من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه علي (٤)
وأنشدني؛: قال أنشدني والدي لنفسه:
/ أ/ رفقًا بها يا أيُّها السَّائققد سميت لا عاقها عائق
وقف علي الوادي ورد ماءهفإنَّه من ادمعي دافق
ونَّاد بالناَّدي الَّذي دونههل يجمع المعشوق والعاشق؟
وكتب إلى القاضي تاج الدين جعفر بن محمد الكفر عزىّ:
يا حاكم الحكُّام حالي في الوريحال البعير الجائع الظَّمآن
يجترُّ من خمصٍ ويحسب أنهبطنٌ وتلك مظنَّة الشَّبعان
وكتب إليه بعض أصدقائه، في يوم مطير هذين البيتين؛ وهما لبعض الشعراء:
إن كان هذا الغيث جاء لرحمةنشرت به في شمال وجنوب
فلقد جني يا صاحبيَّ جناتهمنع المحبِّ زيارة المحبوب
فأجابه أبو الحسن على الوزن والقافية:
يا أيهُّا الحبر اللَّبيب وصاحب الفضل الغري ومن أتى بعجيب
لم يجن هتَّان السحاب وما أتىبإساءةٍ يا ممرضي وطبيبي
/ ب/لكنه حبس الرَّقيب ولم يكنمنع المحبَّ زيارة المحبوب
فانعم وزر فالغيث جاء لرحمةٍما جاء للهجران والتِّعذيب
/ أ/ وله إلى القاضي بهاء الدين بن شدّاد-قاضي حلب-يشكو إليه بوّابه
زرت بهاء الدٍّين في منزلقد أصبح المجد له مالكا
كأنَّه في حسنه جنةٌلو لم يكن رضوانها مالكا
وله بيت مفرد في وصف عذار:
وكان غريب الحسن قبل عذارهفلمَّا بدا صار الغريب المصنَّفا
وقال في الملك الظاهر غياث الدين:
يا ظاهراً ظهرت في الدَّهر سيرتهكالزَّهر للروض أو كالزُّهر في الأفق
لم تبد حالي مثل اللَّيل حالكةإلا لتطلع فيها أنجم الورق
وقال: أيضا
غازلت بالرَّملة العفراء ملتفاًغزيَّلاً بصفات الحسن منعوتا
حلَّته وجنته فيها ومقلتهحسنًا ليوسف أو سحراً لها روتا
فعاد جيش أصيحاب له فليبظنِّه النَّهر المنساب طالوتا
وبالكثيب لحذَّّاف له نصبتصفًا كما نضب الكفَّار طاغوتا
أصابها بشبيه القلب منه كماأصاب داود بالأحجار جالوتا
/ ب/ وله في البليغ المنبوز بالأسحل
شعر البليغ ولو أصبحت ذا أدبلكنت أنثر ما فيه على ما فيه
بيوته كبيوت الخان قد نظمتوماله كنفٌ إلاَّ قوا فيه
وقال:
وأسمر ماله في الحسن ثانيولا يثني المحاسن عنه ثان
فو بهته ترد الحزن عرساًبلحنٍِ لا المثالث والمثاني
وقال أيضاً:
أتيت لوعد مولاناولي في وعده أمل
وأعلم أنَّه شمسٌويعلم أنَّني حمل
وله في ابن عثمان المصري:
رأيتك يا ابن عثمانوعينك قد غدت عينا
فقلت الله يأجرهويترك عينه عينا
/ ب/ عليُّ بن محمود بن عليِّ بن علوان بن خليفة بن علوان، أبو الحسن الأنصاريُّ البزاعيُّ.
من بزاعا، قرية بباب حلب.
قال أنشدني علي بن محمود بن علي البزاعي لنفسه، يمدح الملك الأشرف
موسي بن محمد بن أيوب؛ من قصيدة أوّلها:
هو الربع لا غمَّت عليك ملاعبهولا برحت عن مقلتيك رباربه
فهن نسمات الرِّيح من نحو أرضهترحب صبّ صادفته حبائبه
ومنها:
وفي الكلَّة الدريّة اللَّون شادنٌتشابه منه ليته وترائبه
ولم أنسه عند الرَّحيل وبيننارقيبٌ نداجيه وضدٌّ نراقبه
وكلُّ لبيب يكتم الوجد قلبهويفضحه من حيرة البين قالبه
/ أ/وليل ترتدَّي بالغمام ووشِّحتمشارقه من دجنة ومغاربه
يجرَّد نور البرق فيه حسامهفتنصاع من خوف الحسِّام كواكبه
ومن مدحها قوله:
كأنَّ ندي شاه أرمن الأشرف أبتدابوابله اوبا كرتنا مواهبه
فتي ضمَّنا مع غلطه الدَّهر لطفهولآن لنا مع شدة الدَّهر جنابه
وبوَّأنا من ر وضه ما صفت لنامشاربه عند الطَّما ومساربه
ومنها أيضاً:
وهل من يدٍ بيضاء في الدَّهر لم تكنلموسي إذا ما الدَّهر عمَّت غياهبه
/ ب/ عليُّ بن الحسن بن عنتر بن ثابتٍ، أ/ أبو الحسن
الحليُّ، المعروف بشميمٍ.
أديب شاعر، عزيز الشعر في فنون، تامُّ العلم باللغة، واسع الحفظ استظهر شيئا كثيرا من الأشعار, وأيام العرب؛
وكان من جمله محفوظاته؛ إصلاح المنتق، يهذّه هذا من
خاطره, وغير ذلك.
اخذ علم العربيه, عن ابي محمد بن الخشاب النحوي, وابي نزار الحسن بن صافي
البغدادي, والملقب ملك النحاة.
وكان صاحب رسائل وخطب ومنظوم ومنشور, وتصنيفات جمَّة, فمن مصنفاته؛
كتاب ((الحماسة)) من شعره, وكتاب ((بداءة الفكر في بدائع النظم والنثر)) من قبله ايضا,
وكتاب ((انيس الجليس في محاسن التجنيس)) من إنشائه وشعره, وكتاب ((النكت المفحمات
في شرح المقامات))، وكتاب" مجتنى ريحانة الهمّ في اشتقاق المدح والذم"، وكتاب"معاية العقل ومعاناة النقل"، وكتاب
/ ب/"أري المشتار في القريض المختار"، وكتاب صياح المنى في إيضاح الكنى"، وإلى غير ذلك من التواليف.
وكان مع فضله وحفظه؛ فاسد العقل والدين، مهوّسًا تاركًا للصلوات الخمس، ضعيف العقيدة، ذا خفةٍ وطيش،
يطعن في العلماء، ويقدح في الأدباء؛ وكان دأبه الإزراء علي الشعراء المتقدمين، ويجهل الاوائل، وينبزهم بالكلاب،
ويصف نفسه ولا يري فوقه أحداً، وتبدر منه ألفظ رديئة في حقِّ أهل العلم.
وكان قد طاف قطعة من البلاد، ثم قطن الموصل، وانتابه الناس لاستماع كلامه، ولم يزل بها ساكناً، إلى أن توفي
في العشر الآخرة من ربيع الآخر سنة إحدي وستمائة؛ ودفن بمقبرة المعافي بن عمران.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن أبي السعادات الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن شميم لنفسه، يصف الخمر وعتقها:
إمزج بمسبوك اللجينذهبا حكته دموع عيني
لمَّا نعي ناعي الفراقببين من اهوى وبيني
/ أ/ كانت ولم يقدر لشئقبلها إيجاد كون
أحالها التَّحريم لمَّا شبهت بدم الحسين
خفقت لنا شمسان من لآلائها في الخافقين
وبدت لنا من كأسهامن لونها في حلَّتين
فاعجب هداك الله منكون اتِّفاق الضَّرَّتين
في ليلةٍ بدأ السرور بها يطالبني بدين
ومضي طليق الرَّاح منقد كان مغلول اليدين
هي زينة الأحياء في الدُّنيا وزينة كلِّ زين
لم تبدو من أينٍ وهلجسم يري من غير أين
وأستغفر الله العظيم من كتبه!
وأنشدني أبو حامد بن أحمد بن أبي الحسن الموصلي؛ قال: أنشدني أبو الحسن شميم لنفسه:
أهلكت عاداً وبعد إرماوكان ما أهلكوا لهم أمما
تنهي عن القذع باللَّسان ولاينهاك عذلٌ أن تهلك الأمما
كانت معاصيهم الِّتي كتبتأخفي من أن تجري بها قلما
/ ب/ وأنشدني أبو الربيع سليمان بن المظفر بن موسي المؤدِّب الإربلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه:
قد أتى العيد يقتضيك رسومًاأنت أعلي قدراً بأن تقتضاها
يا كريمًا جلَّت معاني معاليه التي فاقت الوري أن تضاهي
وأنشدني أبو الفتح مسعود بن سعيد الموصلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه من كتاب
الحماسة الَّذي صنعه في باب النسيب:
لا تسرحنَّ الطَّرف في بقر الفلافمصارع الآجال في الآجال
كم نظرةٍ أردت وما أخذت يد المصمي لمن قتلت أداة قتال
سنحت وما سمحت بتسليمٍ وأغلال التَّحيَّة فعلة المختال
أظللت قلبي عندهنَّ ورحت أنشده بذات الضَّال ضلَّ ضلالي
ألوي بألوية العقيق علي الطُّلول مسائلاً من ذا يجيب سؤالي؟
تربت يدي في مقصدي من لا يديقودي وأولي لي بها أولى لي
يا قاتل الله الدُّمي كم من دمٍأجرين حلاً كان غير حلال
أسلين ذلِّ اليتيم في الأشبالوفتكن بالآساد في الأغيال
/ أ/ ونفرن حين نكرن إقبالي ولوأنِّي نفرت لكان من إقبالي
لكنذمام الحبِّ أن أولي الوفاء قطيعةً من قالي
وأنشد محمد بن سليمان الموصلي المجلد؛ قال أنشدني شميم الحلي لنفسه:
كان طرفي قبلأن ينظر ميّاً فارقنا
غائضا الدمع فلماحلَّها فار يقينا
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره:
ومشرِّع أفتيمعاقرة السُّلاف البابلي
قلت أتيت هذا حرامقال: هذا الباب لي
وأنشدني في الخطيب الإمام أبو عبد الرحمن محمد بن جاسم بن أحمد بن عبد الواحد ابن هاشم الأسدي الحلبي،
بمحروسة حلب، بمسجدها الجامع، في شهر جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين وستمائة؛ قال: أنشدني علي بن الحسن الحليّ
المعروف شميم لنفسه:
/ ب/ سقي منزلاً حاز الهوي لو ثويتهبحرَّان ربعيُّ الرَّباب غزيره
وأيَّام لهو يطبيني نعيمهاورائق عيشٍ بان عنٍّي غريره
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه
رعي الله مرتبعاً في الفؤادترامت به عزمات النّوي
وكان له من صروف الزَّماننعم المجاور أنَّي ثوي
وأنشدني أيضاً؛ قال: أنشدني شميم قوله
لو حلَّ نأيك لي مقيل هويأو دار شحط الدَّار في خلدي
لمنعت عينى أن تذوق كرىحتي تري يا جنَّة الخلد
ونواك أوَّل حادثٍ أوميما القت الآحزان من جلدي
وأنشدني بالاسناد:
إن عزَّبت حلب الشّام وعزَّبتسكني المقيم بها عن الأبصار
فنعم عوني عن دمع عيني إن تفانت أسرتي وتخاذلت أنصاري
قال وأنشدني لنفسه:
لو أنَّ تحمل كتبيإليك ريح شمال
لاستكتمتها يمينيما استكتبتها شمالي
/ أ/ قال؛ وأنشدني من شعره:
في كلِّ يوم بجفن عينيدمعٌ غريبٌ على غريب
حتَّى كأنَّ الغرام دون الأنام يا صاحبي غري بي
قال وأنشدني له في الفصول الموكبيَّه:
إنَّ السَّحاب حداه شوقٌ أن يوافي وجهكا
وأحبَّ أن يلقي لهمثلا يزار فأمَّكا
ومحاكيًا في الجود منمن في الجود كفَّك ماحكى
هيهات قصَّر أن ينال وإن أطال محلَّكا
ورأي بعين العجز ماأبكاه فانتاب البكا
وشكا إلى من لا يصيخإلى مقالة من شكا
ملك العدا وله النَّدىدون المنام تملُّكا
فاسلم ودم فالدَّهرفيما تنتحيه طوعكا
والأمر بعد الله ياخير البريَّه أمركا
وأنشدني أبو الثناء محمود بن محمد/ ب/ابن الأنجب الإربلي؛ قال: أنشدني شميم لنفسه
إنَّ نبات الشَّعر لابدَّ أنيمتصَّ ماء الورد من وجنتيك
ويستردَّ القبح ماشفَّ منشعار حسن مستعار لديك
ويطلب الثأر دمٌ طلَّهسيفٌ نضاه السِّحر من مقلتيك
وينثني من كان يبكيه منك الصَّدُّ والإعراض يبكي عليك
فارجع إلى الإنصاف في دولةٍأصغي زمام الأمر فيها لديك
وقال أيضا:
ثغر الرَّبيع ضاحكٌلضحك ثغر زهره
يجكي نور نورهنور نجوم زهره
فأيُّ عذرٍ لفتيضيَّع نفع عمره
برفع دال زيدهونصب وراء عمره
وله في وصف ساحر:
قل لي فدتك النَّفس قل ليماذا تريد إذاً بقتلي
أأردت خمراً في كؤوسكهذه أم سمًّ صلِّ
/ أ/ وقال أيضًا:
قالوا نراك بكلِّ فنِّ عالماًفعلام حظُّك من ذباك خسيس؟
فأجبتهم لا تعجبوا وتفهَّمواكم ذاد نهزة ليث خيسٍ خيس
وقال أيضًا:
أقيلي عثرة الشَّاكي أقيليفسؤلي في سماع ثار سولي
وإن لم تأذني بفكاك أسريفدلِّيني علي صبرٍ جميل
وقال أيضًا:
ليت من طوّل بالشَّأم ثواه وثوي به
جعل العود علي الزَّوراءمن بعض ثوابه
أتري يوطئني الدَّهرثري مسك ترابه
وأراني نور عينيموطئا لي وتري به
علىُّ بن ناصر بن مكِّي بن اللّيث، أبو الحسن المدائنيُّ الشيبانيًّ
كان فقيهاً شاعراً مترسلاً، زاهداً في الصلاة؛ قليل الرغبة في الصِّلات؛ ذا أدب وعلم، أتقن طرفاً من/ ب/ الحكمة.
وكان سوداويُّ المزاج، به وسواس كان يعتريه؛ سافر إلى مكّة، ودخل الديار المصريّه، وبلاد الموصل وغيرها من البلاد.
أنشدني أبو الثناء محمود بن محمد بن الأنجب؛ قال: أنشدني علي بن ناصر لنفسه بإربل سنة خمس وتسعين وخمسمائه؛
وبلغني أنَّه بقي إلى بعد سنة عشر وستمائة:
أعد نظراً يا طرف إنَّك حالموخلِّ الهوى يا قلب إنَّك هائم
فما الرَّكب إلاَّ غير من أنا ناشدوما الصحب إلاَّ غير من أنا لائم
أضعت غداة البين رشدي وأنكرتمعارف عندي للنُّهى ومعالم
وقال أصيحابي ذر الهمَّ والمنىفلن يكرث الفتيان ما أنت راغم
وكن راضياً بالدَّهر فيما قضى بهفإنَّ نصيب الدَّهر ما هو قائم
فيا ناشد الآظعان إن جزت بالحميوعجت بحزوي والعيون نوائم
وشارفت رند الأبرقين وأبرقتعليك بأطراف القباب اللَّهازم
فحيِّي بها من حيَّ شيبان معشراًتحيِّك من أبياتهن المكارم
وقال أيضاً:
أعهد الهوى إنِّ لذكراك واصلوطيب الكرى إني لمسراك راقب
/ أ/ وعهد التَّداني هل إلى أربع الحمىمعادٌ وهل تقضي بهن المآرب
فمنذ سرى الرَّكب العراقيُّ لم تزلتسامر قلبي بالبكاء النَّواعب
ومذ حبس الحادي المطيَّ علي النَّقاوحنَّت إلى الوجد القلاص النَّجائب
أراق دمي للبين دمعٌ أراقهغداة التقينا للوداع الحبائب
وأصمي فؤادي سهم لحظ رمت بهوقد ودَّعتني بالسَّلام الحواجب
بنفسي فتاةٌ أيقظ الصُّبح طرفهاوقد ذعرتها بالرُّغاء الرَّكائب
رنت فرنا الرِّيم الحجازيُّ كلُّهوهبَّت لريَّاها الصَّبا والجنائب
وماست فماس البان زهواً وغرَّدتبشجوٍ فغنَّها الحمام المجاوب
وسائلت الأتراب ولهى وردَّدتتنفُّسها حتي اهتززن التَّرائب
وقالت وقد هاج الهوي ما تجُّنهوقد رمقتها بالملام العواتب
أذاك الفتى المرِّيّ هل غض شملهواعفسه شط المزار الثَّوائب
فقلن لها بل قوَّض البين دمعهوسرن به تلو الرُّكاب الحقائب
وأقفر منه الواديان وأوحشتلمسراه من بطن العقيق الجوانب
فأقطر منها الطَّرف دمعاً كأنَّهلآليء فضَّتها الأكفّ الخواضب
/ ب/ وكلل منها المقلتين فحدَّقتكما أحدقت بالفر قدين الكواكب
.. فرط التَّأسُّف والأسىوورَّد خدَّيها الحياء المغالب
عليُّ بن إدريس بن مقلّد بن شبل بن حريزٍ، أبو الحسن الحمصي، الكاتب بحماة.
من الشعراء المكثرين في زماننا، طويل الباع في النظم، رزقه الله قريحة صافية، ومنحه من علم اللغة حصة وافية.
وهو شاعر مسهب، يتأتى له الكلام من كلّ مذهب، يمدح الملوك والكبار، بمطولات القصائد والأشعار.
ثم إنَّه إذا مدح أحداً نشر فيه ألف بيت، وربما بلغ نظمه خمسين ألف بيت، على
ما أنشدني أبو عبد الله محمد بن حيدر بن الدبندار الشاعر الواسطي؛ قال: أنشدني علي بن أدريس الكاتب لنفسه يمدح
فلك الدين أبا القاسم عبد الرحمن بن هبة الله بن علي بن الميري المصريّ:
على دار سلمى إذ مررت مسلِّماًوقد أقفرت منها جرت ادمعي دما
/ أ/ وكنت أراها جنَّةٌ باجتماعنافعدت أراها للفراق جهنَّما
وإن جمعت بين الصُّدود وبينهافكم جعلت فكراً بذين مقسَّما
وما هي إلاّ ظبيةٌ بجفونهاتعفِّر لا بالصَّارم العضب ضيغما
وإن ظلمت باللَّحظ ساحرً بابلٍفمن خدِّها الورد الجنيِّ تظلَّما
وإن علَّمته النَّفث فترة جفنهافمن سقمه جسمي السقام تعلَّما
وما حرَّمت إلاَّ وصالاً محلَّلاًولا حلَّلت إلاَّ صدوداً محرَّما
وبي ألمٌ يا ليته لا ألمَّ بيولم يشفني منه سوى رشفة اللَّما
وقولي لها إذ هزَّها ثمل الصِّباكما هزَّ غصن البان روحٌ تنسَّما
رعى الله يومَّ الرّّّّّقمتين لكونهعلينا بنعم المتنعم أنعما
وليلة وادي النخلتين وعيتهايذَّكرني غزلان وجرة والحمى
وقد أرشفتني قهوةٌ من رضابهاوقد جعلت منها لها كأسها فما
فقالت ببعض العيش لو رحت قانعاًحلمت على دهر عليك تحلَّما
فأنشدتها البيت الَّذي شاع ذكرهوعنه لديها ما أملت الترنُّما
قنعت ببعض العيش إن عزَّ كلُّهومن لم يجد ماءً طهوراً تيمَّما
ووسَّدها منِّي التَّضاجع ساعداًووسَّدني منها كما اخترت معصما
/ ب/ وبتنا وأستار العفاف انسادلهاعلي مريم منها ومنِّي ابن مريما
إلي أن بدا ضوء الصَّباح فخلتهسني فلك الدِّين الوزير مخيِّما
فتي أمنت عيني برؤية شخصهإلى أن توافي حينها خيفة العمي
وكان مقالي للَّذي قال قد حويبه الأشرف السَّلطان للملك مغنما
فموسي كموسي وهو هارون ملكهومنه إلى ما يسلم سلَّما
ولا عجبٌ إن شدّ بالرّأي أزرهكما شدَّ أزر الحمد جود يد همي
وبالقلم الساطي..... علي القناوبالخذم كم ألقي إلى الفلِّ مخذما
كما قد أباد السَّابريَّ تمزُّقاوإن كان يسمو عن مقالي له كما
فإياك أن تذكر لدي خط نفسهحساما وأن تدني إلى الوصف لهذما
فكم سمهريَّ صار منه محطَّماوكم مشرفيَّ عاد منه مثلَّما
ولم تغن إلاًّ كتبه عن كتائبوأشقرها بالكرِّ يتبع أدهما
وما فضَّها من لا رأى من سطورهالديه خميساً للبلاغ عرمرما
فقل للِّذي يرجو ندى يد جائدٍعلى البحر فيما جاد للمجتدي ظلما
إلي غير جواد ابن المسيري..... .....
هو الصَّاحب الصَّدر الَّذي غاية النَّدىيصاحب من يسدي إليه تكرّما
/ أ/ تخال عطاياه لقاصده بهاجبالاً أتت في أبحر البشر عوَّما
لهم أعربت أغراب معني مدائحٍوكنَّا نراه قبل ذلك معجما
مسدّدةٌ آراؤه فلكيِّةٌمسيرته بالحزم تحزم أحرما
لقد حنَّكته حكمةٌ وتجاربٌفخذ من علاه أحلم الفصل محكما
أيا سيِّد السَّادات كن لي مساعداًعلي زمنٍ يخطني بغنًي رمي
إلي كم أشق القفر الفقر منجداًوفيم اقتضت منِّي المتاعب متهما
وعن كعبة المعروف كم أنا عائدٌكما جئتها ممًّا أؤمِّل محرما
وأنت لها الرُّكن الَّذي عرافتهلمعروفها ما أنكر الحمد مر تما
وزمزم جدواها ومنسك فضلهاولمَّا تزالا منك نسكاً ترمرما
وفي كلِّ عامٍ بالأماني يعلُّنيرجائي بما يدني عسي ولعلَّما
وليس قيامي في سوي لجَّة النَّديلأعذب ورد كيف أقضي من الظَّما؟ !
وذا السَّهم إن لم يصم لي غرضاً بهغدوت علي فقد الحياة مصمِّما
وما ثَّم إلاَّ عزمةٌ فلكيِّةٌتشكل لي حظاً بفقر تهدَّما
فإن لمحتني من علاها عنايةٌتسربلت سر بال السَّعادة معلما
وعاد إلى أهلي النَّذير قائديولست بقوَّال أعود مدرهما
/ ب/ ودم في سماوات المعالي محكّماًمناقبك الَّلاتي له صرن أنجما
وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد الحلبيّ؛ قال: أنشدني أبو
الحسن علي بن أدريس بن مقلد بن شبل بن حريز الحمصي، لنفسه من أبيات:
أيُّ طيفٍ تطيفه الأحلامبكئيبٍ جفونه لا تنام
أو تري عدل حاكم البين في شرع الكآبات والغرام الغرام
يا لقومي تجنَّبوا الخيف إذا مافيه أمنٌ لمستهامٍ يسام
وتعدًّوا رمال رامة إذ فيه تصيد الضراغم الآرام
بجفونٍ..... الذم للغضب فما عندها لقلبٍ ذمام
وأنشدني؛ قال لي: واقترح علي الملك المنصور – صاحب حماة – أن يجيز بيتاً هو:
يغدوا عليَّ بريقه وبكأسهفيعلُّني بالكأس بعد الكاس
والروض قد أهدي إلى نوَّارهروح النَّسيم بأعطر الأنفاس
ومهفهف من خدِّه وعذارهيجلو جنيَّ الورد تحت الآس
/ أ/ يغدو عليَّ بريقه وبكأسهفيعلُّني بالكاس بعد الكاس
فيروح لي سكران منه ولم يكنللراح إلاَّ سكرةٌ للحاسي
رشاٌ يعير البدر ضوء جبينهوالغصن لين قوامه الميَّاس
وإذا أراد مسيرة ناديتهما في وقوفك ساعةً من باس
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه، وقد اقترح عليه:
ولربَّ قائلة: سيول الجود لمركدت وكانت جمَّة التَّيَّار
فأجبتها لا تنكري هذا فقدجمد النَّدى لبرودة الأشعار
نصف البيت الأخير لابن حكِّينا البغدادي.
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه:
يرقُّ لي العواذل وهي تجفووأنكر حبَّها والسُّقم عرف
بدت كهلال دجنٍ والثًّريَّامنظمةٌ لها قرطٌ وشنف
تهدّد بالنوى..... ..... ......
فلا وأبيك لم يكن غير لمحٍوأسار الدُّجى كالصَّدِّ وجف
وقالوا في الضَّعائن أمُّ خشفسرت ولخدرها الخرسان سجف
/ ب/ وفوق عقودها قمرٌ منيرٌوتحت ثيابها خوطٌ وحقف
فقلت لصاحبي ظعنت سليمىفدمعي بعد مسراها مسفُّ
وأنشدني؛ قال أنشدني وقد أهدي إلى الملك الأفضل سروة من شمع في كأس رخام:
ودوجة ما سقاها شأن غاديةٍتميس في كأسها كالشَّادن الثمل
كأنَّ أصفرها لوني وأحمرهادمعي وأبيضها وجه المليك علي
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه في قويق، وقد ملَّ وهو وابن نظيف واقفان عليه:
ولقد وقفت علي قويق عندماوافاه سيلٌ ليس بالممنوع
لو لم يكدِّره لقلت مواهبابن نظيف للعافي بغير شفيع
وكذاك لولا برده لحسبتهلمَّا تولَّى الظَّعن فيض دموعي
وقال في صديق ودَّعه:
يا أيُّها الغادي إليك نصيحةًمن قبل توديع وحثِّ مسير
أخشى يفرِّق عيسكم يوم النَّوىدمعي ويلهبه شرار زفيري
فخذوا أماناً من جفونٍ دمعهاهتنٌ وقلبٍ عنك غير صبور
/ أ/ وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه أيضاً، في الفلك بن المسيري يمدحه:
فلك الدٍّين ما إلى غير معروفك سيرى بالنَّاجيات البدن
أنت عبد الرَّحمن لفظاً ومعنىلسموٍّ تسمى الفخار وتكني
لم يجزني سواك مالاً وجاهاًويعنِّي ومن زماني يجرني
إن لوت ليت مكرماتك عنِّيغفلةٌ فهو آخر العهد مني
حاشا لله أن يخيِّب فيمنهو روح الوجود للقصد ظنِّي
أو يراني الحسود ممَّا أرجِّيه لقرع الفاقات أقرع سنِّي
ومسيري إلى ندى بن المسيريِّ بقلبٍ لآنعمٍ مطمئن
بل معادي يكون عنه بماعاد نظام الثَّناء عن وجود معن
دام في نعمةٍ لعلياه يغني الحمد إذ للعفاة بالمال يغني
علي بن إسماعيل بن الحسن بن الطوير، أبو الحسن المصريُّ.
أدرك دولة المصريين، وخدم .... بن شاور، واستوزره بهاء الدين قرقوش، وعاش عمرا طويلاً/ ب/ مائة وسبع سنين؛
وتوفي في أواخر صفر سنة سبع عشرة وستمائة.
وكان رجل جليلاً من كبراء أهل مصر في الرئاسة، وأحد الشهود المعدّلين بها، وكان معتنياً بالتواريخ والسير والأشعار؛ شاعراً فاضلاً.
أنشدني أبو المآثر عبد الصمد بن عبد الله المصري؛ قال: أنشدني أبو الحسن له:
لئن كنت قبل اليوم أسأل خالقييمتِّعني بالمال والجاه والأهل
فإني لا أسأله يبقيك دائماًويوزعني شكريك أصبحت في شغل
عسى الله يجزيك ما أنت أهلهويبقيك ماضي العزم والقول والفعل
وأنشدني؛ قال: أنشدني أبو الحسن لنفسه:
أكرِّر تسليمي عليه بأننَّيأشاهده بالقلب وهو بعيد
وليس علي حبِّي له ومودَّتيوشكري وإن رمت المزيد مزيد
عليُّ بن عليُّ بن سالم، أبو الحسن بن أبي البركات البغداديُّ، المنعوت بالمفيد.
من أهل الكرخ، ويعرف بابن الشيخ قرأ شيئًا من النحو على أبي الفرج/ أ/ محمد بن الحسين الجفني البغدادي.
وكان شاعراً صاحب بديهة حاضرة في النظم، سريع الخاطر فيما يقوله من القريض؛ وديوان شعره مجموع، وله مدائح في الناصر لدين الله- ﵁ أجاد فيها.
وكانت ولادته بكرخ بغداد سنة تسع وخمسين، ومات يوم الثلاثاء سابع رحب سنة سبع عشرة وستمائة.
أنشدني أبو الحسن علي بن المبارك بن هرثمة البغدادي الكرخي؛ قال أنشدني ابن الشيخ لنفسه:؛ يمدح جما الدين بن الحصين
بان من أهواه عنِّيفتجافى النُّوم عيني
قمرٌ أيسر ما فيهصدودٌ وتجنِّي
ذكره يدخل قلبيقبل أن يدخل أذني
أنا افدي منه غصنًافي كثيبٍ مثنَّي
عدت يوم البين عنهنادماً أقرع سنِّي
كم أناديه فأدعوهفلا يسمع منِّي
ما تخيَّلت بأنَّالخدن لا يرعى لخدن
سيِّدي ما كان ظنِّيفيك أن تخلف ظنِّي
/ ب/كلُّ شيءٍ ما سوى وصلك لي صفقة غبن
يا غريب الحسن والجالب منه كلِّ فنٍ
ما ذكرنا البدر إلاَّوبه إيَّاك نعني
أو ذكرنا الغصن إلاَّوكنت من أحسن غصن
متلفي فيك تلافيكوإعراضك عنِّي
أترى ذلك يرضيكفإن كان فزدني
كم تأنَّيت لأمرٍعزَّ مع طول التَّأنِّي
وكم استعجلت شيئاجاء من غير تعنِّي
أتمنَّى ليلة السَّفحوما يجدي التَّمنِّي
نح معي يا طائر البان وإن شئت فغنِّ
كلُّنا صاحب وجدوصباباتٍ وحزن
صاح ما ذي الغارة الشَّعواء في منزل أمن
رشأ يفتك بالأسدبلا ضربٍ وطعن
ما رمى إلاَّ أصاب القلب من قبل المجنِّ
/ أ/ فهو في السُّخط جحيمٌوالرِّضا جنَّة عدن
كجمال الدِّين مولىمعرب السُّؤود منِّي
ماجدٌ في راحتيهما يروم المتمنِّي
يهدم المال ولكنلقصور المجد يبنِّي
فهو عزِّي وغياثيمن أذى الدَّهر وحصني
قد جرت في بحر جدواه بريح النُّجح سفني
وأنشدنا محمد بن سعيد الواسطي؛ قال: أنشدني أبو الحسن الكرخي لنفسه:
ما هذه الدُّنيا لطالب رفدهاوعطائها إلاَّ شقا وعناء
يبني بها داراً ويعلم أنَّهيمضي ويسكن داره الأعداء
ولو ارعوى لم يبن فيها منزلاًونهاه عن عمل الفناء فناء
كمثال دود القزِّ ينفع [غيره]ولنفسه بفعاله الضَّرَّاء
وانظر إلى المعنى بعين بصيرةٍفاللَّفظ للمعنى الجليل وعاء
ما الفرق في صور الرِّجال وإنَّمابالفضل قد تتميَّز الأشياء
وإذا العبارة لم تكن من نيَّةٍلله من ذي القصد فهي هباء
/ ب/ من لم يكن في نفسه بمعظَّملمَّا يعظٍّم قدره العظماء
والحرُّ يشبه كلُّ حرٍّ مثلهوكذا السَّفيه نظيره السُّفهاء
وقال في مدح السواد:
إنّي لأستحسن السَّواد إذافكَّرت فيه بقلب معتبر
لو لم يكن في السَّواد منقبةُما طرِّزت منه وجنة القمر
ولم يكن في أعزَّ منزلةِوخير مثوًى في القلب والبصر
ولم يكن في الورى شعارً بنيالعبَّاس آل النَّبيِّ من مضر
خلائف الله في بريِّتهأثني عليهم في محكم السُّور
وقال أيضا:
قصَّر نومي طويل تسهيديلذات قدِّ كالغصن أملود
بيضاء كالدُّرَّة النَّقَّية زينتبحسن الغدائر السُّود
أبدت لنا ساعة الوداع وقدزمُّوا المطايا لساحة البيد
وأنشدني الحافظ الإمام أبو عبد الله بن النجار؛ قال: أنشدني أبو الحسن علي بن علي لنفسه:
/ أ/ ومعتدل القوام إذا تثنَّىتثنَّى الغصن وانهال الكثيب
يجرِّد من لواحظه حساماًله في كلِّ جارحةٍ نصيب
ويرسل اسمها من مقلتيهمواقعها من المهج القلوب
سقام جفونه مفتاح سقميوذلك ممرض وهو الطَّبيب
كأنَّ الحسن يعشق وجنتيهفليس يغيب عنه ولا يغيب
عليُّ بن الحسن بن شدادِ، أبو الحسن المصريُّ.
كان شاعراً متفقهًا، متأدبًا، حسن الشعر.
أنشدني القاضي عبد الصمد بن عبد الله المصري؛ قال: أنشدني علي بن الحسن لنفسه:
يا بعيد المزار ودُّك دانيليس ينأى وإن نأت بك دار
واقتراب القلوب مطلوب أهل الفهم لا أن تزاحم الأبشار
ربَّ دانٍ بالجسم ناءٍ عن القلب وناءٍ له الفؤاد قرار
وأنشدني؛ قال أنشدني لنفسه:
يردُّني الشَّوق إما كنت نحوكمفلست اعرف أرضاً غير أرضكم
/ ب/ نسيت كلًّ طريقٍ كنت أعرفهاإلاَّ طريقًا يؤدِّيني لربعكم
عليُّ بن الحسن بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ بن ثابت بن مزاحم بن عيّاش بن وديعة، أبو الحسن الرّبعيُّ النيليُّ
هو قرية من قرى النيل، تسمى أرديخلي.
كان مولده بها سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وخرج عنها إلى الموصل، وأقام بها يؤدِّب الصبيان، إلى أن مات لثلاث ليال
بقين من المحرم سنة عشرين وستمائة؛ ودفن بباب العراق، ظاهر البلد، بمقبرة عنار.
وكان ذا معرفة بالنحو والحساب؛ شاعراً شيعياً، أشعاره كثيرة في أهل البيت- صلوات الله عليهم وسلامه-.
أنشدني ولده أبو عبد الله محمد؛ قال: أنشدني والدي لنفسه يتشّوق أهله:
هل لي إيابٌ إلى أهلي وأوطانيوجيرةٍ ذكرهم روحي وريحاني
أرضٌ هويت هواها إذ بها نجمتقدمًا منابت أعراقي وأغصاني
وجيرةٌ جارهم لا جور يكلمهوهم له مثل أنصارٍ وأعوان
إذا تعوَّضت عنهم لم أجد عوضاًكلاَّ ولم يري إنساني لإنسان
/ أ/ وصاحبٍ كنت أرجوه وآملهعوناً لفتح ملمَّاتٍ وأضغان
جازيته بجميل الفعل مجتهداًفي حفظه وبضدِّ الفعل جازاني
كم نال بالنِّيل بعد الصَّدِّ من غرضٍوكم عليَّ قسي كلبٌ بقوسان
ولسد أجزع من ضدٍّ ولي سندٌعليه بعد إله العرش تكلاني
إمام حقٍّ أقام الدِّين مجتهداًبالسَّيف أبني طغاة الإنس والجان
وأنشدني أيضاً؛ قال: أنشدني والدي لنفسه من جملة أبيات قالها في غرض له:
سقي منزلاً بالنَّيل لي فيه منزلسكوب الحيأ مثعنجرٌ متهلِّل
وأيام..... بالسُّرور قطعتهأوقلب مقيمٍ بالجميل موكَّل
ومنها:
أجواد أقيالٌ كرامٌ أعزَّةٌعوار فهم تزداد والعام ممحل
تري تقدر الأقدار تجمع بينناوتنصفنا الأيَّام والدَّهر يعدل
ونلبس ملبوس المواهب والتُّقيونسجتها في الصَّالحات ونرفل
ندير دروس العلم فينا ولم نزلنعلَّ معانيها الحسان وننهل
وإنَّا وإن شطَّت بنا غربة النَّوي ........ في النَّاس مجدٌ يؤثَّل
/ ب/ سمونا فأنجانا السُّمو وقد سماأبو جرض أنجاه حرٌ محجَّل
وهيهات ينجو فاسقٌ حال بينهوبين نجاة جحفلٌ فيه جحفل
بأيديهم سودكأنَّها ... إذا لمست كادت لها النَّفس تجفل
وأعلوه لكن ظهر حرٍّ تخالهكراكبه عيناه عيناه تغزل
وحافره [يا] للرجال مقبَّبٌكحافره صلب المسامير منعل
ونقلاته نقلاته بيد أنَّهإذا ما مشي بين الحمير يحمّل
شديدٌ سر سيع الخطا سيَّان عندهإذا باشر المسرى مخفٌ ومثقل
عليُّ بن إسماعيل بن إبراهيم بن جبارة بن مختار بن يوسف بن إبراهيم بن الحسن الكنديُّ التُّجيبيُّ الأشعثيُّ الهذلىُّ المحليُّ.
منسوب إلى المحلّة؛ وهو بلد بالديار المصرية.
سكن مصر، وكان نحوياً أديباً فاضلاً، معبّراً، يرجع إليه في علم النحو والعربية، وتصدّر لإفادة علم هذا الشأن، يقرأ عليه.
وله مع ذلك يد في الفقه والأصول، وطبع في صناعة الشعر، ومعرفة باللغة؛ وخبرت أنه كان/ أ/ شيخاً حسناً،
جميل الهيأة لطيفاً، طيب المعاشرة، خدم في الأعمال الديوانية، بمصر مدة طويلة وتنقل فيها، ثم كف ّبصره بأخرة،
فانقطع إلى منزله يشغل في العلوم الأدبية كثيراً من الناس.
كانت ولادته في سنة أربع وخمسين وخمسمائة بمدينة سخا من الأعمال الغربية.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد بن عبد الواحد الأوسي السبي- أدم الله سعادته- قال: أنشدني
أبو الحسن علي بن إسماعيل بن جبارة السخاوي المصري لنفسه بالقاهرة، بمسجد الأزهر في سنة إحدى وثلاثين وستمائة:
هتفت ورقاء غصنٍ تغَّنيذات شجوٍ أخذت في كلِّ فنِّ
صاح بي عند ذهولي شجوهايا معنَّى بالحمى إيَّاك عنَّي
إن ترد علم الهوى عن صحَّةخذ أحاديث الحمى عنَّي ومنَّي
يا حمام الأيك من أخبارهمإن تحدَّثت بها يوما فزدني
كرِّر الأخبار يا راويهاومتى ما عن شوقي فأعنَّي
يا فؤاداً ظلَّ في وادي الغضاعنده خلَّفته لم يتَّبعني
/ ب/ قالوا للجسم وقد فارقهها هنأ إلفي فودِّعني ودعني
أضرم الشوق بقلبي جمرةًعجباً لم يطفها طوفان جفتي
أتمنَّاهم على بعد المدىقلَّماً يجدي على الصَّبِّ التَّمني
وأرجَّي عودة بعد النَّوىواللَّيالي أحلفت لي حسن ظنَّي
يا أخلائي من الخيف لقدكان لي في قربكم جنَّات عدن
وقال أيضاً:
قد جعلت البدور منك حيارىحسداً والنُّجوم منك غيارى
بأبي من دفعت قلبي إليهاباختياري فلم تدع لي اختياراً
الأمان الأمان منها ومن نار هواها أو الفرار الفرارا
وبقلبي من كان عهدي بقلبيمضغة ثمَّ قد احالوه داراً
جيرة أحسنوا إلينا وإن جاروا علينا وإن اساءوا الجوارا
حملوا الرَّاح في المباسم لكنهم صحاة منها ونحن سكارى
كم أتينا لها ورحنا زماناًوجئنا بها ... مرارا
وبلغنا بها الأماني طوالاًوقطعنا بها الليالي قصارا
ما جعلت العناق منى دثاراًأو جعلت الشُّعور منها شعارا
/ أ/ بدياري عشقت لم أندب الربع ذهولاً ولا سالت الدًّيارا
كلفي قطُّ لم يسافر ولا سار غراميخلف الُّذي عنه سارا
ثمَّ شاب العذار مِّني ويكفيك شيب العذار عند العذري
فأ‘رت الشَّباب غيري وما زال شباب الإنسان ثوباً معارا
طلع الشَّيب في عذاري نجوماًورأيت النجوم منه نهارا
وقوله: ﴿من مجزوء الكامل]
جاءت بحسن مطمئنِّجاءتك منه بكلِّ فنٍّ
يا حسنها ممَّا يروع بالعذار المرجحنِّ
فرِّت من الفردوس إما من ملال أو تجيِّي
يشتاقها مثلي كماتشاقها جنَّات عدن
لحلا صورة كحلها في جفتها سيف بجفن
لمياء مبسمها كصبح قد أحيط بيوم دجن
أنفاسها كنسيم ندِّخاض فيه نسيم دنِّ
يا عاذلي فيه أعِّنيأو إليك إليك عنِّي
دخل الغرام بغير أمري للحشا وبغير إذني
/ ب/ تدعو ملاحتها الغرام فيستجيب بلا تأنِّي
ويريك كل إساءةوجه يجيء بكل حسن
وقوله:
قلت يوماً لمن علىخسنه الخلف مجمعه
يا غزالا بحسنهملك القلب أجمعه
كنت سلِّفتنك الوداد لترعاه في دعه
قال لي مثله رددت من الضِّيق والسِّعه
قلت: زدني من الوصال وخذ مهجتي معه
قال: هذا محرمسلف جرَّ منفعه
وقال:
زار عنها الخيال وهي نحيلهفاغتنمنا منها الوصال لحيله
جعلت مقلتي منامي سبيلاًلتلافي وصالها ووسيله
تتناءى يقظي وتدنو مناماًفاعجبوا من ضنينه ومنيله
هي منصورة بحسن ودِّلوهما في الورى أعزُّ قبيله
تتثنَّى غصنا وترنو غزالاًحين تدنو بدراً وتذكو خميله
/ أوأنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد القاهر بن هبة الله بن النصيبي
بحلب؛ قال: أنشدني ابن جبارة لنفسه:
لا تعجلن بملاميدهاك منى اعتذاري
فليس عاري بأنِّيأغذو وجسمي عاري
فضلي إزاري فمن ذاعليَّ من بعد زاري
عليٌّ اسمي ولكنذو الفقر لا ذو الفقار
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
ولمَّا تنادوا لو شك النوىوجاء الفراق بما احذر
كتبت بدمعي على وجنتيسطوراً بنار الجوى تخبر
وأعجلها سيرها أن تجفَّفأثَّر فيها دمعي الأحمر
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره:
وصاحب في رضاع الكأس نادمنيوندَّمِّني بلا جرم فندَّمني
وقال للقلب لمَّا غاب عن بصري:يا أيها القلب بعد البعد كن دمني
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
/ ب/ إذا ما شكا المملوك قلت له: اصطبروقد ملَّني صبري ولم يحتمل كلِّي
وكيف اصطباري للخطوب وكلِّها؟وقلبي بلا خلٍّ وبقلي بلا خلِّ
وأنشدني؛ قال: أنشدني من قصيدة أولها:
آيات حِّبي فيك لا تتأوَّلسقمي النَّبيُّ بها ودمعي المرسل
حكم الغرام بأنَّ دمعي ماينيأبداً يجود وأن صبري يبخل
جنَّ الفؤاد بما أجن صبابةفعلام دمعي في الخدود مسلسل
يا مرسلاً من خطِّه مسترسلاًسهماً بما يوحي إليه يفعل
لا ترسلنِّ إلي سهماً بعدهأمسك سهاماً قد أصبن المقتل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
لهفي على أسرة ما سرَّني بهمعيش وأنَّهم مشن بيننا فقدوا
كانوا المراجيح والأحلام طائشةوكالمصابيح في الظَّلماء تتَّقد
وآخر الأمر قالوا قد قضى عمرخرست ناعية أو خانك الرَّشد
لقد أتيت بها شنعاءلا يستقلُّ قلب ولا كبد
قد خلففكان خط على بعده الكمد
/ أ/ وأنشدني؛ قال: أنشدني علي بن جبارة لنفسه:
قلَّدوني من هوى نجد نجاداودعوني امتطي الوجد جوادا
واتركوا العدل صفاء إنَّنيبسيوف الشَّوق افنيهم جلادا
وافتدوني من يدي أسر النوىباصطبار وافيدوني فؤدا
واحبسوا الركب فإن هم وقفوابلَّغوا منهم مرادي ما أرادا
واستعيروا لي إذا ما طاف بيطيفهم من أعين العين رقادا
واعيدوا لي حديثي بالحمىفمعادي فيه إذ يبدو معادا
سرت خلف العيس أنسا ابتغيفرأوا شخصي فردُّوني فرادا
أترى خافوا من الواشي ومنحرقة القلب انتقاداً واتقَّاداً
وأظلم الجوُّ لعيني بعدهموكذا يلبس ذو الحزن الحدادا
لم تذق عيني كرى بعد النوىإن شككتم فاسألوا عني الوسادا
كم منعتم أن يعاذ المبتلىبهواكم وأبحتم أن يعادى
وبقلبي ظبية إنسيةجعلت عيني لذا الحبِّ رشاداً
رمت ان اصطادها فانعكستقصِّتي فيها فحارتني اصطيادا
//ب/أبصرت شيبي فولت ولكمفي شبابي قد اتتنا تتهادى
فسقى المعهد من عهد الصباكلُّ غيث قد تمالا وتمادى
من يد الصَّاحب من راحتهبالنَّدى أحيت جماداً في جمادي
لا تسمُّوه جمادى إنهقد كساه الجود واسموه جوادا
يهب الدُّنيا بلا من بهاويرى ذاك لراجيه اقتصادا
فاح عرف العرف من راحتهفملا الدُّنيا يفاعاً ووهاداً
ناده إن حلَّ خطب إذ بداوجبه جدب إنه نعم المنادى
واطل سؤلك واسأله الغنىإنما تسأل من بحر ثمادا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
أيا حلو المجانة والمجانيجفوت فنوم عيني قد جفاني
وآمل من جفائك لي أماناًفأرجع من أماني بالأماني
أسال الوجد فيك دموع عينيمطيعات وسلواني عصاني
وكم قد رمت سلواناً ولكنقوامك في تثَّنيه ثناني
وكم امر اصطباري عنك قلبيفقال له: هواه قد نهاني
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله:
/ أ/ هات كأسي ولا تخف من مكاسيلا تكن لي بين الأناس بناسي
إن همي الهمُّ من سحاب أكنَّتأو دجا ليله غدت نبراسي
قستها بالخدود حمراء حتَّىجاء درُّ الحباب ردَّ قياسي
حبَّذا ذلك الحباب كدرِّفوق تبر مفرَّع الأكياس
نفضت نفسها وقد بخل الشَّرب عليها وهم من الأكياس
فسقوها وقد سقوها فكانتسلسبيلا مسكية الأنفاس
ولدت فيهم المسرَّة بكراًمن رأى البكر وهي ذات نفاس
تتجلى شمساً وتجلى عروسابين غصن النَّقا وظبي الكناس
ذاب حسِّي من حبِّ من لست أنساه بذكر له وهو لي متناسي
لا أسمِّيه خوف زجر يقالحين اسماه أهله بأياس
وأنشدني أيضا؛ قال: أنشدني لنفسه:
شوقي تمادى فولا أننَّيعلَّلت قلبي باللِّقاء لذابا
ما شاب قلبي بالمودَّة سلوةًلكن فرقي بالتَّفرق شابا
قد طال عهد البين فيما بينناإلا تزر فابعث إلى كتابا
وأنشدني؛ قال: أنشدني من شعره:
/ ب/ ما لي وللشَّوق أبديه ويخفينيوللصبابة أرويها فتضميني
أروم آتيكم مع بعد داركمعن العيان فيأبى البين يدنيني
لعلَّ نسمة ريح من خيالكمتهبُّ قصداً تحييِّني فتحييني
وأنشدني؛ قال: أنشدني قوله:
وكم آمر بالصَّبر قلبي رددتهوقلت له ما لي إليه سبيل
ثنيَّة قلبي اسكنوها بثينةًوما الصَّبر عنها يا جميل جميل
ضمنت الهوى منها بروحي فحسنهاوكيل ووجدي بالوفاء كفيل
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه:
يا هلالاً في فؤادي أشرقاليس لي مذ غاب عن عيني بقا
سلب الصبر وأعطاني الأسىوسبى النوم وأهدى الأرقا
تخذ الحاجب قوساً وانتضىلحظه سهماً وقلبي رشقا
لم يبقِّ الوجد عندي والجوىرمقا في مهجتي مذ رمقا
فسلوه حين ولَّى معرضاًملقاً منه لمن اضحى لقى
هذه نجد وهذاك الحمىفسلوه أين غزلان النقا
آه وجدً إن أجبت دارهمبعد المرمى وعز الملتقى
/ أ/ جيرة كانوا فجاروا إذ ناواواعاضوا عن سلوِّي قلقا
أنعموا بالطَّيف نعمي خلَّصتمهجتي بالقسر في أسر الشقا
حي طيفا طاف بي من حيَّهمحين حياَّني أزال الحرقا
بات يسليني ودمعي مسبلفرقاً حتى رقاه فرقا
ما رقا دمعي حنوّا إنمَّاخاف لمّا فاض منه الغرقا
أيها الورقاء أميلت الدُّجىمن غناء وملأت الورقا
خفضي لحنك لا تزهي بهليس من نمَّق لفظا شقى
أنا أميلك مديحا لو بدافي دجى اللَّيل أزال الغسقا
ذاك مدحي في أبي بكر ومنجوده في الأرض اضحى غدقا
وأنشدني؛ قال: أنشدني لنفسه في طول الليل:
تطاول هذا اللَّيل حتَّى طننتهيدوم وأنَّ الصبح لا يتوقَّع
ترى الليل قد صف النجوم عساكراًلديه وضوء الصُّبح من ذاك يفزع
وقال أيضا:
يكفيك أنَّ فؤادي في تلافيهبكلِّ سورة وجد قد تلافيكا
وأن قلبي متى ما رام تسليةعن الغرام ثنى غزمي تثنيِّكا
/ ب/ فأنت لي جنَّة أرجو النَّعيم بهالولا تجنيِّك لم أبرح أناجيكا
يا كعبة الحسن ناد القلب محتجافإنَّه في إحرامي يلبيِّكا
كم ليلة غبت عن عيني فما حفلتبالبدر في الأفق لما بات يحكيكا
وملت للغصن لما أن حكاك هوىفلم أجد فيه شيئا من معانيكا
أهوى لأجل ثناياك العذاب منلثم الأقاح وما فيها لما فيكا
تعلًّلاً لفؤاد لم تعده سوىهدر فيتعاض عن وصل تمنيِّكا
إن كنت أنكر ما بي من جوى وهوىفانظر لشاهد حالي فهو يببيكا
وحسب حبِّك أنَّ القلب في ولهوما تعداَّك توليه تعدِّيكا
زد يا غرامي وإن زاد الحبيب قلىفإن أدنى وصال منه يرضيكا
وقوله:
غردت في الأراك وهنا حمامهفأتاحت للمستهام حمامه
هي تبكي تطرُّبا وهو يبكيبجفون قريحة مستهامه
مغرم ما انتشى بكأس سلوفيعِّنيه عاذل بملامه
ذو فؤاد للوجد يسكن نجداوهو يهوى من الهيام تهامه
سلبته ظباء وجرة قلباًما ارتضى بعدهن دار مقامه
/ أ/ ومنها:
بوجوه مثل الصَّباح صباحوثغور نقَّية بسَّامه
نقل المسك عبقة عن شذاهاوروى البدر عن سناها تمامه
لا تلمها إن عربد اللحظ منهاثملت بالرُّضاب وهي مدامه
وغزال خطَّ الجمال بخدَّيه علىالورد للوسامة شامه
طرّز الحسن وجهه بعذارما تعدّى فمن ترى رسَّامه
طرفه الملاحة حتىكسرت جفنه وسلَّت حسامه
إن سألناه الوصل صال ليثاً، أو سألناه اللثم ردَّ لثامه
أو طلبنا منه ديون هواهأثبت التِّيه عندنا إعدامه
وقال:
يا للغرام قد سبىباللَّحظ قلبي ... ...
مهفهف هزَّ الصِّبامنه القوام لا الصَّبا
وشادن بطرفهيصير ليثًا أغلبا
غضُّ الشَّباب لحظهفي مهجتي ماضي الشَّبا
/ ب، واه مناط خصرهيضعف عن عقد القبا
طلعته من صدغهبدر يحلُّ العقربا
وما بدا إلا اختفىضوء الصباح أو خبا
النار في قلبي فلمخدَّاه قد تلهَّبا
وقاتلي بمقلةيملك قلبي سلبا
أأسهم الحاظهتصمي القلوب أم ظبا
سألته في قلبةفلم يجبني وأبى
حلو الرضا لكنَّهمر إذا تغضَّبا
يا ليتني مرتشفذاك اللَّما والشَّنبا
أفديه ما أحلاه ماأحسنه ما أعذبا
عذب ولكن لم يزلمحبُّه معذبا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع