من «نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة» لمحمد أمين المحبي (ت ١١١١هـ)
خاتمة
وهنا وقفتْ بي مَطِيَّةُ السَّير، وختمتُ الكلامَ راجياً من ربِّي خاتمةَ الخير.
ولما فرغتُ من جَمْعِه، وجعلتُه هديَّةً لناظر الدهر وسَمْعِه.
التفَتُّ إليه فشاقنِي، وحَدَا بي نحو الإعجاب وساقنِي.
فأقول كما قال ابنُ الخطيب، لا بَرِح ذكرُه يَعْبَق ب " عرف الطِّيب من غُصُن الأندلس الرَّطيب ": لما رأيتُ من ذُكرِ فيه قد تخلَّدتْ آثارُهم، وشَنَّف أُذُنَ الزمان نِظامُهم ونِثارُهم، نافستُهم في اقْتحام تلك الدُّور، وقنِعت باجْتماع الشَّمل ولو في خلال السُّطور.
وحرِصْتُ على أن أنال منهم قُرْبا، وأخذتُ أعْقابَهم أدَباً رَحْباً، كما قيل: ساقِي القومِ آخرُهم شُرْبا.
والله ُسبحانه يُدبِّر أمْري، ويُحْسن بفضله آخِرَ عمري.
ويسْتُرني في هذه البَقِيَّة، ويجعلني من خُلَّص هذه البَيْضاء النَّقيَّة.
فقد بَقِي في إناءِ العمر صُبابة من شَراب، فلعلِّي لا أُرِيقها في يومِ هاجرةٍ لِلَمْعِ سَراب.
وإذا نزل بي الموت، وفات في أجَلِي الفَوت، لا يُعْدِمني من يترحَّم عليَّ؛ ويُهْدِي ثوابَ فاتحتِه إليّ.
فمبدأُ حالِي، وما أفْضىَ إليه نُزولِي وارْتحالي، قد صرَّحتُ به تارة وعرَّضْتُ أخرى، فرأيتُ تَرْك التَّعرُّض له هنا أوْلى وأحْرَى.
وإنما أذكُر هنا بعضَ فضولِ الكلام، قصدتُ أن أنْسلِك بها في سِلْك هؤلاء الأعلام.
فهي إن لم تكنْ ممَّا يخطُبه الخاطب، فلْتكُن مما يحْتطِبُه في ليلِ سُطورِه الحاطب.
فمن ذلك فُصولِي القِصار، وقد ذكرتها مُقتصراً على زُبدِها غاية الاقْتصار: في الأحاديث صحيحٌ وسقيم، ومن التَّراكيب مُنْتِجٌ وعقيم.
للنفوس صَبابةٌ بالغرائب، وإن لم يكنْ من الأطايب.
قال بعضُ أهل العرفان: إذا قَصُرت يدُك عن المكافأة فليَطُلْ لسانُك بالشُّكْران الرْوضُ إن لم يشكر الغَمام بعَرْفهِ، ففي وجهِه شاهدٌ من عُرْفِه.
شفاعةُ اللِّسان، أفضلُ زكاةِ الإنسان.
إذا ما سقَط الرَّجا، فالناس كلُّهم أكْفا.
للِه ألطافٌ غنيَّةٌ عن البيان، وهو مع تنزُّهِه عن الحوادث كلِّ يوم في شَان.
وللدهرِ نُسْخة تعرب عن الأقْدار، وحُجَّةُ القضاء بيننا هي مُسوَّدةٌ بالليل نَراها مُبَيَّضة بالنَّهار.
فبيْنا تراه كلَيالِي المِحاق لا شموس ولا أقمار، أعْقب لياليَ مُقْمِرَةً وأياماً مُشْمِسَةً تسُرُّ القلوبَ والأبصار.
مَن تواضَع رَقِيَ لمراتبِ السَّلف، فإن التَّواضُعَ كما قيل سُلَّمُ الشَّرَف.
العِلْمُ مع المُنخفِض والآبِي، كالماءِ مع الوِهادِ والرَّوابي.
مَن لم يكنْ بالفضلِ ذَا رُجْحان، يميل بالخِفَّةِ مثلَ المِيزان.
إذا زاد قَرِينُك في التَّرَقِّي، فزِدْ أنت مِن شَرِّهِ في التَّوَقِّي.
ليست الأذْنَابُ كالأعْراف، ولا الأنْدالُ كالأشْراف.
إذا صحِبْتَ فاصْحَب الأشراف تَنَلِ التَّشْريف، فإن المُضافَ يكْتسب من المضاف إليه التَّنْكِير والتعريف.
السِّلْعة على قَدْرِ الثَّمن، والحركةُ على قَدْرِ تنْشيط الزَّمَن.
أعوذُ بالله من الكساد، فإنه أخو الفساد.
إنْجازُ وعْدٍ بإنْجاحِ النَّدَى، أحْسَنُ من نَوْرٍ يفتحه النَّدى.
تمْتلِي الغُدْرانُ إذا هَمَى السحاب، فكأن الغُدُرَ فَذْلَكةٌ والسَّحاب حِساب.
تتَبُّعُ الأمرِ بعد الفَوات تَغرِير، وتَرْكُه إذا أقْبَل عَجْزٌ وتَقْصِير.
إذا ساعد الدهرُ على سُرورٍ فَواتِهْ، واغتنمْ منه وقتاً سَرَّ قبل فواتِه.
السُّرور إذا دعَوْتَه يَنْجاب، والكَدَرُ ما إِن دَعَوْته أجاب.
أعمارُ الكرام مُشاهَرة، وأعمار اللِّئام مُداهَرة.
للوُدِّ حَقّ، يُدَّعَى به الباطلُ فيُسْتَحَقّ.
وللخُلَّةِ ذِمام، تتأخَّر به الَمعْدَلةُ وهي أمام.
قيامُ النُّفوس بالوِداد، أوْلَى من قيام الأجساد للأجساد.
ما مَن يُعانِد الحقَّ ببُهْتانه، إلاَّ كمن يُسابِق العِتاق بأتانِه.
ليس لإرْشادِ البهائم سبيل، والحمير لا تعرف طعْم الزَّنْجِبيل.
أعجبُ الأشياء فاسق يبحث في الحلال والحرام، وآلَمُها للقلْب مُجالسةُ اللِّئام للكرامِ.
إخوانُ هذا الزمن عَراهم الخَلَل، وكانوا على صِحَّةٍ فداخَلتْهم حُروف العلَل.
أكثرُ أبْناء الزمان أحْداث، وهم مع أحْداثِه أحْداث.
في أولاد الزِّنا كَثْرة، ولعيْن الزمان نَظْرة.
حالي مع أبْناء الدهر كمُودِع الرِّيح في أكمام العُرْيان، وواضعِ المِصْباح في رُواقِ العِمْيان.
أنا وإن بقيتُ في خَلَفٍ أجْرَب، فإني بالصبر جُذَيْلُها المُحَكَّك وعُذَيْقُها المُرَجَّب.
نامَ بمَهْدِ الخُمول حَظُّ زماني، فليْته كان يحلُم بطَيْف الأمانِي.
على الأيام من حُزْني عن قَدْح العَزَمات سلامٌ حملتْه مُرْسلات النَّسمات.
لمَّا برَدَ قلبي أيْقنتُ بالنُّجح، ودَلَّني ذلك كما دَلَّ بَرْدُ النَّسيمِ على الصُّبْحِ.
الأكْمامُ تبشِّر بالأزهار، والفجر يجيءُ طَلِيعةً للنهار.
نِسْبَةُ الكريم إلى الكرام، نسبة الرِّياض إلى الغَمام.
الضامِنُ غارِمٌ، وعِداتُ آلى السَّماح مَغارِم.
الْجُود حارسُ الأعراض، والبخلُ غارِسُ الأغْراض.
الكريمُ تُثْنِي عليه وُفودُ الرَّكائب، ولو سكتُوا أثْنتْ عليه الحَقائب.
السَّخِيُّ مَن إذا تَبَّرع، عَفَّ مالَ الورَى وتَوَرَّع.
الرِّزقُ من الكريم تَسْخير، وله وقتٌ يأْبَى التَّقديم والتأخير.
رِزْقُ أهلِ الفصاحة مَسْجون، وحديثُ قِلَّةِ حَظَّهم شُجونُ المَشْجون.
يمسَح قَذَى العِرْضِ النوال، ومَنادِيلُ الأعْراض الأموال.
لا فضيحةَ أخَسُّ مِن تَقْطِيب الخاذِل، ولا عِزّ أحسنُ من أرْيحِيَّة الباذِل.
الكرمُ أشرفُ الأحساب، والمَودّةُ أقربُ الأنْساب.
السخاءُ من خُطوبِ الزمن نِعْم الواقِي، وخيرُ الجزاءِ للمرءِ هو الباقي.
خيرُ العَرُوض وِقايةُ الأعراض، وقد تصدُق المَفاهيم إذا صدَقت الأغْراض.
لولا خِلالٌ سَنَّها الشِّعْر للأكارِم، لم يَدْرِ بُغاةُ النَّدى طريقَ المَكارم.
أكثرُ الكنوز في الْخَراب، والتِّبْرُ مطروحٌ مع التُّراب.
الاقْتصاد أسلمُ لذي المال القليل، والبُخلُ خيرٌ من سُؤال البَخِيل.
مَن افْتقر احْتقرَه الناس، والجودُ سُكْرٌ خمارُه الإفْلاس.
ما طال لسانُ المَعذِرة، إلاَّ لمَّا قصُرت يدُ المَقدرة وليس هذا بمَحَلِّ الكِتْمان، ورَقْصِي على مِقْدار إيقاعِ الزمان.
غيرُ مَلُومٍ في الجُود مَن ضاق يَدَا، فإن الغِناء كما قالوا أخُو النَّدَى.
جُهْدُ المُقِلِّ في الزمان الجَدْب، أحسنُ من عُذْرِ المُخِلِّ العَذْب.
رَضِيتُ بالقضاء إذْ ضَنَّ دهري بالكَفاف، لأجُوز بَحْرَ الخُطوب من جِسْرِ الصِّيانةِ والعَفاف.
الاعْتدال في الْجُود، أحسنُ من الاعْتداء على المَوجود.
ومن أمْثال الأطِبّا: مَن لَزِم القَصْد، اسْتَغْنى عن الفَصْد.
إنما تُضِيءُ دَياجِي الخُطوبِ إذا تمرَّطَتْ منها المَناكب، بنُجومِ المعالي المُشرقةِ في سماءِ المَناقب.
مَقامُ القُطَّان في الأوطان، مَقامُ الأرْواح في الأبدان.
قلَّما تَصِيد في أوكارِها الطَّير، والأهِلَّةُ لا تصيرُ أقماراً إلاَّ بالسيْر.
قيل: دون الغيب أقْفال، لا يفتحها الزجرُ والْفال. قلتُ: للغيب أقْفال، مَفاتيحُها التَّيَمُّن والْفال؛ لقولهم: ألْسِنةُ الخلقِ أقْلام الحَقّ.
المرءُ يُكلَّف بالاجْتهاد في المَطالب، وليس عليه ضمانُ العواقب.
رُبَّ شخصٍ قُرْبُه نَفْع لا يخْشَى الإنسانُ معَه ضَيْرا، وقلبُه مَشْحونٌ بنِيَّة الخيرات فمن يَخْطُرْ ببالِه يَلْقَ خيرا.
لم يَنْتَبِه مِن نومِه، مَن لم يستغْفِر لأمْسِه من يَوْمِه.
لا تقلْ لذاهبٍ قد ذَهَب، لكن رَدَدْتُه إلى مَن وَهَب.
بَقاءُ الأعمار مَبْنِيٌّ على الأنفاس، والبقاءُ الذي يكون على الرِّيح إن تأمَّلْتَه بغيرِ أساس.
وَلَّى عصرُ النَّشاط والشَّبِيبَة، فاغْتنِمْ بَقِيَّةً مع الحبيب والحبِيبَة.
ولا تنَمْ بعد ذاك العصر عن الفُتون، فالنومُ بعد العصر كما قيل جُنون.
الشَّيْب نَذِيرٌ للجسم بانْهِدام بِنائِه، كابْيضاضِ مُخْضَرِّ النَّبات دليلُ استحصَادِه وفَنائِه.
إذا كانت الأجسادُ بالقُوَّة فانِيَة، والآجالُ مع الساعاتِ مُتَدانِيَة، فكلُّ حَيٍّ يُفْقَد حين يُولَد، ويُعدَم حين يُوجَد.
فأيُّ أُنْسٍ لنفسِي ولا صَفْوَ إلاَّ إلى كَدَر، ولا عَيْنَ إلاَّ إلى أثَر.
إذا وافَى الأجَل، اصْطَلح الظَّنُّ والأمَل.
رُبَّ مَجْدٍ في رَجا مُطالِبه، ومِن خَلْفِه الآجالُ تسْخَرُ بالمِطالِ بِه.
المرءُ طوعُ المقادير، والاجْتهاد إبْلاءُ المَعاذير.
كلُّ امْرِئٍ بوَقْتِه مَرْهُون، ولابُدَّ يوماً أن تُفَكَّ الرُّهُون.
من قال: عيونُ الحوادثِ نِيام، فلْيَخْشَ أن يُوقِظَها له قَدَرٌ لا ينام.
الدهرُ تَعْرِفُ أنَّ اللُّؤمَ من أوْصافِه، فإن شئتَ الحُظْوةَ به كُنْ مِثْلَه أو صَافِه.
الدهرُ أقْصَر من أن يُقَصَّر بالعِتاب، ويا لَهْفَتاهُ على عُمْرٍ يُكدَّر بالهجر والاجْتناب.
إيَّاك أن تتورَّط بالأهْواء إلى الْعَنَا، فإن الغِنَا كما قيل رُقْيةُ الزِّنا.
رُبَّ أملٍ في طَيِّ يأسٍ مُدْرَج، ومحبوبٍ في ضِمْنِ مكروهٍ مُدْمَج.
ما كُلُّ خُوطَةٍ رَطْبةُ المِهَزّ، ولا كلُّ ثمرةٍ تُجِيبُ دَاعِيَ الهَزِّ.
إذا أعْوَز الزُّلالُ البارد، اسْتَقى من الكَدَرِ الظَّمْآن الوارِد.
وربَّما ساق الدهرُ أحرارا، إلى تناوُلِ المَيْتِ اضْطرارا.
ما دامت الأفْلاكُ دائرة، فقد دارتْ على الزمانِ الدَّائرة.
الزمانُ واهِبٌ وناهب، والوجودُ جاءٍ وذاهِب.
لو على الاخْتيار دارتِ الأفلاك، لم يكنْ سوى الحسانِ الخَلْقِ والخُلُق فيه من الأمْلاك.
كثيراً ما يزولُ العَشْقُ بجِنايات الصُّدود، والزِّيادةُ في الحَدِّ نُقْصانٌ في المَحْدود.
العاشقُ مَن يستعذبُ الهوَى ويلَذُّه، فإن العشْقَ كالخمرِ أمَرُّه ألَذُّه.
إذا لم يتوارَد القلبان على مَوْرِدٍ واحد، فالعاذِلُ يضربُ في حَديدٍ بارد.
أمْرانِ مِن غيرهما أمَرَّان، لُؤم كحَدِّ السِّنان، ولَوْم كوَخْزِ المُرَّان.
من لَحَظنِي بنَظَرٍ شَذْر، بِعْتُه بثمنٍ نَزْر.
ما اغْتابنِي في غَيْب، إلاَّ ذُو عَيْب.
ولا ذَمَّ مِنِّي حُسْنَ طَبْع وخِيم، إلاَّ مَن هو صاحب طَبْعٍ وَخِيم.
غِيْبَةُ الأنام، مُضْغةٌ لَفَظها الكِرام.
واللَّئِيمُ مَن لا يُحْسَد ولا يُسْتغاب، فإنه لا يُمْضَغ إلاَّ ما طاب.
إذا وَعَظْتنِي فلم أنْتبِهْ، فلعلَّك تَنْتَبِهُ أنْتَ بِه.
يخلُص من الشِّرَك، مَن عقلُه بالهوى غيرُ مُشْترَك.
مَن كذَب فيما قال، فهو للحقِّ والصِّدق قال.
من لم يفْهَم ما يُريد، فكيف يفهم ما تُريد.
أكثرُ مَن يرغبُ في زيادةِ الوَصْف، تراه يكبُر مِن وراء الصَّفّ.
مَثَلُ ما يرُوج من الأشعار، عند مَن لا يَدْرِي ميزانَ الأسْعار، مثلُ الأعاريب لم يَرَوا خُبْزَ الْحِنْطة فيُكْبِرون خُبْزَ الشَّعِير، والقومِ لم يَرَوا لُجَّةَ البحرِ فهم يُعَظِّمون ماءَ الغَدِير.
المادحُ فيما يُتْعِبُ فكرَه فيه من الأشْعار، كالمِجْمَرة تُعطِّر غيرَها وتتأذَّى هيَ بالنار.
مَن ذا الذي يسمعُ ما قضَيْته من الشِّدَّة والألم، ولا يقْذِف القِرْطاسَ والدَّواة والقلَم.
ما مِثْلُ مَن رَجَوْتُه يحرِم القُصَّاد، وإنَّما نَحْسُ السُّؤَّال قد يُعدِي الأجْواد.
ما بي إذا أحْرَمنِي مِن نَوالِه بَأس، إلاَّ أنه أشْمَتَه في رَجائِي منه اليَأْس.
رُبَّ شخصٍ أمْضَى مِن عُسْر بعد يُسْر، لا تَعْرِف أنه إنْسان إلاَّ بأنه في خُسْر.
وَعْدُه يُنْهِك بانْتظارِه قُوَى الأمَل، ويُحقق أنه ليس بإنسانٍ لأن الإنسان خُلِقَ من عَجَل.
كم سمَح بَيْتَه بالزَّاد نعم، لكنْ ليس لما يفْعله طعم.
إذا بَدَا شَكْلُه للعُيون، فهو أقْبَحُ مِن وَثيقةِ المَدْيون.
رُبَّ رجلٍ يُعْجِب الناسَ وهو صامِت، فإذا نطَق فكلُّ حَاسِدِيه شوامِت.
السكوتُ عن غيرِ الصَّوابِ صواب، وتَرْكُ مماراةِ الجاهلِ جَواب.
لسانُ المرءِ عن عقلِه تَرْجُمان، فمن زَلَّ عقلُه زلَّ لسانُه.
ليس الفضلُ كُله في الجُمود، حتى يلْتبِس الإنسانُ بالجُلْمُود.
إذا صدرَ القولُ عن عربيٍ فلا يضرُّهُ عجْمة ناقل، فما يضُرُّ مَحاسنَ سَحْبان أن تجريَ على لَهْجةِ باقِل.
ما كل زَنْدٍ زَنْدُ أبي لَهَب، ولا كلُّ مَوْزونٍ هو الذهب.
ليس لرَجلٍ حطَّه اللُهُ رافِع، ولا لأمرٍ شاءه في الخَلْقِ دافِع.
تخليصُ المَتاب، ينْفي خُبْثَ العتابَ، وحسنُ الاعتراف، يمْحُو سوء الاقْتراف.
وكتبتُ إلى بعضِ المَوالِي بعد اجْتماعٍ وتَوَدُّد: حضرة المولى، الذي نَرَى شُكْرَه من كلِّ شكرٍ أحَقَّ وأَوْلَى.
مَن ابْيَضَّت بغُرَّةِ إِقْبالِه الأيام، وأخْجَل وَشْيُ براعتِه النجومَ فَتَلفَّعتْ بأرْديةِ الغَمام.
لا زالت الألْطافُ الرَّبانيَّةُ تغْشَى بابَه، والسعادةُ الأبديَّة تملأُ رِحابَه.
ألْثِم بأهْدابِ مُقلتِي مَواطِىءَ أقْدامِه، وأُقَبِّلُ بشَفتيَّ باسِطةَ موارِد خُدَّامِه.
وألُوذُ بسُدَّته لَياذَ المُشْفِق الشَّفُوق، وأعوذُ بأنْوارِ طَلْعتِه مِن ظُلُمات التَّقصير والعُقوق.
فارقْتُه ولي فؤادٌ يُبْغِض الْجَفا كما يُبْغِضُ الناسُ الأعْدا، ويعشَق الوفا كما يعشَق الناسُ الأوِدَّا.
وخاطِرٌ مَمْلوءٌ بالمَحبَّة التي لا تُجاوِرها الغُمَّة، وناظرٌ زهَد عن النَّظِر بعدَه إلى أحدٍ من الأُمَّة.
وفي عُنُقِي من نِعَمِهِ طَوق، مالي بأداءِ شُكرِه طَوْق.
وأنا الآن في عافيَةٍ لا عَيْبَ فيها إلاَّ فقده، ونِعْمةٍ لا وَصْمةَ فيها إلاَّ بُعْدُه.
لكنْ لي من ذِكْرِه مَرآةٌ أرَى وجهَه فيها، وأُطالِع مِن صُورةِ إقْبالِه ما يشْفِي القلوب التي عنده أمانِيها.
وبين ضُلوعِي وَلاءٌ تشْتَكُّ أواصِرُهُ والأنساب مُنْفَصِمة، وتُشْرِق صَفحاتُه وأسِرَّةُ الشمس مظلمة.
فما اسْتفْتحتُ إلاَّ بذِكْرِه، ولا خَتَمْتُ إلاَّ بشُكْرِه.
وما بين ذلك أُجِيبهُ بالدُّعا، وأُباهِي به بين المَلا.
وإني لأذكُر عهدَه، ومُقامِي عندَه.
في ليالٍ نُجيلُ فيها للأُنْسِ قِداحا، ونَتهادَى الأحاديثَ إن لم نَتَهادَ أقْداحا.
حتى تكونَ الألْسِنةُ بوَصْفِها تُغْرَى، وترتشِف دُجاهَا لَمىً وصُبْحَها ثَغْرا.
فأشْتُم حَظِّي في فِراقِه وأَقْذِفُه، وألْوُمُ دهرِيَ الخَؤونَ وأُعنِّفُه.
وقد كان في حُكْمِ ما أوْلانِيه من فضلِه المعروف، وإحْسانِه الذي اسْتوعَب صُنوفَ الصُّنوف، أن يكون في كُلِّ وقتٍ عنده كتاب، ولكنْ على الأيام وعَوادِيها العِتاب.
فلولا ما عَرض، من مُقابلةِ الجوهرِ بالعَرَض، لمَا أَغْفلتُ خِدْمة مولاي مِن رسائلَ أسْتجْلِبُ بها شَرَفا طارِفا، كما اسْتفَدْتُ في الفَوْزِ بخدْمتِه الجليلة مَفْخراً سالِفا.
ولا اسْتحقَّيْتُ سُخْطَه الذي حَرُّه يُذِيب، ودونَه التَّعْذيب، بل النارُ والجحيم، والعذاب الأليم.
وأسألُ الله تعالى أن يَمُنَّ عليَّ برِضاه، حتى يكون سَببَا لإحْرازِ دُعاه.
وفيه الكَوْثَرُ والتَّسْنِيم، والنَّعِيم، المُقِيم.
وليس هو إلاَّ الجَنَّة، لكلِّ نفسٍ به مُطْمئنَّة.
وقلت في غرض اقْتضاه الحال: جَرى القلم، بما فيه أَلَمٌ أَلَمّ.
وذلك أن بَلَوُت شخصاً من الكُتَّاب، باقْتضاءٍ مِن قَضَاءِ مُنزِّلِ الكِتاب.
فخالطتْهُ عن قلب سليم، وفَارقتُه لا عن رضاءٍ وتسْليم.
لمَّا رأيتهُ يزْعُم أن العِشْرة مُحاسبة لا مُناسَبة، ومُوارَبة لا مُقارَبة، ومُلاكمةٌ لا مُكارمة، ومُحامَلةٌ لا مُجامَلة.
فالعطيَّة معه خَطِيَّة، والمنيَّة هَنيَّة.
والعنايةُ جِناية، والسلامةُ مَلامة.
يُباعِد فما يُقارِب، ويُعانِد فما يُراقِب.
تَبَلَّدّ طّبْعُهُ، وتكدَّر نَبْعُهُ.
فخاطرُه ينْبُو، وقلمُه يكْبُو.
فيسْهُو ويُبْطِي، ويسقُط وهو يُخْطي.
بِخَطّ مُنْحَطّ، كأرْجُلِ البَطّ على الشَّطّ.
وأنامِلِ السَّرَطان، إذا مشَى على الحِيطان.
وله قلم، ظُفْرُه لا يُقلَّم.
ويَراع، به الفكر يُراع.
يَخْدِش به القِرْطاس، وينْقُش الأنْقاس، ويأخُذ بالأنْفاس.
وحِزْبُه جماعة، أخَذتْهم حُمَيَّا مَجاعة.
ما فيهم إلا خَبيثُ نَفْس، من قَبِيل البُسْتانُ كلُّه كَرَفْس.
فوُجودُه بينهم فَذْلَكَة، للنَّواِئب الُمْهِلكة.
فيا أبْطأَ من غُراب نُوح، وأخطأ من غَيْمةٍ على بُوح.
ما أغْراك بما يَغُرَّك وأضْراك بما يضُّرُّك.
أتظُنُّ أن ستترَك سُدى، أم لا تُحاسَب غَدَا.
كلاَّ إنَّ حسابَك هَيِّن، وعقابَك مُتَعيِّن.
وقلتُ، من تهنِئةٍ بنُصولٍ من مرض: بلغني شِكايتُك فارْتَعْت، ثم عرفتُ ارْتياحَك فارْتَحت.
فالحمدُ لله الذي جَعَلَ عافيَتَك عاقِبَتَك فيما تشكِّيْت، وسلامتَك التي ألْبَسَتْك من الأجرِ لأَْمَتَك عِوَضاً عما عاينْت وعانَيْتَ.
فشُفِيَتْ منذُ شُفِيتَ الأجسام، وأقبلَتْ نُصْرةُ الشِّفَاء ففَرَّ الهمُّ وتَبِعَتْه الآلام، ولم يَبْقَ بحمد الِله مَريضٌ إلاَّ الجُفونُ السِّقام.
ومن نَظْمِي قولي من مقصورتي الَّنبوية ومُستهلُّها:
دَعِ الهوى فآفةُ العقلِ الهوَىومَن أطاعَه من المجد هَوَى
وفي الغرامِ لَذَّةٌ لو سَلِمْتمن الهَوانِ والمَلامِ والنَّوَى
وأفضلُ النُّفوسِ نفْسٌ رغِبتْعن عَرَضِ الدنيا وفتنةِ الظِّبَا
والعشقُ جهلٌ والغرامُ فتنةٌومَيِّتُ الأحياءِ مُغْرَمُ الدُّمَى
قالوا لنا الغرامُ حِلْيَةُ الحِجَىقُلنا لهم بل حليةُ العِقل التُّقَى
وهل رأيتُم في الورَى أذَلَّ منمُعذَّبٍ تلْهو به أيْدِي الهَوى
أو أحَداً أغْبَنَ من مُتَيَّمٍتقُودُه شَهوتُه إلى الرَّدَى
ولِلْغوانِي فتنةٌ أشدُّ مِنقَتْلِ النفوسِ والفَتَى مَن ارْعَوَى
وما على ساجِي الجُفونِ راقدٍمن دَنِفٍ يَبِيتُ فاقدَ الْكَرَى
ومَن أعَدَّ للشِّتَا كافاتِهفلا تُرِيعُه بُرودَةُ الْهَوا
مَظِنَّةُ الجهلِ الصِّبا وإنمامَفْسدةُ المرءِ الشَّبابُ والغِنَى
والنفسُ ما علِمْتَها فإن تجدْذا عِفَّةٍ فزُهْدُه من الرِّيَا
والناسُ إمَّا ناسِكٌ بجَهْلِهأو عالمٌ مُفَرِّطٌ أو لاَ ولاَ
كأنهم أفيالُ شِطْرَنْجٍ فلايُظاهِر المرءُ أخاه في عَنَا
وإن خَفِيتَ بينهم عَذَرْتَهمفشدَّةُ الظهورِ تُوِرُث الْخَفَا
منها:
وليلةٍ بِتُّ أعُدُّ نَجْمَهاوالدمعُ قاني الصِّبْغ مَحْلولُ الوِكَا
ولم يطُلْ لَيلِي ولكنَّ الجوىيُعِيدُ ليلَ الصيفِ من ليل الشِّتَا
والشوقُ كالليلِ إذا الليلُ دَجَاوالليلُ كالبحرِ إذا البحرُ طَمَا
كأنما المرِّيخُ عَينُ أرْمدٍأو جمرةٌ من تحت فَحْمَةِ الدُّجَى
كأنما السُّها أخو صَبابةٍيكاد يُخْفِيه السَّقامُ والضَّنَى
كأنما سُهَيْلُ راعِي نُعُمٍٍأو فارسٌ يقْدُم جيْشاً للْوغَى
كأنما الجَوزاءُ عِقْدُ جوهرٍأو سُبْحةٌ أو مَبْسِمُ العَذْبِ اللَّمَى
كأنَّ مُنْقَضَّ النُّجُوم شَرَرٌتثِيرُه الرِّياحُ من جَمْرِ الْغَضَا
كأنما السُّحْبُ سُتورٌ رُفِعتْأو مَوجُ بحرٍ أو شَوامِخُ القِلاَ
كأنما الرَّعْدُ زَئيرُ ضَيْغَمٍقد فَقد الشِّبالَ أو صوتُ رَحَى
كأنما البَرْق حُسامُ لاعبٍيُديره في يَدِه كيف يَشَا
كأنما القَطْرُ لآلٍ نُثِرتْعلى بساطِ سُنْدُسٍ يومَ جِلاَ
منها:
كأنما الْهَمَّ غَرِيمٌ مُقْسِمٌأن لا يَغِيبَ لَحْظةً عن الحشَا
كأنما القلبُ مكلَّفٌ بأنيحمِل منه ما تحمَّل الوَرَى
كأنما وَجْهُ البَسِيطِ شُقَّةٌلا تَنْطوِي ولا لحدِّها انتهَا
كأنَّني مُوكَّلٌ بِذَرْعِهامن قِبَلِ الْخِضرِ بأذْرُع الْخُطَا
لا أسْتقرُّ ساعةً بمنزلٍإلا اقْتضَى أمرٌ تجدُّدَ النَّوى
ولا تَراني قطُّ إلاَّ راكباًفي طلب المجدِ وتحْصِيلِ العُلَى
والحُرُّ لا يرضَى الهَوانَ صاحباًوليس دارُ الذُّلِّ مَسْكنَ الفَتَى
والعقلُ في هذا الزمانِ آفةٌوربما يقْتُل أهلَه الذَّكَا
وذو النُّهَى مُعذَّبٌ لأنهيريد أن تَرى الأنامُ ما يَرَى
والناسُ حَمْقَى ما ظفرت بينهمبعاقلٍ في الرأي إن خطبٌ دَهَى
وكلَّما ارْتَقَى العُلَى سَرِيُّهمكَفَّ عن الخيراتِ كَفَّاً وطَوَى
يهْوَى المديحَ عالِماً بنَقْدِهودون نَقْدِه تناوُلُ السُّهَا
وإن طلبْتَ حاجةً وَجدْتَهكمِشْجَبٍ من حيث جِئْتَ فهوْلا
إن أوْعَدُوا فالفعلُ قبلَ قَوْلِهمأو وَعَدُوا فإنهم كالشُّعَرَا
والآن قد رَغِبْتُ عن نَوالِهموتُبْتُ من مَدِيحهم قبلَ الْهِجَا
لا ينْبَغي الشِّعْرُ لذي فضيلةٍكيف وقد سُدَّتْ مذاهبُ الرَّجَا
وخابتِ الآمالُ إلاَّ في الذيحِماهُ مَلْجَأُ العُفاةِ الضُّعَفَا
منها:
يا خيرَ مَن يشْفَع في الحَشْرِ ومَنأفْلَحَ قاصِدٌ لِبابِه الْتَجَا
كُنْ لي شفيعاً يومَ لا مُشَفَّعٌسِواكَ يُنْجي الخائفين مِن لَظَى
قد عظُم الخوفُ لِمَا جَنَيْتُهوالعفوُ عند الأكْرمين يُرْتجَى
وليس لي عذرٌ سوى توكُّلِيعلى الكثيرِ عَفْوُه لمن عَصَى
لولا الذُّنوبُ ضاع فيْضُ جُودِهولم يَبِنْ فضلُك بين الشُّفَعَا
وها كَها خَرِيدةً مقصورةًعلى مَعاليك ومَهْرُها الرِّضَا
إن قُبِلْتَ فيالها من نِعْمةٍوهل يخافُ واردُ البحرِ الظَّمَا
صلَّى عليك ذو الجلالِ كلماصلَّى عليك مُخْلِصٌ وسَلَّمَا
وبَاكَرتْ ذاك الضَّرِيحَ سُحْرةًحَوامِلُ المُزْن يُحثُّها الصَّبَا
ما سُلَّ عَضْبُ الفجرِ من غَمْدِ الدُّجَىوما سَرَى رَكْبُ الحجازِ مُدْلِجَا
وهذه أُرْجوزة في الأمثال:
أحسنُ ما سارتْ به الأمثالُحَمْدُ إلهٍ مالَه مثالُ
فالحمدُ لِله على إسْدائِهِفضلاً يكِلُّ النُّطْقُ عن إحْصائِهِ
ثم الصلاةُ للنبيِّ المُحْتَرمْمَنْبَعِ أسْرارِ العلومِ والحِكَمْ
وآله وصحبِه الكرامِمَن فهِموا مَزِيَّةَ الكلامِ
ما تُلِيتْ مَحاسنُ الألْفاظِفشَنَّفتْ مسامِعَ الحُفَّاظِ
وهذه تَحائفٌ أُهْدِيهامن حِكَمٍ لمن وَعَى أُبْدِيهَا
سَمَّيْتُهَا برَاحةِ الأرْواحِجَالبةِ السرورِ والأفْراحِ
قالتْ لها الأمثالُ حزْتِ السَّبْقَاإذْ أنتِ في حِفْظِ اللبيبِ أبْقَى
إنَّ اللَّبيبَ يعرِف المَزايَاوكم خَبايَا لُحْنَ في الزَّوايَا
ورُبَّ جاهلٍ لقد تعلَّمالا يَأْيَسَنَّ نائمٌ أن يغْنَمَا
من غَنِم الفرصةَ أدْركَ المُنَىما فاز بالكَرْمِ سوى الذي جَنَى
الناسُ إخوانٌ وشَتَّى في الشِّيَموكلُّهم يجمعُهم بَيْتُ الأدَمْ
فالبعضُ منهم كالغذاءِ النافعِوالبعضُ كالسَّمِّ الزُّعافِ الناقِعِ
وهكذا بعضُ الذَّواتِ رُوحُوالبعضُ منها في الحشَا قُروحُ
ورُبَّ شخصٍ حسنٍ في الخَلْقِوهْو أشدُّ من شَجىً في الحَلْقِ
والدهرُ صَرَّافٌ له تصْريفُيرُوج فيه النَّقْدُ والزَّيُوفُ
لذاك ضاعتْ خُلَّصُ الأحراركضَيْعَةِ المصباحِ في النهارِ
تَعادُلُ الفاضلِ وَالمفْضولِعَرَّ فنا الفضلَ من الفُضولِ
والاعْتدالُ في الأمور أعْدَلُوالمَسْلَك الأوسطُ فيها أمْثَلُ
هي المُنَى مَجْلَبَةُ التَّعَنِّيكم عاشقٍٍ أهَّلَه التَّجَنِّي
قد تُحْرَمُ الآمال حيث الرَّغْبهْوتسقُط الطيرُ لأجلِ الحَبَّهْ
المرءُ تَوَّاقٌ إلى ما لم يَنَلْوكلُّ شيءٍ أخْطأَ الأنْفَ جَلَلْ
مَن كان يهْوَى مَنْظَراً بلا خَبَرْفماله أوْفَقُ من عِشَقِ القَمَرْ
مَضى الصِّبا فأين منه الوَطَرُهيْهات هيهات الجَنابُ الأخْضَرُ
مِيعادُ دمعِي ذِكْرُ أيامِ الصِّباوجُلُّ شَجْوِي عند هَبَّةِ الصَّبَا
مضَى نَشاطِي إذْ تولَّى الصَّحْبُما أعْلَمَ الموتَ بمَن أُحِبُّ
صَبْراً على الهمومِ والأحزانِفإنَّ هذا خُلُقُ الزمانِ
ثِقْ بالإله كم له صُنْعٌ حَفِيوهْو إذا حَلَّ البَلاَ لُطْفٌ خَفِي
خُذْ فُرْصةَ الإمْكانِ في إبَّانِهِواسْجُدْ لقِرْدِ السّوءِ في زَمانِهِ
إن فاتَكَ الغَدِيرُ فاقصِدِ الوَشَلْيرْضَى بِعِقْدِ الأسْرِ من أوْفى الثَّلَلْ
حَدُّ العفافِ القَنعُ بالكَفافِما ضاق عيْشٌ والإلهُ كافِي
مَن لم تكن أنتَ له نَسِيبَافلا تُؤمِّلْ عنده نَصِيبَا
والناسُ إن سألْتَهم فَضْلَ القُرَبْحاوَلْتَ أن تجْنِي من الشَّوكِ العِنَبْ
هذا زمانُ الشُّحِّ والإقْتارِمضَى زمانُ الجُودِ والإيثارِ
من كلَّف النفوسَ ضِدَّ طَبْعِهَاأعْيَى بما لا يُرْتجَى مِن نَفْعِهَا
وإنَّ مَن خَصَّ لئيماً بنَدَىكان كمن رَبَّى لِحَتْفٍ أسَدَا
قد يبلُغون رُتَبَاً في الدنيالكنَّهم لا يبلُغون العَلْيَا
إنَّ المعالِي صَعْبةُ المَراقِيمِن دُونها الأرواحُ في التَّراقِي
لا تسْتوِي في الرَّاحةِ الأناملُورُبَّ مَأْمولٍ عَلاهُ الآمِلُ
قد تُورِدُ الأقْدارُ ثم تُصْدِرُوتُدْبِرُ الأقمارُ ثم تُبْدِرُ
بالجُودِ يَرْقَى المرءُ مَرْقَى الحمدِإن السَّخاء سُلَّمٌ للمَجْدِ
وعَوِّذِ النَّعْما من الزَّوالِبكَثْرةِ الإحسانِ والنَّوالِ
يضُوع عَرْفُ العُرْفِ عند الحُرِّوإنه يَضِيع عند الغِمْرِ
وإنما المعروفُ والصَّنِيعهْتُعْرَف عند أهلِها وَدْيعهْ
الرأيُ كلّ الرَّأْيِ في تَرْكِ الكُلَفْفقد مضَى عليه ساداتُ السَّلَفْ
ومن تغُرُّ عَقْلَه السَّلامهْتخدمُه ألْسِنةُ النَّدامَهْ
من لزِم السِّلْمَ من الحرب سَلِمْومَن أبَى إلاَّ هوَى النفسِ نَدِمْ
يأْرَجُ بالنَّسِيم عَرْفُ الرَّنْدِوالقَدْحُ أصلٌ في ثُقوبِ الزَّنْدِ
لكلِّ قلبٍ في طِلابِه هوَىوقِسْ عليه الدَّاء يحْتاجُ الدَّوَا
مَن طلَب الدُّرَّ بقَعْرِ البحرِلم يَخْلُ مِن شُرْبِ الأجاجِ المُرِّ
دَعْ في الأمورِ الحَدْسَ والظُّنونَالابُدَّ للمقْدورِ أن يكونَا
ما قِيمةُ الآمالِ للقُصَّادِوالموتُ للإنسانِ بالمِرْصادِ
إذا بَقِي من الجَدَى ما قانَكْفلا تكُنْ تَأْسَى على ما فاتَكْ
ربَّ اجْتهادٍ دونه الجِهادُفي راحةٍ مَن لا له مُرادُ
ما ينْفعُ التَّدْبيرُ والتَّقديرُينْبِضُ قَوْسُه ولا تَوْتِيرُ
قَراقِعٌ ما تحْتهُنَّ طائِلُإلاَّ مِحَاقُ العُمْرِ والغَوائِلُ
قد ذهبتْ مَكارمُ الأخلاقِإلاَّ من الأمثالِ والأوْراقِ
تغيَّر الإخوانُ واخْتلَّ الزَّمَنْفلا صديقَ غيرُ صِحَّةِ البَدَنْ
لا تكْتُمنَّ دَاءَك الطَّبِيبَاولا الصديقَ سِرَّك المَحْجوبَا
هذا إذا كانَا عسى وعَلَّماوما أظنُّ الدهرَ يسْخو بِهِمَا
كفى عن المَخْبَرِ مَنْظَرٌ أطَلّفي حُمْرةِ الخَدِّ غِناً عن الخَجَلْ
مَنْظَرُ كلِّ ماجدٍ مِعْيارُهُإنَّ الجوادَ عَيْنُه فُرَارُهُ
مَن سابَق الجَوادَ بالحِمارِجَنَتْ يداه ثمرَ العِثارِ
قد تُسعِف الأقدارُ بالسُّعودِفتُلْحِق المَحْدُودَ بالمَجْدُودِ
كم قد نصَبْتُ للأماني مَرْمَىمُفَوِّقاً منِّي إليه سَهْمَا
فلم يكُن لي عنده نَصِيبُما كلُّ رامِي غَرَضٍ يُصِيبُ
والسَّعْدُ إنْ ما كان حيناً أبْطَافلا تقُلْ بأنه قد أخْطَا
إذْ ربما قد عَوَّقتْه الأقْدارُوكلُّ شيءٍ عنده مِقْدارُ
في يَدكِ الحُزْنُ متى تشاءُفاغْنَمْ سُروراً تَرْكُه عَناءُ
ما كلُّ وقتٍ مُسْعِفٌ بما يُحبّفإن يكُن دَرَّتْ لَبُونٌ فاحْتَلِبْ
مَن يطلُبِ الخَلاصَ نالَه الأسَىوفي خُطوبِ الناسِ للناسِ أُسَى
حُبُّ الثَّنا طبيعةُ الإنسانِوالشكرُ مَوْقوفٌ على الإحسانِ
الجُودُ بالمَوجُودِ عُنْوانُ الشَّرفْومَن أضافَ لم يُبالِ بالسَّرَفْ
من يتلقَّى الجُودَ بالجُحودِعَرَّض نُعْماهُ إلى الشُّرودِ
لِلْوِدِّ عَقْدُ ذِمَّةٍ لا تُهْمَلُوللرَّجاء حُرْمَةٌ لا تُجْهَلُ
سَالِفُ ما كان من الحُرُماتِيسْتوجِبُ العَفْوَ عن الزَّلاَّت
بالفَحْصِ عن خَواطِر الأحِبَّهْيُنْسَجُ بُرْدُ الوُدِّ والمَحَبَّهْ
إنَّ الرَّقيب يمنعُ التَّراضِيكالخَصْمِ قد يرضَى ويأْبَى القاضِي
حتى متى أصْبُو ورأسِي شُمْطُأحسَبُ أن الموتَ باسْمِي يغْلَطُ
ليس على فَقْدِ الحياةِ من نَدَمْقد اسْتَوى الوُجودُ فيها والعَدَمْ
كلُّ نَعِيم فإلى فَناءِوكلُّ عَيْشٍ فإلى انْقِضَاءِ
عليك يا هذا الفتى بالتَّوْبَةِفانْجُ بها قبلَ انْتهاءِ النَّوْبَةِ
ومن نَفَثاتِي قَوْلِي:
للقلب ما شاء الغَرامْوالجسم حِصَّتُه السَّقامْ
وإذا اخْتبرْتَ وَجَدْتَ مِحْنةَ مَن يُحِبُّ هِيَ الحِمامْ
عجَباً لقلبي لا يَمَلُّجَوًى ويُؤْلِمه المَلامْ
وأبِيك هذِي شِيمتِيمن مُنذ أدْركنِي الفِطامْ
إنِّي أغار على الهوَىمن أن تُؤمِّلَه الأنامْ
وأرُومُ من حَدَقِ الظِّبانَظَراً به حَتْفِي يُرامْ
أفْدِي الذي منه يَغارُ إذا بَدَا البدرُ التَّمامْ
فَعَلتْ بنا أحْداقُهما ليس تفعلُه المُدامْ
إن شَطَّ عنك خيالُهفعلى حُشاشتِك السلامْ
أأُخَيَّ مَن يَكُ عاشقاًفعلى مَ يجْفُوه المَرامْ
إنِّي بُليتُ بمَحْنةٍهانتْ بها النُّوَبُ العِظامْ
حتى لقد عَمِيَتْ عليَّمَسالِكي ودَجَا الْقَتامْ
صاحبْتُ ذُلِّي بعد أنْقد كان تفخرُ بي الكِرامْ
والمرءُ يصعُب جُهْدُهويُلِين صَعْدَتَه الصِّرامْ
لا تتْهمنَّ تَذلُّليفالتِّبْرُ مَعْدِنُه الرَّغامْ
وإذا جَفانِي مَن هَوِيتُ صبَرتُ حتى لا أُضامْ
فعُبوسُ أرْديةِ الْحيَاعُقْباه للرَّوضِ ابْتسامْ
ولئِنْ وَهَتْ لي عَزْمَةٌفلربَّما صَدَِي الحُسامْ
فعسَى الذي أبْلَى يُعِينُ وينقضِي هذا الخِصَامْ
وقولي:
بأبِي وإن كان الأبِيَّ صَمَيْدَحَاخُلِقتْ يَداهُ للشجاعةِ والنَّدَى
ملَكٌ كريمٌ كالنسيمِ لَطافةًفإذا دَجَا خَطْبٌ قَسَا وتمرَّدّا
راجعْتُه في أزْمةٍ فكأنماجَرَّدْتُ منه على الزَّمانِ مُهَنَّدَا
كالبحرِ يُنْعِم بالجواهرِ ساكناًكَرَما ًويأْتِي بالعجائب مُزْبِدَا
والْهَامُ تسجُد خَشْيةً من سيفِهلمَّا أبَتْ أرْبابُها أن تسجُدَا
لا تعجبوا إن لم يَسِلْ منهم دَمٌفالخوفُ قد أفنَى النفوسَ وجَمَّدَا
وقولي:
مُذْ قَعْقَعتْ عُمُدٌ لِلْحَيِّ وانْتَجَعَتْكِرامُ قُطَّانِه لم ألْقَ مِن سَنَدِ
مضى الأُلَى كنتُ أخْشَى أن يُلِمَّ بهمرَيْبُ الزمانِ فلا أخْشَى على أَحَدِ
فأفْرَخ الرَّوعُ أن شَالَتْ نَعامتُهموأفْسَد الدهرُ منهم بَيْضةَ البَلَدَ
ومن المُقَطَّعات قولي:
وشَادِنٍ قَيْدُ العقولِ وَجْهُهُوصُدْغُه سِلْسلةُ الآراءِ
شَامَتُه حَبَّةُ قلبٍ مذ بَدَتْجَنَتْ بها الأحشاء بالسَّوْداءِ
وقولي:
لا بِدْعَ أن شاعَ في البَرايَاتهتُّكِي في الرَّشَا الرَّبيبِ
عِشْقِي عجيبٌ فكيف يخْفَىوحُسْنُه أعْجَبُ العجيبِ
وقولي:
بِي مَن إن عايَنَتْهُ مُقْلَتِييَنْمَحِي جسمي ويفْنَى طَرَبَا
أيُّ شيءٍ رَاعَهُ حتى انْثَنىهارباً منِّي ووَلَّى مُغْضَبَا
وقولي مُعمِّياً باسم أحمد:
وَارَحْتما لِمُعذَّبٍ قَلِقِ الحشَابهُمومِه قد بان عنه شبابُهُ
دَمُ قلبِه ما سَاقطتْهُ جفونُهيومَ النَّوَى لمَّا نأتْ أحبابُهُ
وقولي:
وليس سقوطُ الثُّريَّا إلىنِداءِ المَوالِي من المُنْكَراتِ
فإن الشمُوسَ إذا أسْفَرتْفلا حَظَّ للأنْجُمِ النَّيِّراتِ
وقولي من الرُّباعَيّ:
قد قلتُ لِسِحْرِ طَرْفهِ إذْ نَفَثَامن شاهدٍ إذا في أهلِه مَا لَبِثَا
إذ يكْسِر جَفْنَيْه لكي يَعْبَثَ بيسُبْحانَك ما خلقْتَ هذا عَبَثَا
وقولي:
للهِ صَبٌّ مدْحُ مَعْشوقِهِدَِيْدنُه مُتَّبِعٌ نَهْجَهْ
يفْرح إن وَافاهُ في مَحْفَلٍكَمُذْنِبٍ قامتْ له حُجَّهْ
وقولي في دَعوة ماجد:
بَيْتِي وكلِّي مِلْكُ مَن يَدُهفوق الأيادي دَأْبُها المِنَحُ
فإذا انْتدَبْتُ لأمرِ دَعْوَتِهِقالوا طُفَيْلِيٌّ ويقْتَرِحُ
وقولي:
قد جئتُ دارَك زائراً بَهِجاًيا مَن به قد أشْرق النادِي
رِجْلِي إليك مَطِيَّتِي ولهاقلبِي دليلٌ والثَّنا حَادِي
وقولي:
للرَّوضِ رُواً طَلْقُ المُحَيَّا نَضِرُلو تَمَّ بكم كما رَجوْنَا وَطَرُ
فالوردُ إلى الطريقِ أصْغَى أُذُناًوالنَّرْجِسُ عَيْنُه غَدَتْ تنْتظِرُ
وقولي:
مضى الأُلَى برائِقِ اِلشِّعْرِ وماأبْقَوا لنا في كأْسِنَا إلاَّ العَكِرْ
تمتَّعُوا بحَشْوِ لَوْزِينَجِهمْوقد حُرِمْنَا نحن مِن حَشْوِ الأُكَرْ
وقولي:
وظَبْيٍ أُفكِّر في تِيهِهِفلا يحْظُر الوصلُ في خاطِرِي
حَبانِي مُجَرَّدَ وَعْدٍ لهكَلَيْلِي عليه بلا آخِرِ
وقولي:
إذا النسيمُ جَرَّرَ ذَيْلَه علَىساحةِ رَوضٍ فُتِّحتْ أزْهارُهُ
فنَشْرهُ مِن الثَّناءِ نَفْحةٌيُثْنِى على المُزْنِ بها نُوَّارُهُ
وقولي:
جاء الربيعُ الطَّلْقُ فانْهَضْ مُحْرِزاًصَفْوَ نَعِيمٍ حَقُّه أن يُحْرَزَا
وانْظُرْ بِساطاً من نَسِيجِ نَبْتِهِمُنَبَّتَاً بوَشْيهِ مُطَرَّزَا
وقولي:
إن يكنْ قَطَّر من رِيِقِهماءَ َوْردٍ لحياةِ الأنْفُسِ
فلقد أبْدَى لنا من وَجْهِهِعَرَقُ الْفِتْنةِ عِطْرَ النَّفَسِ
عطرُ الفتنة: من العِطْرِيَّات المَجْلوبات من الهند.
وقولي:
وشادِنٍ أزْهَى من الطَّاوُوسفي عِشْقِه مَنِيَّةُ النُّفُوسِ
أبْدَى لنا مِن الثَّنايا فَمُهسِيناً عسى تكون للتَّنْفيسِ
وقولي:
ألا لا تَخْشَ من صَفْعٍولا يأخُذْكَ إيحاشُ
تَنَلْ شَاشاً بِعشْرتِنافشَاشٌ قَلْبُه شَاشُ
وقولي:
كم حِيلةٍ أعْمَلْتُها فلم تُفِدْلكنْ دَعَتْنِي للهُدُوِّ والرِّضَا
إذا مَطايا العَزْمِ أَخْلَتْ بُرْهةًسَلِّمْ زِمامَها إلى يَدِ الْقَضَا
وقولي:
كانت بِقَلْبِي غُلَّةٌحَرَّاءُ للرَّشاء المُمَنَّعْ
حتى دَنَوتُ لثَغْرِهفرَشفْتُه والرَّشْفُ أنْقَعْ
الرَّشْفُ أنْقع: مثلٌ، أي أن الشَّراب الذي يُرْتَشَف قليلا قليلا أقْطَعُ للعَطَش وأنْجع، وإن كان فيه بُطْءٌ.
وقولي:
مِن صَفْوةِ الخَلْقِِ مَلِيحٌ وَجْهُهجامِعُ حُسْنٍ مُتْقَنُ الصِّناعَهْ
قد خُطَّ مِحْرابان في قِبْلَتِهِلمَّا اقْتضَتْه كثرةُ الجماعَهْ
وقولي:
في الرَّوضِ جَرَى زُلالُ ماءٍعن أحْسَنِ مَنْظَرٍ يَشِفُّ
أحْداقُ لُجَينِهِ عليهاأهْدابُ زَبَرْجَدٍ تَرِفُّ
وقولي:
مَن كان مَذْكوراً بعِشْقِ الظِّبابلا خلافٍ للنُّهَى حَالَفَا
ومن يكُنْ خالَف في أمْرِهفَغَيْرُ مذكورٍ وإن خَاَلفَا
وقولي:
كم شِدَّةٍ حَملْتُ ثِقْلَ خُطوبهاليستْ لِمَحْمِلِها الجبالُ تُطِيقُ
ما كنتُ أضْبِطُ للزَّمان نَوائِباًأيَعُدُّ أمْواجَ البحارِ غريقُ
وقولي:
وإذا قصدتُ حِماكَ يدْعونِي إلىسَاحاتِ نائِلِه النعيمُ المُخْضَلُ
أمْشي بقلْبِي لا برِجْلِي إنَّماتمشِي بحيثُ هَوَى القلوبِ الأرْجُلُ
وقولي في تهْنئةٍ بدارٍ لماجد:
مَولايَ يَهْنِيك ما أثَّرْت من أثَرٍأعْطاك ربُّك فيه غايةَ الأمَلِ
بَنَيْتَ دُنْياك في دارٍ جمعتَ بهاكلَّ الخلائِق من عَلْياكَ في رَجُلِ
وقولي:
وكم ليَ من رَوضِ فَضْلٍ لقدْتَفيَّأتُ فيه ظِلالَ الكَرَمْ
تَعرَّفتُه بِثَناءِ النَّدَىوعَرِّفْتُه بنسيمِ النِّعَمْ
نسيم النِّعَم: هو الشكرُ. وهو من مُبْتدَعات البُحْتُريّ، وكان الصاحبُ يسْتحسِنُه.
وقولي:
غَنِيتُ وقد شاهدتُ أحسنَ مَنْظَرٍمن الرَّوضِ عمَّا يصْطفِيه جِنانُ
فأزْهَارُه وَشْيٌ وسَلْسَلُ مائِهسُلافُ كُؤوسٍ والطيورُ قِيانُ
وقولي:
ثقِيلُ رُوحٍ أنْكَرُوا وَطْأَهُنَرْجِسَ رَوضٍ حُفَّ بالسَّوْسَنِ
فقلتُ غُضُّوا الطَّرْفَ عن وَضْعِهِفإنَّه يَمْشِي على الأعْيُنِ
وقولي:
شِعْرِي إذا أبْدَيْتُه لعِصابةٍتَلْقاهُم لنَشِيدِه لا يُحْسِنُوا
كالعِطْرِ تجلِبُه لأنْطاكِيَّةٍفَتَراهُ يفسُد رِيحُه بل يُنْتِنُ
ذكر هذا الثَّعالِبيُّ، في الباب السادس والأربعين، من ثمرات القلوب، عند ذكر نِعْمة المدينة، ونَصُّ عبارته نَقْلاً عن الجاحظ: " ورأيتُ بلدةً يسْتحيل فيها العِطْر ويفْسُد، وتفسُد رائحتُه، كقَصَبة الأهْواز وأنْطاكِيَة ".
وقولي:
أنْعِمْ صَباحاً في ظِلالِ رَوضةٍتدعُو إلى النَّشْوةِ حُسْناً وبَهَا
لمَّا غَفَا فيها النَّباتُ سُحْرَةًدَغْدَغَهُ نَسِيمُها فانْتَبَها
وقولي:
أهْوَى تَباعُدَه والفكرُ يُدْنِيهِضِدَّانِ ما جُمِعا إلاَّ لِتَمْويهِ
فما تُقرِّبُه منِّي مَحاسِنُهولا تُبَعِّدُه عنِّي مَساوِيهِ
وقولي:
نَفَرٌ في الدِّين مُذ عَبَثُوابَعُدُوا عن خَيرِهِ الزَّاهِي
فهُمُ ما بين أظْهُرِنافَضَضٌ مِن لَعْنةِ اللهِ
رُوِيَ عن عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، أنها قالت لمروان: " أنتَ فَضَضٌ مِن لَعْنةِ الله ".
وقولي:
أرى جسمِي تَحُطُّ به البَلايَاوما شارَفْتُ مُعْتَركَ المَنايَا
فإنْ أبْقانِيَ المَولَى فأرجُوبَقَايا منه في عُمْرِي نَقايَا
مُعْترَكُ المَنايا: هو ما بين السِّتِّين إلى السَّبعين، مِن سِنِي أعْمارِ الناس، لأن النبيَّ ﷺ، قال: " أكْثَرُ أعْمَارِ أمتي ما بين السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ ".
ومن مفرداتي:
ما كلُّ دارٍ آنسَتْ دارُ الحِمَىأو كلُّ بيضاءِ الطُّلى أسْماءُ
وقولي:
ولي ألْفُ وَجْهٍ في مُخالَطةِ الورَىولكنْ بلا قلبٍ إلى أين أذْهَبُ
وقولي:
وليس عجيباً ما بجسمِي من الضَّنَىولكن حياتي يا ابْنةَ القومِ أعْجَبُ
وقولي:
إن الكرامَ إذا اخْتشَوْا نَدَّ العُلَىجَعَلُوا لها سِمْطَ القَرِيضِ قُيودَا
وقولي:
وما الدهرُ من أصلِه فاسدٌولكنْ فسادُ الورَى أفْسَدَهْ
وقولي:
قل للذي هَمُّهُ الفَخارُمن دون ذا ينْفَق الحمارُ
وقولي:
إذا تَناءتْ قلوبٌلا كان قربُ ديارِ
وقولي:
ما خُصَّ ذو الجهلِ الدَّنِيِّ برُتْبةٍإلاَّ كما خُصَّ الخِتامُ بخِنْصَرِ
وقولي:
نعيمُ المرءِ ثوبٌ مُسْتعارُوفي الماضي لمن يبْقَى اعْتبارُ
وقولي:
مَن رام مِن حُسَّادِهِ نُصْرَةًكان كمَن في النارِ يُطْفِي الأُوَارْ
وقولي:
مَحْصولُ وُدِّك في رِضاك مُحَصَّلٌشَرْحُ القصائدِ في الوُجوهِ مُلَخَّصُ
وقولي:
غُصَصُ الحياةِ كثيرةٌ ولقدتُنْسِي الحوادثُ بعضُها بَعْضاَ
وقولي:
إن زاحَمتْك نوائبٌزَاحِمْ بِعَوْدٍ أو دَعِ
وقولي:
عَيْنٌ أصابتْ شَمْلَنا لا رأَتْشَمْلاً على طُولِ المَدامِعِ يُجْمَعُ
وقولي:
كلامُه في وعيدِي ليس يجْرحُنِيإن الوعيدَ سلاحُ العاجِز الحمِقِِ
وقولي:
لك الوُدُّ والإخلاصُ من قلبِ صادقٍوأبعَدُ ما حاولْتَ قلبُ الحقائقِِ
وقولي:
صدَقُوا ولكن لستُ ممن يقْبلُليس المُخاطَبُ في الورَى مَن يعْقِلُ
وقولي:
ومَن لم يشكرِ النَّعْماءَ يوماًوأنْكَرها فقد رَضِيَ الزَّوالاَ
وقولي:
ولا خيرَ فيمن غَيَّرَ البُعْدُ قلبَهولا في وِدادٍ غَيَّرتْه العَوامِلُ
وقولي:
لا شيءَ أجْرَى لدموعِ عاشقٍٍمن فُرْقةِ الأحبابِ والمَنازلِ
وقولي:
مَطلتْنِي ثم أدَّعيْتَ السَّخاوالمَطْلُ مولودٌ من البُخْلِ
وقولي:
أنا والمَنِيَّةُ في وَجَلْمِن سِحْرِ هاتيك المُقَلْ
وقولي:
إذا لم أذُقْ غَيْرَ هَجْرِ الظِّبافمِن أين أعرفُ طَعْمَ الوِصالْ
وقولي:
كنتُ مُسْتأنِساً إلى كلِّ شخصٍفأنا الآن نافِرٌ من خَيالِي
وقولي:
بين اللَّواحِظِ والمُتونِ ذِمامُسَبَبٌ لأن تَفْنَى به الأجْسامُ
وقولي:
كلُّ نارٍ غيرَ نارِ الْعشْقِِ بَرْدٌ وسَلامْ
وقولي:
الشيءُ يَظْهَر في الوجودِ بضدِّهِلولا الضرورةُ ما اسْتبانَ المُنْعِمُ
وقولي:
تكتُّمُ المُغْرَمِ لا يُمْكِنُوسَلْوةُ العاشقِ لا تَحْسُنُ
وقولي:
ما كلُّ ما تحْذرُ بالكائِنِقد ينْزِلُ المكروهُ بالآمِنِ
وقولي:
لا عذَّب اللُهُ مُتَيَّماً بمالَقِيتُه مِن كثْرةِ التَّجَنِّي
وقولي:
إن الرجالَ لهم وسائلُ للمُنَىووَسِيلتِي حُبُّ النبيِّ وآلِهِ
وقولي:
إن تكنْ صُحْبتِي تنفَيْتَ عنهاأيَّ أُحْدوثَةٍ تُحِبُّ فكُنْهَا
وقولي:
بالصبر يَرْقَى المرءُ أوْجَ العُلَىإن التَّأنِّي دَرَجٌ للرَّقَا
وهنا جَفَّ القلَم، وقد أدَّى ما عليه فلم يُلَم.
وقد رأيتُ أن أختم الكتاب بهذين البيْتَيْن، وأنا مُسْتشْفِعٌ في إصْلاحِ أحْوالي بصاحبِ القِبْلَتَيْن.
وهما:
لئِنْ ضاقتْ بيَ الأيامُ ذَرْعاً
خَلَصْتُ من الأماني في حياتي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع