من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
الباب السابع في غرائب نبهاء مصر (٤)
فخاطبته مرتجلاً بقولي:
يا مَن هواهُم آخذٌ بأعِنَّتِيوهمُ لقلبي في الورَى المَطْلوبُ
ذَنبُ الفِراقِ وقد ظفِرْتُ بقُرْبكمفعلَى يَدَيْهِ من الزمانِ أتوبُ
وأخلق بمن جنح إلى الاعتراف والإقرار، ونزع عن التمادي والإصرار، أن تكون توبته مقبولة، وإنابته صحيحة غير معلولة.
وشتان بين المتورط الناصر لورطته، وبين النازع الراجع عن غلطته.
وقد اسْتطار إلى المعالِي مُدْرِكاًمَن أنْهَضَتْه لنَحْوِه العَلْياءُ
طلَب النَّباهةَ في ذَراهُ فما لَهُإلاَّ لَدَيْه تأمُّلٌ ورَجاءُ
فكساني حلة فخارٍ وتجمل، وحملني من آلائه ما لم يبق لي معه تحمل.
واحتاز فؤادي أجمعه، بأن لم يجعل لأحد علي يداً معه.
فأنا عرافٌ بأن صرف الفكر لغيره عبثٌ ولهو، فإذا سجد يراعي لمدح سواه فسجدته سجدة سهو.
وقد أخذت عنه من فضلٍ يراعه الموشى للأوراق، ومحاسن بدائع التي تخفى خجلاً منها الشموس عند الإشراق، ما يضيق عن إحاطة وصفه نطاق الأرقام، وتنصضب عنده ليقة المحابر وتحفى أقدام الأقلام.
فمن ذلك كتابٌ كتبه إلى رئيس المنجمين، نادرة الفلك الدوار، وقطب فلك التحقيق الذي عليه المدار، المولى أحمد بن لطفي، حرس الله مهجته، وأدام رونقه، وبهجته:
الحمد لله أسمى الأسماء، العالم بمواقع النجوم والأنواء، الرحمن المتفضل بجلائل الآلاء، الرحيم بدقائق الإمدادات من الدرجات العلى.
والصلاة والسلام والتحية والثنا، على مركز دوائر الاهتدا، المنزل عليه: " والنجم إذا هوى " صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما طلع نجمٌ وما ركبٌ سرى.
والدعاء للدولة العثمانية، والسيرة العمرية، مواظبٌ من السلالة الصديقية، والحضرة الزينية، على ترادف الآنا.
وبعد: فقد اعتبرت كيوان في مراقي الاعتلا، وتوسمت برجيس في إشراق السنا وعلو السنا، وبهرام في سلطنة قهره المنيع الذري، والنير الشمسي عند خط الاستواء، وعروس الدوران الزهرة الزهرا، والقمر المنزل لتقدير الاهتدا، فرأيت جميعها ممتثلاً أمر ربه الأعلى، مسخرةً لخدمة هذا الرئيس فرادى وثنا، مذعنةً له يصرف سعودها ويصرف نحوسها كيف يشا.
فتثليث سعدها ينظر إليه من تربيع، وتسديس طالعها يطالعه من تسديس.
فلن تحول الدوائر الكثيفة، ولم تحجب ذوي الظلال الوريفة، بينه والعلى كيف شاء وارتضى، فهو أولى بأن ينشد ويقصد:
وقد عرفتْك فما بالهاتراها تَراك ولا تنْزلُ
ولو بِتُّما عند قَدْرَيْكمالَبِتَّا وأعْلاَكُما الأسْفَلُ
وإذا فتح الله على هذا العالم الأصغر بإلهام الفراسة، وفتق له رتق الخاطر من الكياسة، لم ينطق عن الهوى، وكأنما هو وحيٌ يوحى.
ولما قدر الله تعالى بالقران السعيد، واستقام سير هذا الرئيس على سمت سيرنا ونظرنا إلى طابع هذا الرئيس من تسديس، ولحظ مقامنا الرفيع من تربيع، نظرنا له خصائص سلك فيها طرقا، وإن لم يأت بها غيره تخلقا أتى بها هو خلقا.
ونظرنا علمه الذي يطالع الغيب من وراء سترٍ رقيق، ويطلع على الضمائر من مكان لا سحيق.
فيرى بفضل حسه وقياسه، ما لا يراه حاذقٌ بإحساسه.
فقلنا: سبوح قدوس من شمسٍ تخجل شمس السنا، وتضاءل لها تضاؤل الإما، وتعلم أن ليس لها إلا المشاركة في الأسما.
وقد رأينا به العالم في واحد، وعلمنا أن الدهر للناس ناقد.
وأنه قد سعى أحمد سعى، وخدمه الجد ثم عاد إلى المحل الأعظم، والسدة العليا والمقام الأعصم.
فوصل وصول حبيبٍ غائب، ووقع وقوع غيثٍ صائب.
فاستقبلته دولةٌ كان فارقها ولم تفارقه، ولم نقل إنه وافقها ولم توافقه.
وقد علم أن المحبة التفاتاتٌ إلى متوجهه، وتشوقاً إلى ورود أنباء تنبي عن مكتنهه.
فمنها ما يفيد تجديد العهود السالفة، وما يفيد المودات المستقبلة الآنفة.
وقد علم الداني والقاصي، والطائع والعاصي، فضل جدنا الأعلى، ومجدنا الأسمى، وتمسك الماضين من سلاطين بني عثمان بولائنا واعتقادنا.
فشاع ذلك وذاع، وملأ الربوع والرباع، وعلمته الملوك والرعاع.
وخصوصاً هو، فإنه ملأ باعتقادنا صدره، وعلم خبر مددنا وخبره.
ثم إن سلطاننا الآن قان الدوران، وشهنشاه الزمان.
من حاز فضيلتي العلم والعمل، وبلغ من مزايا الدنيا والآخرة أقصى ما يمتد إليه الأمل.
ومما صح عنه بتواتر النقل، وشواهد العقل، محبة العلماء والفضلا، وإيثار النبهاء والنبلا.
وله فؤادٌ أنتم جنانه، ولسانٌ أنتم ترجمانه، ورأيٌ وأنتم قهرمانه، ومجلسٌ خاصٌّ وأنتم حاضرته وقطانه.
والملك يشتغل أحياناً في أن ينص، فيعذر أن لا يعم أو يخص.
والرئيس قد تمكن من المكانة حتى صار شمس مطالعه، ومنتهى مطامعه.
ولنا والحالة هذه به وصلةٌ تأكدت أسبابها، وتوثقت أطنابها.
تبعثه على نجاز متعلقات أغراضنا من ذلك المقام الأشم من مذكرات، تفضي إلى مكاتبات، ومودات تسفر عن إمدادات.
ولم ننبهكم أننا نبهنا غافلا، ولا استطلعنا آفلا.
لكنها الذكرى تنفع المؤمنين، لا كمكن لبث بضع سنين.
وهذه طلبةٌ لم نؤهل سواكم لأمثالها، ولا أطلعناه على مثالها.
بل ثقتنا بكم حملتنا على أن نطلعكم على تلك السريرة، فالأسرار عند الأخيار ذخيرة.
ولما بلغتنا مبالغكم العلية، قلنا نهنيكم بالدرجات السنية:
أُعْطِيَتِ القوسُ مَن بَرَاهَاوبُوِّىءَ الدارَ مَن بَناهَا
ألْقتْ عَصاها ثم اسْتقرَّتْمِن بَعْدِ ما أبْعدَتْ نَواهَا
مِنَصَّةٌ ما رقَى عليهامَن نال أمْثالَها شِفاهَا
فما لها كافِىءٌ سِواهُوما لَه كافىءٌ سِواهَا
يا مَن دَعَتْه العُلَى فَلَبَّىوما تَوانَى وما تَلاهَا
هُنَّيتَ بالقَدْرِ والمَزايَاوما سِواهَا وما وَراهَا
ومن شعره هذه المقصورة:
أساءَ فَأحْسَن فيما أسَالأنِّي أرى حالتيْه سَوَا
وواصَلنِي هَجْرُه والسُّهادُوهاجَرني وَصْلُه والكَرَى
وأنَّى تُسِيىءُ حِسانُ الوُجوهِحِسانُ القُدُودِ حِسانُ الرُّوَا
ومَن يَكُ مِثْلِي قصيرَ اللِّسانِفلِمْ لا يكون طويلَ الأسَى
وهيْهات أذكُر إلاَّ الجميلَوكيف أقولُ اسْتحال الضِّيَا
وهل يُحْسِن الفعلَ إلاَّ المَلِيحُوهَلْ يُذْهِب الداءَ إلاَّ الدَّوَا
كَلِفْتُ به عَرَبيَّ اللِّسانِ والوَجْهِ والأدبِ المُنْتقَى
ولكنَّه جَرْكَسِيُّ النِّجارِله ألْفُ خالٍ بأرْضِ الكفَا
إذا قال نَظَّمَ عِقْدَ البَيانِوإنْ جال فتَّتَ صُمَّ الصَّفَا
وإنْ صَال سُلَّتْ مُتونُ الظُّبَاوإن خال كَلَّتْ جُفونُ الظِّبَا
وإن مَالَ قلتُ لِخُوطِ النَّقَاإليكَ فلسْتَ بِخُوطِ النَّقَا
ألسْتَ تَرَى صَعَداتِ الرُّبَىتَخِرُّ له سُجَّداً وهْي لاَ
تُحرَّكُ أنت بهَبِّ الهَوَاوذاك يُحرِّك منِّي الْهَوَى
ويهْتَزُّ عن ثَمَراتش الْجَنَاوتهْتَزُّ عن ثَمَراتِ المُنَى
وأنتَ تَميدُ بريحِ الصَّبَاوذاك يَمِيلُ برَوحِ الصِّبَا
وذلك يُورِق سُودَ الشُّعُورِوأوراقُ مِثْلِك جَزْلُ الغَضَا
وهيْهات هيْهات منك الْجفَاوهيهات هيهات منه الوَفَا
ويبْعُدُ أن يجْتلِيكَ العِيانُتَولَّدُ منه صُنوفُ الصَّفَأ
ويا مَن رأَى طَيْفَهُ في المَنامِوإن كان زُوراً كمَنْ لا يَرَى
ويا سَعْدَ مَن باتَ في صَدْرِهِإلى الصُّبْحِ من أُولَيَاتِ الْعِشَا
يُغازِل منه عُيونَ الْمَهَامُتَرْجمةً بحديثِ الْهَوَى
ويجْنِي بِفِيهِ تُفَاحَ الخُدُودِوإن رام غيرَ جَنَاها جَنَى
يُقبِّلُه مِائَتَيْ قُبْلةٍدُوَيْنَ اللِّثامِ وفوقَ اللِّثَى
ويَرْشُفُ من ثَغْرِه قَرْقَفاًيُسمُّون ضَرَّتَها بالسُّلاَ
وينْظِمُ في الجِيدِ تِقْصارةًفَرائِدَ مِن لَثْمِهش أو ثُنَا
يُعانِقُ منه قَضِيبَ الْقَوامِويرشُفُ منه زُلالَ اللَّمَى
يُبلُّ بماءِ الشَّتِيتِ الشَّنِيبِظَمَا كَبِدٍ أبداً في ظَمَا
فطَوْراً يمُصُّ كَمَصِّ الكُؤُوسِوطَوْراً بِرَشْفٍ كرَشْفِ الطِّلاَ
يُباشِرُه مِن وراءِ الْقَمِيصِمُباشَرةً مِثْلَ طَيْفٍ الخِبَا
إذا ما وَلَي جِسْمُه جِسْمَهُفقد قابَلتْ بَرْدَ طُوبَى لَظَى
ويهْصِرُه مِعْطَفاً مِعْطَفاًلِذَاتِ اليَمينِ وذاتِ الشِّمَا
ويُفْرِشُه زَنْدَ يُمْنَى يَدَيْهِويجْعَل يُسْراه مِثْلَ الْغِطَا
فَماً لِفَمٍ مثلَ زَقِّ الْحَمامِوهيْهات يُشْبِه زَقَّ الْحَمَا
وصَدْراً لِصَدْرٍ ومن هَا هُنايَلَذُّ العِناقُ إلى ههُنَا
فثَمَّ احْتدَامُ وَطِيسِ الْغَرامِوثَمَّ مُثارُ لَهِيبِ الْحَشَا
وثَمَّ اغْتنامُ لذيذِ الوصالِوثَمَّ تَشاكِي أليمِ الْجَفَا
وبالصُّعَداءِ ووَضْعِ اليَدَيْنِعلى الكَبِديْنِ ترَى الاشْتِكَا
وبِالْعَضُديْن يَطِيبُ الْعِناقُوبالشَّفَتيْن يُبَثُّ الْجَوَى
وبالْقَمريْن فَرَعْنا الظّلامَوبالعُمَريْن عَرَفْنَا الْهُدَى
وبالْحَسنَيْن وتلك الْبَتوُلِوحَيْدرةٍ ثُمَّ أهْلِ الْعِبَا
أولئك ما مَفْخَرٌ في الدُّنَاولم يبْلُغوهُ ولا مُعْتلَى
أولئكمُ قد رَقَوْا مُرْتَقىًتعالَى فما بَعْدَه مُرْتَقَى
أولئك ما مَفْخَرٌ في الدُّنَاولم يبْلُغوهُ ولا مُعْتلَى
أولئكمُ قد رَقَوْا مُرْتَقىًتعالَى فما بَعْدَه مُرْتَقَى
أولئك آباؤُنا الأقْدَمُونَوأخْوالُنا وأُولاكَ الأُلَى
تُخومُ الجبالِ وزُهْرُ النُّجُومِمُتونُ الظُّبَا ورَوَاسِي الرُّبَى
بَنُوهم بَنُو بِنْتِ أبْنَائِهمونحن كذا أو بَنُونَا كذَا
وهل تَلِدُ النُّجْبُ إلاَّ النَّجِيبَوهل تُنْتَجُ اللَّيْثَ إلاَّ اللُّبَا
أولئكمُ آلُ بَيْتِ النَّبيِّنَبِيِّ الهدى وإمام التُّقَى
أولئكمُ نَسْلُ خَيْرِ الأنامِرئيسِ النَّبِيِّينَ والمُصْطَفى
منها:
وكيف تقول انْتَهى في الرُّقِيِّولا حَدَّ ثَمَّ ولا مُنْتَهَى
ولكنه بلغَ المُسْتوَىولم أدْرِ ما بلَغ المُتسْتَوَى
وكَلَّمه وكَلامُ الإْلهِكصَلْصَلةِ الماءِ فوقَ الصَّفَا
وأوْحَى إليه وأوْحَى إليهيُفِيدُ السِّرارَ وما مِن مَدَى
وثمَّ أمورٌ تُشِيب الوَلِيدَوترْجِع بالأشْيَبِ القَهْقَرَى
ولا تَقْفُ ما ثُمَّ لا تَمْشِ فيولا تُعْدُوَنْ عن وصابِرْ عَلَى
ومَهْما أمَرْنا امْتثِلْ أمْرَنَاوغُضَّ جُفونَك عن أمْرِنَا
فتلك شَناشِنُ أهلِ النُّهَىفقُم بشَناشِنش أهلِ النَّهَآ
ولا تَعْدُ شُكْرَك إن كنتَ لاتقومُ بحَمْدِك حَدَّ الكَفَا
وعن بابِنَا وإلى بابِنَاوفي بابِنَا وفي بابِنَا وإلى بابِنَا
فنحن العِيانُ ونحن الْكِيانُونحن الأنامُ ونحن الورَى
عَلاَ جَدِّنا من عُلاَ جَدِّنافيا سَعْدَنا ثم يا سَعْدَنا
ومن غزلياته قوله:
أبداً إليك يَحِنُّ قلبيفعلى مَ تُؤذيني بعَتْبِ
يا قاسِيَ القلبِ الذيفيه أذَبْتُ صَمِيمَ لُبِّي
أمْ أيُّ أمرٍ فيك أوْجَبَ طُولَ أعْراضِي وسَلْبِي
لا سامَح اللهُ الهوَىفلَكْمْ يُصَوِّبني ويُصْبِي
يدعُو القلوبَ إلى هَواهُ فأيُّ قلبٍ لا يُلَبِّي
يا أيها التَّيَّاهُ فيزَهْوِ الهوى رِفْقاً بِصَبِّ
يُذْرِي الدُّموعَ ولا دُمُوعَ تسِيلُ غيرَ مُذابِ قلبِي
يا جسمَ نَاسُوتِي ويارُوحِي ويا دائِي وطبِّي
أغْرَاك وَاشِيك الرَّقِيبُ بطُولِ إعْراضِي وحَرْبِي
لا كان مَن أغْراكَ يامَوْلاي في قَتْلِ المُحِبِّ
فارْفُقْ بقلبٍ فيك يَقْلِبُه الهوَى جَنْباً لِجَنْبِ
وابْقِ على رَمَقِي فمايَدْرِي بحالي غير رَبِّي
أنا والهوَى فَرَسَا رِهانٍ فيك والأشْواقُ تُنْبِي
تاللهِ ما قال العِدَىيا مُنيتِي بُهْتانُ كِذْبِ
لم يَجْرِ مِنِّي غير دَمْعٍ فاض من عَيْنِي بسَكْبِ
يا أُمَّةً للحُسْنِ فِيهَا وَجْهُك الوَضَّاحُ نُبِّي
إن دام هذا الهجرُ والْإعْراضُ عنه والتَّأبِّي
في ذِمَّةِ اللهِ التَّقاضِي منك يومَ العَرْضِ حَسْبِي
وقوله:
أما وانْعِطافِ الغُصْنِ مِن هَيَفِ القَدِّوماءِ الْحَيَا والروضِ من جَنَّةِ الخُلدِ
وأقْداحِ أحْداقٍ تُدارُ بخَمْرةٍمُنَزَّهةٍ وَصْفاً عن الرَّسْمِ والحَدِّ
أما والهَوى العُذْرِيِّ والصِّدْقَ إنَّهُمُقيمٌ على تلك الصَّبابةِ والوَجْدِ
بأنَّ غرامِي والعَفافَ تخَلَّفَابلَغْتُهما قبلَ السُّكونِ إلى المَهْدِ
وأنِّي أيا ذات الجمالِ تعبُّدِيبدِين الهوى التَّحْقيق مُعْتَقدٌ عندِي
ومِن حَضْرةِ الإطْلاقِ كنتُ فتىً علىيَقِينٍ بأنِّي مُطْلَقُ الحبِّ في القَصْدِ
فَنائِي به عَيْنُ البَقاءِ وغَيْبتِيحُضورِي وغَيِّي في عَوَالِمِه رُشْدِي
وذُلِّي به عِزٌّ وأوْجُ سيادتيإذا ما دَعانِي مَن هَويِتُ بيا عَبْدِي
فلا تعْترِضْ مَن هامَ في الحبِّ وافْترِضْعليك له التَّسْليمَ تسْلَمْ من الطَّرْدِ
وإنِّيَ زَيْنُ العابدين ووالدِيمحمَّدُ نَجْلُ الزَّيْنِ والصادقُ الوَعْدِ
بصِدِّيقِ خير المُرْسَلِين وسِبْطِهبلَغْنا من الأنْسابِ واسِطةَ العِقْدِ
ببابِ عَرِيضِ الجْاهِ أعْظمِ شافِعٍوأكْرَمِ مَن أعْطَى وجادَ بما يُجْدِي
مَرَدُّ جميعِ الكائناتِ بأسْرِهاومَعْنَى كمالِ الفضلِ من ذِرْوَةِ المجدِ
مَدَى الدهرِ ما شمسُ المعارفِ أشْرقتْمع الآلِ والصَّحْبِ الأئمَّةِ للرُّشْدِ
وما أقْسمَ الصَّبُّ المَشُوقُ بقولِهِأما وانْعِطافِ الغُصْنِ من هَيَفِ القَدِّ
وقوله:
شَرَّدْتَ من مُقْلتِي رُقادِيكحَّلْتني مِرْودَ السُّهادِ
باتَتْ عِداك اللِّئامُ مِثْلِيليس بَياتِي على مُرادِي
بِتُّ كما تشْتهِي الأعادِيوُقِيتَ ما تشْتهي الأعادِي
بِتُّ ويُسْرايَ تحت خَدِّيوأخْتُها مِن على فؤادِي
كأنهم مَهَّدُوا فِراشِيعلى كَوادِي شَوْكِ القَتادِ
كأنَّني عند وَضْع جَنْبِيبِتُّ على نِيَّةِ الجهادِ
أبْكِي بما يخْلُف الغَوَادِيإن قشَّعتْ سُحْبَها الغَوادِي
وقوله من خمرية:
ورَوْضٍ حَلَلْنا سُوحَه ساعةَ الفَجْرِورِيحُ الصَّبا في صَوْبِ صَيِّبه تَسْرِي
وأضْحَتْ عيونُ المُزْنِ تبكي فأضْحكتْزُهورَ الرُّبَى منه فأهْدتْ شَذَا العِطْرِ
وصار شَقِيقُ الأُقْحُوانِ بِمجْمَرٍفأوْقَدَ نَدّاً فَوْجُه طَيِّبُ النشْرِ
وأصْبَح صَوْتُ العَنْدَلِيبِ مُخَبِّراًهَلَمُّوا إلى دَاعِ الصَّبُوح بلا عُذْرِ
ودُوروا مع النُّدْمانِ في حَانِ دُورِهمإذا جُلِيَتْ بِنْتُ المُدامِ من الخِدْرِ
وفُضُّوا خِتامَ الدَّنِّ عنها لكي يُرَىعلى ساقِها مِن كأسِها عَنْدَمٌ يجْرِي
قديمةُ عَصْرٍ وهْي عَذْراءُ إذْ بَدَتْتُخَبِّرُ عمَّا كان في سالفِ الدَّهْرِ
لقد أعْجَزتْ عن وَصْفِها كلَّ ناطقٍلِسِرٍ بها قد قام يسْرِي من السِّرِّ
فنُورٌ ولا نارٌ وكأسٌ ولا طِلاًشُئونٌ بها هامَ الكَلِيمُ مع الخِضْرِ
فمِن طِبِّها عيسى بنُ مريمَ قد شَفَىلِمَن شَفَّه داءُ السَّقامِ بلا نُكْرِ
وأهْدَى لنا هادِي الهُدَى من سَنائِهافهامَ بها السَّاداتُ نَسْلُ أبي بكرِ
فصارُوا جميعاً مِن ألَسْتُ بِرَبِّكمنَشاوَى سُكارَى هائمين إلى الحَشْرِ
فخُذْ وَصْفَها منِّي وعنِّي فإننيخبيرٌ بأوْصافِ المُعتَّقةِ البِكْرِ
فمَرِّيخُها في زُهْرَةِ الكأسِ إذْ بَدَتْيُرِيكَ ضياء الشمسِ كالكوكب الدُّرِّي
ودَوْرُ هلالِ البدرِ يُشْبِهُ جَامَهاوفيها حَبَابُ الدُّرِّ كالأنْجُمِ الزُّهْرِ
فهاك بها صِرْفاً وإن شئتَ مَزْجَهافمِن رِيقِ ساقٍ فهْو للسُّقْمِ قد يُبْرِي
فدُونَكَها واقْبَلْ مَقالةَ صادقٍومَن جَدُّه الصِّديقُ في الغارِ للطُّهْرِ
تسَمَّى بزَيْن العابدين وسِبْطُ مَنهو الشافِعُ المَقْبولُ للناسِ في الحَشْرِ
عليه صلاةُ اللهِ ثم سلامُهكذا الآلُ والأصحابُ مَن هم أُولُوا الفَخْرِ
وله:
نحن قومٌ تُبيدُنا الأعْيُنُ السُّودُ على أنَّنا نُبِيدُ الأسُودَا
تتَّقِي بَأْسَنا الصَّناديدُ الصِّيدُ ونَخْشَى من الحِسانِ الصُّدُودَا
ولنا رُتْبةُ السيادةِ لكنْصَيَّرتْنا لها انْقياداً عَبِيدَا
إن نَثَرْنا تساقَط اللُّؤْلُؤث الرَّطْبُ فنَظَّمْنَه لَهُنَّ عُقودَا
أو نَظَمْنا أوْصافَهُنَّ أناشِيدَ أعَدْنَا بها لَبيداً بَلِيدَا
ما عَرَفْنا التَّقْليدَ مُنْذُ رأيْناهُنَّ يَمْنَحْنَ دُرَّنا التَّقْلِيدَا
خُطَباء مَصاقِعٌ فإذا قُلْنَ أمَلْنَا لهنَّ أُذْناً وجِيدَا
ثم نَعْيَى فلا نُعِيدُ ولا نُبْدِي وَقاراً لهنَّ قَوْلاً مُفِيدَا
تَتحانَى لنا الظُّهورُ فإن لُحْنَ غدَا ذلك الرُّكوعُ سُجودَا
شَحَذتْ مُرْهفاتِنا الأعْيُنُ النُّجْلُ فصَيَّرْنَهُنَّ بِيضاً وسُودَا
وتمايَلْنَ والرِّماحُ بأيْدِينا فقَصَّدْنَهُنَّ عُوداً عُودَا
وتَلاَيَنَُّّ في الحرير فأدْمَيْنَ قُلوباً لنا تُليِنُ الحديدَا
وتَهادَيْنَ بالدَّلالِ فكم شِمْتُ بإدْلالِهشنَّ صيداً صِيدَا
وتمايَلْنَ مثلَ ما انْعطَف المُرَّانُ لكنَّهنَّ أحْلى قُدودَا
وتَبَرَّجْن فاجْتليْتُ حُلاهُنَّ ومَيَّزْتُهُنَّ رُوداً رُودَا
ثم أهْوَيْتُ نحوَ واسِطةِ العِقْدِ فقالتْ أرَى قِراناً سَعِيدَا
فَتَرَشَّفْتُ ثَغْرضها الْقَرْقَفَ الحُلْوَوعانقْتُ قَدَّها الأُمْلُودَا
وبلغْتُ الذي على مِثْلهِ أعْذِرُ مِن حُسَّدِي اللسانَ الحَسُودَا
وأنا ابنُ الصِّدِّيقِ جَدِّي ثانيَ اثْنَيْنِ في الغارِ فالجُدودَ الْجُدودَا
فالرِّضَا عنهمُ ومنهمْ وفيهمْوعليهمْ لهمْ بهمْ تَأْكِيَدا
وله:
قُمْ فإن الصَّباحَ للتَّنْفيسِودَوَاعِيه قد سَرَتْ في النفوسِ
ونسيمُ الصَّبا رسولٌ إلى الرَّوْضِ بِطَلٍ كَلْؤْلُؤٍ مَغروُسِ
والشَّحارِيرُ كالمَزاميرِ تشْدُوكقُسُوسٍ تَدُقُّ بالنَّاقوسِ
فاجْتَلِ الرّاحَ للنَّدامَى سُحَيْراًلترَى البدرَ طالعاً بشُموسِ
وأدِرْها بدُورَ حَانِ التَّصابيمن مُدامٍ عَتِيقةٍ خَنْدَرِيسِ
عانِسٌ وهْي في الحقيقةِ عَذْراءُ عجوزٌ حديثُها في رَسيسِ
تتلظَّى غَيْظاً فتثنتجُ بِشْراًحين أضْحَتْ تلُوحُ ضِمْنَ كُؤُوسِ
هي داءُ الهمومِ فاعْجَبْ لداءٍجالبِ الرِّيِّ مُذْهِبٍ لِلْبُوسِ
حدَّثتْنا من قبلِ أنْ يُخْلَقَ الكَرْمُ حديثَ التَّنْويعِ والتَّجْنيسِ
نارُ أُنْسِ الكَلِيمِ فاخْلَعْ نِعالاًفي حِماها مَعْ كلِّ مَولىً رئيسِ
فاز قومٌ بنُورِها وهُداهاوعن النُّورِ ضَلَّ رَأْيُ المَجُوسِ
كسَناها يهْدِي شَذَاها إلى الْحَانِ مُشِيراً لا عِطْرَ بعدَ عَرُوسِ
عاطِنِيها يَاقُوتةً بعدَ وَقْدٍكضياءِ المرِّيخِ في الحِنْدِيسِ
وهْي مِرْآةُ وَجْنتيْك لهذاشَفَقُ الخَدِّ ظاهرٌ في الكُؤُوسِ
هاتِها بين فِتْيةٍ كبُدورٍكهلالِ البَنانِ كي يجِلّ بُوسِي
خمرةٌ شَأْنها تحلُّ بمْعناها خَبايا كنوزِ ما في النُّفوسِ
بالَغتْ في صفاتِها القومُ ما ضاق اتِّساقاً به مَجالُ الدُّروسِ
بمَعانٍ تُشِير كالْحَدَقِ النُّجْلِ بَياناً بسِحرِ رَمْزِ الطُّروسِ
فاقْتَفيْنا آثارَهم مَعْ قُصورٍوانْتظمْنا في سِلْكِ كلِّ رئيسِ
فهْي بِكْرُ البَكْرِيِّ زَيْنُ عِبادٍ سِبْطُ مُخْتارِ صفوةِ القُدُّوسِ
فعليه الصلاةُ ما سار رَكْبٌلِحِماهُ من فوقِ بُزَّلِ عِيسِ
وعلى آلهِ الكرامِ وصَحْبٍقد تعالَوا به رئيسَ الرُّءُوسِ
وله:
بينما أذْكُر الْقَاسِي وما منه أُقاسِي
عَنَّ لي أن أشْربَ الرَّاحَ وأن أجْلُوَ كاسِي
فتَماشيتُ إلى الدَّيْرِ برَيْحانٍ وآسِ
وبشَمَّاسٍ يُدير الْكاسَ من غيرِ شِماسِ
ونَدِيم يذكُر النَّاسُ به العهدَ النَّواسِ
ومُغَنٍ يُذْهِل الْحَاسِي عن الخَمْسِ الحَواسِ
قَرَنَ الخَمْسَ إلى تِسْعٍ سُداسِي وخُماسِي
صُورةٌ جَمَّلَها اللَّهُ على كلِّ الأناسِي
صُورةٌ جاءتْ من الحُسْتنِ على غيرِ قِياسِ
وإذا احْتال النِّطاسِيُّلها كَلَّ النِّطاسِي
أحْمَرُ الخدِّ كَحِيلُ الطَّرْفِ وَرْدِيُّ اللِّباسِ
فاتِرُ الطَّرْفِ وقد يَنْعَسُ من غيرِ نُعاسِ
غُصْنُ بَانٍ خَنِثُ الْأعْطافِ مَيَّاسٌ مُواسِ
يجبرُ اللهُ به كَسْرَ الأسَى من غيرِ بَاسِ
يتلافَىالْبائِسَ الْعانِي به من غيرِ بَاسِ
يَمْلأُ الْجاماتِ منإسْفَنْطِه مَلْءَ الْعِساسِ
فسَبَأْتُ الخمرَ مِن دَيَّارِهَا أبْلينآسِ
وبذَلتُ العقلَ في الرَّاحِ له رأساً بِرَاسِ
فَبِيَ اسْتَوْثِقْ ولا تُلْقِ حِبالِي ومَراسِي
ثم لا تَنْوِ مُناوَاتِي ولا تقصِدْ مِراسِي
فأنا الفَرْعُ الذي وُطِّدَ جَذْمِي وأسَاسِي
وأنا الغُصْنُ الذي طَاب نبَاتِي وغِراسِي
وأنا الناسُ وما كُلُّأُناسٍ بأناسي
أنا لَيْنٌ حُلْوٌ هَيْنٌ بَعِيدُ الغَوْرِ حَاسِي
أنا لا قَاسٍ ولكنِّي إذا خُوشِنْتُ قاسِ
رفَعوني فأنا رَأْسِي كذاك الطَّودِ رَاسِ
وعلى الجُودِيِّ في السَّالِفِ ما تُلْقَى المَراسِي
ولِجَدِّي يُذْعنِ الْقاسِي مِن شُمِّ الرَّواسِي
أنا زَيْنُ الْعابِدِينض بْنُ أبي بَكرِ المُواسِي
ومن موشحاته البديعة، قوله معارضاً ابن سناء الملك، في موشح له:
انْظُروا تَعْدِيلَ قاماتِ الغُصونِهذه بَانَهْ وهذِي خَيْزُرانَهْ
وَحِّدُواالرحمنَ ذا العرشِ المجيدِ
وأمِيطُوا اللَّبْسَ من خَلْقٍ جَديدِ
وانْظُروا تَورِيدَ تُفَّاحِ الْخُدودِ
واعْجَبُوا مِن حُسْنِ تَلْوينِ العُيونِتِلْكمُ حَانَهْ وهاتيكم كِنانَهْ
بِأَبي مُرُّ الجفَا بالدُّرِّ حَالِي
قَدْرُه قد حَطَّ مِن قَدْرِ العَوالِي
مَطْلبِي مِن ثَغْرِه كَنْزُ الَّلآلِي
رَصَّع المَرْجانَ بالدُّرِّ المَصُونِكلّ مَرْجانَهْ بأعْلاَها جُمَانَهْ
حَبَّذا مَن خَلْقُه الغُصْنُ الْوَضِيُّ
حبَّذا مَن خُلْقُه الغَضُّ الرَّضِيُّ
حبَّذا مَن جِسْمُه الْبَضُّ الطَّرِيُّ
حَبَّذا منه وُعُودٌ مِن جُفونِغيرِ خَوَّانَهْ مَوَدَّاتِ الأمانَهْ
أيُّها الَّلاحِي أما لِلْعَذْلِ عُذْرُ
سَلِّمِ الأمرَ فإن الأمرَ أمْرُ
ودَعِ الإنْكارَ فالإنكارُ نُكْرُ
كيف تلْحانِي على زَاهِي جَبِينِقَدُّه زَانَهْ وفُوهُ أُقحُوانَهْ
كيف تَلْحَى فيه زَيْنَ الْعابِدينَا
كيف تَلْحَى فيه كَنْزَ الطَّالِبِينَا
كيف تَلْحَى فيه نَجْلَ الصَّادِقِينَا
إنما عَذْلُك قلبي في شُجُونِمِثْلُ صَفْوانَهْ هَوَتْ من أُسْطُوانَهْ
أنا لي مَجْدٌ ولي جَدٌّ عَتِيقُ
ابنُ صِدِّيقٍ صَدُوقٌ وصَدِيقُ
ورَقِيقٌ أنا والشِّعْرُ رَقِيقُ
وجَوَارِي قُصَّدِي قُبُّ البُطونِكلُّ خَمْصانَهْ بألْفَيْ بَهْرمانَهْ
وصلاةُ اللهِ والتَّسْليمُ تَتْرَى
لِلنَّبِيِّ المُجتبَى كَنْزاً وذُخْرَا
والرِّضَا عن صحبهِ دُنْيَا وأُخْرَى
مَن له اللهُ بجبريلَ الأمينِزاد سُلطانَهْ وقَوى عُنْفُوَانَهْ
ومن مقاطيعه قوله:
لا تسألِ الناسَ مُعادَاتِهمْإن كنتَ لا تَرْضَى مُعاداتِهمْ
وعِفَّ عن شُرْبِ شَراباتِهمْمَن يسْألِ الناسَ شَراباً تُهِمْ
وله:
ولي حِلْمُ مَيّالٍ عن البَطْشِ قادرٍعلى العَفْوِ لم يخطُر سِواه بِبَالِهِ
إذا سَمحتْ بالمالِ يوماً يَمِينُهأسَرَّ عَطايَا جُودِه عن شِمالِهِ
وقوله:
هي الألْحاظُ فاحْذَرْها وإلاَّدَهَتْك بَوابِلِ النَّبْلِ الهَتُونِ
إذا قلتُ ارْحَمِينِي قال قلبيوهل في العِشْقِ يا أُمِّي ارْحمينِي
ومن أبياته المفردة:
الناس خوفَ الذُّلِّ في ذِلَّةٍوخَشْيةَ أن يَتْعبُوا في تَعَبِ
وله:
الناسُ مثلُ الناسِ لكنَّهمطِباعُهم تُنْكرِها النَّاسُ
أحمد الوارثي الصديقي رأس حمله الحديث والفرقان، وشهاب الملة الذي لا يمكن أن يرى الفلك نظيره في ألف قران.
اشتهرت أحاديث فضائله فأصبحت رونق السير والأسمار، وظهرت أعلام علمه فلا تخفى إلا على أكمه لا يعرف الشموس والأقمار.
فكان له في الشهرة الفضل المقدم، وأقر له مع التأخر السابق الأقدم.
فرجع العلماء إليه رجوع الحديث إلى قتادة، وصدق الخبر الخبر فيما ألفه من الخير المحض واعتاده.
فلو تقدم عصره نزلت آي القرآن شواهد بفضله وآثاره، أو لحق الصديق الأكبر لقال: هذا وراثي بصدقه وإيثاره.
وهو من الأدب في مرتبة سنامه وكاهله، تحوم الآراء حول مراده فترتوي من مناهله.
وله نظمٌ ونثركما انتظمت الأنوار، بعد ما انتثرت عليها الأمطار، أو كما انتظمت الأطوار، بعد ما انتثرت من تشتت المآرب والأوطار.
فمن ذلك قوله:
ماذا تقولين فيمَن شَفَّه سَقَمٌمِن فَرْطِ حبِّك حتى صار حَيْرانَا
قد لاَذَ في الحبِّ حتى صار مُكْتئباًوالعشقُ أضْرَم فيه اليومَ نِيرانَا
هل يشْتفي منك بالثَّغْرِ الرَّحِيق إذاًأو تتْركيه على الأدْنانِ نَدْمانَا
وقوله:
وإنِّي لَصَبٌّ بالقوافِي ومَدْحِهاويبلُغ بي حَدَّ السرويرِ بَليغُهَا
وأطْيَبُ أوْقاتي من الدهرِ ليلةٌتُرِيع القوافِي خاطرِي وأُرِيعُهَأ
وكم بلَغتْ بي هِمَّتِي بُعْدَ غَايةٍيَعِزُّ على الشِّعْرَى الْعبُورِ بُلُوغُهَا
فما سَرَّني إلاَّ كلامٌ أُسِيغُهبِمَسْمَع واعٍ أو مَعانٍ أَصُوغُهَا
وكتب إلى بعض وزراء مصر:
يا أيُّها المَوْلَى الوزيرُ ومَن لهمِنَنٌ حَلَلْنَ من الزَّمانِ وَثاقِي
مَن شاكِرٌ عنَّي يدَيْك فإنَّنِيمِن عُظْمِ ما أوْلَيْتَ ضاق نِطاقِي
مِنَنٌ تَحِفُّ على يديْك وإنماثَقُلَتْ مَواهِبُها على الأعْناقِ
وله فيمن اسمه بدر:
سَمَّوه بَدْراً وذاك لَمَّاأن فاقَ في حُسْنِه وتَمَّا
وأجْمَع الناسُ مذ رَأَوْهُبأنَّهُ اسمٌ على مُسَمَّى
وله:
وكم للهِ مِن نِعَمٍيعُمُّ الكونَ مَاطِرُهَا
تُذكِّرُنا أوائِلُهابما تُولِي أوَاخِرُهَا
وله:
رُمْتُ حالَ الوَصْلِ أنِّيلا أرَى للوصلِ آخِرْ
فَحُرِمْتُ الوصلَ رَأْساًزاد بي الوجدُ فَحاذِرْ
ولده: محمد إياسي الزكن، عريٌّ عن العي واللكن.
رحب ذرعه، ودل على كرم أصله فرعه.
فهو قريع فخامةٍ وجلالة، ووارث الفضل لا عن كلالة.
ويرجع مع الأصل الأصيل، إلى أدبٍ لوصفه في فن الفضائل تفريع وتأصيل.
وقد وقفت على ديوانه، الذي سماه نزهة الأبصار، وروض الأزهار، فجردت من أحاسن أبياته، ما استحسنته لتوشية الطروس بإثباته.
فمن ذلك قوله:
حبيبي في التَّلطُّفِ بي يُحاكِيمُطاوَعة الأَراكةِ للنَّسِيمِ
نديمٌ قد تملَّكني رَقِيقاًوإنِّي عبدُ رِقٍ للنَّدِيمِ
يُعاطِينِي الحديثَ وخَمْرَ ثَغْرٍفَأسْكَر بالحديثِ وبالْقديمِ
وإن رام السُّلُوَّ فإن قلبيصحيحُ الوُدِّ في جَسَدٍ سقيمِ
أقمتُ بحُبِّه ومَضَى عَذُولِيفلا اجْتَمع المُسافِرُ بالمُقيمِ
وقوله في الغزل:
أُفَدِّي غزالي الذي غَزَا لِيبسَيْفِ لَحْظٍ وما رَثَى لِي
هَزَّتْه رِيحُ الصَّبا سُحَيراًفمَاسَ كالغُصْنِ في دَلالِ
وقام يجْلُو شمسَ الْحُمَيَّامن رِيقِ فِيهِ شُهْدِي حَلا لِي
وجاء يهْتزُّ مثلَ غُصْنٍوقد سَقاني وقد مَلاَ لِي
فصرتُ أشكُو النَّوَى إليهوما نَوَى لي من المَلالِ
وقلتُ باللهِ يا حبيبيانْظُرْ لِحالِي قد صار حَالِي
يا بدرَ تِمٍ بأُفْقِ سَعْدٍيا مُشْترِي القلبِ بالوِصالِ
حمَّلْتني في هواك ما لاأفْدِيك خِلِّي بكُلِّ مَالِي
ومُرْسَلُ الدمعِ سال فَيْضاًوالقلبُ واللهِ ليس سَالِي
ومَقْصِدي أن أراك يوماًماذا على الدهرِ لو صَفَا لِي
يا قامةَ الغُصْنِ في اعْتدالٍيا طَلْعَة البدرِ في الكمالِ
لا عِشْتُ إن لم أكُنْ مُحِبّاًأحْفَظُ وُدِّي ولا أُبالِي
وأرْتضِي في هَواك هَتْكِيوأُنْفِقُ الرُّوَح ثم مَالِي
وله:
رُبَّ ساقٍ خَمْرةً مِن ثَغرِهِوثَناياهُ كدُرٍ أو حَبَبْ
أوْرَثَ العقلَ خَبالاً عندماأن تَبدَّى لي بكأسٍ مِن ذَهَبْ
مَذْهبي فيه طِرازٌ مُذْهَبٌواصْطبارِي في هَواه قد ذَهَبْ
لَيِّنُ الأعطافِ قَاسٍ قلبُهواللَّمَى يحْكِي ضَرِيباً أو ضَرَبْ
عَارِضاهُ أنْبتَبَا آساً وفيوَجْنتَيْهِ أصبحَ الوَرْدُ عَجَبْ
وقوله:
ألِفُ الْقَوامِ ولامُ عارضِ مَن سَبَاعقلي ومِيمُ الثَّغْرِ مَعْ صادِ المُقَلْ
إن جُمِّعُوا وغَدَوْا نَصِيبي مَرَّةًمن فيه ذاك شِفاءُ قلبي مِن عِلَلْ
فيه توليدٌ لطيف، وهذا النوع مما تظرف فيه الأدباء، ومنه قول بعضهم:
كأنَّ مُقلتَه صادٌ وحاجبَهنونٌ وموضِعَ تَقْبِيلي له مِيمُ
فصِرْتُ أعْشَقُ من عِشْقي له صَنمَاًوعاشِقُ الصَّنَم الإنْسِيِّ مَرْحُومُ
قال الزكي بن أبي الإصبع، في تحرير التحبير: إن أغرب ما سمعت في التوليد:
كأنَّ عِذَارَهُ في الخَدِّ لاَمٌومَبْسِمَه الشَّهِيَّ العَذْبَ صادُ
وطُرَّةَ شَعْرِه ليلٌ بَهِيمٌفلا عَجَبٌ إذا سُرِق الرُّقادُ
فإنه ولد من تشبيه العذار باللام، وتشبيه الفم بالصاد، لفظة لص، وولد من معناها تشبيه الطرة بالليل وذكل سرقة النوم، فحصل توليدٌ وإغرابٌ وإدماج.
وأستحسن أنا فيه قول بعضهم:
تاللهِ ما لِمُعذِّبي في حُسْنِهشَبَهٌ فأيُّ حَشاً عليه لم يَهِمْ
لاَمُ العِذارِ وميمُ مَبْسمِه علىما أدَّعِي من حُسْنِه بُرْهانُ لَمْ
ولابن جابرٍ الأندلس، معتذراً عمن لم يسلم:
لا تَعْتِبَنَّ على تَرْكِ السَّلامِ فقدجاءَتْك أحْرُفُه كَتْباً بلا قَلَمِ
فالسِّيُن مِن طُرَّتِي والَّلامُ مَعْ ألِفٍمِن عارِضِيَّ وهذا المِيمُ مِيمُ فَمِي
وللوارثي:
أقْبَلَ المَحبوبُ يوماًخاَطِراً نَحْوَ الْمُعَنَّى
مُفْرداً في الحُسْنِ فاعْجَبْمنه فَرْداً يتَثنَّى
غصبه من قول ابن نباتة:
فريدٌ وهْوَ فَتَّانُ التَّثَنِّيفيالَلَّهِ من فَرْدٍ تَثَنَّى
ومثله لابن العفيف:
هو لا شَكَّ واحدُ النَّاسِ في الحُسْنِ وإن كان قَدُّهُ يتَثَنَّى
وله:
بأبِي أفْدِي غَزالاًمُكْثِراً للهَجْرِ والْبَيْنِ
عَارِضَاه صَيَّرانِيهِمْتُ من وَجْدِي بلا مَيْنِ
من قول البدر الدماميني:
لاَمَا عِذارَيْكَ هما أوْقَعَاقَلْبَ المُحِبِّ الصَّبِّ في الْحَيْنِ
فَجُدْ له بالوَصْلِ واسْمَحْ لهففِيكَ قد هامَ بِلاَ مَيْنِ
أبو الإسعاد يوسف الوفائي أحد السادات بني وفا، الذين اربى قدرهم على أهل الدنيا وأوفى.
تميزوا في الأولياء تميز الملوك في الأجناد، وجردوا عزمهم فكان فرنده النقي وغمده تبسيم الأجياد.
سقى عهودهم بالماء الطاهر، وتحلوا بحليتي الباطن والظاهر.
فإذا اقتسم الفضل وشرف الخصال، فللناس منهما الأسماء ولهم الأفعال.
وإن ذكر المدح والثنا، فكلهم يعرفون في الوصف الجميل بالكنى.
فليت شعري بأي وصفٍ أصفهم، ولو جمعت جيوش البلاغة لم أكن أنصفهم:
ولولا أنَّ في الأشْياءِ ما لاَيُنالُ بكَدِّ نَفْسٍ واجْتهادِ
كتبتُ ثَناءَهم بسَوادِ عَيْنيمَخَافَةَ أن يُدَنَّسَ بالمِدادِ
وأبو الإسعاد هذا رونق منتسبهم العالي، وبهجة منتداهم الذي أطلع ثمر المعالي.
جمال عصره، ويوسف مصره.
عطف سماحه مياس، ونيل كفه جارٍ بغير مقياس.
فهو في الروض إذا ذوى ناضر العود، ولدى الحوض وإن خوى أسعد السعود.
ولعين الرجاء نزهةٌ في روض مساعيه الخصيبة الرحاب، ولآثاره عليه ثناءٌ كثناء الرياض على غر السحاب.
فتتشوق النفوس إلى تلك الشيم، تشوق الجدب إلى فيض الديم.
والجود حسن السادة الكرام، كالحسن يدعو الناس إلى الغرام.
فلله ما وهبه العز من تجمله به وتحليه، وتبرجه بآرائه وتجليه.
بوجهٍ لا يحاسنه شيءٌ في الإشراق، ومعالٍ من ادعاها لزمته جناية السراق.
فهو يثير بشيم اللطف، وينيل بالديم الوطف.
ويهتز للأدب عطف بانه، ويضطرب لمجتديه كأنما نادمه ابن بانة.
وله من رائق النظام، ما هو كالثريا في الانتظام.
فمنه قوله:
لَحِيِّ أهلِ الْوَفَاءِ سِرْ بِيفإن فيه غَزَالَ سِرْبِ
مِلْ بي إلى نَحْوِهم وعُجْ بِيسَلِمْتَ مِن فِتْنةٍ وعُجْبِ
قومٌ بهم ما حَيِيتُ دَائِيوهم دَوَائِي وعَيْنُ طِبِّي
وهم شموسُ العُلَى افْتخاراًبفَيْضِ كَسْبٍ وفَيْضِ وَهْبِ
وهم سحَابُ الرَّجَا مَطِيراًإذا اشْتكَى الدَّهرُ عَهْدَ جَدْبِ
ولاَحَ سِرُّ الوفاءِ منهمعَوْناً إذا سامَ دَفْعَ كَرْبِ
فهم عِياذِي وهم مَلاذِيلكلِّ هَوْلٍ وكلِّ خَطْبِ
وليس لي عنهُمُ غَنَاءٌوهكذا حَالةُ الْمُحِبِّ
وقد رَضَوا لي سَلْبِي سِواهُمْفاشْهَدْ مَقامَ الرِّضا وسَلْ بِي
لا نِلْتُ مِن قُرْبِكم وِصالاًإن لم أمُتْ فيكمُ بحُبِّي
غَمَرْتُمونِي بكلِّ فَضْلٍوقد عَمَرْتُم رُبوعَ قلبِي
وهكذا تفعلُ الْمَوالِيإذا رَعَوْا ذِمَّةً لِصَبِّ
وقوله:
قَسَماً بكم يا سادتي وغَرامِيما حُلْتُ عن عَهدِي لكم وذِمامِي
وأنا المُقيمُ لكم على عَهْدِ الوفَاوعلى هَواكُم تَنْقضِي أيَّامِي
غيري يُغَيِّرُه الجَفاءُ عن الهوىفيَمِيلُ نحوَ مَلامةِ اللُّوَّامِ
وأنا الذي لو مُتُّ فيكم لم أحُلْعنكمْ ولا يَثْنِي المَلامُ زِمامِ
يا سادتِي عَطْفاً على عَبْدٍ لكمفعَسَاكمُ تحْنُوا على الْخُدّامِ
فالقلبُ في نِيرانِ تَبْرِيحِ الجَوَىيَصْلَى وجَفْنِي مِن جَفاكُمْ دَامِي
أرْضَعْتُموني دائماً ثَدْيَ الرِّضَاويَشُقُّ من بَعْدِ الرِّضاعِ فِطامِي
فعلى مَ أظْهَرْتُم إهانةَ عَبْدِكممِن بَعْدِ ذاك العِزِّ والإكْرامِ
ما زَلَّ بي قَدَمٌ وإن زَلَّتْ فكَمْغُفِرتْ لَدَيْكم زَلَّةُ الأقدامِ
قَسَماً بفضْلِكُمُ عَليَّ وإنهلِذَوِي المَعارِفِ أعظمُ الأقْسَامِ
بسِواكمُ ما لِلْفُؤادِ تَعَلُّقٌأنتم مَرامِي دونَ كُلِّ مَرامِ
يا عَاذِلِي ذَرْنِي فإني كُلَّمازِدْتَ الْمَلامَ عليَّ زادَ هُيامِي
كيف التَّسَلِّي عن هَواهُم بَعْدَمَاسَكَنَ الهوى في مُهْجَتِي وعِظامِي
مَن رامَ فَضْلاً يَأْتِهِمْ مُتأدِّباًيَحْظَى بهم ويفوزُ بالإكْرامِ
إنِّي لأَطْرَبُ من مَدِيحِ صِفاتِهمْفأمِيلُ نَشْواناً بغير مُدَامِ
إنْ أعْرضُوا فأنا الصَّبُورُ وإن أبَوْافأنا الشَّكورُ بِخُلَّتِي وغَرامِي
شُرِّفْتُ حين غَدَوْتُ مِن خُدّامِهمْورَقِيتُ في الإسْعادِ خيرَ مَقامِ
ومن مطولاته قوله:
حَيِّهِمْ إن جِئْتَهم يا سَعْدُ حَيّفهمُ أهلُ الوفَا في كلِّ حَيّ
عِشْ بهمْ صَبّاً ومُتْ في حُبِّهمْمَن يَمُتْ في حُبِّ حَيٍ فهْو حَيّ
هُم مُلوكُ الأرضِ سَاداتَ الورَىفاَرْوِ عنهم واطْوِ ذِكْرَ الْغَيْرِ طَيّ
لم يزَلْ إحْسانُهم يغْمُرُنامُطْلَقاً بالفَيْضِ في نَشْرٍ وطَيّ
كم كذا ألْطَافُهم تَأْتِي بمافيه لِلْقَلْبِ شِفاءٌ ودَوِيّ
لَفْظُهم والجودُ ذَا فيه شِفَالِذَوِي السُّقْمِ وذا فيه رَوِيّ
مِن كِلاَ هذين لا أبْرَحُ ليسَكْرَةٌ فارْوِ لهم عن سَكْرَتَيّ
أنا منهمْ لم أزَلْ مُكْتسِباًكُلّ ما يُنْسَبُ في الخيرِ إلَيّ
فسَناهُم لاَمِعٌ في فِكْرَتِيونَداهُم هَامِعٌ في رَاحَتَيّ
طَرَقَتْنِي نَفْحة مِن سِرِّهمفكَسَا ضَوْءُ سَناهَا أصْغَرَيّ
صَيَّرتْني مُنْشِئاً مُرْتَجِلاًكلُّ ما أطلُبه في قَبْضَتَيّ
أسْعَدَ اللهُ بهم فِكرِي فلايعْترِيِني قِصَرٌ في سَاعِدَيّ
وَاجِبٌ عنديَ أنْ أسْعَى علَىبَصَرِي حَقّاً لهم لا قَدَمَيّ
يا لِسانِي أدِمِ المَدْحَ لهمدائمَ الدهرِ ويا فكرِي تَهَيّ
أنا واللهِ مُحِبٌّ لكمُصَدِّقُوني ليس بعدَ اللهِ شَيّ
مُخْتَفٍ حُبُّكمُ في مُهْجتِيعن جميعِ الخَلْقِ إلاَّ مَلَكَيّ
لا يخفى أنه أراد المعارضة لابن الفارض، ولكنه بحكم عارض المحبة بقي تحت ذيل العارض، وبيت الفارضي:
كان لولا أدْمُعِي أسْتغْفِرُ اللَّهَ يَخْفَى حُبُّكم عَن مَلَكَيّ
مُذ مَنَحْتُم بِوَفاً دون جَفاًفلذا أنْسَيْتُمونِي أبَوَيّ
وسَقانِي كَفُّكم كأسَ نَدىًمِن رَحِيقٍ بَرْدُه وَسْطَ حَشَيّ
دام مِنِّي المَدْحُ يأْتِيكُم علَىسائق الأظْعانِ يَطْوِي الْبِيدَ طَيّ
عبد الرحيم الشعراني خلاصة جيله، الواجب أمر تعظيمه وتبجيله.
وآل بيته الأخيار، رونق السير وطلاوة الأخبار.
لهم نفوسٌ بالأسرار الروحانية عارفات، إذا كان لغيرهم منها عارفةٌ فلهم منهم عارفات.
فما زالوا يطلعون من أخلافهم، ما يبقى به ذكر أسلافهم.
وهذا الحبر العالم، زين الله به منهم المعاهد والمعالم.
فنال حفلا به السعد اكتمل، وابتسم بمرآه ثغر المنى وامتد خطو الأمل.
وهاجر إلى الروم لأمرٍ دعاه، فحمد عند أهل المشاهدة مسعاه.
فأقام بها راتعاً من الجلالة في نضرها ولدنها، إلى ان انتقل من ظهرها إلى بطنها.
يملأ الصدور انشراحا، ويعم الأرجاء أفراحا.
ولا يألو وليه شكر منه الجسيم، كما شكر عارفة الروض لسان النسيم بوقارٍ كما تشتهيه العيون، ونصحٍ كما تقتضيه الظنون.
يلهب الوجد الذي خمد، ويذيب الدمع الذي جمد.
ووعظٍ يقيم الحرج، على الشيخ أبي الفرج.
وله أشعارٌ مشتملة على حكم ووعظ، يتمتع بها القلب قبل اللفظ.
فمنها قوله في عقد كلاٍم ينقل عن كسرى، كاتب به قيصر جواباً عن مكاتبة:
كَاتَبَ في السَّبِق كسرى قَيْصَرُبما اسْتقامَ مُلْككُم والظَّفَرُ
فقال قد دامَ لنا الْولاءُبخَمْسةٍ طاب بها الْهَناءُ
إن اسْتَشَرْنا فَذَوِي العُقولِوإن نُوَلِّي فذَوِي الأُصولِ
وليس في وَعْدٍ ولا وَعِيدِنُخالِفُ القولَ على التَّأْبِيدِ
وإن نُعاقِبْ فعلى قَدْرِ السَّبَبْمِن الذُّنوبِ لا على قَدْرِ الغَضَبْ
ولا نُقَدِّمُ الشبابَ مُطْلَقَاعلى الشيوخِ في وَلاءٍ أُطْلِقَا
وله في التوسل:
يا سيِّدَ الرُّسْلِ ومَن جُودُهُلكلِّ خَلْقِ اللهِ مُسْترسِلُ
أنتَ الذي خَصَّك رَبِّي بمالم يُحْصِه المِزْبَرُ والمِقْوَلُ
وإنِّني عبدُك مَنْ جُرْمُهُلفِكْرِ ذي اللُّبِّ غَدَا يُذْهِلُ
قد جئتُ أبْغِي توبةً يَنْمَحِيعنِّي بها الوِزْرُ الذي يُثْقِلُ
والسَّتْرَ في دِيني وأهْلِي ومَنيَحْوِيه بَيْتي أو بهِ يَنْزِلُ
فأنتَ بابُ اللهِ أيُّ امْرِىءٍأتاه مِن غيرِك لا يَدْخُلُ
هذا البيت مضمن من قصيدة الشمس البكري، التي أولها:
ما أرْسَلَ الرحمنُ أو يُرْسِلُمِن رحمةٍ تصْعَدُ أو تَنْزِلُ
في مَلَكوتِ اللهِ أو مُلْكِهِمِن كلِّ ما يخْتَصُّ أو يَشْمَلُ
إلاَّ وطه المُصطَفى عبدُهنَبِيُّهُ مُخْتارهُ المُرْسَلُ
وَاسِطةٌ فيها وأصْلٌ لهايعْلَم هذا كلُّ مَن يعقِلُ
ولده: أبو السعود
هذا سعد السعود، الذي لو مس عوداً يابساً لعاد الماء في العود، حتى ينور خضرا، ويثمر غضاً نضرا.
ولد في طالع السخا، وغذي في بحبوحة الرخا.
ومارس المعارف ممارسةً كشفت له عن وجوه الحقائق، وأظفرته بفوائدها الجلائل، وفرائدها الدقائق.
فقدمه في العلم راسخة عالية، والمسامع بمحامده مقرطةٌ حالية.
وكانت أوقاته مقسمةً بين عارفةٍ ينيلها، وملمةٍ يزيلها، وفائدةٍ يبديها، وصنيعةٍ يسديها.
ومجلسه أوله ثناء جميل، وآخره دعاءٌ جزيل، وبينها ترحيبٌ وتأهيل.
ففخره يتقلده جيد الدهر وليته، وذكره يأرج له مسرى النسيم وهبته.
وله أدبٌ يتنافس فيه بلا تطرية مادح، وشعرٌ ورى فيه زنده ولم يقدح فيه قادح.
فمنه قوله مخمساً:
يا حادِيَ العِيسِ إن حَفَّتْ بك الْكُرَبُالْحقْ هُدِيتَ برَكْبٍ ساقَهُ الطَّرَبُ
وقُلْ لِصَبٍ غَدَا بالشوقِ ينْتحِبُلِمَهْبِطِ الوَحْي حَقّاً ترحَلُ النُّجُبُ
وعندَ هذا المُرَجَّى ينْتهِي الطَّلبُ
أعْنِي الرسولَ الذي قد شَرَّفَ الأُمَمَاونال سائِلُهُ فوقَ الوَرَى قسمَا
يَلْقَى العُفاةَ بما يَرْجُون مُبْتسِمَابه تحُطُّ رِحالُ السَّائلين فَمَا
لِسائِلِ الدَّمْعِ ما يَقْضِيهِ ما يَجِبُ
إن رُمْتَ كشفَ العَنَا والحَوبِ والنُّوَبِكذا الخَلاصَ مِن الأكْدارِ والنَّصَبِ
وأن تكونَ سعيداً غيرَ مُكتئِبِقِفْ وِقْفَةَ الذُّلِّ والإطْراقِ ذا أدبِ
فعندَ حَضْرتِهِ يُسْتَلْزَمُ الأدبُ
يا مَن بِهِمَّتِه قد صار مُنطلِقَاوسكَّن الرُّوحَ منه بعدَ ما فَرَقَا
ذاك الحبيبُ الذي مِن صَفْوةٍ خُلِقَاله الملاحةُ خَلْقاً والنَّدَى خُلُقَا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع