسجنه، وخلاه رهن قيده وشجنه.
ثم قبضه الله إليه، فانقبضت القلوب حزناً عليه.
فتباً لدهرٍ لم يف بضمانه، ولم يصدق بأمانه.
فيسترجع معاره، ويشن مغاره.
وهكذا الدنيا دول، وما يغني الحول فيها ولا الخول.
وقد وقفت له على أشعار نقشها فكره وزخرفها، وحبر وشيها في بلاد الهند وفوفها.
فأثبت منها ما يعظم وقعه عند الاختبار ولا يقع عليه النظر إلا وقع عليه الاختيار.
فمن ذلك قوله من قصيدة:
مُثِيرُ غرامِ المُسْتهامِ ووَجْدِهِوَمِيضٌ سرَى من غَوْرِ سَلْع ونَجْدِهِ
وبات بأعْلَى الرَّقْمتيْن الْتهابُهفظلَّ كئيباً من تذكُّرِ عَهْدِهِ
يحِنُّ إلى نحو اللِّوَى وطُوَيْلعٍوبَاناتِ نَجْدٍ والحِجازِ ورَنْدِهِ
وضَالٍ بذات الضَّالِ مُرْخٍ غُصونَهتفيَّأه ظَبْيٌ يَميِيسُ ببُرْدِهِ
يَغار إذا ما قِسْتُ بالبدرِ وَجْهَهويغضَب إن شبَّهتُ وَرْداً بخدِّهِ
كثيرُ التَّجنِّي ذو قَوامٍ مُهَفْهَفٍصَبِيحُ المُحيَّا ليس يُوفِي بوَعْدِهِ
مَلِيحٌ تَسامَى بالمَلاحةِ مُفْرَداًكشمسِ الضُّحى كالبدرِ في بُرْجِ سَعْدِهِ
ثَناياه بَرْقٌ والصَّباحُ جَبِينُهوأما الثُرَيَّا قد أُنِيطتْ بِعقْدِهِ
فمِن وَصْلهِ سُكْنَى الجنانِ وطِيبُهاولكنْ لَظَى النِّيرانِ من نارِ صَدِّهِ
تَراءَى لنا بالجِيدِ كالظَّبْيِ تالِعاًأسارَى الهوى مِن حُكْمِه بعضُ جُنْدِهِ
روَى حُسْنَه أهلُ الغرامِ وكلُّهميَتِيهُ إذا ما شاهدوا ليلَ جَعْدِهِ
يُعَنْعِنُ علمَ السحرِ هاروتُ لَحْظِهويَرْوِي عن الرُّمَّانِ كاعبُ نَهْدِهِ
مَضاءُ اليَمانِيَّاتِ دون لِحاظِهوفِعْلُ الرُّدَيْنِيَّاتِ من دون قَدِّهِ
إذا ما نَضا عن وجهِه البدرِ حُجْبَهصَبا كلُّ ذي نُسْكٍ مُلازِمُ زُهْدِهِ
وأبْدَى مُحَيّاً قاصِراً عنه كلُّ مَنأراد له نَعْتاً بتَوْصِيفِ حَدِّهِ
هو الحُسْن بل حسنُ الوَرى منه مُجْتدىًوكلُّهم يُعزَى لجَوْهرِ فَرْدِهِ
وما تفْعل الرَّاحُ العَتِيقةُ بعضَ مابمَبْسَمِه بالمُحْتسِي صَفْوُ وِرْدِهِ
وقوله في مليح اعتل طرفه:
يا جَوْهراً فَرْداً عَلاَمن أين جاءَك ذا العَرَضْ
وعلى مَ طَرْفُك ذا المريضُ أعَلَّهُ هذا المَرَضْ
عهدِي به مِمَّا يُصِيبُ فكيف صار هو الغَرَضْ
ها قلبيَ المَعْمودُ نُصْبٌ للنَّوائب يَرْتكِضْ
فاجْعَلْه يا كُلَّ المُنَىبَدَلاً لِمَا بك أو عِوَضْ
فاسْلَمْ مَدَى الأيَّام ياذَا الحُسْنِ ما بَرْقٌ وَمَضْ
فمُذِ اعْتلَلْتَ أخا المَهافي الطَّرْفِ جَفْنِي ما غَمَضْ
ونَحِيلُ جسمي مُذْ وَنَيْتَ وحَقِّ عَيْنِك ما نَهَضْ
أنتَ المُرادُ وليس ليفي غيرِ وَصْفِك من غَرَضْ
وله مشجرا:
خِلْتُ خالَ الخدِّ في وَجْنتِهِنُقْطةَ العَنْبَرِ في جمرِ الغَضَا
دامتِ الأفراحُ لي مُذْ أبْصَرتْمُقْلتِي صُبْحَ مُحَيّاً قد أضَا
يتمنَّى القلبُ منه لَفْتةًوبهذا اللَّحْظِ للعينِ رِضَا
جاهلٌ رام سُلُوّاً عنه إذْحظَر الوصلَ وأوْلاني الفَضَا
هامتِ العينُ به لمَّا رأتْحُسْنَ وجهٍ حين كُنَّا بالإِضَا
وقال في الغزل:
سلوا بطن مَرٍ والغَمِيمَ ومَوْزعَامتى اصْطافَها ظَبْيُ النَّقَا وترَبَّعَا
وهل حَلَّ من شَرْقِّيها أرضَ هَجْلَةٍوقد جادَها مُزْنٌ فسال وأمْرَعَا
سقَى تلك من نَوْءِ السِّماكيْن جَحْفَلٌسحائب غَيْثٍ مَرْبَعاً ثم مَربَعَا
تَظلُّ الصَّبا تحْدُو بها وهْي نُعّمٌوتُنْزِلُها سَهْلاً وحَزْناً وأجْرَعَا
فتلك مَغَانٍ لا تزال تحُلُّهاخَدَلَّجةُ الساقْين مَهْضومةُ المِعَى
رَبِيبةُ خِدْرِ الصَّوْنِ والتَّرَفِ الذييزِيد على بَذْلِ اللَّيالِي تمنُّعَا
تروَّتْ من الحسن البَهِيِّ خُدودُهاوقَامَتُها كالغُصْنِ حين تَرَعْرَعَا
قَطُوف الخُطَا مثلُ القَطَا حين ما مَشَتْتقومُ بأرْدافٍ يُحَاكينَ لَعْلَعَا
وكتب إلى محمد الحشري الشامي رقعةً، صورتها: يا مولانا عمر الله بالفضل زمانك، وأنار في العالم برهانك، سمحت للعبد قريحته، في رئم هذه صفته، بهذين البيتين:
تَراءَى كظَبْيٍ خائفٍ من حبائلٍيُشِيرُ بطَرْفٍ ناعِسٍ منه فاتِرِ
وقد مُلِئتْ عيْناه من سُحْبِ جَفْنِهكنَرْجِسِ رَوضٍ جادَه وَبْلُ مَاطِرِ
فإن رأى المولى أن يجيزهما ويجيرهما من البخس، فهو المأمول من خصائل تلك النفس، وإن رآهما من الغث فليدعهما كأمس.
ولعل الاجتماع بكم في هذا اليوم قبل الظهر أو بعد العصر، لنحث من كؤوس المحادثة ما راق بعد العصر.
والمملوك كان على جناح ركوب، بيد أنه كتب هذه البطاقة وأرسلها إلى سوق أدبكم العامرة التي ما برح إليها كل خير مجلوب.
فأسْبِل السِّتْرَ صَفْحاً إن بَدا خَلَلٌتهْتِك به سِتْرَ أعداءٍ وحُسَّادِ
فكتب إليه بهذين البيتين بديهة:
ولرُبَّ مُلْتَفتٍ بأجْيادِ المَهَانحوِي وأيْدِي العِيسِ تنْفُث سمَّهَا
لم يَبْكِ من ألَمِ الفِراقِ وإنمايسْقِي سيوفَ لِحاظه ليسُمَّهَا
ثم نظم المعنى بعينه، فقال:
ولقد يُشير إليَّ عن حَدَقِ الْمَهَاوالرُّعْبُ يخْفِق في حَشاهُ الضَّامِرِ
أسْيانَ يفْحَص في الحبالِ كأنهظَبْيٌ يُخبِّط في حَبالةِ جاذر
غشَّت نواظِرَه الدموعُ كأنهاماءٌ ترقْرَق في مُتُونِ ضَوامِرِ
رقَّتْ شمائلُه ورَقَّ أدِيمُهفتكاد تشْربُه عيونُ النَّاظِرِ
وقال أحمد الجوهري، معارضاً له:
وظَبْيٍ غَرِيرٍ بالدَّلالِ مُحجَّبٍيرى أن سَتْرَ العَيْن فَرْضُ المَحاجِرِ
رَمانِي بطَرْفٍ أسْبَلَ الدمعَ دونهلِئلاَّ أرى عينيْه من دون ساتِرِ
ولما وقف أدباء اليمن على بيتي النظام، تجاروا في مضمارهما بسوابق النظام.
فقال السيد حسن الجرموزي:
ورِئْمٍ فلا أصلُ المَحاسنِ فَرْعُهتبدَّى كبدرٍ في الدجَى للنَّواظِر
سَبانِي بجَفْن أدْعج ماج ماؤُهفطرَّز شُهْبَ الدَّمْع ليلَ الغدائرِ
وقال حسن بن علي باعفيف:
وخِشْفٍ عليه الحسنُ أَوْقفَ حُسْنَهله ناظرٌ يحْمِيه عن كلِّ ناظرِ
نظرتُ إليه ناثراً دُرَّ دَمْعِهفَنظَّام فكرِي هام في دُرِّ ناثِرِ
وقال عبد الله الزنجي:
وطَرْفٍ له فعلُ السيوفِ البَواتِرِيُصِيب به مُسْتَلْئِما كلَّ حاسِرِ
رمَى ورَنَا فانْهَلَّ بالدمعِ جَفْنُهكدُرٍ حَواه سِمْطُ نظمِ الجواهرِ
وقال السيد علي بن النظام الناظم:
وللهِ ظَبْيٍ كالهلالِ جَبينُهرَمانِي بسهمٍ من جُفونٍ فَواتِرِ
جرَتْ بمآقِيه الدموع كأنّهامِياهُ فِرِنْدٍ في شِفاهِ بَواتِرِ
ومن نظم النظام في الحماسة:
إلى كم تقاضَاني الظُّبا وهْي ظامِيَهْوتشْكُو العَوالِي جوعَها وهْي طاوِيَهْ
وتُشْجِي الجِيادُ الصافِناتُ صَهِيلُهامُتَيَّمَ وَقْعاتٍ على الدَّمِ طافيَهْ
فمن مُبْلِغٍ عني نِزاراً ويَعْرُباًأولئك قومٌ أرْتَجيهم لِمَا بِيَهْ
حُماةٌ كُماةٌ قادةُ الخيلِ في الوَغَىضَراغِمُ يومَ الرَّوْع تَلْقاك ضاريَهْ
بَهالِيلُ في الْبأْساءِ يومَ تَناضُلٍإذا ما الْتَقى الجَيْشان فالعارَ آبِيَهْ
ثِيابُهمُ من نَسْجِ داوُدَ سُبَّغاًوأوْجُههمْ تحكي بدوراً بِداجِيَهْ
سَمَوْا لدِرَاكِ المجدِ والثأرِ والعُلَىورَوّوا قَناهُم من دِما كلِّ طامِيَهْ
وسارُوا على مَتْنِ الخُيولِ وسَوَّرُوابذِي شُطُبٍ عَضْبٍ وسَمْراءَ عالِيَهْ
عَلاءٌ لهم لم يبْرحُوا في حِفاظِهمدَى الدهرِ والأزْمانُ عنه مُحامِيَهْ
فهم سادةُ الأقْوامِ شَرْقاً ومغرِباًوبَرّاً وبحراً والقُرومُ المُحاميَهْ
فلا غَرْوَ أن كان النبيُّ محمدٌإليهم لَيُنْمَى في جَراثيمَ سامِيَهْ
به افْتخروا يوم الفَخارِ وقَوَّضُوابِناءَ العُلَى عن كلِّ قومٍ مُضاهِيَهْ
به كَسَرُوا كِسْرَى وفَلُّوا جُموعَهلكثْرتها في العَدِّ لم تدْرِ ما هِيَهْ
ونافُوا على الأطْوادِ عِزّاً ورِفْعةًوزادُوا على الآسادِ بأْساً وداهِيَهْ
بَلاغاً صريحاً واضحاً كاشفاً لهقِناعَ المُحيَّا فَلْيُلبِّينَ داعِيَهْ
وإيَّاهمُ والرَّيْثَ عن نَصْرِ خِدْنِهمْولا يأْمَنُوا الدنيا فليستْ بصافِيَهْ
وقُلْ لهمُ يسْرُون فوق جِيادِهمْخَفايَا كما تمْشِي مع السُّقْمِ عافيَهْ
ولده السيد علي صاحب السلافة القول فيه أنه أبرع من أظلته الخضرا، وأقلته الغبرا.
وإذا أردت علاوةً في الوصف قلت: هو الغاية القصوى، والآية الكبرى.
طلع بدر سعده فنسخ الأهلة، وانهل سحاب فضله فأخجل السحب المنهلة.
أخبرني السيد علي بن نور الدين بمكة المشرفة، قال: كان رفيقي في التحصيل، وزميلي في التفريع والتأصيل.
والصبا ينزع أواخينا، والرغبة في الاستفادة تعقد في البين تواخينا.
وكلانا في مبدأ صوب القطر من الغمامة، وباكورة خروج الزهرة من الكمامة.
فكنت أشاهد من حذقه الغاية التي لا تدرك، ومن غرائب صنائعه المنزلة التي لا تشرك.
هذا وليلُ الشبابِ الْجُونِ مُنْسَدِلٌفكيف حين يجيءُ الليلُ بالسُّرُجِ
ثم فارق البيت والمقام، ودخل الهند فنهض حظه بها وقام.
وهو الآن متقلد خدم ملكها الشريفة، ومتفيءٌ في عهده ظلال النعم الوريفة.
وقد ألف تآليف تهفو إليها الأفكار، وتجنح إليها جنوح الأطيار إلى الأوكار.
منها كتابه المسمى بسلافة العصر، التي زف بها البكر ابنة الفكر، في هودجها الفرج، وجلبابها الأرج.
تباطأ عنها السوابق، وتتطأطأ عن سموها السوامق.
وجاء بها أصفى من ماء الشباب في غضارته، في زمن لم يبق منه إلا رديء عصارته.
إلا أن الظنون مرجمة، وألسنة الانتقاد عنها مترجمة، والأقوال فيها كثيرة، والعبارات للازدراء مثيرة.
وذلك لما بدا منه من أغراض، كان حقها أن تعامل بالإعراض.
فهو في إيراد تلك الفصول، معرض بنفسه إلى وصمة الفضول.
والحق أنه أحسن ماشا، وأبدع فيما أنشا ووشى.
وكم أورد من نادرةٍ مستظرفة، وأبدع من فائدةٍ مستطرفة.
وهو في الأدب بحرٌ ماله ساحل، إذا قصد أن يدنو منه طيف الفكر أصبح دونه بمراحل.
وله شعر أرق من كل رقيق، وأحق بالقبول من غيره عند التحقيق.
فمنه قوله من خمرية:
لَمعتْ ليلاً فقالوا لَهَبُوصفَتْ لَوْناً فقالوا ذهَبُ
وإذا ما انْدفقَتْ من دَنِّهافي الدُّجَى قالوا طِرازٌ مُذْهَبُ
قهوةٌ رَقَّتْ فلولا كأسُهالم يُشاهِد جِرْمَها مَن يشْربُ
وتراها في يدِ السَّاعي بهاكوكباً يسْعَى بها لى كوكبُ
ألْبَسَتْها الكأسُ طَوْقاً ذهَباًوحَباباً بالَّلآلِي الْحَبَبُ
عجِبُوا من نُورِها إذْ أشرقتْوشَذاها من سَناها أعْجَبُ
بِنْتُ كَرْمٍ كَرُمتْ أوصافُهاأيُّ نَبْتٍ قام عنها العِنَبُ
وقوله معارضاً قصيدة أبي العلاء المعري، التي أولها:
هاتِ الحديثَ عن الزَّورَاءِ أوهِيتَاومُوِقَدِ النَّارِ لا تكْرَى بتَكْرِيتَا
وقصيدته هي هذه:
يا حادِيَ الظُّعْنِ إن جُزْتَ المواقِيتَافحَيِّ مَنْ بِمِنىً والْخَيْفَ حُيِّيتَا
وسَلْ بجَمْعٍ أَجْمعُ الشَّمْلِ مَلتئِمٌأم غالَه الدَّهرُ تفْرِيقاً وتشْتيتَا
والْثَم ثَرَى ذلك الوادي وحُطّ بهعن الرِّحالِ تنَلْ يا صاحِ ما شِيتَا
عهْدِي به وثَراهُ فائحٌ عَبِقٌكالمِسْكِ فتَّتَه الدَّارِيُّ تفْتِيتَا
والدُّرُ ما زال من حَصْبائِه خَجِلاًكأنَّ حَصْباءَه كانت يَواقيتَا
يؤُمُّه الوَفْدُ مِن عُرْبٍ ومن عجمٍويسبُرون له البِيدَ السَّبارِيتَا
يطْوُون عُرْضَ الليالِي طُولَ ليلِهمُلا يهْتدون بغير النَّجْمِ خِرِّيتَا
من كلِّ مُنْخَرِق السِّرْبالِ تحسَبُهإذا تَسَرْبَل بالظَّلْماءِ عِفْريتَا
لا يطْعَم الماءَ إلاّ بَلَّ غُلّتِهولا يذُوق سِوى سَدِّ الطُّوَى بِيتَا
يفْرِي جُيوبَ الفَلا في كلِّ هاجِرةٍيُماثِل الضّبُّ في رَمْضائِها الحُوتَا
ترى الحصَا جَمَراتٍ من تلهُّبهاكأنما أُوقِدتْ في القَفْرِ كبْرِيتَا
أجاب دَعْوةَ داعٍ لا مَرَدَّ لهقَضى على الناسِ حَجَّ البَيْت تَوْقيتَا
يرجو النَّجاةَ بيومٍ قد أهاب بهفي موقفٍ يدَعُ المِنْطيقَ سِكِّيتَا
فسار والعَزْمُ يطْوِيه وينْشُرهيُنازِل البَيْن تصْبِيحاً وتبْييتَا
حتى أناخَ على أُمِّ القُرَى سَحَراًوقد نضَا الصبحُ للظّلْماءِ إصْليِتَا
فقام يقْرَعُ بابَ العَفْو مُبتهِلاًلم يخْشَ غيرَ عتابِ اللهِ تبْكِيتَا
وطَاف بالبيتِ سَبْعاً وانثنى عَجِلاًإلى الصَّفا حاذِراً للوقْتِ تفْوِيتَا
وراح مُلْتَمِساً نَيْلَ المُنَى بِمِنىًولم يخَفْ غيرَ حِلّ الْخَيفِ تعْنِيتَا
وقام في عَرَفاتٍ عارفاً ودعَارَبّاً عَوارِفُه عَمَّتْه ترْبيتَا
وعاد منها مُفِيضاً وهْو مُزْدَلِفٌيرْجُو من اللهِ تمكِيناً وتثْبِيتَا
وبات للجَمَراتِ الرُّقْشِ مُلْتقِطاًكأنه لاقِطٌ دُرّاً ويَاقوتَا
وحين أصْبَح يومَ النَّحرِ قام ضُحىًيُوفِي مَناسِكَه رَمياً وتَسْبيتَا
وقرَّبَ الهَدْيَ تَهْدِيه شرائعُهإلى الهُدَى ذاكِراً لله تسْمِيتَا
وملأَّتْه الليالي الْخَيفَ بَهْجتَهافَحجَّ للدِّين والدنيا مَواقِيتَا
حتى إذا كان يومُ النَّفْرِ نَفّرَهوجَدَّ ينكُث في الأحْشاء تَنْكيتَا
ثم اغْتدَى قاضِياً من حَجِّه تَفَثاًيرجُو لتزكيةِ الأعمالِ تَزكِيتَا
وودَّع البيتَ يرْجو العَوْدَ ثانيةًوليْته عنه طولَ الدهرِ ما لِيتَا
وأمَّ طَيْبَة مَثْوى الطّيِّبين وقدثَنَى له الشوقُ نحْوَ المصطفى لِيتَا
فواصَل السيرَ لا يلْوِي على سَكَنٍأزاد حُبّاً له أم زاد تمْقِيتَا
حتى رأى القُبَّة الخضراءَ حاكِيةًقصراً من الفَلَك العُلْوِيِّ مَنْحوتَا
فقبَّل الأرضَ من أعْتابِ ساحتِهاوعفَّر الخدَّ تعْظِيماً وتشْمِيتَا
حيث النبُوَّةُ ممدودٌ سُرادِقُهاوالمجدُ أنْبَته الرحمنُ تنْبِيتَا
مَقامُ قُدْسٍ يحارُ الواصِفون لهويرجِعُ العقلُ عن عَلْياه مَبْهوتَا
لو فاخَرَتْه الطِّباقُ السَّبْعُ لانْتكسَتْوعاد كوكبُها الدُّرِّيُّ مَبْكوتَا
تسْتوقفُ العَيْنَ والأبصارَ بَهْجتُهوتجْمع الفضلَ مَشْهوداً ومنْعوتَا
يقول زائرُه هاتِ الحديثَ لناعن زَوْرِه لا عَنِ الزَّوْراءِ أو هِيتَا
وصِفْ لنا نُورَهُ لا نُور عادِيةٍباتتْ تُشَبُّ على أيْدِي مَصالِيتَا
مَثْوَى أجَلِّ الورَى قَدْراً وأرْحَبِهمصَدْراً وأرْفعِهم يومَ الثَّنَا صِيتَا
نَبِيُّ صِدْقٍ هَدَتْ أنوارُ غُرَّتِهبعد العَمَى للهُدَى مَن كان عِمِّيتَا
وأصْبحت سُبُلُ الدِّين الحَنِيفِ بهعَوامِراً بعد أن كانتْ أمَارِيتَا
أحْيَى به اللهُ قوماً قام سَعْدُهمُكما أماتَ به قَوْماً طَواغِيتَا
لَوْلاه ما خاطب الرحمنُ من بَشَرٍولا أبان لهم دِيناً ولاَهُوتَا
له يدٌ لا نُرَجِّي غيرَ نائِلِهاوقاصِدُ البحرِ لا يرْجُو الهَرامِيتَا
فلو حَوَتْ ما حَوَتْه السُّحْبُ من كَرَمٍلَما سمِعْتَ بها للرَّعْدِ تَصْوِيتَا
فقُل لِمَن صَدَّه عنه غَوايتُهلو اهْتدَيْتَ إلى سُبْلِ الهدى جِيتَا
ما رام حَصْرَ مَعالِيه أخُو لَسَنٍإلاّ وأصبح بادِي العِيِّ صِمِّيتَا
يا أشْرفَ الرُّسْلِ والأمْلاكِ قاطِبةًومَن به شَرَّفَ اللهُ النَّواسِيتَا
سَمْعاً لدعوةِ نَاءٍ عنك مُكْتَئِبٍفكَمْ أغثْتَ كئيباً حين نُودِيتَا
يرجوك في الدِّين والدنْيا لِمَقْصدِهحاشا لِراجِيك مِن بأسٍ وحُوشِيتَا
أضْحَى أسيراً بأرضِ الهنْدِ مُغْترِباًلم يَرْجُ مَخْلَصَه إلاَّ إذا شِيتَا
فنجِّنِي يا فَدتْك النفسُ مِن بَلَدٍأضْحتْ لِقاحُ العُلى فيها مَفالِيتَا
وقد خدَمْتُك من شِعْرِي بقافيةٍنَبَّتُّ فيها بديعَ القَوْلِ تنْبِيتَا
وزانَها الفِكرُ من سِحْرِ البيانِ بماأعْيَى ببابِلَ هارُوتاً ومَارُوتَأ
جلَّتْ بمَدْحِك عن مثلٍ يُقاسُ بهاومَن يَقِيسُ بنَشْرِ المِسْكِ حِلْتِيتَا
عليك من صَلَواتِ الله أشْرَفهاوآلِك الطُّهْرِ ما حُيُّوا وحُيِّيتَا
وقوله، من قصيدة أخرى، أولها:
يا دار مَيَّةَ باللِّوَى فالأجْرعِحَيَّاكِ مُنْهَمِلُ الْحَيَا من أدْمُعِي
وسرَى نسيمُ الرَّوْضِ يسْحَب ذَيْلَهبمَصِيفِ أُنْسٍ في حِماكِ ومَرْبَعِ
لو لمْ تَبِيتِي من أَنِيسكِ بَلْقَعاًما بِتُّ أنْدُب كلَّ دارٍ بَلْقَعِ
لم أنْسَ عَهْدَك والأحِبَّةُ جِيرَةٌوالعَيْشُ صَفْوٌ في ثَراكِ المُمْرِعِ
أيَّامَ لا أُصْغِي لِلَوْمةِ لئمٍسَمْعاً وإن تُغْرِ الصَّبابةُ أسْمَعِ
حيثُ الرُّبَا تسْرِي برَيَّاها الصَّباوالرَّوضُ زَاهِي النَّوْرِ عَذْبُ المَشْرَعِ
تحْنُو عليَّ عَواطِفاً أغْصانُهاعند المَبِيتِ به حُنُوَّ الُرْضِعِ
والوُرْقُ في عَذَبِ الغُصونِ سَواجِعٌتشْدُو بمَرْأىً من سُعادَ ومَسْمَعِ
كم بِتُّ فيه صَرِيعَ كأسِ مُدامةٍحِلْفَ البَطالةِ لا أُفِيقُ ولا أًعِي
أصْبُو بقلبٍ لا يزال مُوَلَّعاًفي الحُبِّ بين مُعَمَّمٍ ومُقَنَّعِ
مُسْتهْتَرٌ طَوْعُ الصَّبابةِ في هَوَىقَمَرَيْ جمالٍ مُسْفِرٍ ومُبَرْقَعِ
ما ساءني أن كنتُ أوَّلَ مُغْرَمٍبجمالِ رَبِّ رِداً ورَبَّةِ بُرْقُعِ
يقْتادني زَهْوُ الشبابِ وعِفَّتِيفيه عَفافُ الناسِكِ المُتورِّعِ
للهِ أيامِي بمُنْعَرَجِ اللِّوَىحيثُ الهوَى طَوْعِي ومَن أهْوَى مَعِي
لم أنْسَه والبَيْنُ ينْعَقُ بيْننامُتصاعِدَ الزَّفَراتِ وهْو مُودِّعِي
إن شَبَّ في قلبي الغَضا بفِراقِهفلقد ثَوَى بالْمُنْحَنَى من أضْلُعِي
أتجَشَّم السُّلْوانَ عنه تكلُّفاًوالطبعُ يغلِبُ شِيمةَ المتَطبّعِ
وقوله من أخرى، أولها:
بين العُذَيْبِ وبين بَرْقةِ ضاحِكِغَرَّاءُ تبْسَم عن شَنِيبٍ ضاحِكِ
في حبِّا للعاشقين مَصارِعٌمن هالِكٍ فيها ومن مُتهَالِكِ
تسْطُو مَعاطِفُها وسُودُ لِحاظِهابِمُثقَّفٍ لَدْنٍ وأبْيضَ فاتِكِ
لا تستطِبْ يوماً مَوارِدَ حبِّهاما هُنَّ للعُشَّاقِ غيرَ مَهالِكِ
فتكَتْ بألْبابِ الرجالِ ولم تصِلْبسِوَى فواتِن للقلوب فَواتِكِ
يُرْدِيك ناظِرُها ويُغْضِي فاعْجَبَنْمن فاِسقٍ يحكي تعفُّفَ ناسِكِ
هجَرتْ وما اتَّسعتْ مَسالِكُ هجرِهاإلاّ وضاقتْ في الغرامِ مَسالِكِي
ولقد أبِيتُ على القَتَادِ مُسهَّداًوتبِيتُ وَسْنَى في مِهادِ أرائِكِ
لا تسْتعِرْ جَلَداً على هِجْرانِهاإن كنتَ في دعوَى الغرامِ مُشارِكِي
واتْرُكْ حديثَ المُعْرضِين عن الهوَىيا صاحبِي إن كنتَ لستَ بتاركِي
وإذا دعاك لِبَيْعِ نفسِك سائمٌفي حبِّها يوماً فبِعْه وبارِكِ
إن التي فتنتْك ليلةَ أشْرقتْإشْراقَ شمسٍ في دُجُنَّةِ حالِكِ
لا تصْطفِي خِلاً سوى كلِّ امْرِىءٍصَبٍ لأسْتارِ التنسُّكِ هاتِكِ
فاخلَعْ ثيابَ النُّسْكِ فيها واسْترِحْمن عَذْلِ لاَحٍ في الصَّبابةِ آفِكِ
أو لا فدَعْ دعوى المَحبَّةِ واجتنِبْنَهْجَ الغرامِ فلستَ فيه بسالِكِ
وإذا بدَا منها المُحَيَّا فاسْتعِذْمن سافِرٍ لِدَمِ الأحبَّةِ سافِكِ
كم من مُحِبٍ قد قَضَى في حبِّهاوَجْداً عليه فكان أهْوَنَ هالِكِ
ملكتْ نفوسَ أُلِي الغرامِ بأسْرِهاهلاَّ اتَّقيْتِ اللهَ يا ابنةَ مَالِكِ
حَسْبِي وُلوعاً في هواكِ ولَوْعةًإن تطْلُبِي قَتْلِي ظَفِرْتِ بذلكِ
وله من نونية نبوية، أولها:
تذكَّر بالحِمَى رَشَأً أغَنَّاوهاج له الهوى طَرباً فغَنَّى
وحَنَّ فؤادُه شوقاً لِنَجْدٍوأين الهندُ من نجدٍ وأنَّى
وغنّتْ في فروعِ الأيْكِ وُرْقٌفجاوَبَه بزَفْرتِه وأنَّا
وطارحَها الغرامَ فحين رَنَّتْله بتَنفُّسِ الصُّعَداءِ رَنَّا
وأوْرَى لاعِجَ الأشواقِ منهبَرِيقٌ بالأبَيْرِقِ لاح وَهْنَا
مُعَنى كلما هبَّتْ شَمالٌتذكّر ذلك العيشَ المُهَنَّا
إذا جَنَّ الظلامُ عليه أبْدَىمن الوَجْدِ المُبرِّحِ ما أجَنَّا
سقَى وادِي الغَضا دمعِي إذا ماتهلّل لا السَّحَابُ إذا ارْجَحَنَّا
فكم لي في رُباه قَضِيبُ حُسْنٍتفرَّد بالمَلاحةِ إذْ تَثَنَّى
كَلِفْتُ به وما كُلِّفْتُ فَرْضاًفأوجَب طَرْفُه قَتْلِي وسَنَّا
وأبْدَى حبَّه قلبي وأخْفَىفصرَّح بالهوى شَوْقاً وكَنَّا
تفنن حسنُه في كلِّ معنىًفصار العشقُ لي بهَواه مَعْنَى
بدا بَدْراً ولاح لنا هِلالاًوأشْرَق كوكباً واهْتَزَّ غُصْنَا
وثنَّى قَدَّه الحسَنَ ارْتياحاًفهام القلبُ بالحسَنِ المُثَنَّى
ولو أن الفؤادَ على هَواهُتمَنَّى كان غايةَ ما تَمَنَّى
بكيْتُ دماً وحَنَّ إليه قلبِيفخضّب من دمِي كَفاً وحَنَّا
ألا يا صاحبَيَّ ترفّقا بيفإن البَيْنَ أنْصَبنِي وعَنَّا
ولم تُبْقِ النَّوَى لي غيرَ عَزْمٍإذا حَفّتْ به المِحَنُ اطْمَأنَّا
وأُقْسِم ما الهوى غَرَضِي ولكنْأُعَلِّلُ بالهوى قلباً مُعَنَّى
وأصْرِفُ بالتأنِّي صَرْفَ دهرِيوأعلمُ أن سيظْفَرُ مَن تأنّى
وأدْفَعُ فادحاتِ الخَطْبِ عنِّيبتفْويضٍ إذا ما الخَطْبُ عَنَّا
ولا واللهِ لا أرْجُو لِيُسْرِيوعُسْرِي غيرَ من أغْنَى وأقْنَى
أخوه محمد يحيى غصن طيب النما، أشبه بأخيه من الماء بالما.
فهو الرمح وأخوه سنانه، وكلاهما في حومة الأدب فارسٌ أطلق عنانه.
وكان رحل إلى أبيه للهند، فأقام في كنفه يتأدب بآدابه، وكانت ملازمته من دابه.
ولم يزل من كفايته في ظلٍ غير مقلص، ومن حفايته في موردٍ غير منغص.
حتى غرب نجمه في إبان استنارته، وخسف بدره في بدء استدارته.
فأضحى ناظر الأدب لفقده رمدا، وقلب الأماني لحينه متفجعاً كمدا.
وقد ظفرت من شعره بما هو أغر من الصدغ المرسل، وأعذب من الرحيق السلسل.
فدونك منه ما لا يجد خاطرك فيه تعسفا، غير أني أراك تكثر على قلته تأسفا:
تذكّرتُ أيامَ الحَجِيجِ فأسْبَلَتْجفوني دِماءً واستَجدّ بيَ الوَجْدُ
وأيَّامَنا بالمَشْعَريْنِ التي مَضتْوبالخَيْفِ إذْ حادِي الركاب بنا يحْدُو
وقوله أيضاً:
ألا يا زماناً طال فيه تباعُديأما رحمةٌ تدْنُو بها وتجودُ
لألْقَى الذي فارقتُ أُنْسِيَ مذ نأَىفها أنا مسلوبُ الفؤادِ فرِيدُ
وقوله:
ألا لا سقَا الله البعادَ وَجوْرَهُفإن قليلاً منه عنك خطيرُ
وواللهِ لو كان التَّباعُدُ ساعةًوأنت بعيدٌ إنه لكثيرُ
وكتب إلى أخيه من قصيدة طويلة، أولها:
أقِلْ أيُّهذا القلبُ عمَّا تُحاولُهْفإنك مهما زِدْتَ زاد تَشاغُلُهْ
دَعِ الدهرَ يفعلْ كيف شاء فقلَّمايرُوم امْرُؤٌ شيئاً وليس يُواصِلُهْ
وما الدهرُ إلاَّ قُلَّبٌ في أمورِهفلا يغْترِرْ في الحالتيْن مُعامِلُهْ
ويا طالَما طاب الزمانُ لِواجِدٍفسَرَّ وقد ساءتْ لَدَيْه أوائلُهْ
سقَى ورعَى اللهُ الحجازَ وأهلَهمُلِثّاً تعُمُّ الأرضَ سَقْياً هَواطِلُهْ
فإن به داري ودارِي عَزِيزةٌعليَّ ومهما أشْغَل القلبَ شاغِلُهْ
ولكنَّ لي شوقاً إلى خُلَّتي التيمتى ذُكِرتْ للقلبِ هاجتْ بَلابِلُهْ
أبِيتُ ولي منها حَنِينٌ كأننيطَرِيحُ طِعانٍ قد أُصِيبَتْ مَقاتلُهْ
هَوىً لكِ ما ألْقاه يا عَذْبةَ اللَّمَىوإلاّ فصَعْبٌ ما أتى اليوم حامِلُهْ
أُكابِدُ فيك الشوقَ والشوقُ قاتِليوأسألُ عمَّن لم يُجِبْ مَن يسائِلُهْ
تَقِي اللهَ في قَتْلِ امْرِىءٍ طال سُقْمُهوإلاّ فإن الهجرَ لاشكَّ قاتلُهْ
صِلِيه فقد طال الصُّطودُ فقلّمايعيش امْرُؤٌ والصدُّ ممَّا يقاتلُهْ
حَزِينٌ لِمَا يْلقاه فيك من الجَوىفها هو مُضْنىً مُدْنَفُ الجسمِ ناحِلُهْ
بلَى إن يكنْ لي من عليٍ وعَزْمِهمُعِينٌ فإنِّي كلَّ ما شئتُ نائِلُهْ
فراجعه بقوله:
إليك فقلبي لا تقَرُّ بَلابِلُهْإذا ما شدَتْ فوق الغصونِ بلاَبلُهْ
تُهيِّجُ لي ذِكْرَى حبيبٍ مُفارِقٍزَرُودُ وحُزْوَي والعقيقُ مَنازلُهْ
سَقاهُنَّ صَوْبُ الدمعِ منِّي ووَبْلُهُمنازلَ لا صَوْبُ الغمامِ ووابِلُهْ
يحُلُّ بها من لا أُصَرِّحُ باسْمِهغزالٌ على بُعْدِ المَزارِ أُغازِلُهْ
تقسَّمه للحُسْنِ عَبْلٌ ودِقَّةٌفَرَنَّ وِشاحاه وصُمَّتْ خَلاخِلُهْ
وما أنا بالنَّاسِي لياليَ بالحِمَىتقضَّتْ ووِرْدُ العَيْشِ صَفْوٌ مَناهِلُهْ
لياليَ لا ظَبْيُ الصَّرِيمِ مُصارِمٌولا ضاق ذَرْعاً بالصدودِ مُواصِلُهْ
وكم عاذلٍ قلبي وقد لَجَّ في الهوىوما عادلٌ في شِرْعةِ الحبِّ عاذِلُهْ
يلومون جَهْلاً بالغرامِ وإنماله وعليه بِرُّه وغَوائِلُهْ
فاللهِ قلبٌ قد تمادَى صَبابةًعلى اللَّوْمِ لا تنْفكُّ تغْلِي مَراجلُهْ
وبالحِلّةِ الفيْحاءِ من أبْرُقِ الحِمَىرَداحٌ حَماها من قَنا الخَطِّ ذابِلُهْ
تمِيسُ كما ماس الرُّدَيْنِيُّ مائداًوتهْتزُّ عُجْباً مثلَما اهْتزَّ عاملُهْ
مُهَفْهَفةُ الكَشْحَيْنِ طاويةُ الحَشَافما مائدُ الغُصْنِ الرَّيِبِ ومائلُهْ
تعلّقْتُها عَصْرَ الشَّبِيبةِ والصِّباوما علِقتْ بي من زمانِي حَبائلُهْ
حذِرْتُ عليها آجِلَ البُعْدِ والنَّوَىفعاجَلنِي من فادِحِ البَيْنِ عاجلُهْ
إلى اللهِ يا أسْماءُ نفساً تقطَّعتْعليكِ غراماً لا أزال أُزاوِلُهْ
وخطبٍ بِعَادٍ كلَّما قلتُ هذهأواخِرُه كرَّتْ عليَّ أوائلُهْ
لئن جار دهرٌ بالتفرُّقِ واعْتدَىوغال التَّدانِي من دَهَا البَيْنِ غائلُهْ
فإنِّي لأرجُو نَيْلَ ما قد أمَلْتُهكما نال من يحيى الرَّغائبَ آمِلُهْ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع