من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السادس في عجائب نبغاء الحجاز (٩)
وكتب إلي هذه القصيدة، طالباً مراجعتي:
قَوامٌ أنْبتَ الرُّمَّانَ نَهْدَاوغُصْنٌ ماسَ أم قَدٌّ تبدَّى
وبَرْقٌ ما أرى أم دُرُّ ثَغْرٍيُنظِّمه بديعُ الحسن عِقْدَا
ووَجناتٌ على تُفَّاحِ خَدٍمتى أبْدَى لنا التفاحُ وَرْدَا
وآسُ سَوالِفٍ ما خِلْتُ أم ذاصَفاءُ الخدِّ ظِلَّ الهُدْب مَدَّا
ومالَكِ يا غَزالةُ من شَبِيهٍسوى شِبْهِ الضُّحَى والبدرِ نِدَّا
وأنك قد أعَرْتِ الظَّبْيَ جِيداًوعَيْناً والغصونَ الهِيفَ قَدَّا
وما الحسنُ البديعُ وإن تَناهَىسوى مِن بعضِ مَعْناكِ اسْتمدَّا
بمَن أَوْلاك مُلْكَ الحسن فيناوصيَّر كلَّ حُرٍ فيكِ عبدَا
صِلِي حبلَ الودادِ بحبلِ وَعْدِيلقد جاوَزْتِ في التَّسْويفِ حَدَّا
وما سَكَنِي سِوَى عَهْدِي قديماًوما أنا ناكِثٌ ما عِشْتُ عهدَا
مُقِيمٌ بالعَقِيقِ وبالمُصَلَّىأُبَوَّأُ منهما بَاناً ورَنْدَا
أُغازِلُ فيه أجْفانَ الغَوانِوألثِم زينباً وأضُمُّ هِنْدَا
وأرشُفُ من رُضابِ الغِيدِ رَاحاًتُعِيد لَهِيبَ ما أشكُوه بَرْدَا
وأنْظِم من ثَناياها عقوداًكنَظْمِي مدحَ مولانا المُفَدَّى
محمد الأمين ومَن تَسامَىشريفٌ قد علا كرماً ومَجْدَا
من القومِ الذين بَنتْ مَعَدٌّبهم فوق السِّماكِ ثَناً وحمدَا
أعَزُّوا الدينَ بالسُّمْرِ العَوالِيوحازُوا الفَخْرَ شِيباناً ومُرْدَا
وقادُوا العادِياتِ مُطَمَّهاتٍعلى صَهَواتِها تحْمِلْنَ قَدَّا
وَرِثْتَهمُ جمالَ الدين حقّاًعفافاً راسِخاً وتُقىً وزهدَا
فضائلَ قد علَوْتَ بها الثُّرَيَّاوآداباً تبِعْتَ بهِنَّ جِدَّا
بآراءٍ يَحارُ العقلُ فيهاوأيُّ حِجاً يحُلُّ لهُنَّ عَقْدَا
بِحلمٍ لا يُعادِلُه ثَبِيرٌوفخرٍ ليس يُحْصَى أن يُعَدَّا
وأخلاقٍ شَمائلُها شَمُولٌيفُوح عَبِيرُها مِسْكاً ونَدَّا
تَوقَّدُ فِطْنةً وتسيلُ لُطْفاًجَمعْتَ بهنَّ يا مولايَ ضِدَّا
ووَشَّيْتَ البديعَ بحُسْنِ نثرٍكمُخْضَلِّ الربيعِ شَذاً وأنْدَى
ودُرٍ أنت تَعْرِفُه كِبارٍتُنظِّمه لِجيدِ الدهرِ عِقْدَا
ذَكاءٌ لم يجُزْه إياسُ كَهْلاًوعَمْرٌو ما به يوما تَحَدَّى
عظُمْتَ جَلالةً وعلَوْتَ قَدْراًفشاهدْنا الوقارَ لديْك أُحدَا
أعُدُّك مصدرَ الأحكامِ فيناهُمامٌ مذ أجار عُلاك نَقْدَا
وما للنَّقْدِ والذهبِ المُصفَّىلقد حقَّقْتَ في ذا النقدِ نَقْدَا
أمولانا أتتْك عروسُ فكرٍتمُدُّ لمُمْتطَى نعْلَيْك خَدَّا
خَلَبْت شِغافَها بِنُعوتِ مجدٍلذا أضْحَتْ لعَذْبِ لِقاكَ تَصْدَى
لِيَهْنِ العرشَ رَبُّ العرشِ مَوْلىًبه اتَّسقَتْ أمورُ الدين نُضدَا
وتبْقَى صاعداً ذِرْواتِ عِزٍبَنتْ أيدِي القضاءِ عليه سَدَّا
نأَى غَمٌّ يؤرِّخ عامَ: م بلْغنائمُ أنتَ مَعْناهنَّ قَصْدَا
ولم تبْرح سِنيكَ ومن تَرَدَّىطِماعاً في لَحاقِك ما تَرَدَّى
فراجعته بقولي:
مُحِبٌّ في المَحبَّةِ ما تصدَّىلسُلْوانٍ وإن يكُ مات صَدَّا
وهيْهات النجاةُ وما يُعانِيهَوىً أدْناه إن لم يُفْنِ أرْدَى
أما وعيونِك الَّلاتي شَباهاأبَى إلاَّ شِغافَ القلبِ غِمْدَا
لأَنت مُنَى الحياةِ فإن تكُنْهافبعدَك للمُنَى سُحْقاً وبُعْدَا
أيجمُل أن أُقضِّي فيك عمرِيوما عفَّرْتُ في مَمْشاك خَدَّا
ولو أخْطرْتُ ذِكْرَك في خَيالِيخشِيتُ بأن يُؤثَّر فيك حِقْدَا
فَدَيْتُكَ رَحْمةً لطريحِ عشقٍإذا لم يقْضِ سُقْماً مات وَجْدَا
تذكَّر عهدَه فصبَا وآلَىبغيرِك ما رعَى للحبِّ عَهْدَا
إذا ما ليلهُ المُمتدُّ أرْخَىسَتائرَه طَواه أسىً وسُهْدَا
يبِيتُ وفي الحَشا منه اشْتعالٌإذا قدَحت رعودُ البَرْقِ زَنْدَا
وليس له سميرٌ غيرَ مَدْحٍيكون لصالحٍ شكراً وحَمْدَا
فتىً قد ألْبَس العَلْياء بُرْداًومثَّل شخصَه أدَباً ومجدَا
له الفكرُ الذي إن شاء أنْشَاأفانِنَ الهوى وبها تحدَّى
بدائعُ منه تُلْحَم بالمَزاياوبالسحرِ الحلالِ غدَتْ تُسَدَّى
تعالى اللهُ قد أوْلاه طبعاًأغَضَّ من الرياضِ رُواً وأنْدَى
وأنْبَتَ مِن أيادِيه ربيعاًيُنمِّق فيه رَيْحانا ووَرْدَا
أنادِرةَ الزَّمان فَدَتْك رُوحِيومَن لي أن تكون بها مُفَدَّى
أتتْني منك خَودٌ من سَناهاتمَنَّى البدرُ لو كان اسْتمدَّا
رَبِيبةُ خِدْرِها في الصَّوْنِ تأْبَىيَدَيْ أملٍ إليها أن تُمَدَّا
منَحْتَ بها الودادَ المَحْضَ خِلاًيرى لك وُدَّه فَرْضاً ورَدَّا
وهاك ألُوكةً بثَناك تاهتْوفاحتْ مَنْدِلاً رَطْباً ونَدَّا
ولو وفَّيْتُ مَدْحَكَ بعضَ حَقٍإذاً نظَّمْتُ فيك الشُّهْبَ عِقْدَا
فعُذْراً إن أخْطارَ التَّنائِيبَنَتْ بيني وبين الفكرِ سَدَّا
وهذي الأربعون بلغتُ منهاأشُدّاً ساق لي خَطْباً أشَدَّا
فلو كان الذي بي من سقامٍعلى جبلٍ لأوْشَك أن يُهَدَّا
وغيرُك لا أراك لدفْعِ ما بيفقد أعْيَى دَواه الدهرَ جُهْدَا
بَقِيتَ مُمَّتعاً في الفضلِ فَرْداًولا لَقِيَتْ لك الأيامُ فَقْدَا
وكتب إلي أيضاً:
لا عَيْشَ إلاَّ في وِصالِكْفامْنُنْ بطَيْفٍ من خَيالِكْ
إن كان لي نَوْمٌ وإلاَّليس أبْعَدَ من مَنالِكْ
يا هاجِرِي والهجرُ عَيْنُ الوصلِ إن يكُ عن دَلالِكْ
إلاَّ الملالَ فإنَّهحَتْفِي أجِرْنِي من مَلالِكْ
يا مَن تمَلَّك مُهْجتِيلا تُفْنِها وارفُقْ بمالِكْ
لا وَصْلَ أخطرُ لي سِوَىإخْطارِ تَذْكارِي ببالِكْ
أنا في هَوانٍ من هَواكَ ومن صُدودِك في مَهالِكْ
تَلَفُ النفوسِ مُحقَّقٌفي بِيضِ سُودِك أو نِبالِكْ
وكذا السِّهامُ فإنَّهُنَّأخَذْنَ ذلك عن نِصالِكْ
والحَتْفُ في سُمْرِ الْقَنامن مَيْلِ قَدِّك واعْتدالِكْ
يا نُورَ إنْسانِ العيُونِ تركْتَ حالِي فيك حَالِكْ
نارُ الجوَى مِن وَجْنَتَيْك وذِي سُوَيْدايَ بِخَالِكْ
وأرى الجمَال وإن تَناهَى مُسْتعاراً من جمالِكْ
هل من سبيلٍ لِلِّقاضاقتْ عليَّ به المَسالِكْ
يا بارداً من رِيقِهواحَرَّ قلبِي من زُلالِكْ
أو يا مُحيَّاه الذيكالبدرِ سُقْمِي من هلالِكْ
يا ذابلاً في الحُسْنِ بلسلطانَ أربابِ المَمالِكْ
الشمسُ أقربث منك نَيْلاً وهْي أبْعَدُ عن مِثالِكْ
امْنُنْ عليَّ بنَظْرةٍإنِّي وحقِّك فيك هالِكْ
يا جَنَّتِي لا تُدْخِلَنِّي نارَ صَدِّك أنتَ مَالِكْ
يا تاركِي شِبْهَ الخِلالِ وما التَّجافِي من خِلالِكْ
عَلِّلْ بوعدٍ كاذبٍيحْلُو وأمْعِنْ في مِطالِكْ
فإلى الشريفِ تَوجُّهِيوإليه أخْلُص من حِبالِكْ
مَدْحِي محمداً الأمينَ احْرَى وأوْلَى لي بذلِكْ
الْبانِيَ الْمجدِ الأَثِيلِ على المَجَرَّةِ من هُنالِكْ
صدرُ المَجالسِ قلبُهاعينُ المَناصبِ والمَمالِكْ
يا شمسَ أنْجُمِ كلِّ فَضْلِ حين تطلُع في كَمالِكْ
آياتُ فضلِك بَيِّناتٌ في مَقالِك أو فِعالِكْ
أمَّا القَرِيضُ فزهْرُ رَوْضٍ إن تُدَبِّجْ من مَقالِكْ
وإذا تَنسَّم عن شَذاًكالمِسك يروِي عن خصالِكْ
ورجالُ كلِّ فضيلةٍقصُروا وليسوا من رجالِكْ
مَن ذا المُناضلُ والمُناظِرُ في جِلادِك أو جِدالِكْ
كذب الزمانُ بما ادَّعَىإن قال يُوجَد من مِثالِكْ
كَرَمُ الطِّباعِ ولُطْفُهاكلٌّ تَفيَّأَ في ظِلالِكْ
وترى المَعالِي والمَكارمَ أنْفقتْ من رأسِ مَالِكْ
مولايَ إنِّي شاكرٌلِمَزِيدِ فضلِك واحْتفالِكْ
لا خِلَّ لي أصْبُو إليْهِ سِوَى المَعالِي من خِلالِكْ
لا زلتَ في أَوْجِ العلىوالضِّدُّ في دَرْكِ المَهالِكْ
مادام رَضْوَى راسِخاًيحْكي وَقارَك مِن جَلالِكْ
فكتبت إليه جوابها قولي:
ما بين مَيْلِكْ واعْتدالِكْخَطَرُ الْتفاتِك أو دَلالِكْ
فمَن السَّلِيمُ وكلُّنامنه توَرَّط في مَهالِكْ
يا مُوتِراً قَوْسَ الحَواجِبِ مَن لقلبي مِن نِبالِكْ
أمْسِكْ فمَهْلَكُ مَن أرَدْتَ يقِلُّ عن أدْنَى انْفعالِكْ
بأبِي لَواحِظُك التيأوْقَعْنَ قلبي في حِبالِكْ
أتُرَى علمْتَ بحالتيفأخذْتنِي في جَنْبِ بَالِكْ
لا والذي جعل ابْتداعَ الجَوْرِ من أقْوَى اشْتغالِكْ
كلُّ الخُطوبِ حسِبْتُهاإلاَّ اجْتنابَك عن مَلالِكْ
هل كنتَ يا ثَمِلَ الجُفُونِ بعَثْتَ طَيْفاً من خَيالِكْ
فيروزَ غَصَّانَ اللَّهاةِ دَواؤُه صافِي زُلالِكْ
يا مَن تملَّك مُهْجتِياللهَ في إتْلافِ مَالِكْ
إن كنتُ أطمعُ في سِواك فلا بلغْتُ مُنَى مَنالِكْ
مالي ولْلأُفُقِ المُضِيءِ وعنه كافٍ من كمالِكْ
فالشمس تطلُع من يَميِنك والثُّرَيَّا من شِمالِكْ
والبدرُ يُعْزَى للتَّمامِ إذا اسْتدار على مِثالِكْ
أمَّا الهلالُ فما علىمَن ظَنَّه إحْدَى نِعالِكْ
وإذا تخيَّلتُ الرِّياضَ ذكَرتُ حسنَ رُوا خِصالِكْ
فنسيمُها مهما سرَىمُتلطِّفاً أثَرُ اخْتيالِكْ
وعَبِيرُها مِن شَمَّةٍأهْدَيْتَها من مِسْكِ خَالِكْ
هذا وثَمَّ إذا ذكرتُ حُلىً تجِلُّ وراءَ ذلكْ
مِن أجْلها أنا شاعرٌأجْرَى التغزُّلَ في جَمالِكْ
ولأجْلِ مَدْحِي صالحاًيحْلو افْتتانِي في خِلالِكْ
ذاك الذي أسْلُو بِعِشْرتِه الحميدةِ عن وِصالِكْ
مَولايَ أنت المُرْتجىَللوُدِّ في حُسْنِ اقْتبالِكْ
رجلُ المُروءَةِ أنت لاأحَدٌ وَحقِّك مِن رجالِكْ
حُزْتَ المَعالِي قبل أنوُجِدت بَنُوها حَسْبَ حَالِكْ
وملكْتَ كلَّ فضيلةٍأفْدِيك من مَلكٍ ومالِكْ
فيك المَكارمُ شِيمَةٌوالأرْيَحيَّةُ في فِعالِكْ
فالطَّوْدُ يُلْفَى ذَرَّةًفي جَنْبِ حِلْمِك واحْتمالِكْ
والبحرُ بعضُ رَشاشِهبالطبعِ تُؤْثَرُ عن نَوالِكْ
إنَّ الحَكِيميْن اللذيْن تظاهَرا فيما هُنالِكْ
لو عاصَراك تنافَسابأقَلِّ جَرْي في مَجالِكْ
والبُحْتُرِيُّ أبو الفُتُوَّةِ لو تأمَّل في مَقالِكْ
أتْحفْتنِي بقصيدةٍغَرَّاءَ من بِدْعِ ارْتجالِكْ
وبعثْتَ لي كلَّ المُنىفكفيْتنِي أدْنَى سُؤالِكْ
قد كان جِيدِي عاطِلاًلكنْ حَلاَ بحُلَى احْتفالِكْ
فإليْك رُوداً من بَناتِ الفكر حَيْرَى في جَلالِكْ
ترْتاحُ في مِرْطِ الثَّنابصَباك زَهْواً أو شَمالِكْ
واعْذِرْ فطبْعِي لا يُزيل صَداهُ عنه سوى صِقالِكْ
واسْلَمْ لبُغْيةِ آملٍمتفيِّىءٍ بذَرَى ظِلالِكْ
فلأنتَ ظِلٌّ للمُنَىلا الْتاعَ قلبٌ من زَوالِكْ
وأنشدني من نتفه قوله:
ظَبْيٌ من التُّركِ له مُقلةٌضَيِّقةٌ تُمْعِن في قَتْلِي
يبْخَل بالوصلِ على صَبَّهوضِيقَةُ العيْنِ من البُخلِ
ملَّكتُه عيْني وأخْدمتهُإنْسانَها لمَّا أبى وَصْلِي
هذا كثير في الأشعار، منه قول ابن النبيه:
يصُدُّ بطَرْفِه التُّرْكِيِّ عنِّيصدقْتُم إنَّ ضِيقَ العيْنِ بُخْلُ
وقوله:
بي ضَيِّقُ العيْنِ وإن أطْنَبُوافي الحَدَقِ النُّجْلِ وإن وَسَّعُوا
وأصله قول البديع الهمذاني:
أناديةَ الأعْرابِ أهْلَكِ إننَّيبناديةِ الأتْراكِ نِيطَتْ عَلائقِي
وأرضَكِ يا نُجْل العيونِ فإننيفُتِنْتُ بهذا الفاتِرِ المُتضايقِ
السيد هاشم الأزواري سيدٌ عرقه طاهر، وفضله بين ظاهر.
أبين من الكعبة للطائفين، وأظهر من المساجد للعاكفين.
وهو أديب شاعر، له في مناسك الفضل مشاعر.
أوتي من البراعة أحسن كلم من عارضها سلم لها ومن لم يعترض لها سلم.
وكان في الغالب أيام المجاورة سميري، ومحله مني خلدي وضميري، ونديمي، ومكانه بين عظمي وأديمي.
فتمليت منه مغتنماً حظ اليوم والغد، في عهدٍ أنضر من روق التصابي في العيش الرغد.
وقد أهدى لي من طرفه قصيدة فريدة، لم تحظ بمثلها دمية ولا خريدة.
وها هي ألذ من معاطاة الأحباب، كأس المعاقرة طفا عليها الحباب:
ما لقلبي عنك سَلْوهْولا ولا عن رَبْعِ سَلْوهْ
منزلٌ يجمعُ ما بَيْنِي وما بينك ضَحْوَهْ
قد تسمَّى بانْتظامِ الشَّمْلِ فيه دارَ نَدْوَهْ
كم به ليلة أُنْسٍلِيَ مَرَّتْ بك حُلْوَهْ
قد جلاَ طَلْعتَها البَدْرُ لنا أحْسَن جَلْوَهْ
وأرانا لِطلاهَابالنُّجومِ الزُّهْرِ زَهْوَهْ
ونهارٍ ألْبسَ الأُفْقَ من السِّنْجابِ فَرْوَهْ
وبلُطْفِ فيك عن جَيْبِ الْحَيا المُزَوَرِّ عُرْوَهْ
قد أخذْناه اغْتصاباًمن يدِ الدهر بقُوَّهْ
ووصلْناه برَوْحٍوبرَيْحان وقهوهْ
وبتوْقيع سَماعٍما نَحَا مَعْبَدُ نَحْوَهْ
ومُديرُ الشمسِ بَدْرٌبحُلَى الظَّرْفِ مُنَوَّهْ
أفْلَجُ الثَّغْرِ نَقِيُّ الْخَدِّ ألْمى فيه حُوَّهْ
يزدَرِي بالْحُسْن لُبْنَىوالصِّفَاتِ الغُرِّ عَلْوَهْ
ذُو لِحَاظٍ هي والسَّيْفُ على حَدٍ وسَطْوَهْ
وقَوَامٍ هوَ والرِّدْفُ كغُصْنٍ فوقَ رَبْوَهْ
وعَجِيب لَيِّن العِطْفِ وفي أحْشَاه قَسْوَهْ
ما رآه الطَّرفُ إلاَّوزَنَى منه بشَهْوَهْ
لا تَلُمْنِي يا ابْنَ وُدِّيإنْ بَدَتْ مِنيَ هَفْوَهْ
حيثُ لي من نفحة الرَّيْحانة الغَضَّةِ صَبْوَهْ
ولعقْلِي من شَذَاهَابطِلاَ الْحانةِ نَشْوَهْ
وأنا بينَ حبيبٍوأبَارِيقٍ وخَلْوَهْ
طابَ لي الشُّرْبُ مساءًمن أيادِيهِ وغُدْوَهْ
مِثْلَما طابَ مَدِيحِيوسمَا أرْفَعَ ذِرْوَهْ
بأمينِ الفضلِ مَوْلاَنا الذي في الفضلِ قُدْوَهْ
الشَّرِيفُ المُمْتَطِي مِنصَافِنِ الرِّفْعَةِ صَهْوَهْ
والسَّرِيُّ الشهمُ مَن لايَرْتَضِي الْهَقْعَةَ حَبْوَهْ
طَيِّبُ الأصلِ كريمٌمُنْتَقىً من خيرِ صَفْوَهْ
أفصحُ الأمَّةِ لفظاًيَزْدَرِي كلَّ مُفَوَّهْ
فَيْصَلٌ في الشرعِ لا يَخْفَى عليه أمرُ دَعْوَهْ
كيف لا وهْو أمينٌلم يَخُنْ في أخْذِ رِشْوَهْ
جَلّ ذاتاً وصِفاتاًوحَياءً ومُرُوَّهْ
وسَمَا عن أن يُدانيهِ امْرؤُ القَيْسِ وعُرْوَهْ
بحرُ فضلٍ ونَوَالٍوكمالاتٍ ونَخْوَهْ
من يَرِدْه وهْو ظَامٍيرْتوِي عِلْماً وجَدْوَهْ
ومتى نَوْءُ سحابٍضَنَّ نسْتمْطِرُ نَوَّهْ
فبِه جَدْبُ الأراضِيعاد بالخِصْبِ مُمَوَّهْ
مَاجِدٌ سيفُ حِجاهُقَطُّ ما فُلَّ بِنَبْوَهْ
كم عَوَيصٍ فتح المُغْلَقَ منه الرَّأيُ عَنْوَهْ
مِصْقَعٌ طِرْفُ ذَكاهُما له في البحثِ كَبْوَهْ
أحْرَزَ السَّبْقَ وأوْشَىفي حَشَا الحُسَّادِ جَذْوَهْ
وغَدَا كلُّ أديبٍعَجزاً يطلب عَفْوَهْ
ذُو يَراعٍ لي به فيرِقَّةِ الألْفاظِ أُسْوَهْ
قد بَراهُ الشوقُ مِثْلِيوحَشاه انْشَقَّ جَفْوَهْ
فخَطَا وهْو نحيفٌولذَك الخَطْوِ خُطْوَهْ
كعَمِيدٍ يشْتِكي بالصَّرِّ في الأطْراسِ شَجْوَهْ
كلُّما أثبتَ عنه الْفِكرُ لا يُمْكِن مَحْوَهْ
يا ربيعَ الفضلِ يا مَنفضَل الناسَ فُتُوَّهْ
نَظْمُك الشُّهْدَ مُصَفّىًوسِواهُ فيه رَغْوَهْ
أنا ما بين مَصِيفٍمن مَعانِيه وشَتْوَهْ
فلسُقْمِي فيه بُرْءٌولضَعْفِي منه قُوَّهْ
وإلى عَلْياك وافَتْمن عَرُوسِ الفكر فَحْوَهْ
فتحتْ من كل قلبٍمُرْتجٍ للبَسْطِ فَجْوَهْ
وكَسَا وَصْفُك طِيبَ الْعَرْفِ منها أيّ كُسْوَهْ
لِصَفا وَجْهِك تَسْعَىوهي لا تطْرُق مَرْوَهْ
تنْقُل الأقْدام تِيهاًخُطْوةً من بعد خُطْوَهْ
ذاتُ حُسْنٍ بك أضْحَتْولها بالحُسْنِ ثَرْوَهْ
فاسْتمِعْها فهْي بِكْرٌوأنِلها منك حُظْوَهْ
واسْبِل السِّتْرَ متى إنشِمْتَ في التركيبِ حَشْوَهْ
قد لَعَمْرِي يغْلَط الناقدُ للدُّرِّ بحَصْوَهْ
واشْتِباهُ الجِنْسِ أمْرٌواضحٌ من غيرِ فَتْوَهْ
وابْقَ واسْلَمْ ما تغنَّىعَنْدَلِيبٌ بعد هَدْوَهْ
أو مُحِبٌّ قال يوماًلحبيبٍ بعد قَصْوَهْ
أنا أهواكَ ورَبِّيما لقلبي عَنْك سَلْوَهْ
فكتب إليه جوابها، قولي:
لا تُمَنِّ القلبَ سَلْوَهْفلقد جُسِّمْتُ صَبْوَهْ
واحْترِزْ من أعْيُنٍ تَرْقُبُ للأخْذَةِ هَفْوَهْ
فهْي في بابلَ دَهْراًسُقِيَتْ بالسِّحرِ قهوهْ
وطِلاً أوْضحَ من شَمْسٍ تجلَّتْ وقتَ ضَحْوَهْ
مِن وَلُوعٍ بالتَّثَنِّيفَتْكةٌ منه وخُطْوَهْ
سَلَّ سيفَ اللَّحْظِ لمَّارامَ أخْذَ القلبِ عَنْوَهْ
راكباً في دَرَكِ العِزَّةِ للعِزَّةِ صَهْوَهْ
أتُرَى يسْمح منه اللَّحْظُ لِي حيناً بحُظْوَهْ
يُمْكِن الأمْرُ إذا أمْكَنَ تَهْوِيمٌ وغَفْوَهْ
أين ماثَمَّةَ إلاَّبُغْيَةٌ قُصْوَى ونَبْوَهْ
علي بن عمر بن عثمان المزداكي
من أفاضل العصر، يضيق عن معاليه نطاق الحصر.
رأيته بالشام بعد عودي من الحجاز، فرأيت شخصاً حقيقة فضله لا يتطرقها المجاز.
وقد خرج من وطنه قاصداً باب المراد، وله أمانٍ أرجو أن لا تفوته في الإصدار والإيراد.
وهو على كل حالٍ لم يزل في الإجادة مترقيا، ولشوارد المعاني من مكامنها متلقيا.
وقد أنشدني من شعره هذا المقطوع:
رَوِّ رَوْضَ الكرومِ يا قَطْر نَيْسانَ وخَلِّ الأصْداف منك خَوالِي
قَطَراتٍ تصيرُ خَمْراً أتَرْضَىعَمْرَك اللهُ أن تَصِيرَ لآلِي
وقد تناوله من بيت السيد علي بن معصوم، عربه من الفارسية، وهو:
يا قَطْر نَيْسَان والكَرْمُ مُكَرَّمةٌففي الحَبابِ غِنىً عن لُؤْلُؤِ الصَّدَفِ
ولي ما هو منه، ولا يبعد عنه:
ما عَزَّ شيءٌ في شِبْهِه بَدَلٌعنه وللعُسْرِ فُرْجَة اليُسْرُ
في غُنْيةٍ من يَرى الحَبَاب إذَامَا عاقَه عائقٌ عن الدُّرِّ
وأنشدته هذين البيتين، وكان أنشدنيهما السيد هاشم الأزواري لنفسه، فتعارف عليهما، وألزمني أن لا أثبتهما إلا له، وهما قوله يمدح السيد عمرو بن محمد بن بركات، في ليلة عيد، بعد وفاة الشريف زيد:
يقولون مات الجُودُ في كلِّ بَلْدةٍعجيبٌ ولم يُشْهَد له أبداً قَبْرُ
فقلتُ لهم أحْيَى الذي مات في الورَىبأُمِّ القُرَ من بعد زَيْدٍ لنا عَمْرُو
السيد سالم بن أحمد بن شيخان هو الختم الوارث لجده سيد الأنام، وبه أرجو من الله ﷾ حسن الختام.
فأما العلم فهو من خضع له كل عالم، وأما الصلاح فحسبه أنه من كل ما يشين سالم.
نسبته إلى الشرف نسبةٌ أولى، ويده في المكارم يدٌ طولى.
تعترف به الأبصار والأسماع، وإن جحدت عارضها الإجماع.
طلع في سماء العلوم بدراً مشرقا، وسارت مناقبه مغربا ومشرقا فالعلى فرع علائه، والثنا وقفٌ على آلائه.
ليس يخْتَصُّ مَدْحُه بلسانِيمَدْحُ شمسِ الضُّحَى بكلِّ مَكانِ
وله تعاريف عدة، هي لأهل العرفان أجل عدة.
وأشعارٌ على لسان أهل الطريقة، تجتنى منها ثمار الحقيقة.
فمنها قوله، مصدراً ومعجزاً:
حُوَيْدِي الجمالِ إلى سُوحِكمْوهادِي الرِّحال إلى مَن أُحِب
رَفيقُ الهوَى وفَرِيقُ النَّوَىيحبُّ الجمَال ويهْوَى الطَّرَبْ
ويسْعَى إليكم على رأسِهبشَوقٍ وتَوْقٍ عظيمِ الخَبَبْ
ويطْوِي الفَيافِي بعَزْمِ قَوِيٍويقْضِي لكم في الهوى ما وَجَبْ
ويُنشِدُ في حَقِّكمْ جَهْرةًألاَ إنني عبدُ عالِي الرُّتَبْ
أتيْتُ إلى سُوحِه خاضِعاًبدَمْعٍ جَرَى وبقلبٍ وَجَبْ
سلامٌ عليكم أُهَيْلَ الحِمَىأيَا مَن به قد بلغْنا الأرَبْ
إذا ما وقفْنا بأبْوابِكمْوزال اللُّغوبُ بها والنَّصَبْ
أنِيلُوا الغِنَى وأبِيدُو العَنَافذاك لَديْنا أجَلُّ القُرَبْ
إليكم بكم سادتي جئْتُكمبحُسْنِ الرِّضا وبصِدْقِ الطَّلَبْ
ولا لي شَفِيعٌ سوَى حُبِّكمفلا تُهْمِلُوا مَن أساء الأدبْ
وقولُوا عفَا اللهُ عَمَّا مَضَىجزاءُ المُحِبِّ لنا أن يُحَبْ
فأنتم وجودُ الوفَا والعَطاوليس التفضُّل منكم عَجَبْ
ومن مقاطيعه قوله:
تراءَى بَدِيعُ الحسنِ في صُنْعِ خَلْقِهِجميلاً فظَنَّ المظْهَر النَّاظِرُ القَذِي
وما هُوَ إلاَّ اللهُ بالصُّنْعِ بارِزٌعلى صِيَغِ التَّخْليقِ في الظَّاهرِ الذيِ
وقوله:
رَمَى العبدُ سَهْمَ الوَهْمش من قَوْسِ حُكْمِهفأدْمَى خيالاً في مِنَصَّاتِه السَّبْعِ
وليس إذا حقَّقْتَ رامٍ سِوَى الذيأتاك بطَيِّ النَّشْرِ في الطَّبْعِ والوَضْع
وقوله:
كُنْ مُمْسِكاً بالصومِ عن كلِّ السِّوَىواذْكُرْ بفِطْرِك مَن أتَى مَعْروفُهُ
وبفاطرٍ عن رُؤْيةِ الأغْيارِ صُمْمَن صامَ عند اللهِ طاب خَلُوفُهُ
وقد أنعم الله علي برواية مؤلفاته، عن ابنه المعمر السيد السند عمر، أحياه الله وحياه، ونور الدنيا بطلعة محياه.
في أملٍ لا يبرح يطيعه، والحادثات فيه لا تستطيعه.
فلله هو من سريٍ متواضعٍ على علوه، ممدوحٍ بإيغال المدح وغلوه.
ماء لطفه يكاد يتقطر، وخلقه تتخلق به النسمات وتتعطر.
إلى وجهٍ بالوضاءة متجلل، يبرق برق العارض المتهلل.
وردت مراراً داره العامرة، وحصلت على نعمه الدارة الغامرة.
أستنجد دعاءه المبارك، وأستمنح اعتناءه في كل حالٍ أن يتدارك.
وعندي له من الولاء فيه ما ينقص ولاء زيادٍ في النعمان، ومن الحب لبيته العمري ما ينشد قول الأول: أحبه حب قريش عثمان.
وهنا أذكر لي شيخين، وعلمين في العلم راسخين.
أخذت عنهما، واستفدت منهما.
وهما: الحسن بن علي العجمي، وأحمد بن محمد النحلي.
كلٌ منهما في ذلك الأفق قمرٌ باهر السناء والسنا، وقصده أسنى قصدٍ توخاه المدح والثنا.
هدايته متكلفةٌ بإحياء علوم الدين، وغرشاده يتولى منهاج العابدين.
ودعاؤه بظهر الغيب عدة وعدد، وبره حالي الظعن والإقامة معتمل معتمد، ومجال المعرفة بفضله لا يحصره أمد.
وردت منهما حضرة الأنوار المفاضة، وجعلت قصدهما بحجة سفري طواف الإفاضة.
فأرياني من الجد ما لو كان بظبة صارمٍ ما نبا له غرار، ومن البشر ما لو سال بصفحة البدر ما خيف عليه سرار.
فلله هما قد خلصا للناقد، ورفلا في أزرٍ من الحمد طيبة المعاقد.
وللعهد أنا لست أنساهما فأذكرهما، وإذا ذكرتهما فكلي ألسنةٌ تحمدهما وتشكرهما.
وبهما أرجو من الله حسن المتاب، وأن أكون ممن تناول بيمينه الكتاب.
أدباء المدينة المنورة لا برحت بحراسة الله من الأسواء مسورة السيد حسن بن شدقم الحسيني الحسن السمت، المستحسن الصمت.
المرموق المعتنى والمعتلى، المعشوق المجتنى والمجتلى.
تصدر من مركز السيادة في الرتبة المكينة، وبلغ في العلم رتبة أسلافه إلى أن ينتهوا إلى باب تلك المدينة.
وكان قد دخل الهند في صباه، فأحبه بعض ملوكها وحباه، وعقد لسماع كلماته حباه.
ثم أملكه كريمته فأردف تكريمه بتكريره، وأتبع توقيره بتوفيره.
فاجتلى عرائس آماله في منصات نيلها، واستطلع أقمار سعده في نواشي ليلها.
وكان من فعله الحسن ما قدره بحزمه، ودبره في تمشيه مآل حاله بقوة جزمه، إرساله في كل عام إلى بلده جملةً من المال، فاصطفيت له بها حدائق وقصورٌ على وفق ما جنح إليه ومال: ولما مات الملك أبو زوجه، وسقط قمر حياته من أوجه.
انقلب بأهله إلى وطنه مصاحباً رفاهيةً زاهية، وأقام مدةً في عيشه بخويصة نفسه باهرةً باهية.
إلا أن الرياسة التي فرخت في أم راسه، والمكانة التي شدت عراها بأمراسه.
لم يجد عنهما عوضاً في وطنه، فانتهى إلى الهند شاكياً ضيق عطنه.
فمن شعره ما قاله حين أنف من الإقامة في بلده:
وليس غريباً مَن نأَى عن ديارِهإذا كان ذَا مالٍ ويُنْسَبُ للفضلِ
وإني غريبٌ بين سُكانِ طَيْبةٍوإن كنت ذا مالٍ وعلمٍ وفي أهْلِي
وليس ذهابُ الرُّوح يوماً مَنِيَّةًولكنْ ذهابُ الرُّوحِ في عَدَمِ الشِّكْلِ
وهو من قول البستي:
وإنِّي غريبٌ بين بُسْتَ وأهْلِهاوإن كان فيها جيرَتِي وبها أهْلِي
وما غُرْبةُ الإنسانِ في شُقَّةِ النَّوَىولكنها واللهِ في عَدَمِ الشِّكْلِ
ولابن معصوم في المعنى:
وإنِّي غريبٌ بين قومي وجيرتِيوأهْلِيَ حتى ما كأنَّهُمُ أهلِي
وليس غريبُ الدَّارِ مَن راح نائياًعن الأهلِ لكنْ مَن غدا نائِيَ الشِّكل
فمن لي بخِلٍ في الزَّمانِ مُشاكلٍألُفُّ به من بعدِ طُولِ النَّوى شَمْلِي
ومن شعر السيد حسن قوله:
لابُدَّ للإنسانِ مِن صاحبٍيُبْدِي له المَكْنونَ من سِرِّهِ
فاصْحَبْ كريمَ الأصلِ ذا عِفَّةٍتأمَنْ وإن عادَاك مِن شَرِّهِ
ولده السيد محمد فرع دوحةٍ زكت مفارعها، وطابت بطيبة الطيبة مشارعها.
له خبرٌ تتعطر به المجالس، ويتنادم عليه المنادم والمجالس.
إلى ما تميز به من الشعر الرصين، الذي يباهي بتنميقه نقوش الصين.
غرد به ساجع إطرائه وصدح، وأورى زناد البيان وقدح.
فمنه قوله، مذيلاً بيت أبي دهبل مقتفياً للشريف المرتضى:
وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَماأصاتَ المُنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا
فأرَّج أرْجاءَ المُعَرَّف عَرْفُهاوأضْوَى ضِياها الزِّبْرِقان المُعَظَّمَا
وحَيَّي مُحيَّاها المُلَبُّون وانْتَشَوْابنَشْرِ مُحيَّاها المُمَنَّع واللَّمَى
ورَوَّض منها كل أرضٍ مَشَتْ بهاتجُرُّ التَّصابي بين أتْرابِها الدُّمَى
هي الشمسُ إلاَّ أنَّ فاحِمَها الدُّجَىهي البدرُ لكنْ لا يزال مُتَمَّمَا
تجُول مِياهُ الحُسْنِ في وَجَناتِهاوتمْنَع سَلْسالَ الرُّضابِ أخَا الظَّمَا
وتسلُب يَقْظانَ الفؤادِ رَشادَهوتكسُو رِداءَ الحُسْنِ جسماً مُنَعَّمَا
مَهاةٌ يصِيدُ الأُسْدَ سَهْمُ لِحاظِهاومن عَجَبٍ صَيْدُ الغَزالةِ ضَيْغَمَا
يُعلِّلني ذِكْرَ الحِمَى مُترنِّمٌوما شَغَفِي لولا الغزالةُ بالحِمَى
وأصْبُو لِنَجْدِيِّ الرِّياحِ تَعَلُّلاًومَن فقَد الماءَ الطَّهُورَ تَيمَّمَا
قال السيد المرتضى، في كتابه الدرر والغرر: ذاكرني بعض الأصدقاء بقول أبي دهبل:
وأبْرَزْتُها................................الخ
وسألني إجازة هذا البيت بأبياتٍ تنضم إليه، وأجعل الكناية فيه كأنها كناية عن إمرأةً لا عن ناقة، فقلت في الحال:
فطيَّب رَيَّاها المَقامَ وضَوَّأتْبإشْراقِها بين الحَطِيم وزَمْزَمَا
فيا رَبِّ إن لَقّيْتَ وجهاً تحيَّةًفَحَيِّ وجُوهاً بالمَدينة سُهَّمَا
تَجافَيْن عن مَسِّ الدِّهانِ وطالَماعَصَمْنَ عن الحِنَّاءِ كَفّاً ومِعْصِمَا
وكم من جَلِيدٍ لا يُخامِرُه الهوىشَنَنَّ عليهِ الوَجْدَ حتى تَتَيَّمَا
أهان لَهُنَّ النفسَ وهْي كريمةٌوألقَى إليهنَّ الحديثَ المُكتَّمَا
تسفَّهْتُ لمَّا أن مَرَرْتُ بدارِهاوعُوجِلْتُ دُون الحِلْمِ أن أتحَلَّمَا
فعُجْتَ تَقَرَّى دارِساً مُتنكِّراًوتسألُ مَصْروفاً عن النُّطْقِ أنْجَمَا
ويومَ وقفْنا للوَداعِ وكلُّنايَعُدُّ مُطِيعَ الشوقِ مَن كان أحْزَمَا
نُصِرْتُ بقلبٍ لا يُعنَّف في الهَوىوعَيْنٍ متى اسْتَمْطَرْتَها قَطَّرتْ دَمَا
قال السيد علي بن معصوم، في سلافته: وقلت أنا ناسجاً على هذا المنوال:
وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَماأصاتَ المُنادِي بالصلاةِ فأعْتَمَا
فَضَوَّأ أكْناف الحَجُونِ ضِياؤُهاوأشْرَق بين المَأْزِمَيْنِ وزَمْزَمَا
ولمَّا سَرتْ للرَّكْبِ نَفحةُ طِيبِهاتغَنَّى بها حادِيهمُ وتَرَنَّمَا
فتاةٌ هي الشمسُ المنيرةُ في الضحىولكنَّها تَبْدُو إذا الليلُ أظْلَمَا
تعلَّم منها الغُصْنُ لَفْتةَ قَدِّهاوما كان أحْرَى الغُصْنَ أن يتعلَّمَا
وأسْفَر عنها الصبحُ لمَّا تلّثمتْولو سفَرتْ للصُّبْحِ يوماً تَلثمَا
إذا ما رَنَتْ لَحظاً وماستْ تأوُّداًفما ظَبْيةُ الْجَرْعا وما بَانةُ الحِمَى
تَراءتْ على بُعْدٍ فكبَّر ذو التُّقَىولاحتْ على قُرْبٍ فصلَّى وسلَّمَا
وكم حَلَّتْ بالصَّدِّ قَتْلَ أخِي الهَوىوكان يُرَى قبلَ الصُّدودِ مُحَرَّمَا
وظنَّتْ فؤادي خالياً فرمَتْ بههَوىً عاد دائِي منه أدْهَى وأعْظَمَا
ولو أنها أبْقَتْ عليَّ أطَعْتُهولكنها لم تُبْقِ لَحْماً ولا دَمَا
قال: وأنشدني صاحبنا احمد الجوهري لنفسه:
وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَماأصاتَ المُنادِي بالصلاةِ فأعْتَمَا
فشاهدتُ مَن لو أبصر البدرُ وَجْهَهالَكان بها مُضْنىً وَلُوعاً ومُغْرَمَا
ولو عرَضتْ رَكْبَ الحَجِيجِ تصدُّهلَلَبَّى لِمَا يَدْعُو هَواها وأحْرَمَا
وعَرَّف بالكُثْبان مِن عَرَصاتِهاوقال مِنىً لي دارُها حين يَمَّمَا
فلا تعْذِلُوا في حُبِّ ظَمْياءَ إنهالها مَبْسَمٌ يشفى الفؤادَ مِن الظَّمَا
وأعْذَبُ من صَوْبِ الغَمامةِ مَرْشَفاًوأضْوَأُ مِن لَمْعِ البُروقِ تَبسُّمَا
وأجْمَلُ من ليلى وسَلْمَى وعَزَّةٍوسُعْدَى ولُبْنَى والرَّبابِ وكُلْثُمَا
وكم مَلِكٍ في قَومهِ كان قاهراًفأضْحَى ذليلاً في هواها مُتَيَّمَا
يَديِنُ بما تَهْوَى مُطِيعاً لأمْرِهاوإن ظلمتْه لم يكُن مُتظلِّمَا
تَظَلَّ الملوكُ الصِّيدُ تعثُر بالثَّرَىإذا قارَبُوا أو شاهَدُوا ذلك الحِمَى
وممن ذيل عليها العارف بالله تعالى السيد حاتم بن الأهدل اليمني:
وأبْرَزْتُها بَطْحاءَ مكةَ بعدَماأصاتَ المنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا
وسَرَّحْتُ عينِي في رياضِ خُدودِهافشاهدْتُ رَوضاً كالربيعِ مُنَمْنَمَا
سَقتْه مِياهُ الحُسْنِ فازْداد بَهْجةًوغادر قلبي بالحَطِيمِ مُحَطَّمَا
حُسَيْنِيَّةٌ حَسْناءُ لَمْياءُ نَحْوَهاتَ، جَّه قلبي بالغرامِ وأحْرَمَا
سَعيْتُ إليها بالصَّفاءِ مُسلِّماًلِرُوحِي وقلبِي طاف سَبْعاً وزمْزَمَا
غزالٌ يُعِيرُ الظَّبْيَ لَفْتةُ جِيدِهاوعن قَدِّها المَيَّاسِ سَلْ بَانةَ الحِمَى
فتاةٌ يُعيرُ الشمسَ بهجةُ وَجْهِهاسَناها بغيرِ الحُسْنِ لن يتلَثَّمَا
عَدَا خَصْرُها جِسْمِي سَقاماً وجَفْنُهاتَعَدَّى على جَفْنِي وللنَّومِ حَرَّمَا
إليها ثَنَتْ قلبي الثَّنايا صَبابةًفيا ما أُحَيْلى ذلك الثَّغْرَ واللَّمَى
إذا حدَّثتْ فاحَ العَبِيرُ وأَظْهَرتْبرَمْزَتِها مِنِّي الحديثَ المُكَتَّمَأ
وأما بيت أبي دهبل، المذيل عليه، فهو من قصيدة له يصف فيها ناقته، حدث به موسى بن يعقوب، قال: أنشدني أبو دهبل يوماً:
ألاَ عَلِق القلبُ المُتَيَّمُ كُلْثُمَالَجاجاً فلم يلْزَمْ من الحُبِّ مَلْزَمَا
خرجْتُ بها من بَطْنِ مكةَ بعدَماأصاتَ المُنادِي بالصَّلاةِ فأعْتَمَا
فما نام من رَاعٍ ولا ارْتَدَّ سامِرٌمن الحَيِّ حتى جاوزَتْ بي يَلَمْلَمَا
ومَرَّتْ ببَطْنِ الليِّثِ تَهْوِي كأنهاتُبادِرُ بالإدْلاجِ نَهْباً مُقسَّمَا
وجازَتْ على البَزْواء والليلُ كاسِرٌجَناحَيْن بالبَزْواء وَرْداً وأدْهَمَا
فما ذَرَّ قَرْنُ الشمسِ حتى تبَيَّنتْبِعُلْيَبَ نَخْلاً مُشْرِفاً أو مُخَيِّمَا
ومَرَّتْ على أشْطانِ رَوْقَةَ بالضُّحَىفما حدَرتْ للماءِ عَيْناً ولا فَمَا
وما شرِبَتْ حتى ثَنيْتُ زِمامَهاوخِفْتُ عليها أن تُجَرَّ وتُكْلَمَا
فقلتُ لها: قد نِلْتِ غيرَ ذَميمةٍوأصْبح وادي البِرْكِ غَيْثاً مُدَيّمَا
قال: فقلت: ما كنت إلا على الريح.
فقال: يا ابن أخي، إن عمك كان إذا هم فعل، وهي العجاجة.
هكذا رواه أبو الفرج الأصبهاني، في الجامع الكبير، وفي رواية البيت المذيل بعض تغيير كما رأيت، والروايات تختلف.
السيد حسين بن علي بن حسن بن شدقم غصن بسق من روضة الفتوة، وأشبه أصله مجداً فحقق شواهد النبوة.
ما شئت من فضلٍ سما باكتسابه، وفخرٍ ما زال يعلو بانتسابه.
وجدٍ أطاعه أبيه وشامسه، وأدبٍ أنار به داجيه وطامسه.
وهو ممن دخل الهند كجده، فعلا بها قدره فوق ما قدره بجده.
وقد رأيت من شعره قطعتين، فأثبتهما له حسنتين.
فالأولى قوله من قصيدة نبوية أولها:
أقِيمَا على الجَرْعاءِ في دَوْمَتَيْ سَعْدِوقُولاَ لحادِي العِيسِ عِيسَك لا تَحْدِي
فإنَّ بذاكَ الحيِّ إلْفاً ألِفْتُهُقديماً ولم أَبْلُغْ برُؤيَتِهِ قَصْدِي
عسَى نَظْرةٌ منهُ أبُلُّ بها الصَّدَىويسكُن ما ألْقَاه من لاَعِجِ الوَجْدِ
وإلاَّ فقُولاَ يا أُمَيَّةَ إنَّنَاتركْنَا قتيلاً من صُدُودِكَ بالهنْدِ
يحِنُّ إلى مَغْنَاكِ بالطَّلْحِ والغَضَاويصْبُو إلى تلك الأُثَيْلاَتِ والرَّنْدِ
قِفَا ننْدُبِ الأطلالَ أطْلالَ عامرٍونبكي بها شَوْقاً لعلَّ البُكا يُجدِي
إلى ذاتِ دَلٍ يُخْجِلُ البدرَ حُسْنُهَامُرَنَّحَةِ الأعْطَافِ مَيَّاسَةِ القَدِّ
سَقاها الْحَيَا ما كانَ أطْيَبَ يَوْمِنابِمَوْرِدِها والحَيِّ وِرْداً على وِرْدِ
وقد نَثَرَتْ أيْدِي الغَمامِ مَطَارِفاًكَسَتْها أدِيمَ الأرْضِ بُرْداً على بُرْدِ
وقد رفَعَتْ فوق الْخُزُومِ سُرادِقاًمن الشَّعْرِ والأضْيَافُ وَفْداً على وَفْدِ
بَدَوْتُ لِحَيَّيْهَا وإلاّ فإنَّنيمِنَ السَّاكنين المُدْنَ طِفْلاً على مَهْدِ
ومِلْتُ إلى ماءِ البَشَامِ لأجْلِهَاوأعْرَضْتُ عن ماءٍ مُضَافاً إلى الْوَرْدِ
وغادَرْتُ نَخْلاً بالمدينةِ يانِعاًومِلْتُ إلى السَّرْحَاتِ من عارِضَيْ نَجْدِ
وحَارَبْتُ أقْوَامي وصادقْتُ قَوْمَهاوبالَغْتُ في صِدْقِ الوِدَادِ لهم جُهْدِي
فلا إثْمَ لي في حُبِّهَا ولقومِهاوإن يَكُ إن اللهَ يغفرُ للعَبْدِ
ولا سِيَّما إن جئتُهُ مُتَوَسِّلاًبمُرْسَلِهِ خيرِ النَّبيِّينَ ذي المجدِ
أبي القاسمِ المبعوثِ من آلِ هاشمٍنَبِيَّاً لإرْشادِ الخلائقِ بالرُّشْدِ
دَنَا فتدلَّى من مَلِيكٍ مُهَيْمِنٍكما الْقابُ أوْ أَدْنَى من الواحدِ الفَرْدِ
ألا يا رسولَ اللهِ يا أشرفَ الوَرَىويا بَحْرَ فَضْلٍ سَيْبُهُ دائمُ المَدِّ
لاَنْتَ الذي فُقْتَ النَّبِيِّينَ زُلْفَةًمن اللهِ رَبِّ العرشِ مُسْتَوْجِبِ الحمدِ
يُناجِيك عَبْدٌ من عَبِيدِكَ نَازِحٌعن الدَّارِ والأوْطَانِ والأهْلِ والوُلْدِ
ويسألُ قُرْباً من حِماكِ فَجُدْ لهبقُرْبٍ فقُرْبُ الدَّارِ خيرٌ من البُعْدِ
ليلْثِمَ أعْتاباً لمسْجِدِكَ الذيبه الروْضَةُ الفَيْحَاءُ من جَنَّةِ الخُلْدِ
فإنَّ له سَبْعاً وعشرين حِجَّةًغريبٌ بأرضِ الهِنْدِ يصْبُو إلى هندِ
إذا الليلُ وَارَاني أَهِيمُ صَبابةًإلى طَيْبةَ الغَرَّاءِ طَيِّبَةِ النَّدِّ
وأُسْبِلُ من عينَيَّ دَمْعاً كأنَّهُعَقِيقٌ غَدا وادِي العَقِيقِ له خَدِّي
سَمِيراه في لَيْلٍ غرامٌ وزَفْرَةٌتُقَطِّعُ أفْلاَذَ الحشاشةِ كالرَّعْدِ
عليك سلامُ اللهِ ما ذَرَّ شارِقٌوما لاحَ في الخَضْرَاءِ من كوكبٍ يَهْدِي
كذا الآلُ أصْحَابُ الكرامةِ حَيْدَرٌوبِضْعَتُهُ الزَّهراءُ زاكيةُ المجدِ
وسِبْطاك مَن حازا الفضائل كُلَّهاوسَجَّادُهم والباقرُ الصادِقُ الوَعْدِ
وكاظِمُهم ثم الرِّضا وجَوادُهمكذاك عليٌّ ذو المناقبِ والزُّهْدِ
كذا العَسْكَرِيُّ الطُّهْرُ ذُو الفضْلِ والتُّقىوقائمهم غَوْثُ الورَى الحُجَّةُ المَهْدِي
والقصيدة الثانية مطلعها:
هوايَ لِرَبَّاتِ الخدُودِ العواتِقِوخَيْلٍ جيادٍ صافِناتٍ سَوابِقِ
وقَوْمٍ ظُهورُ العَادياتِ حُصونُهمومِصْباحُهم لَمْعُ السيوفِ البَوارِقِ
غَطاريفُ كم بَلَّ النَّجِيعُ ثِيابَهُمْكُماةٌ غَداة الرَّوْع حامُو الحَقائِقِ
أُسودٌ إذا ما زارهم ذُو تَهَوُّرٍتَولَّى بقلبٍ بين جَنْبَيْهِ خافِقِ
بِضمَّ الْقَنا تَذْرِي جُسُومَ عِداتِهاوتسْقِي ثَراها من دِماءِ المفارِقِ
إذا أوْلجتْ نحوَ العَدُوِّ خُيولهمْتبارَتْ ليوثُ الْغابِ شِبْه الخَرانِقِ
تنازلُهم ما بين نَجْدٍ ويَثْرِبٍجَنُوباً وشَاماً في رؤوسِ الشَّواهِقِ
غُيوثٌ إذا حَلَّ النَّزِيلُ بأرْضِهموإن أمَّها الْباغِي فهم كالصَّواعِقِ
كِرامٌ يُجازُون الجميلَ بمثْلِهويَرْعَونَ وُدّاً للْحَمِيم المُصَادِقِ
مَنِيعُون إن لاَذَ المُخافُ بظلِّهمكَسَوْه بسِربالٍ من الأمْنِ فائِقِ
وَدَدْتُهم إذ أشْبَهُوا بِفعالهمفِعال كريم طاهر الأصل صادقِ
الخطيب عبد الله بن إلياس إمام المدينة وخطيبها، وعرفها الذي طاب وطيبها.
أتهم في التحلي بشعار الإمامة وأنجد، وقام في حفل الفصاحة خطيباً يركع لإمامته ويسجد.
وقد التحف الفضل برداً، وأصبح في الأدب علماً فرداً، مع خلقٍ جانبه لدن، وطبع حضرته جنة عدن.
وهو إلى القلوب متحبب، وعما يسيء ويشين متجنب.
وله نثرٌ ونظم، هذا تتضاءل له النجوم في أفقها، وهذا تتستر البدور حياءً منه في شفقها.
فمن نظمه قوله في العروض:
إن العَرُوضَ لَبَحْرٌتعومُ فيه الخَواطِرْ
وكلُّ منْ عام فيهدارتْ عليه الدَّوائرْ
وبخط السيد محمد كبريت ما نصه: أنشدني إجازة لنفسِه سيدي العفيف عبد الله بن الخطيب إلياس، سلما من المكروه والباس:
يا سيِّدي قُم لي ولاتَدَعِ الوقِيعة والعَتبْ
كيْلا يُقال مُقَصِّرٌفأكون فيه أنا السَّبَبْ
فقلت وإن لم يبلغ الظالع شأو الضليع:
لِمَ لا أقومُ لسيِّدِيمِن غيرِ أن أخْشَى العَتَبْ
وهو الذي قامتْ لهبثنائها عَلْيا الرُّتَبْ
وقلت في المعنى، من بحر الخبب:
أقُومُ على الرَّأسِ مَهْما بَداجَمالُك لاجْتنابِ العَتَبْ
ولِمْ لا أقومُ وأنت الذيلِعَلْياهُ قامتْ كِرامُ الرُّتَبْ
ولبعضهم في المعنى:
قِيامِي والعزيز لَدَيْكَ فَرْضٌوتَرْكُ الفضلِ ما لاَ يسْتقيمُ
فهل أحَدٌ له عَقْلٌ ولُبٌّومَعْرفةٌ يراك ولا يقُومُ
وما ألطف قول بعضهم معتذراً عن عدم القيام:
عِلَّةٌ سُمِّيَتْ ثمانين عاماًمنَعتْني للأصدقاءِ القِيامَا
فإذا عُمِّروا تمهَّد عُذْرِيعندهم بالذي ذكرتُ وقامَا
وللشهاب المنصوري:
ومَن ذهَبتْ بلُحْمتِه اللَّيالِيأيُمْكِنُ أن يكون له قِيامُ
قيام الثوب، في كلام العامة: ما يقابل لحمته.
وذكرت هنا، ما حكاه أرباب السير، عن الصاحب إسماعيل بن عباد، أنه لما كان ببغداد، قصد القاضي أبا السائب عتبة بن عبيد لقضاء حقه، فتثاقل في القيام، وتحفز تحفزاً أراه به ضعف حركته، وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضبعه، وأقامه، وقال: نعين القاضي على حقوق إخوانه.
فخجل القاضي، واعتذر إليه.
وبخط السيد محمد كبريت: كتبت إلى سدته العلية، يعني الخطيب:
يا أيُّها المولى الذي فاق الورَىبِبيَان مَنْطقِه البديعِ الزّينِ
هاتِ افْتِنا في زيدٍ المخْفوضِ فيما قامَ إلاَّ زيدٍ المسْكِينِ
فكتب مجيباً:
يا مَن بِشَمْسِ عُلومه زال الكرَىفعَدا بمصْباحِ الهُدى كالعينِ
إنِّي أقولُ جَوابُكم وبيَ الجَوىفي فَرْدِ بَيْتٍ زان في العَيْنَيْنِ
زيدٌ تُصُوِّرَ جَرُّه بإضافةٍلْلآلِ وهْو العهدُ للإثْنَينِ
حاكته أيادي الوداد بأنامل الإخلاص، وسبكتها في قوالب الاتحاد فما حاكتها سبائك الخلاص.
إلى الحضرة التي يحق لي أن أحن إليها وأشتاق، ويليق بي أن أطير مع حمائم البطائق لأفد عليها لو أن ذلك مما يطاق.
تهدلت أغصان دوحة رياسته، وتهللت جباه جلالته ونفاسته.
حبٌ موثوقٌ بالعرى، وقلبٌ منبوذٌ بالعرا.
أأتَّخِذُ العراقَ هَوىً وداراًومَن أهواهُ في أرضِ الشَّآمِ
بيد أن له في سعة الفضل رجا، وفي اجتماع الشمل ما تحار فيه عقول ألي الحجى.
ولا يزال يتذكر سويعاتٍ مرت ما كان أحلاها، وأويقات ليس في يده إلا أنه يتمناها.
فيا ما كان أحسْنه زماناًويا ما كان أطْيَبَه ويا مَا
وبعد كل حالٍ فسلامة المولى هي منتهى الطلب، إذا كان في صحةٍ فما أنا إلا فيها أتقلب.
غرس الدين بن محمد الخليلي إمام العصر بروضة النبي، والمقدم في حلبة البيان على رغم المخال والأبي.
بلغ من الوجاهة مبلغاً تفرد فيه، وقالت له الأيام حسب أملك ويكفيه.
ما شئت من جدٍ يعجز النجم عن لحاقه، وأدب لو بلغه البدر ما شين قط بمحاقه.
اقتنص بشرك بديهته متمنعات الأوابد الشوارد، وفجر من بلاغته وبراعته حياضاً عذبة المناهل والموارد.
وله تآليف سلك فيها الطريقة السوية، وجنح برأيه إلى أحسن الروية.
وشعره إن لم يكن كقدره في أعلى الدرج، فهو من خير الأمور المأمون قائله من الحرج.
فمنه قوله في مدح القهوة:
دَعِ الصَّهباءَ واشرب صِرْفَ قِشْرِمُشعْشَعةً تدور بكفِّ بَدْرِ
وإن شئْتَ الشفا بادِر سَرِيعاًإلى حانٍ لها قد حان بَدْرِي
فما الياقوتُ في لونٍ نَضِيرٍوما لَوْنُ النُّضارِ ولونُ تِبْرِ
دَعِ الفاروقَ إن رُمْتَ التَّداوِيوخُذْها فهْي للأسْقامِ تُبْرِي
كأنَّ حَبابَها الْمَنظومَ عِقْدٌمن الياقوت يُجْلَى فوق نَحْرِ
سأسْعَى نحوَ مَرْوَتِها أُلَبِّيليصْفُو بالصَّفَا صَدْرِي ونَحْرِي
نَدِمتُ نَدامةَ الكُسَعِي عليهالِما قد فات من أيَّامِ عُمْرِي
سأُدْمِنُ شُرْبَها ما دمتُ حَيّاًولا أصْغِي إلى زَيدٍ وعمرِو
وأجْلُو عَيْنَ أغْيارِي وهَمِّيبصَافِيها سُحَيْراً قبل فَجْرِ
هي الرَّاحُ المُرِيحُ لكلِّ رُوحٍولم تُمْزَج ولم تُوجَد بعَصْرِ
وكلُّ مُخالفٍ فيها فإنِّيأُسَفِّهُ قولَه من أهلِ عَصْرِي
فقُل إن قال ساقِيها المُفَدَّىجَباً يا مَرْحباً واشْكُرْ لشُكْرِ
وخُذْها من يديْهِ في حُضورٍمع السَّاقي المَليحِ بغير سُكْرِ
فلا غَوْلٌ ولا تَأْثِيمَ فيهاوليستْ مُزَّةً بل طعمَ تَمْرِ
وإن غالَى المُحِبُّ وقال أشهدأُجِيبُ نَعم إذا ما كان تمرِي
ولولا مِدْحَتِي للبُنِّ قَبْلاًلَعُدْتُ له بهَجْوٍ ثم هَجْرِ
لِيُبْس طِباعِه وسَوادِ قلبٍله فهْو الحَرِيُّ بكلِّ هُجْرِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع