من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه أحمد (٦)
ذاك الإمام العليم العالم العلم الحبر السَّخاوي الَّذي عمَّت فواضله
ذاك الذَّي ساد أهل الأرض كلَّهمولم يزل للعلا تبنى محافله
فعشتما في سرور دائمًا أبدًاما غرَّدت سحرًا شجوًا بلابله
ودام نفعكما للنَّاس ما شرقتشمس النهار وما دارت أصائله
وقال أيضًا:
سقاه الصِّبا كأسًا من الحسن مترعاوروَّاه من ماء الشَّباب فأمرعا
وأطلع بدرًا من فناءضياؤه ... يشأبه بدرالتمِّ حسنًا ومطلعا
.. كأنَّ الشَّمس أرخت رداهاعليه فأعطته الملاحة أجمعا
سقاني وروَّاني مدامة ثغرهفلمت وصالي بعد ما قد تقطَّعا
كأنَّ مجاج النَّحل من طعم ريقهمخالط مسك عرفه قد تضوَّعا
له قامة مثل القضيب إذا انثنىوعينان كالهنديِّ في حومة الوغى
لقد ذقت من هجرانه ما أذابنيوصيَّرني حلف السَّقام مروَّعا
ووَّكلني رعي النُّجوم مسهَّدًاطوال اللَّيالي آفلات وطلَّعا
فيا عاذلي رفقًا بقلب معذَّبرهين عذاب لم يزل متَّصدِّعا
/ أ/ أحمد بن جعفر بن الحسين بن محمد بن الحسن، أبو العباس الموصليُّ.
رجل سوقي عامي يتعيش تارةً في التجارة، ومرّة في صنعته؛ وهي نسج الآلة التي
تكون للدواب.
وهو أوحد زمانه فيما يعانيه من الفقر الضرب خيط، وقد فرغ من صنعته أشياء عجز عنها المتقدمون في هذا الشأن.
وهو على غاية ما يكون من الذكاء والفطنة، ويحفظ جملة من الأشعار والحكايات الرائقة والنوادر. وصار له بذلك الحفظ والأنسة طبع مؤات، وخاطر مساعد في قرض الأشعار؛ وربما أتى في خلل أبياته التي ينظمها لحن لكونه لم يقرأ من علم النحو شيئًا.
أنشدني لنفسه:
نزل الشَّيب عظَّم الله أجريما بلغت المنى ولا صحَّ نذري
كم حملت الأثقال كرهًا وقاسيتأمورًا من بعضها عيل صبري
لو تلاقي صمُّ الجبال الَّذي قدنال قلبي لفكَّ صلد الصَّخر
كنت أرجو صلاح ابني من اللهوهذا أمر به جبر كسري
/ ب/ ثمَّ أرجو الخلاص من زوجة ليفانقضى العمر بالمنى واعمري
وأرى الدَّهر معكسي في أمورييا لقومي ما مالي وما للدهر
أترى طالعي يدلُّ بهذاأم طباع الزَّمان يا ليت شعري
قيل إنَّ الزَّمان حلو ومرما شربنا إلَّا كؤوس الصَّبر
من غلام رَّبيته لي عدوًّاكنت أرجوه ملحدي في قبري
وعجوز قد عمِّرت لعنائيوشقائي ومحنتي ولضرِّي
عمرها في القياس مذ عهد نوحورأوها يوم القتال ببدر
قد سقاني كلاهما السُّمَّ والحنظلقهرًا صرفًا وقد بان سكري
قلت فيها شعرًا بجهدي فصارتمثل صخر وصرت مثل أخت صخر
غير أن الخنساء تمدح صخرًاوأنا أهجو ما يحيِّر فكري
هي سورة هود وقول رسول الله:قول به الرَّكائب تسري
أشغلتني عن عيشتي ومعاشيبهموم قد حار فيهنَّ أمري
إن قضى الله بالفراق وفيَّرمق عدت كالعزيز بمصر
أحمد الدَّهر بعد ذمٍّ قديمثمَّ أمحو ذاك العتاب بشكر
وأنادي لمن ترى الملك عرىصرت وحدي وأخليت سرِّي
/ أ/ فارقتني قرينة السُّوء لا كانزمان كانت به خلف ظهري
إن جرى خلف ما أقول فباللهاكتبوا من ذي على لوح قبري:
مات هذا ولم ينل بعض ما راموكم هكذا تقيل بقفر
وأنشدني أيضًا لنفسه:
عذولي قلَّ يا أشعبترفَّق ويك لا تتعب
تظنُّ القلب يسلوهوموتي في الهوى أقرب
فلا تذكر لي سعديولا ليلى ولا زينب
فمن عاين محبوبيفعذري عنده أصوب
له وجه كبدر التَّم كممن عاشق غرَّب
وكم زرفن صدغيهوكم أرخى وكم عقرب
وكم يقتلني تيهًاوكم يرضى وكم يغضب
فيا أعذب ما عذَّبوما أطيب ما أطنب
فصبرًا ويك يا قلبيفقد عزَّبك المطلب
فلا تذكر لي راحًافظنِّي ريقه أعذب
ولا تذكر ريحانًافريَّاه لنا أطيب
/ ب/ وحملي للهوى صعبوسلواني له أصعب
لأنِّي سرت في الحبِّوكان البدر في العقرب
وأحلف أنني أسلوإذا عاينته أكذب
يقول الشيخ في حبِّيسريحي ما له مذهب
أحمد بن عمر بن أحمد بن ابي شاكر، أبو محمَّد الفقيه الحنفيُّ الكفرعزِّيُّ.
وكفر عزَّة قرية من قرايا إربل.
وأبو شاكر جدُّه الأعلى كان رجلًا مغربيًا. قدم من الغرب إلى كفر عّزة وتديَّرها، وأعقب بها أولادًا.
رجل طويل أسمر اللون مائل إلى الصفرة، بوجهه آثار جدري، صالح صدوق في علمه، حافظ للمذهب، أخذ الفقه عن عبد الرحمن بن محمد الفقيه الحنفي البغدادي، وسمع الحديث بإربل. وهو مدرس أصحاب أبي حنيفة بها، ويلم بعمل الشعر لغرض يتفق وقوعه، أو سب من الأسباب.
وكان مولده تقديرًا في سنة سبع وستين وخمسمائة؛ ولما تغلب التتار – خذلهم أ/ الله تعالى – إلى مدينة إربل وتملكوها. ثم ترحلوا عنها، توجه إلى بلاد الشام، وذلك في سنة أربع وثلاثين وستمائة، فنزل دمشق وأقام بالمدرسة المنسوبة إلى قايماز النجمي مدرسًا فقه أبي حنيفة – ﵁.
ولم يزل كذلك إلى أن اعتراه مرض وطال به وأضرّ، وكان ولده الأوسط أبو عبد الرحمان عبد الصمد ينوبه في التدريس.
وتوفي ثامن عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وستمائة، ودفن ظاهر البلد، بمقبرة الصوفية – رحمه الله تعالى -.
أنشدني لنفسه في الصاحب شرف الدين أبي البركات المستوفي – أبقاه الله تعالى – وكان يومئذ متمرّضًا:
ليس للمولى شبيه في الورىغير قلب المرء في جملته
فصلاح النَّاس في صحَّتهوسقام النَّاس في علَّته
وأنشدني لنفسه فيه أيضًا، وقد غاب عنه مدّة:
إذا كان طفل ليس يعلم ما الَّذييضرُّ ولا ما فيه نفع معجَّل
يقاسي عناء عن فطام فكيف منيفارق مولاه إذا كان يعقل
/ ب/ وأنشدني لنفسه، وقد جاء إلى دار الوزير بحجبه البواب:
أيا أيُّها المولى الذي عمَّ جودهجميع بني الدُّنيا وعزَّ عديله
ألا إنَّالثَّواب لضدِّه ... مفيدكم فاستبدلوا من يزيله
فعنوان ما عند الفتى ما لغرَّتهكما أنَّ بادي كلِّ أمر دليله
وأنشدني لنفسه يلغز في بغل المدار:
وما راحل جدًّا مقيم حقيقةيديم السُّرى عن أرضه ليس يبرح
إذا نظر المسرى تقاعس وانثنىمن السَّير فافهم ما أقول فتنجح
وإن عينه كلَّت عن النَّظر الذيبه يرشد السَّاري يمرُّ ويسرح
له سائق في رأسه شدَّ رأسهولم ير ميت وهو للحيِّ يكدح
إذا ما عكست الأمر يا سيِّد الورىتراه عن الدُّنيا الدَّنيَّة يفصح
وأنشدني أيضًا له لغزًا في الديك:
وما قائم في ليلة متهجِّدويزني نهارًا والخلائق تشهد
ولا عقر في ذا الوطء والحدُّ ساقطولا غسل فيه كيف ذا الأمر يوجد
يبرُّ إذا ما كان طفلًا بأمِّهوتحنو عليه الأمُّ خوفًا وترعد
/ أ/ إذا ما أتى حولًا عليه يكن لهاعقوقًا ويجفوها ملالًا ويحقد
يرى وطئها حلًا له لا بشبهةوليس ..... ولا هو ملحد
إذا ما عكست الأمر يا خير ذا الورىيكن حظ من يشناك أو لك يحسد
أحمد بن عيسى بن سعد بن حمدان، أبو العباس.
شاب ربعة أسمر قد وخطه الشَّيب من أبناء الموصل. ولد بها سنة تسعين وخمسمائة، كذلك أخبرني من لفظه.
أحرز جملة من الفقه على مذهب الإمام الشافعي – ﵁ – وكلّف نفسه نظم الشعر يمدح به الناس لابتغاء الرفد، ويتراءى إلى طريق المتصوفة، ويذهب إلى التشيع.
لقيته بمدينة إربل سنة ثماني وعشرين وستمائة، وأنشدني لنفسه يمدح الصاحب شرف الدين أبا البركات المستوفي – رحمه الله تعالى -:
إذا الخطب وافى على غرةوجرَّد للقتل في النَّاس عضبا
وأمسى الزَّمان وقد بدِّلتمفارقه السُّود بالهول شهبا
/ ب/ وكرَّت على الحرِّ نوباتهفغادرنه بيد البؤس نهبا
فجود المبارك لي جنَّةبها أتَّقي الدَّهر خطبًا فخطبا
وجدواه إن عضَّ ناب الزَّمانتعمُّ البريَّة شرقًا وغربا
به انقاد جامح دهر إليَّوسالمني بعد ما كان حربا
فلسنا نرى حاتمًا ذا السَّماحيباريه إذ جاء عفوًا وكعبا
وكنا قديمًا نلوم الزَّمانونوسعه في التَّصاريف عتبا
إلى أن علمنا بأنَّ الوزيرمن أبنائه فمنحناه حبًّا
فلا زال عرفك للمدلجيندليلًا وربعك للوفد رحبا
إليك ارتمت بي صهابيَّةتخبُّ الفيافي والبيد خبَّا
مرافقها محكمات القوىإذا انبعثت خلتها الرِّيح هبَّا
إذا مأتشكَّت كلال السُّرىوألقت إلى الأرض جنبًا فجنبا
أقول لها إن بلغت الوزيربنا بعدها لا تراعين قلبا
فتى شاع سؤدده في البلادفأصبح للجود والمجد ربًّا
يفرِّق أمواله تاجرًالجمع المحامد ناهيك كسبا
غدا ليل حظِّي به مقمرًاوسهَّل لي ذلَّ ما كان صعبا
/ أ/ وغضُّ الأمانيِّ لما ذوىبماء الرَّجاء له عاد رطبا
وإن نكَّد المنُّ بر الرِّجالترى برَّه الجمَّ للنَّاس عذبا
إذا القوم عدُّوا مزايا الكرامتكون مزاياه أوفى وأربى
رفيع العماد طويل النِّجادخدين النَّدى جوده لن يغبَّا
إذا ما دعاه عفاة الزَّمانلبذل الصَّنائع يا بشر لبَّا
عقيلة قوم به أنجبتوقد كان آباؤه قبل نجبا
وعلَّمني الشِّعر مدح امرئبه الدَّست يزداد تيهًا وعجبا
إذا الدَّهر ألَّب أحداثهورجَّا جموع الرَّزايا وعبَّا
لجأنا إلى معقل من حماهبه يعصم الناس عجمًا وعربا
فمت كمدًا يا زماني العنودأمنت الخطوب به واقض نحبا
فقد صرت في مانع لا يرامإليه [فلا] تستطيعنَّ وثبا
[أنشدني أيضًا من شعره:
وما ذات طوق مسَّها البين فانثنتمرزَّأة بعد التألف والجمع
صدوح على الأفنان بالبان سحرةترتل ألحانًا بأيمن ذي الجزع
يجاوبها في الثكل أمثال حالهاويسعدها بالنَّوح في الدوح والسجع
بأوجع من قلبي غداة تحملتركائب من أهوى وغودرت في الرّبع
أذيل دموعي علّها أن تعيننيفتصر نار الوجد عن شدّة اللذع
وكنت بأحبابي على الدهر ظاهرًاوحسبك أني عدت متخذًا دمعي]
أحمد بن محمد بن سعيد بن عنتر بن إبراهيم بن يوسف بن محمد بن يعقوب ابن فارس بن رملي بن نجدة بن بشرى بن خضري، أبو السعادات بن أبي بكر الواسطيُّ.
هكذا أملى عليَّ نسبه ب/ والده أبو بكر محمد بن سعيد – رحمه الله تعالى – وزعم أنهم يرجعون في النسبة إلى بعض الأكاسرة، ومولده بالهمّامية، وبها منشأه؛ وهي قرية من قرايا واسط.
شاب مائل إلى الشقرة أزرق، نزل البياض بعارضيه؛ وهو فقيه شافعي المذهب، عالم مناظر، أصولي نحوي، ذو فنون في كل نوع من العلوم الأدبية والدينية مع حفظه للكتاب الكريم. وفيه عشرة وحسن صحبة لأصدقائه، وأقام بمدينة إربل زمانًا.
ثم سافر عنها وقدم بغداد وسكنها برهة من الزمان؛ فقلده الإمام أمير المؤمنين المستنصر بالله – خلد الله ملكه – قضاء واسط وأعمالها وذلك في شعبان سنة تسع وعشرين وستمائة؛ وربما سمحت قريحته بشيء من النظم في غرض يقع له، وشعره يتقاصر عن معرفته وفضله.
أنشدني لنفسه:
مهفهف القدِّ أسيل خدُّهإذا استدار الصُّدغ فيه وانعطف
قد بات يسقيني المدام باردًامن ثغره الألمى اللَّذيذ المرتشف
ما مال بي داعي الغرام غرَّةإلاَّ ثناه الدَّل عجبًا فانصرف
/ أ/ ولا نهاني عنه دين وازعإلاَّ وأغراني به حسن الوطف
وأنشدني لنفسه من قطعة:
وأسمر ممشوق القوام تخالهإذا نظرت عيناه بالسِّحر ينظر
يقرُّ له بالحسن طوعًا حواسدإذا مرَّ في ثوب الملائك يخطر
وأنشدني أيضًا قوله من أبيات:
فإن أنت أحببت الوصال بزورةيعود ذويُّ الغصن أخضر مائس
وإلاَّ فجلبات الوزارة خالعوثوب الحجر لا شك لابس
أحمد بن أبي الفرج بن منيع بن المفرِّج، أبو العباس الدنيسريُّ
شاب قصير لطيف الخلقة أسمر اللون. كان شاعرًا فطنًا متوقد الخاطر، صاحب معان صحيحة، وألفاظ فصيحة، غزير الشعر، جيد البديهة والفكر، منقاد الطبع في كل ما يتوخاه من أنواع القريض. يزاحم الشعراء ويجري معهم في أساليبهم ويسلك بمنهجهم فيما يأتون به، فيقرون له بالتقدم، ويشهدون له بالحذق؛ وهو أشعر ب/ أبناء زمانه، وأغوصهم على المعاني واستنباطها.
قدم الموصل سنة إثنتين وعشرين وستمائة، وأقام بها مدّة، وامتدح بها جماعة من أهلها من الصدور والسُّوقة. وكان رقيق الحال، بادي الحرف صعلوكًا، يستجدي بشعره الرفيع والوضيع طلبًا لشيء من عرض الدنيا، يعبّر به وقته وزمانه.
ثم سار عنها إلى إربل، فلبث فيها شهورًا يمدح الناس، ثم عاد إلى الموصل، ورحل منها إلى دنيسر، فلم يمكث با إلاَّ قليلًا حتى توفي هناك وذلك سنة ست وعشرين وستمائة وقد جاوز الثلاثين.
أنشدني لنفسه:
أيموت فيك المستهام بدائهوبفيك عين حياته ودوائه
صبُّ أقام من الغرام على شفاإذا شفَّه فغدا عديم شفائه
يمسي ويصبح فالهيام أقل مايلقاه بين صباحه ومسائه
إن شئت تعلم كيف بات على الهوىسل من يبيت معانيًا لعنائه
عجبًا له يشكو تباعد حبِّهعنه وما ينفكُّ من أحشائه
رشا يشوب وصاله بصدودهمللًا ويعقب سخطه برضائه
/ أ/ لولا تملُّكه الفؤاد وقد رنتسوداؤه ما حلَّ في سودائه
لم تصف أيَّامي بشهد وصالهإلاَّ وكدَّرها بصاب جفائه
ملك الجمال فلو رأى سلطانهملك الجمال لسار تحت لوائه
قبس الملاحة فاستقلَّ كيوسففي حسنه لمَّا ارتدى بردائه
يرتجُّ في خطواته ويميس فيخطراته ويلوح في استجلائه
والدِّعص من أردافه والغصن منأعطافه والبدر من لألائه
سجدت لديه الشَّمس حيث طلوعهامن وجهه وغروبها في مائه
كم أكثروا فيه الملام وليس ليمن حبِّه جلد على إصغائه
أأحبُّه وأحبُّ فيه ملامةإن الملامة فيه من أعدائه
وأرى السُّلوَّ وحلٌّ عقد تصبُّريمتولِّد من شدِّ بند قبائه
وأنشدني أيضًا من قصيدة أولها:
لولا تألُّق برق أنت شائمهما سحَّ ساكب دمع العين ساجمه
إيها عدمتك طرفًا ما رمقت بهإلا تحلَّل من صبري عزائمه
ولا جنى بطموح اللَّحظ مجترمًاإلا وحاق بجثماني جرائمه
هتكت بالدَّمع ما في القلب مستترمن الهوى وهو خافي الوجد كاتمه
/ ب/ كم استجرت من البلوى بشرع هوىفما أجار ولكن جار حاكمه
لله شادن ذاك الحيِّ كيف غدتتفرُّ من سحر عينيه ضراغمه
أظنُّ أنَّ رقاه غير مطلقةفلو تكون لأنحتها تمائمه
عذب المقبَّل لولا خمر ريقتهلما انثنى ثمل الأعطاف لائمه
شكى إلى حاجبيه ظلم ناظرهقلبي فما كشفت عنه مظالمه
يا من أحلَّ سهام اللَّحظ في كبدييكفي الَّذي فتكت فيها صوارمه
لم لا ترقُّ لجسم أنت عائدهمن سقمه وفؤاد قلَّ راحمه
ذللت في عزِّ دهر لست منتصفًامن ظلمه وكذا من عزَّ ظالمه
وأنشدني أيضًا لنفسه في غلام اسمه علي:
نفَّر نومي غزال أنسكالظَّبي في شدَّة النِّفار
له على عاشقيه نصرمن جفنه وهو في انكسار
أعار ورد الرِّياض لونًامن خدِّه غير مستعار
وعلَّني من لماه كأسًاألذَّ طعمًا من العقار
فبي خمار فليت داوىبها الَّذي بي من الخمار
ما انسدل الشَّعر منه ليلًاعلى جبين من النَّهار
/ أ/ إلَّا غدا الوجد في انتهاكعليه والصبر في استتار
أذاقني من هواه ما منسميِّه ذاق ذو الخمار
فكلَّما سمته وصالًاسلَّ من الجفن ذا الفقار
وقال يداعب بعض أصدقائه بديهة:
أيا شرف الدِّين يا ذا الَّذيمحاسنه ليس فيهنَّ ريبه
تحذلقت دهرك حتىَّ وقعتعلى رغم أتقك في وسط خربه
ولو تم دسَّك في مجلسلبعض الملوك لأعطاك قربه
وله وهو مما كتبه إلى شمس الدين بن البهاء أسعد السنجاري الشاعر كاتب الإنشاء بماردين:
كتبت ولي قلب على البعد شيِّقوصدر على رحب من الهمِّ ضيِّق
وليس بخاف عنك مضُّ صبابتيوخطُّ غرامي في الرِّقاع محقَّق
رمتني يد الأيَّام منك بفرقةوقد كنت قدمًا من فراقك أفرق
فما شاقني من بعد بعدك منظرولا راق لي يا شمس من فيه رونق
/ ب/ يجدِّد إخلاق الغرام تذكُّريخلائقك اللاَّتي بها تتخلَّق
إذا ما بدا القطب الجنوبيُّ هيجتجنوني إلى الشَّهباء شهب تألَّق
وما خطرت ما ماردين نسيمةعلى الشَّرق إلاَّ كدت بالدَّمع أشرق
وما ذكرتك النَّفس إلا كأنَّنيأحسُّ بقلبي من عل يتحلَّق
عسى الدَّهر يوليني بقربك منَّةوتسمح لي الأيَّام أو تتصدق
وعلَّ صباح الغرب يجلو دجى النَّوىفتسفر شمس الوصل منك وتشرق
وقال يمدح الأمير ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا – أدام الله إقباله – ويهنئه ببناء دار استجدّها:
شيَّد الله بالسَّعادة دارًاظلت فيها لها وللدين ركنا
أصبحت إربل قصيدًا وأضحتلك بيتًا وأنت للبيت معنى
إن سمت رفعة فما زال يسموبك ربع تحل فيه ومغنى
هي دار الخلود لا زلت تبقىألف عام بها وضدُّك يفنى
قد أتيناك للهناء ولكنهي أولى بركنها أن تهنَّا
وقال غزلًا:
/ أ/ ذلَّتي من مدلَّل ذي دلالربَّ جفن مكحَّل كالهلال
ذي عذار مزرَّد مستديرتحت صدغ مسلسل فوق خال
بت فيه مسهَّدًا ذا اشتغالبفؤاد مبلبل ذي اشتعال
حاز روحي فأصبحت في يديهكأسير مكبَّل في عقال
وأنشدني لنفسه ابتداء صدر كتاب:
كتبت وبي من لاعج الشَّوق غفلةفلم أدر ما أملي عليَّ ضميري
ولولا زفيرعدته صبابتي ... محوت بتقطير الدُّموع سطوري
وأنشدني لنفسه يهنئ بخلعة حمراء:
يا شرف الدِّين الَّذي للندىسحابة من كفِّه تقطر
خلعتك الحمراء من أنفس الحسَّاد لا زلت بهم تظفر
تفنى أعاديك بها حسرةًلأنَّها موتهم الأحمر
وأنشدني لنفسه في ابن عنين الشاعر وأخيه:
أصاب النَّاس من ولديعنين شدَّة وشقا
قد اجتمعا على ضرٍّعظيم الخطب واتَّفقا
كأنَّهما عدمتهماعلى الإفساد قد خلقا
/ ب/ فذا الأعراض يقطعهاوهذا يقطع الطرقا
وأنشدني لنفسه في شخص أعرج:
أعرج ربُّ عاهة لا كفاني الله فيه شماتة الحسَّاد
لم تزل رجله تكفَّ أذى نيكٍ إلى أبت عن الانقياد
لم تزل رجله تكف أذى نيك إلى أن أبت عن الانقياد
أحمد بن معدِّ بن عليِّ بن رافع بن فضائل بن عليِّ بن حمزة بن أحمد بن حمزةً بن عليِّ بن أحمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليٍّ، أبو عقيل البغداديُّ العلويُّ الموسويُّ.
من أولاد الإمام موسى بن جعفر بن محمد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب – صلوات الله عليهم -.
شاعر من شعراء البغداديين، جزل القول، يسلك في أشعاره مسلك العرب ويذهب مذهب الحيص بيص في استعمال الألفاظ الحوشية، ويتبادى في إنشاده، ويتشدق في إيراده وأكثر قوله في الافتخار بنفسه وأهله.
أنشدني لنفسه بمدينة الموصل سنة ثلاثين وستمائة:
/ أ/ لعمرك ما جنيت على أناسجناية من يؤوب على هوان
ولكنِّي فضلت فكان فضليعليهم مدره الحرب العوان
ولمَّا أن علوتهم رمونيبعرض حين أعجزهم بياني
فذوقوا حرها ودعوا علاهافليس مكانكم فيها مكاني
وأنشدني أيضًا من شعره:
لأن أبيت خميص البطن منحجرًاعاري الجوانب خصَّافًا من الورق
خير وأكرم لي من أن أرى سفهًاذا بطنة في بداء اللُّؤم والرَّنق
وأنشدني من قوله أيضًا:
كأنِّي بهذا القصر قد باد أهلهوأسلمه للحادثات منازله
وأصبح قفرًا تحجل الطير حولهوينتابه من الظِّباء مطافله
مضى قبلنا قرن فقرن وإنَّنالنأمل ما ذو المس في الدهر آمله
ألم تك فيما قصَّه الله ملهدىشفاء لداء حالفته مفاصله
ففي قوم نوح ثمَّ عاد جليةتريك اغترار المرء أين مقاتله
وقوم أثاروا الأرض ثم ابتنوا بهامعاقل لو ينجى يزيد معاقله
وأنشدني لنفسه:
/ ب/ أتعمر دارًا إذا تولَّى جديدهاوأصبح معمورًا لديها صعيدها
وقد غالت الأيَّام من كان قبلناشقيًّا وما نال الخلود سعيدها
وإلاَّ فأين الملك قيصر والألىوأين تولَّى عادها وثمودها
وأين الملوك الشُّمُّ من آل جفنةوكسرى أنو شروان طار عمودها
وسابور والأملاك آل محرقأبادهم والمرسلات مبيدها
فأضحوا كأن لم يضربوا بمهادهامصائب ملك لا يرام حريدها
فإنَّك عن إيماض برق للاحقبهم والموالي كالعبيد عبيدها
فبادر فحتف المرء يعقد حبلهبأعناق آجال الرِّجال يؤودها
وأنشدني أيضًا لنفسه:
كتاب أرسلوه إلى الرِّبابأسيرك قد ثوى تحت التُّراب
ففي نظري إليك حياة نفسيوفي فيك الشِّفاء من الرُّضاب
وأنشدني قوله:
مرى الشَّوق غرب العين فهو هموعوصدَّع واهي القلب فهو وجيع
وليس لأيَّام الحمى ومقيلنابظلِّ ..... السُّتور رجوع
ألا يا حمامات بنجد ترنَّميفقد هاجني منك الغداة سجوع
/ أ/ سقيت من الوسميِّ صوب سحائبلها بعد إقلاع السَّحاب ربيع
وأنشدني أيضًا لنفسه:
يا هند ويحك أنجزي الوعداوصلي الكئيب قتلته عمدا
وارعي عهودًا في الهوى سلفتإن الكريم لحافظ عهدا
قد لامني من كان ينصحنيفيكم وقلت وقال لو أحدى
لو أن كفِّي لا تطاوعنيفيكم جذذت بنانها جذَّا
أسقاك ربُّك صوب غاديهوأدام عيشك رافقًا رغدا
وأنشدني لنفسه:
ألا يا ليت أيَّام التَّصابيرجعن ومورق الخود الكعاب
ويوم بالثَّنيَّة حيث تمشيقطوف الخود دانية الحقاب
لها جيد كجيد الظَّبي حقًّاوناظرة المهاة لدى الهضاب
وفوهًا فيه كالعسل المصفَّىعلى برد القلال على شراب
لقاؤك يا سليمي بنت عمروحياة المرء من تحت التراب
أحمد بن محمد بن أبي الوفاء ب/ ابن الخطاب بن محمد بن عليِّ بن الحسن، ويلقب الهزبر، أبو الطَّيِّب الموصليُّ المعروف بابن الحلاويِّ.
أخبرني أنه ولد آخر سنة ثلاث وستمائة، وهو من أشهر بيت بالموصل وأقدمه. وكان يقول الشعر منذ كان حدثًا، وطاوعه طبعه في نظمه، ورزق منه حظًا لم يرزقه أحد من أبناء جنسه وأقرانه.
ورحل عن الموصل سنة إحدى وعشرين وستمائة إلى بلاد الشام، وسكن دمشق واتصل بالملك الناصر صلاح الدين أبي المكارم داود بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب سلطانها، وصار من جملة شعرائه، وأخص جلسائه ومدحه بعدة قصائد واكتسب منه رزقًا صالحًا، وسار في صحبته إلى الديار المصرية.
ثم فارق خدمته سنة إحدى وثلاثين وستمائة، ينتقَّل في البلاد ويمدح الملوك، وكبراء الأنام، وحظُّه فوق شعره.
شاهدته بالموصل سنة اثنتين وثلاثين وستمائة شابًا جميلًا، وأنشدني لنفسه يمدح المالك الملك الرحيم بدر الدنيا والدين عضد الإسلام والمسلمين أبا الفضائل حسام أمير المؤمنين – أعّز الله أنصاره وشيّد فخاره – من أ/ قصيدة مطلعها:
إلى م السُّرى هل مطلع الشَّمس قصدنافقلت لها بل قصدنا مطلع البدر
إلى ملك لولا مواهب كفِّهلظلَّ بنو الآمال عن منهج البرِّ
مليك إذا ما المزن ضنَّ بدرِّهيجود علينا مزن كفَّيه بالدُّرِّ
قريب النَّدى في السِّلم من كلِّ وافدبعيد المدى في الحرب من كلٍّ ذي غمر
فما حجبت أبوابه دون سائلويحجب في يوم الوغى بالظُّبا البتر
جزيل الجدى مردي العدا موضح الهدىبعيد المدى داني النَّدى وافر الوفر
مفيد الورى قطب الوغى أسد الشَّرىقليل الكرى جم القرى هاطل الدَّرِّ
بطيءٌ عن الثَّغر الشَّهيِّ برودهسريع إلى الحصن الممنَّع والثَّغر
إذا قطَّب الجانيبأسه ... تلقَّاه منه العفو في حلل البشر
له الصَّوت في النَّادي، له الصِّيت في النَّدىله الرأي بعد الرَّأي والأمر
ألا أيَّها الملك الَّذي حد َّحدهفأصبح نسر الطَّرف منه على النَّسر
لقد قمت للدين الحنيف بعزمةأقامت قلوب المشركين على ذعر
فضلت ملوك الأرض طرًّا بأربعغدا فخرها يسمو على كلِّ ذي فخر:
فبأسك للباغي وعرضك للثناوعفوك للجاني وجودك للفقر
/ ب/ فما مخدر شهم النِّضال مذرَّب النِّصال تراع الأسد منه على صعر
بأمنع بأسًا منك في حومة الوَّعىإذا الحرب ماست في غلائلها الحمر
وما روضة غناء مرَّت بها الصَّباعبيرية الأرجاء مسكيَّة النَّشر
بأعطر من أبكار مجدك كلَّماجلين على الأسماع في حلل الشِّعر
وما شامخ لو شاء رقَّ على الحيامواهبه سام على الأنجم الزُّهر
بأثبت حلمًا منك لا طائش الحجىولا مانع الحسنى ولا حرج الصَّدر
وما الغيث منهلُّ العزالي سحابهيسحُّ بها في الودق منبجس القطر
بأسمح كفًا منك في حالة النَّدىإذا هطلت كفَّاك بالنَّائل الغمر
وإن كنت يوم الرَّوع في العين واحدًافأنت من الإقدام في جحفل مجر
ألا أيَّها الملك الرَّحيم الَّذي غدتخلائقه أبهى سناءً من الزَّهر
مدحتك من قبل احتلامي منطقًاعلى صغر في السِّنِّ لا صغر القدر
فعلَّمني مدحيك ما أنا قائلمن السَّائرات الزُّهر والمدح الغر
فأكرم ملك صافحتني هباتهوأوَّل ملك سار في مدحه شعري
وقد جئت صفر الرَّاحتين مؤمِّلًاسحاب ندى ينهل بالبيض والصُّفر
ولا زلت محروس الجناب مؤيدًايطالعك التأييد من حلل النَّصر
/ أ/ فبأسك للطَّاغي وجدواك للنَّدىويمناك لليمنى ويسراك لليسر
وأخبرني أبو الطيب أنه كان بسنجار مقيمًا؛ فجاء البشير من الموصل بإبلال
الملك الرحيم بدر الدين من المرض الذي لحقه، وركوبه للناس؛ فعملت هذه القصيدة بسنجار، وقصدته إلى الموصل فاستحسنها، وأسنى لي الجائزة، وأوّلها:
وافى البشير بما كنَّا نحاولهونال أقصى المنى من بات يأمله
وأسفر البدر في لألاء غرَّتهفأشرقت بمحيَّاه منازله
تكاملت في بروج العزِّ أسعدهوتمَّ في أعين النُّظَّار كامله
وغير نكر ذا ما البدر عاودهتمامه وزها بالسَّعد آفله
بدا فأخمد نار الشِّرك مطلعهمن بعد ما عمَّت الدُّنيا زلازله
ولاح كالرُّمح أهداه مثقَّفهأو صفحة السَّيف هزَّته صياقله
فريح جيش الرَّدى من بعد ما شرعتإلى وجوه معاليه عوامله
وفاه كلُّ لسان كان ذا خرسفي مجده بالَّذي قامت دلائله
/ ب/ من بعد ما كتم الأخبار ناقلهاوجمجم القول في علياه قائله
فليسخ بالمال للقصاد مانحهوليوف بالنَّذر للرَّحمان باذله
وليهن ذا الدِّين والدُّنيا وساكنهانصر من الله قد لاحت مخايله
إذ صح للملك كافيه وكافلهوقام بالعبء حاميه وحامله
ملك الملوك الَّذي لولاه ما اتَّضحتسبل السَّماح ولم تسلك مجاهله
أبو الفضائل والملك الذي سمقتبه على الفلك الأعلى فضائله
ملك سمت بالنَّدى والبأس همَّتهفليس في الأرض من خلق يماثله
حامي المماليك خوَّاض المهالك مغور المعارك لا تلوي عواسله
لولاه ما طابت الدُّنيا ولا حسدتأواخر الدَّهر لولاه أوائله
له من المدح حاليه وعاطرهوللمعادين خاليه وعاطله
أنرقب الغيث في أرض أنأملهمن بعد ما هطلت فينا أنامله
يا راكب القفر خوف الفقر منتجعًايطوي السَّباسب كالبازيِّ بازله
عرج على ساحة الحدباء تلق بشهاغيث السماح الذي يغنيك وابله
وثق بنيل المنى إن زرت ساحتهافثم داني النَّدى ما خاب سائله
حتَّى إذا عدت في الرَّكب الَّذي رحلتقيلة الخطو من ..... رواحله
/ أ/ قل للملوك دعوا كسب الثَّناء لهفما تليق به إلَّا شمائله
هل فيكم من له جود كنائلهأم فيكم من سجاياه تساجله
يا مالك الأرض قصدي أنت مانحهبالنُّجع منك وحبلي أنت واصله
وأنشدني لنفسه أيضًا بحلب المحروسة في العشر الوسطى من جمادى الآخرة بالحاضر السليماني سنة خمس وثلاثين وستمائة يمدح بدر الدين أبا الفضائل لؤلؤ بن عبد الله – صاحب الموصل -:
حكاه من الغصن الرَّطيب وريقهوما الخمر إلَّا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محلُّهغزال ولكن سفح دمعي عقيقه
وأسمر يحكي الأسمر اللَّدن قدُّهعذار أشقا قلب المحبِّ رشيقه
على خدِّه جمر من الحسن مضرميشبُّ ولكن في فؤادي حريقه
أقرَّ له من كلِّ حسن جليلهووافقه من كلِّ معنى دقيقه
بديع التَّثنِّي راح قلبي أسيرهعلى أن دمعي في الغرام طليقه
على سالفيه للعذار جديدهوفي شفتيه للسُّلاف عقيقه
/ ب/ يهدِّد منه الطَّرف من ليس خصمهويسكر منه الرِّيق من لا يذوقه
على مثله يستحسن الصبُّ هتكهوفي حبِّه يجفو الصَّديق صديقه
من التُّرك لا يصبيه وجد إلى الحمىولا ذكر بانات الغوَّير تشوقه
ولا حلَّ في حي تلوح قبابهولا سار في ركب يساق وسيقه
ولا بات صبًّا بالفريق وأهلهولكن إلى خاقان يعزى فريقه
له مبسم يسبي المدام بريقهويخجل نوَّار الأقاحي بريقه
تداويت من حرِّ الغرام بثغرهفأضرم من ذاك الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليمانيُّ موهنًاتذكَّرته فاعتاد قلبي خفوقه
حكى وجهه بدر السَّماء فلو بدامع البدر قال الناس: هذا شقيقه!
وأشبه زهر الرُّوض حسنًا وقد بداعلى عارضيه آسه وشقيقه
رآني خيالًا حين وافى خيالهفأطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت منه الخصر سقمًا فقد غدايحمِّلني كالحصر ما لا أطيقه
فما بال قلبي كلُّ حبِّ يهيجهوحتَّى م طرفي كل حسن يروقه
فهذا ليوم البين لم تطف نارهوهذا فبعد البعد ما جفَّ موقه
ولله قلبي ما أشدَّ عفافهوإن كان طرفي مستمرًّا فسوقه
/ أ/ أرى النَّاس أضحوا جاهليَّة ودِّهفما باله عن كلِّ قلب معوقه
فما فاز إلاَّ من يبين صبوحهشراب ثناياه ومنها غبوقه
وآخر يسعى للمواهب والنَّدىهدته إلى الملك الرَّحيم طريقه
إلى بحر جود يغرق الوفد فيضهويحمده في كلِّ وقت غريقه
إلى الغيث أحيا بالحيا كلَّ وجهةفما أخلفت للشَّائمين بروقه
وكيف يقاس الغيث منه بنائليسحُّ بمال لا بماء دفوقه
إلى كسرويٍّ عدله ونجارهيعزُّ على كسرى الملوك لحوقه
إلى سائق في حلبة الجود والنَّدىشا النَّاس مأمون العثار سبوقه
إلى والد للجود برٍّ بأهلهيعزُّ على غرِّ المساعي عقوقه
إلى واجب في كلِّ أرض مديحهكما وجبت في ساكنيها حقوقه
إلى واهب الجرد الجياد يؤمُّهانداه ومعطي الذَّود يرغو أفيقه
إلى جوهر أعيا البحار فريدةإلى نيِّر عمَّ البلاد شروقه
مليك إذا كرَّرت أوصاف مجدهفسحقًا لنشر المسك يهدى سحيقه
يفوق على صيد الملوك مكارمًاوما فيهم من حاله من يفوقه
لهم من حديث المكرمات كذوبهولكن لبدر الدِّين منه صدوقه
/ ب/ بديع المعاني مشرق الوجه طلقهجزيل النَّدى سامي النِّجار عريقه
يسوق جزيلات العطايا إلى فتىًغدا نحوه حسن الرَّجاء يسوقه
أفاد ندى كفَّيه حتَّى عدوَّهويعظم أن يلحاه فيه صديقه
إذا وثق الغرُّ الملوك بخائنفليس بغير المشرفيِّ وثوقه
لقد سبق الآجال ماضي حسامهفخلِّق لكنَّ الدِّماء خلوقه
به اتَّسعت لي كل أرض نزلتهاوفرِّج لي من كلِّ أمر مضيقه
أطاع لساني فيه للقول حرُّهوساعدني للشِّعر فيه رقيقه
فلي عنده من كلِّ جود جزيلهوعندي له من كلِّ مدح أنيقه
أيا ملكًا ينهلُّ حلمًا ونائلًافما النَّاس إلى حرُّه ورقيقه
رآك أمير المؤمنين لملكهحسامًا ونهج الحرب قد عمًّ ضيقه
فقمت بما يهوى الإمام ولم تزلتقوم بأمر ما سواك مطيقه
وكنت له بدرًا تنير سماؤهسناك وليل الشِّرك داج غسوقه
وأعليت ركن المجد حتَّى لقد بدالنا وهو مرفوع العماد وثيقه
حميت دماء المسلمين وصنتهاوكم من دم للجود فيهم تريقه
فجودك ما في النَّاس من ليس عبدهوسيفك ما في الأرض إلاَّ عتيقه
/ أ/ وعزمك قد جاز السَّماء سموُّهوقدرك قد أعيا النُّجوم سموقه
وخلقك صب بالجميل جمالهوخلقك مغزى بالوفاء خليقه
ولولاك مات الشِّعر صبرًا ولم تقملكسب العطايا والمحامد سوقه
تكلَّم لكن في علاك صموتهوأخرس لكن عن سواك نطوقه
فما سار إلاَّ من نداك دليلهوجودك يا خير الملوك رفيقه
فلا زلت محروس الجناب مؤيَّدًاوعيشك تهمي بالأماني بروقه
وأنشدني لنفسه مبدأ قصيدة ربيعيّة:
قدم الرَّبيع منيرةً أزهارهفافترَّ عند قدومه نوَّاره
وترنَّحت لسرورها أغصانهوتعانقت للقائها أشجاره
روض حكى خدَّ الحبيب شقيقهلما حكى خدَّ المحبِّ بهاره
أسدى صنائعه إليه بساطهومضى ففاز بحسنه آذاره
لو لم يجد بالدُّرِّ درُّ سحابهما زان درهم زهره ديناره
حجَّ السُّرور إليه في ركب الصَّباواللَّهو لما أن رمين جماره
طلعت نجوم النَّجم فيه وقابلتزهر السَّماء بمثلها أزهاره
أفضى إلى واشي النَّسيم بسرِّهفبدت لنا من طيبه أسراره
/ ب/ ضحكت ثغور أقاحه لمَّا بكتعين السَّماء وجادها مدراره
جاد السّماء فأسرفت أنواؤهزهر الرَّبيع فأشرقت أنواره
لمَّا رقصن به الغصون وغنَّت الورق الحمام وصفَّقت أنهاره
خلع السَّحاب عليه حلَّة روضهوغدا ومن حبِّ الغمام نثاره
فأقرَّ وشي الغانيات لوشيهوأعارهنَّ الطِّيب منه عراره
فاشرب على الرَّوض الأريض كأنَّمانقل الغناء عن الغريض هزاره
واعقر به لؤم الدِّنان فخير ماعقرت على ضيف الرَّبيع عقاره
في مجلس أضحى المفوَّه أخرسًاعن وصفه وتكلَّمت أطياره
خضل البنان شدا على أغصانهقمريَّة فتمايلت أقماره
خمرًا تخال بكأسها لمَّا بدتجمرًا ومن طافي الحباب شراره
نار وفي خدِّ النَّديم لهيبهاحلي وفي كفِّ المدير سواره
يسعى بها لدن القوام ممنطقلم أنسه فيهيجني تذكاره
رشأ من الأتراك لا آباؤهقيس ولا عدنان يبلغ داره
ما الغصن إلاَّ ما أراه قوامهوالحقف إلاَّ ما حواه أزاره
خجلت غصون البان خيفة قدِّهورنا فريع لمقلتيه صواره
/ أ/ فله من الغصن النَّضير قوامهوله من الرَّشأ الغرير نفاره
ما هزَّ أسمر رمحه وقوامهإلاَّ ثنى خطِّيَّه خطَّاره
جنب وخمر ثغره ورضابهورد وآس خدُّه وعذاره
يرنو بلحظ جاهل سخَّارهبالعاشقين وعالم سحَّاره
ماض غرار جُّفونه طرد الكرىعنِّي فما زار الجفون غراره
ما خاف في يوم الكريهة ضاربأضحى كصارم جفنه بتَّاره
وأنشدني أيضًا لنفسه:
إلى م أرى الغرام به غريميوفي م ندامتي فيه نديمي؟
وحتَّى م البكاء بكلِّ ربعكأنَّ عليَّ رسمًا للرُّسوم
أخاف عليَّ من غرق بدمعفأحبسه فأغرق في الهموم
أحنُّ إلى الصَّريم لأجل ظبييعير الظَّبي غزلان الصَّريم
وأنثر درَّ دمعي من غراميبواضح درِّ مبسمه النَّظيم
هلال ما اعتراني السُّقم إلَّاغرامًا منه بالجفن السَّقيم
سليم القلب من كلفي ووجديأبيت عليه في ليل السَّليم
أقام قيامتي منه قوَّامٌيريك معاطف الغصن القويم
/ ب/ وخصَّ الحسن وجنته بخالٍيفوق به الأنام على العموم
أيا قمرًا رعاني السُّقم فيهوعلَّم مقلتي رعي النُّجوم
بسحر الجفن رعت كليم قلبيوكيف نفوذ سحر في كليم
وأسهرني لديك رقيم خدٍّفواعجبًا أأسهر بالرَّقيم
وألقى من خدودك في جحيمٍوفرقك كالسِّراط المستقيم
سباك الخمر حين سببيت عقليليمزج مثل ريقك لي نديمي
ولولا الخمر مثل لماك طيبًالما ملنا إلى بنت الكروم
ولو لم تشبه الغزلان لحظًالما شمنا برامة لحظ ريم
جهلت فبان عن جسدي فؤاديوأقبح ما يرى جهل الحليم
وإنِّي إن رضيت سواه خلًالمختار الشَّقاء على النَّعيم
وماحكم الحمام على المعنَّىبأصعب من مفارقة الحميم
أميل إذا ذكرتك للتَّصابيكميل الغصن من مر النَّسيم
ويبكيني بعادي كلَّ وقتٍبكاء البحتريِّ على نسيم
وأنشدني أيضًا له من أبيات:
ألف الملال فمال عن ميثاقهرشا فراق النَّفس دون فراقه
/ أ/ عذب اللَّمى حلو الخلال كأنَّماخلقت مراشف فيه من أخلاقه
جوَّال حلي الخصر أخرس صبهعن ذكره السُّلوان نطق نطاقه
يفتر عن عذب المراشف واضحٍمرُّ الصَّبابة دون حلو مذاقه
يشفي لماه سليم عقرب صدغهفينوب منه الرِّيق عن درياقه
دقَّت معاني حسنه ولقدِّهعبث الأنام من القنا بدقاقه
وسنان يقلقني توعُّد طرفهويودُّه قلبي على إقلاقه
يهوى المطال ولو بأيسر موعدٍويصدُّ حتَّى الطَّيف عن مشتاقه
وقف الجمال على محاسن وجههحتى ظننَّا الحسن من عشَّاقه
يا محرقًا قلبًا أقام بربعهألَّا كففت جفاك عن إحراقه
اطلقت أدمع عينه يوم النَّوىوفؤاده وحكمت شدَّ وثاقه
رفقًا بصبِّك إن أردت بقاءهيكفيه ما يلقاه من أشواقه
أسهرته وأسلت مقلته دمًاأترى ذبحت النَّوم في آماقه
وأنشدني لنفسه، وقد نفذ له السلطان الملك الكامل خلعًا وخيلًا، وأنشده ذلك ارتجالًا:
/ ب/ يا أيُّها الملك الَّذي مدحهيعجز عن إدراكه القائل
طلت ملوك الأرض في جودهموعمَّهم من كفِّك النَّائل
ما كلُّ ما يأتيك منهم لماأسلفت يا خير الورى طائل
لأنَّك البدر فلا غرو أنزانك من اوصافك الكامل
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
تبدت فأود بالقضيب اعتدالهاوأربى على نقص الهلال كمالها
وفاهت من الدرِّ الثَّمين بمثلهفأزرى على السِّحر الحرام حلالها
فما الحسن إلَّا ما حواه لثامهاوما الغصن إلَّا ما أراه اختيالها
من التُّرك في رشق السِّهام وإنَّهاليعزى إلى حي هلال هلالها
تصول بميَّاد القوام بمثلهيكرُّ إلى قتل الرِّجال رجالها
وما الصَّعدة السَّمراء إلّا قوامهافصعب على غير الجليد اعتقالها
نأت دارها عنِّي وفي القلب شخصهافحمَّلني ثقل الغرام احتمالها
ولو لم تكن بدر السَّماء لما غداإلى القلب بعد الطَّرف منِّي انتقالها
فذلِّلت في حبِّي لها فتذلَّت..... في الغرام دلالها
ومن عجب أخشى مع الهجر بعدهاوما ..... يرجى في الدُّنوِّ وصالها
/ أ) وما هي إلَّا الشَّمس يدنو منارهاويبعد عن أيدي الرِّجال منالها
من البيض وافاها النَّعيم فعمَّهاوزيَّنها في زينة الحسن خالها
وأنشدني لنفسه مما كتبه إلى محيي الدين يوسف بن زبلاق الكاتب الهاشمي
الموصلي وقد آذاه فرس بحافره:
ألا يا خير من يرجى نداهومن عمَّ البريَّة بالنَّوال
ومن إن هزَّ في الجلَّي يراعًاخضعن لحدِّه سمر العوالي
ومن إن غاص في بحرٍ المعانيخجلن لحسن منطقه الَّلآلي
أتيتك عائدًا وكفين حالًاتعاد لأجلها في كلِّ حال
[فبابي منذ خفت عليك بالوحالي من مصابك غير حالي]
ورحت وبيت فكري في اشتغالًعليك ونار قلبي في اشتغال
وأقسم ما برحلك نيل طرفًوذهنٌ ظنَّ ذلك في ضلال
ولكن داس أخمصها الثَّريَّاوجاز مدى الكواكب في المعالي
وطال على الهلال فلم ينلهفنال الثَّأر منه أخو الهلال
فأجابه محيي الدين الكاتب بديهًا:
أيا ربَّ البلاغة في المعانيومرضيَّ المكارم والمعالي
/ ب/ ومولى كلِّ إحسانٍ وبرِّومطلق كلِّ شكر من عقال
ومن أربى على الفصحاء قولًاوزاد على الأكرام في الفعال
لقد خوَّلتني نعمًا أضاءتنجوم سعودها في ليل حالي
فمنك علمت تحبير القوافيوعنك بقيت محمود المقال
أأحمد إنَّ مجدك حيث أهوىعليٌّ عن نظيرٍ أو مثال
فما أرجو من الرَّحمان شيئًاسوى أنِّي أراك رخيًّ بال
معافي الجسم مكبوت الأعادي موقًى من معاندة اللَّيالي
وأنشدني لنفسه في غلام قصر شعره:
قصَّرت شعرك كي تقلَّ ملاحةًفكساك أبهى الحسن وهو مقصَّر
وقطعته ليقلَّ عنَّا شرُّهوالأيم أقتله القصير الأبتر
وأنشدني لنفسه في المعنى:
قصَّرت شعرك حتَّىأميل عنك كميلك
وضاع فيه سؤاليلمَّا علقت بذيلك
جعلته بعد ما كانمثل ليلي كليلك
وأنشدني لنفسه أيضًا:
/ أ/ حللت من الملك العزيز براحةغدا لثمها عندي أجلُّ الفرائض
وأصبحت مفترَّ الثَّنايا لأنَّنيحللت بكفٍّ بحرها غير رائض
وقبَّلت سامي خدِّه بعد كفِّهفلم أخل في الحالين من لثم عارض
وأنشدني لنفسه بمدينة السلام في شوال سنة تسع وثلاثين وستمائة يمدح الأمير العالم الكبير الأصفهسلار ركن الدين أبا شجاع أحمد بن قرطايا –أعز الله أنصاره وأعلى مناره-:
بلمى مراشفك العذابقد لذَّ لي مرُّ العذاب
لك ريقةٌ مثل المدام ومبسمٌ مثل الحباب
يا صاحب الخدِّ الَّذيحاكى فؤادي في التهاب
لا تحسبن سمعي يصيــخ إلى العواذل في العتاب
وجدي مقيمٌ واكتئابي في محبَّتك اكتئابي
والهجر دأبك في الهوىيا قاتلي والوجد دابي
من لي بأهيف قدُّهريَّان من ماء الشَّباب
/ ب/ صاحي الفؤاد تخالهنشوان من خمر الرُّضاب
كلفي به في الحبِّ لاكلفي بزينب والرَّباب
قمرٌ سعى فمدامعيللبعد عنه في انسكاب
منهلَّة كنوال ركن الدَّين أوسحِّ السحاب
ملكٌ غدا بحر النَّوالبكفِّه طامي العباب
عذب الشَّراب لوارديهوغيره لمع السَّراب
معطي الرَّغائب للعفاةوواهب الخيل العراب
ألف السَّماح فربعهبالوفد مأهول الجناب
جمُّ الفواضل والقرىعالي المضارب والقباب
فهو اللَّبيب الأريحيُّوصاحب الحسب اللُّباب
ملك له منن كأطواق الحمائم في الرِّقاب
صعب الحجاب ودونهلوفوده سهل الحجاب
ليثٌ يصول بعزمهبأسًا على الأسد الغضاب
غيثٌ تكفَّل كفُّهريَّ الأباطح والشِّعاب
فتراه مرجوَّ النَّدىأبدًا ومخشيَّ العقاب
/ أ/ يا ماجدًا أوصافهأسنى اجتلابي واحتلابي
يا عاقر الكوم المنيفات الذُّرى مثل الهضاب
يا من إلى أبوابهدون الورى نصُّ الرِّكاب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع