أحسنُ ما سارتْ به الأمثالُ

الشاعر: المحبي · البحر: الرجز · الغرض: قصيدة دينية

هذه القصيدة من شعر المحبي، من العصر العثماني، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الرجز، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة دينية.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أحسنُ ما سارتْ به الأمثالُ ... حَـــــمْـــــدُ إلهٍ مـــــالَه مـــــثــــالُ

فــــالحمدُ لِله على إسْدائِهِ ... فضلاً يكِلُّ النُّطْقُ عن إحْصائِهِ

ثم الصلاةُ للنبيِّ المُحْتَرمْ ... مَنْبَعِ أسْرارِ العلومِ والحِكَمْ

وآله وصــــــــحــــــــبِه الكــــــــرامِ ... مَن فهِموا مَزِيَّةَ الكلامِ

ما تُلِيتْ مَحاسنُ الألْفاظِ ... فشَنَّفتْ مسامِعَ الحُفَّاظِ

وهــــذه تَــــحــــائفٌ أُهْــــدِيــــهــــا ... من حِكَمٍ لمن وَعَى أُبْدِيهَا

سَــــمَّيــــْتُهَــــا برَاحةِ الأرْواحِ ... جَــــالبــــةِ الســــرورِ والأفْــــراحِ

قالتْ لها الأمثالُ حزْتِ السَّبْقَا ... إذْ أنتِ في حِفْظِ اللبيبِ أبْقَى

إنَّ اللَّبيبَ يعرِف المَزايَا ... وكم خَبايَا لُحْنَ في الزَّوايَا

ورُبَّ جــــاهــــلٍ لقــــد تــــعلَّما ... لا يَأْيَسَنَّ نائمٌ أن يغْنَمَا

من غَنِم الفرصةَ أدْركَ المُنَى ... ما فاز بالكَرْمِ سوى الذي جَنَى

الناسُ إخوانٌ وشَتَّى في الشِّيَم ... وكلُّهم يجمعُهم بَيْتُ الأدَمْ

فالبعضُ منهم كالغذاءِ النافعِ ... والبعضُ كالسَّمِّ الزُّعافِ الناقِعِ

وهـــــكـــــذا بــــعــــضُ الذَّواتِ رُوحُ ... والبعضُ منها في الحشَا قُروحُ

ورُبَّ شخصٍ حسنٍ في الخَلْقِ ... وهْو أشدُّ من شَجىً في الحَلْقِ

والدهــــرُ صَــــرَّافٌ له تــــصْريفُ ... يرُوج فيه النَّقْدُ والزَّيُوفُ

لذاك ضــــاعــــتْ خُــــلَّصُ الأحــــرار ... كضَيْعَةِ المصباحِ في النهارِ

تَعادُلُ الفاضلِ وَالمفْضولِ ... عَرَّ فنا الفضلَ من الفُضولِ

والاعْتدالُ في الأمور أعْدَلُ ... والمَسْلَك الأوسطُ فيها أمْثَلُ

هي المُنَى مَجْلَبَةُ التَّعَنِّي ... كــــم عــــاشــــقٍٍ أهَّلــــَه التَّجــــَنِّي

قد تُحْرَمُ الآمال حيث الرَّغْبهْ ... وتسقُط الطيرُ لأجلِ الحَبَّهْ

المرءُ تَوَّاقٌ إلى ما لم يَنَلْ ... وكلُّ شيءٍ أخْطأَ الأنْفَ جَلَلْ

مَن كان يهْوَى مَنْظَراً بلا خَبَرْ ... فماله أوْفَقُ من عِشَقِ القَمَرْ

مَضى الصِّبا فأين منه الوَطَرُ ... هيْهات هيهات الجَنابُ الأخْضَرُ

مِيعادُ دمعِي ذِكْرُ أيامِ الصِّبا ... وجُلُّ شَجْوِي عند هَبَّةِ الصَّبَا

مضَى نَشاطِي إذْ تولَّى الصَّحْبُ ... ما أعْلَمَ الموتَ بمَن أُحِبُّ

صَبْراً على الهمومِ والأحزانِ ... فــــــإنَّ هــــــذا خُـــــلُقُ الزمـــــانِ

ثِقْ بالإله كم له صُنْعٌ حَفِي ... وهْو إذا حَلَّ البَلاَ لُطْفٌ خَفِي

خُذْ فُرْصةَ الإمْكانِ في إبَّانِهِ ... واسْجُدْ لقِرْدِ السّوءِ في زَمانِهِ

إن فاتَكَ الغَدِيرُ فاقصِدِ الوَشَلْ ... يرْضَى بِعِقْدِ الأسْرِ من أوْفى الثَّلَلْ

حَدُّ العفافِ القَنعُ بالكَفافِ ... ما ضاق عيْشٌ والإلهُ كافِي

مَن لم تكن أنتَ له نَسِيبَا ... فلا تُؤمِّلْ عنده نَصِيبَا

والناسُ إن سألْتَهم فَضْلَ القُرَبْ ... حاوَلْتَ أن تجْنِي من الشَّوكِ العِنَبْ

هذا زمانُ الشُّحِّ والإقْتارِ ... مضَى زمانُ الجُودِ والإيثارِ

من كلَّف النفوسَ ضِدَّ طَبْعِهَا ... أعْيَى بما لا يُرْتجَى مِن نَفْعِهَا

وإنَّ مَن خَصَّ لئيماً بنَدَى ... كان كمن رَبَّى لِحَتْفٍ أسَدَا

قد يبلُغون رُتَبَاً في الدنيا ... لكنَّهم لا يبلُغون العَلْيَا

إنَّ المعالِي صَعْبةُ المَراقِي ... مِن دُونها الأرواحُ في التَّراقِي

لا تسْتوِي في الرَّاحةِ الأناملُ ... ورُبَّ مَـــــأْمـــــولٍ عَــــلاهُ الآمِــــلُ

قد تُورِدُ الأقْدارُ ثم تُصْدِرُ ... وتُدْبِرُ الأقمارُ ثم تُبْدِرُ

بالجُودِ يَرْقَى المرءُ مَرْقَى الحمدِ ... إن السَّخـــــاء سُـــــلَّمٌ للمَـــــجْـــــدِ

وعَــــوِّذِ النَّعــــْمــــا مــــن الزَّوالِ ... بــــكَثْرةِ الإحسانِ والنَّوالِ

يضُوع عَرْفُ العُرْفِ عند الحُرِّ ... وإنه يَضِيع عند الغِمْرِ

وإنما المعروفُ والصَّنِيعهْ ... تُعْرَف عند أهلِها وَدْيعهْ

الرأيُ كلّ الرَّأْيِ في تَرْكِ الكُلَفْ ... فقد مضَى عليه ساداتُ السَّلَفْ

ومن تغُرُّ عَقْلَه السَّلامهْ ... تـــــخـــــدمُه ألْسِـــــنـــــةُ النَّدامَهْ

من لزِم السِّلْمَ من الحرب سَلِمْ ... ومَن أبَى إلاَّ هوَى النفسِ نَدِمْ

يأْرَجُ بالنَّسِيم عَرْفُ الرَّنْدِ ... والقَدْحُ أصلٌ في ثُقوبِ الزَّنْدِ

لكــــلِّ قــــلبٍ فــــي طِلابِه هوَى ... وقِسْ عليه الدَّاء يحْتاجُ الدَّوَا

مَن طلَب الدُّرَّ بقَعْرِ البحرِ ... لم يَخْلُ مِن شُرْبِ الأجاجِ المُرِّ

دَعْ في الأمورِ الحَدْسَ والظُّنونَا ... لابُدَّ للمقْدورِ أن يكونَا

ما قِيمةُ الآمالِ للقُصَّادِ ... والموتُ للإنسانِ بالمِرْصادِ

إذا بَقِي من الجَدَى ما قانَكْ ... فلا تكُنْ تَأْسَى على ما فاتَكْ

ربَّ اجْــــتهادٍ دونه الجِهادُ ... فــــي راحــــةٍ مَــــن لا له مُــــرادُ

ما ينْفعُ التَّدْبيرُ والتَّقديرُ ... ينْبِضُ قَوْسُه ولا تَوْتِيرُ

قَراقِعٌ ما تحْتهُنَّ طائِلُ ... إلاَّ مِحَاقُ العُمْرِ والغَوائِلُ

قد ذهبتْ مَكارمُ الأخلاقِ ... إلاَّ مــــن الأمــــثــــالِ والأوْراقِ

تغيَّر الإخوانُ واخْتلَّ الزَّمَنْ ... فلا صديقَ غيرُ صِحَّةِ البَدَنْ

لا تكْتُمنَّ دَاءَك الطَّبِيبَا ... ولا الصديقَ سِرَّك المَحْجوبَا

هذا إذا كانَا عسى وعَلَّما ... وما أظنُّ الدهرَ يسْخو بِهِمَا

كفى عن المَخْبَرِ مَنْظَرٌ أطَلّ ... في حُمْرةِ الخَدِّ غِناً عن الخَجَلْ

مَنْظَرُ كلِّ ماجدٍ مِعْيارُهُ ... إنَّ الجـــــوادَ عَـــــيْــــنُه فُــــرَارُهُ

مَن سابَق الجَوادَ بالحِمارِ ... جَنَتْ يداه ثمرَ العِثارِ

قد تُسعِف الأقدارُ بالسُّعودِ ... فتُلْحِق المَحْدُودَ بالمَجْدُودِ

كم قد نصَبْتُ للأماني مَرْمَى ... مُفَوِّقاً منِّيــ إليه سَهْمَا

فلم يكُن لي عنده نَصِيبُ ... ما كلُّ رامِي غَرَضٍ يُصِيبُ

والسَّعْدُ إنْ ما كان حيناً أبْطَا ... فلا تقُلْ بأنه قد أخْطَا

إذْ ربما قد عَوَّقتْه الأقْدارُ ... وكــــلُّ شيءٍ عنده مِقْدارُ

في يَدكِ الحُزْنُ متى تشاءُ ... فاغْنَمْ سُروراً تَرْكُه عَناءُ

ما كلُّ وقتٍ مُسْعِفٌ بما يُحبّ ... فإن يكُن دَرَّتْ لَبُونٌ فاحْتَلِبْ

مَن يطلُبِ الخَلاصَ نالَه الأسَى ... وفي خُطوبِ الناسِ للناسِ أُسَى

حُبُّ الثَّنا طبيعةُ الإنسانِ ... والشكرُ مَوْقوفٌ على الإحسانِ

الجُودُ بالمَوجُودِ عُنْوانُ الشَّرفْ ... ومَن أضافَ لم يُبالِ بالسَّرَفْ

من يتلقَّى الجُودَ بالجُحودِ ... عَـــــرَّض نُـــــعْــــمــــاهُ إلى الشُّرودِ

لِلْوِدِّ عَــــقْــــدُ ذِمَّةــــٍ لا تُهْمَلُ ... وللرَّجــــاء حُــــرْمَــــةٌ لا تُجْهَلُ

سَالِفُ ما كان من الحُرُماتِ ... يسْتوجِبُ العَفْوَ عن الزَّلاَّت

بالفَحْصِ عن خَواطِر الأحِبَّهْ ... يُنْسَجُ بُرْدُ الوُدِّ والمَحَبَّهْ

إنَّ الرَّقيب يمنعُ التَّراضِي ... كالخَصْمِ قد يرضَى ويأْبَى القاضِي

حتى متى أصْبُو ورأسِي شُمْطُ ... أحسَبُ أن الموتَ باسْمِي يغْلَطُ

ليس على فَقْدِ الحياةِ من نَدَمْ ... قد اسْتَوى الوُجودُ فيها والعَدَمْ

كــــلُّ نَــــعِــــيم فإلى فَناءِ ... وكلُّ عَيْشٍ فإلى انْقِضَاءِ

عليك يا هذا الفتى بالتَّوْبَةِ ... فانْجُ بها قبلَ انْتهاءِ النَّوْبَةِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرجز. يُلقّب بـ«حمار الشعراء» لسهولته، ويُستعمل في المنظومات العلمية والارتجال.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن مستفعلن.

القافية: رويّها حرف الميم، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • الحفاظ: (حَفِظَ) الْحَاءُ وَالْفَاءُ وَالظَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ. يُقَالُ حَفِظْتُ الشَّيْءَ حِفْظًا. وَالْغَضَبُ: الْحَفِيظَةُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ الْحَالَ تَدْعُو إِلَى مُرَاعَاةِ الشَّيْءِ … (مقاييس اللغة)
  • النطق: نطق: نَطَقَ الناطِقُ يَنْطِقُ نُطْقاً: تَكَلَّمَ. والمَنطِق: الْكَلَامُ. والمِنْطِيق: الْبَلِيغُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: والنَّوْمُ ينتزِعُ العَصا مِنْ ربِّها، ... ويَلوكُ، ثِنْيَ لِسَانِهِ، المِنْطِيق وَقَدْ أَنْطَقَه اللَّهُ … (لسان العرب)
  • تحائف: حيف: الحَيْفُ: المَيْلُ فِي الحُكم، والجَوْرُ والظُّلم. حافَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِه يَحِيفُ حَيفاً: مالَ وجارَ؛ وَرَجُلٌ حائِفٌ مِنْ قَوْمٍ حَافَةٍ وحُيَّفٍ وحُيُفٍ. الأَزهري: قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُرَدُّ مِنْ حَيفِ ا … (لسان العرب)
  • تليت: ليت: لاتَه حَقَّه يَليتُه لَيْتاً، وأَلاتَه: نَقَصه، والأُولى أَعلى. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ لَا يَنْقُصْ … (لسان العرب)
  • سميتها: سمت: السَّمْتُ: حُسْنُ النَّحْو فِي مَذْهَبِ الدِّينِ، والفعلُ سَمَتَ يَسْمِتُ [يسمُت] سَمْتاً، وإِنه لحَسَنُ السَّمْت أَي حَسَنُ القَصْدِ والمَذْهَب فِي دِينِهِ ودنْياه. قَالَ الْفَرَّاءُ: يُقَالُ سَمَتَ لَهُمْ يَسْمِتُ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة