من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه عمر (٣)
وله وقد دخل عليه محمد بن الرفاعي، فصبّحه، وكان مساءًا غلطًا، فقال ارتجالاً:
أتاني مساءً نور عيني ونزهتيففرَّج عنِّي كربتي وأزاحا
فصبحته عند المساء لأنّهبطلعته ردَّ المساء صباحا
وقال أيضًا:
عاد الحبيب كما بدا متعطفًاوأنار نور جماله ظلم الجفا
وأعاد روح وصاله روحي إلىجسم أضرَّ به الفراق وأتلفا
جارت عليَّ الحادثات لجوره .. في ظلمهنَّ وأنصفت إذ أنصفا
فله المحامد ما ترنَّم طائرٌوشكا الجفاء متيَّم ألف الوفا
وقال أيضًا بديهة في صديق له على سبيل البسط والتأنيس وقد دخل ب/ عليه، ويلقب بالنجم. وكانوا في بستان صفي الدين بن الموفق:
رجمنا أكاذيب الظُّنون بصادقمن العلم صاف لم يشب صفوه الرَّجم
وصرنا هداة مهتدين إلى الهدىوكنَّا حيارى بعدما طلع النَّجم
وأصفى صفيُّ الدِّين منَّا قرائحًا...... على ورَّادها النَّثر والنَّظم
وأضفى علينا أنعما جلَّ قدرهاعظامًا تولَّى شكرها اللَّحم والعظم
وقال أيضًا فيه:
فضللت هذي العلم بعد الهدىمذ غاب عن ناظري النَّجم
وهكذا الساري بظلِّ الهدىإن غاب عن ناظره النَّجم
وقال يرثي الزعيم المغنّي:
مات الزَّعيم ومات بعد مماتهوجدٌ وجدت حياته بحياته
شاد لطيف النَّعت في سكناتهحاد خفيف الرُّوح في حركاته
ذو نغمة تحيي النفوس كأنَّماأنفاس عيسى أودعت نغماته
اللُّطف كلُّ اللُّطف بعض نعوتهوالظَّرف كلُّ الظَّرف بعض صفاته
بلغ النِّهاية في الغناء وكان أعظم آية لله من آياته
/ أ/ مذ أخلق الأيَّام جدَّته غدايذري عليها باكيًا عبراته
مازال يبكي حسرةً لشبابهحتَّى أتاه الموت من حسراته
كم عاش أخوف خائف من موتهمن مات آمن آمن لوفاته
فسقى الإله ثراه سفيا رحمةٍوأحلَّه الفردوس من جنَّاته
وقال من صدر مكاتبة:
يا معرقين تحمَّلوا حييتمعنِّي تحيَّة مشئمٍ مشتاق
ألف السُّهاد جفونه إلف الكرىجفن الميتَّم أعين العشَّاق
وقال وقد خرج يومًا إلى ضواحي الجزيرة العمرية، فمّر بواد يعرف بسقلان، وهو واد ذو أبنية وأشجار وانهار، فتذكر من كان فيه من القدماء، وأنشد بديهًا:
سبى قلبي سقلاَّنفما لي عنه سلوان
مكانٌ فيه أهنى العيش لو ساعف إمكان
وواد فيه أشجارٌوأنهارٌ وغدران
/ ب/ وأزهارٌ وأنوارٌوأطيارٌ وألحان
ومنثر ونسرينٌوحوذانٌ وريحان
ومسلاةٌ عن الأوطان لو شاقتك أوطان
وملهاةٌ عن الأشجان إن الهتك أشجان
وأصحابٌ واحبابٌوإخوانٌ وخلاَّن
ولكن أين أقوامٌبه من قبلنا كانوا
تذَّكرناهم فيهعماراتٌ وبنيان
فكم ضاعت لهم فيهنَّ أوقاتٌ وأزمان
وآمال وأموالٌوأعمال وأعيان
فأحياهم وحيَّاهمملثُّ القطر هتَّان
وعمَّهم من الرَّحمان غفرانٌ ورضوان
وقال فيه أيضًا:
سقى وادي سقلاَّنحيًا يهمي كأجفاني
على ناء عن العين ومن قلبي الشَّجا داني
على من هجره باقولكن وصله فاني
/ أ/ أتاني طيفه وهنافأحياني وحيَّاني
وقال في الغزل:
يا مخلفَّا بالوصل ميعاديومنجزًا بالهجر إبعادي
أسقيت بالمبعد يا مسعديبالقرب إن آثرت إسعادي
خوفي من الحسَّاد أن يشمتوالا تشمتن بالله حسَّادي
أصبحت من مرضاك أرضى بأنتصبح يومًا بعض عوَّادي
فديت من أصبح في أسرهوليس لي من أسره فادي
ودِّي أن أحظى بتقريبهوودُّه طردي وأبعادي
وحضر في سماع، فأنشد المغني:
نديمتي جاريتي ساقيهونزهتي ساقيةٌ جاريه
فسئل إجازته، فقال مرتجلاً:
في روضة أبهج أقطارهاأزهارها الزَّاهرة الزَّاهيه
وجنَّةٌ زيَّن أشجارهاثمارها السانعة الدَّانيه
شائدة أركان عيشي بهاألحان أطيار بها شاديه
راضيةٌ شاركةلإ ربَّهاساكنها في عيشة راضيه
/ ب/ ماضيةٌ أحكام أخوائهابالسَّعي في أيَّامها الماضيه
قاضيةٌ أن ليس يقضى علىمن حلَّ فيها أبدًا قاضية
وأنشده الأمير شمس الدين تابكين –حين ودّعه بالبصرة- البيتين الأخرين، فقال مجيزًا لهما:
بنفسي منسيأتي .... في ملكه .... عناني
وبشرني بشاشته ضحّىوبلَّغني بلاغته الأماني
فريدٌ في الفصاحة والبيانوحيد ماله في النَّاس ثاني
يبدِّد جوده بدر العطاياوينظم لفظه درَّ المعاني
توحده بأنواع المعانيعنان
وبدَّل بالسرور مقيم غمَّيوخوفي من زماني بالأماني
فشكر عطائه .........ونشر ثنائه قد صار شاني
وكنت أعظِّم الأخبار عنهفصغَّر ما سمعت به عياني
عنه وقلبيأسسير هواه في معناه عاني
وودَّعني وأودعني غرامًايقصِّر عن حكايته لساني
وأنشدني وقد أزف التنائيوحار بغربها شمس التَّداني
/ أ/ أودعكم وأودعكم جنانيوأنثر ادمعي نثر الجمان
وإتَّي لا أطيق لكم فراقًاولكن هكذا حكم الزَّمان
وقال، وكتب بها إلى الملك العظيم مظفر الدين –صاحب إربل- مصدر شفاعة لبعض الاخوان:
يسأل الله خاضعًا في سؤالهمخلصًا في دعائه وأبتهاله
رافعًا كفَّ ذلَّة وخضوعوإنكسار إلى جناب جلاله
أن يلقِّي مظفَّر الدِّين في الدِّين ودنياه منتهى ىماله
المليك الَّذي الملوك جميعًامن مماليكه وبعض عياله
ويوقِّيه ما يخاف ويخشى .. من أذاه في حاله وماله
ويجازيه عن جميع مساعيه لمرضاته جزيل نواله
وبرقِّيه من منازل زلفاه ذراها مع النَّبي وآله
وقال وهو صدر كتاب، كتبه شفاعة في حق بعض أصدقائه: -
/ ب/ ...... أيَّامًا مضتولا حكام المنى فيما مضى
ولياليها التَّي... من تكاليف الحياة الغرضا
في اجتماع لسماع نشرهينشر الموتى ويشفي المرضا
ما وجدنا مذ فقدنا... عن لذيذ العيش فيه عوضًا
وسقى دارًا سقانًا أهلهامن مراضي الله كاسات الرَّضا
وأرانا بعد يوم أسودبالنَّوى للقرب يومًا أبيضا
وحسامًا للمنى أغمده البين بالوصل المهنَّا المنتضى
وقال في العيد:
قد ذهب الغمُّ وجاء السُّروروأقبل الكأس علينا يدور
كأسًا كست... من بعد ثوب الغم ثوب الشُّرور
إذا جلوها في ظلام الدَّجىكانت لهم فيه ضياء ونور
ينشرهم موتى شذا نشرهاكأنَّ يوم النَّشر يوم النُّشور
ودَّعنا الصَّوم وداع الرِّضا .. وعاد بالأفراح عيد الفطور
فانتهزوا فرصة إمكانكموبادروا فيها انقلاب الأمور
واعتنموا غرَّة دنياكمفإنَّما الدُّنيا متاع الغرور
/ أ/ وقال يتشوق بعض أخوانه:
طال الفراق وطالت الأشواقوامتدَّ نحو لقائك الأعناق
يا نور أحداق الورى لا فارقتأنوارها بفراقك الأحداق
يا شمس آفاق العلا لا أظلمتيومًا بغيبة شمسها الآفاق
لازلت مشرق شمس رأي مشرقالشَّمس من إشراقه إشراق
ونفيت بالبأس المخوف وبالنَّدىفي كفِّك الآجال والأرزاق
ما سرَّ من بعد الفراق تواصلٌأو ساء من بعد الوصال فراق
وقال في الربيع وارتياحه بأزهاره:
قدم الرَّبيع قدوم من تهواهحيَّاه محيي قطره حيَّاه
وجلا على أسرارنا أنوارهإذا أشرقت أنوار من تهواه
وافترَّ مبسم كلِّ نور ضاحكًافرحًا بعابس من به وبكاء
وأعاد ميت التُّرب حيَّاً ناطقًاسبحان منطقه ومن أحياه
وكتب صدر كتاب إلى أهله، وهم بالعراق:
/ ب/ أحبابنا لا تحسبونا بعدكم ... ..........................
فلقد حللتم بالسَّرائر منزلاًما حل فيه ولن يحلَّ سواكم
أبكم من الشَّوق المبِّرح ما بكمحاشاكم ممَّا بنا حاشاكم
وترى يجود ماننا بوصالكمفتروننا بعيونكم ونراكم
لابدَّ أن نرعى رياضًا أمرعتبعد التَّنائي في حريمٍ حماكم
وقال وقد غنى المغنى أبياتًا في المعنى، فسئل إجازتها: -
أيُّ سرِّ لي ما اظهرهشادنٌ سفك دمي أضمره
وسبى قلبي ولم أدر بهطرفه السَّاحر ما أسحره
طلَّ خداه دمي واعترفاما يخاف الله من أنكره
مستحلٌ دم من يعشقهمؤمنًا بالله ما أكفره
كل سكران يرجَّى صحوهغير صبَّ حبُّه أسكره
كيف أنساك حبيبًا قدرهجلَّ أن أنساه أو أذكره
قال في غرض له:
هل عائدٌ زمن الوصال الماضيحتَّى أنال بعوده أغراضي؟
/ أ/ وتقرُّ عيني بالاحبَّة نظرةًفرحي بها يشفي به أمراضي
ويعيد سعدى مقبلاً إقبالهممن بعد طول الهجر والإعراض
ويعود قلبٌ شاحطٌ ببعادهمووداعهم بالقرب منهم راضي
لابدَّ أن يقضي وإن طال المدىبتواصل بعد التَّفرق قاضي
وأرى ركوبي مع مريع جنابهميرعون هونًا ممرعات رياض
وقال وقد ورد عليه كتاب من أصدقائه من إربل إلى الجزيرة العمرية:
\
وافى كتاب أخ واف تذكُّرهباقٍ على العهد مأمونٌ تغيره
صافي الوداد على طول البعاد بلاغش ... أو غلِّ يكدِّره
مصدَّقٌ فعله المشكور فاعلهقولاً يقول لذي سمع ويخبره
وافى فقرت به عيني وسرَّبهقلبي وأصبحت أطويه وأنشره
وقال غزلاً على ما اقترح عليه بعض الأخوان:
لي حبيبٌ قد سلا في حبِّهقلبي المغرى به كل حبيب
لم يغب غنِّي مذ شاهدتهذكره في مشهد أو في مغيب
/ ب/ خدَّ خدِّي بدم فجَّرهعشق خدِّ بدم الصَّب خضيب
يتبدَّى صاحكًا يضحكنيثمَّ يخفي شق جيوبي
وشقائي وعنائي وبلائيوبكائي [وعويلي] ونجيبي
وعذابي ومصابي واضطرابيواكتئابي وانتحابي ولهيبي
ولهت روحي بروحي ولهًافيه فضوحي ولهيبي ولهي بي
وبه يزداد دائي ولدائيهو إن شاء شفائي وطبيبي
صيَّر الصَّبَّ مصابًا من رماه بسهم [من] معانيه مصيب
يا غريبًا لي إليه دائمًاشوق ناء نازح الدَّار غريب
جعلتنا نسبًا غربتنافغريبٌ لغريب كنسيب
وعجيبًا شأنه أوفعنيحسنه المعجب في شأن عجيب
وقريبًا من بعيد عنه نأي ناله كل بعيد وقريب
وجلاء لعيون رمدتمذ جفاها وشفاء لقلوب
بدَّل العشق شبابي بمشيبشبابي لمشيب
لا تراخذني بذنب قد مضىأنت يا مولاي غفَّار الذنوب
عمر بن بدر بن سعيد أ/ بن محمّد بن بنكير، أبو حفصٍ الكرديُّ الحنفيُّ الموصليُّ.
قال القاضي الإمام أبو القاسم: قدم علينا حلب، وسافر إلى البيت المقدَّس، فولاّه الملك المعظم عيسى بن الملك العادل رواية الحديث بمدرسته التي أنشأها بالبيت المقدّس، وولاه مملوكه عز الدين إيبك مدرسته التي أنشأها لأصحاب أبي حنيفة. وبقي مدرسًا بها؛ واجتمعت به فيها بالبيت المقدس في سنة.
ثم رحل إلى البيت المقدّس، حين خرج الفرنج إلى دمياط، قبل أن يخرب بمدّة، وسار إلى الموصل وأقام إلى سنة إحدى وعشرين وستمائة. ثم قدم علينا حلب في هذه السنة؛ وسمعنا عليه أجزاءً من أمالي ابن مللّة الحافظ.
سألته عن مولده، فقال، في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وخمسمائة بالموصل. سمع ببغداد أبا الفرج بن كليب، وابن الصابوني وابن الجوزيّ. ثم سكن دمشق، وتوفي بها في سنة اثنتين وعشرين وستمائة ليلة السبت في التاسع والعشرين من رمضان. أخبرني بذلك أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار البغدادي. هذا كلام أبي القاسم.
ورأيت له كتابًا في الحديث جارى فيه. ب/ أبا عبد الله الحميدي في كتابه: "الجمع بين الصحيحين"، وله كتاب سمّاه: "العلم في أطراف البخاري ومسلم" وكتاب "العقيدة الصحيحة في الموضوعات الصريحة".
أنشدني أبو الفضل العباس بن بزوان الموصلي، قال: أنشدني أبو حفص لنفس، وقد طلب منه الإجازة:
أجزت لمدركي عصري ليرووا .. سماعي والمناول والمحازه
وتصنيفي وما أرويه طرًا على الشَّرط المراعى في الإجازه
وهذا خطَّه عمر بن بدروحمدل ثمَّ صلَّى حيث جازه
عمر بن محمّد بن الحسين، أبو حفصٍ الواسطي
فقيه عالم بالمذهب من حملة القرآن الكريم، راوية للحديث.
أنشدني أبو الفضائل جعفر بن محمد الواسطي، قال: أنشدني أبو حفص لنفسه من أبيات:
ناديت لمَّا رأيت الحيَّ من سكنيعفا وجدَّ به سيرٌ فأخلاه:
يا معهد الحبِّ هل عهدٌ فتهبرناعن الحبيب متى زمَّت مطاياه
/ أ/ عمر بن أبي الفتح التكريتي. من أهل حماة، أبو حفص.
كان رجلاً قصيرًا من الرجال يلبس الشرنوش والقباء، ويتزيا بزي الجند، وخدم بحلب جنديًا في دولة الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيوب بن غازي –رحمه الله تعالى- وأنفذ رسولاً إلى مدينة السلام في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فأكرم إكرامًا وافرًا. وأرادوه إلى الديوان العزيز ليخدم كاتبًا في ديوان الإنشاء، فاستعفى من ذلك وأصبح بسبب .... لا مراع لها ينظر فيها، ويتولى مصالحها، فأعفي عنه. وتوفي سنة إحدى عشرة وستمائة عن سنّ عالية.
وكان شاعرًا مجيدًا كثير الشعر، كاتبًا فصيحًا كامل الفضائل بارعًا في فنه، نبيها أريبا. يعدّ من الكتاب المترسلين، صاحب بلاغة في الإنشاء نظمًا ونثرًا، مشتهر الأمر في وقته.
أنشدني غازي بن مورود الطفسي الحموي، قال: أنشدني عمر بن أبي الفتح لنفسه حين ورد مدينة السلام/ ب/ رسولاً إلى الإمام الناصر لدين الله –﵁:
شكوت إلى نفسي صروف زمانهافقالت: حروب الدَّهر تأبى إلى الصُّلح
إذا كنت رأسًا في الزَّمان فلا تلمجباه اللَّيالي إذ جبهنك بالنطح
ومذ نصر الله العظيم بنصرهفذلك نصرٌ جاء لابن أبي الفتح
عمر بن عليِّ بن سيارٍ، أبو حفصٍ السنجاريُّ.
شاعر من أهل سنجار، رائق الألفاظ، له في الغزل أشياء مستجادة.
أنشدني ابو الحرم مكي بن علي بن مكي الضرير الكوفي، قال: أنشدني أبو حفص عمر بن علي بن سيار لنفسه:
وأعنَّ أسمر قدُّه كالأسمرسلبت لواحظه جميل تصبُّري
يبدو قضيبًا مثمرًا مشمس الضُّحىناهيك من غصن بشمسٍ مثمر
يجني وآتيه اعتذرا في الهوىومتى أرد غفرانه لم يغفر
منع الوصال فلا خيالٌ زائرٌتحت الدُّجى إلاَّ بحلظٍ أزور
عمر بن أحمد بن هبة الله أ/ بن محمّد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة –صاحب أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب صلوات الله عليه وسلامه- واسم أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عقيل –أبي القبيلة- بن كعب بن صعصةً بن معاويةً بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، أبو القاسم بن أبي الحسن القاضي المعروف باين العديم، العقيليُّ الحلبيّ.
صدر صدور الآية، وشمس علماء الأمة، حاز الفضائل بأسرها والمعاني بفخرها والمعالي بعزها، وعقبلة العلوم بحرزها. ذو الباع الأطول في علوم الشريعة، فارع حصونا ومعاقلها المنيعة وله البيت الأصيل والمجد الأثيل، والقدر الجليل.
نشأ في العلم، وترعرع في الفضل، وشبَّ في الزهد، وتكمّل في الورع. الفقيه الحنفي المدرس الكاتب المتفرد بعلم الكتابة والخط؛ وبيت أبي جراده كله أدباء فضلاء شعراء ب/ رؤساء فقهاء نبهاء محدّثون مقدّمون عبّاد زهاد قضاة، يتوارثون الفضل كابرًا عن كابرٍ، وتاليّا عن غابر. وكل هؤلاء معظمهم من آبائه. ولي القضاء بحلب وأعمالها، وهم على مذهب أبي حنيفة –﵁.
وأبو القاسم فأوصافه في الفضل كثيرة، وسماته بحسن الأثر أثيرة، فان الله كمل خلقه، وحسن خلقه، ووفر فضله، وكثر عقله، وجعل همته في العلوم ومعالي الأمور. وقد درس الفقه فأحسنه، وعني بفن الأدب فأتقنه، ونظم القريض فجوّده، وأنشأ النثر فسدده، وقرأ حديث الرسول وعرف علله ورجاله وتأويله وفروعه وأصوله، والجرح والتعديل والعلم بالخلاف والجدل وغير ذلك من المعلوم.
ثم أنَّ له خطًا فاق به أبناء زمانه، وبلغ الغاية القصوى في جودته واتقانه؛ وينضاف إلى ذلك العفاق ... والوقاؤ، وحسن السمت والجلال. المشهور عند الخواص والجمهور، وقد صنّف عدّة كتب منها: كتاب التاريخ أ/ الذي صنعه لحلب، حذا فيه حذو تاريخ الخطيب أبي بكر بن ثابت، وكتاب "زبد الحلب في ذكر ولا حلب" واقتصر فيه على الملوك الذين ملكوها، وكتاب "في الجهاد" وكتاب "الكلم المستفادة في أخبار بني أبي جرادة" ضمنه أخبار أهله ومناقبهم، وما يستحسن من أشعارهم وفضائلهم؛ وغير ذلك من الكتب.
وفوّض إليه تدريس المدرسة النورية المدعوة بمدرسة الحلاوس مضافًا إلى مدرسة شاذبخت النوري. وصار له منزلة رفيعة من الدولة الناصرية الصلاحية –ثبتّها [الله] وأيدها. وأنفذ رسولاً إلى بلاد الروم عدّة مرات، وكذلك الديار المصرية اعتمادًا على وفور عقله ورزانته.
وكان مولده في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وكتب مصحفًا بخطه، ومجموعًا .... من خطّ ابن البواب وأهداهما إلى السلطان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب؛ وكتب معهما رقعة بذهب فيها هذه الأبيات وزمَّكها على غاية الحسن، وأرسل الجميع إليه.
/ ب/ وأنشدنيه بمدينة حلب، بمنزلة العمور ليلة الجمعة الثامنة عشرة من ربيع الآخر أربع ثلاثين وستمائة –أبقاه الله تعالى-:
كلُّ الهدايا وإن جلَّت مواقعهاتباينت في نفيس القدر والغنم
وشابهت خطر المهدي وموضعهوقصَّرت عن ندى ذي البرِّ والنِّعم
وإنَّ أنفس ما يهدى وأحمدهعقبى ... القدر والهمم
هدَّيةٌ صدرت عن كاتب حسنإلى أجلِّ ملوك الأرض كلهم
الأشرف الملك المأمول نائلهوخير من أسبغ النُّعمي على الأمم
كلام رب البرايا مصحف شهدتكلُّ الهدايا له بالفضل والعظم
تظلُّ ترتع منه العين في زهروفي رياض هدى لم تشق بالدِّيم
قد جاء يحكيك يا من لا شبيه لهيا أشرف النَّاس من عرب ومن عجم
فيه صفاتك من عدل ومن خلق زاكوبذلك النَّدى والجود والكرم
فاجعله خير جليس وأبق ما صدحتحمامةٌ ودعت أخرى على علم
وقال أيضًا، وأنشدنيه:
وأهيف معسول المراشف خلتهوفي وجنتيه للمدامة عاصر
/ أ/ يسيل إلى فيه اللَّذيذ مذاقهرحيقًا وقد مرَّت عليه الأعاصر
فيسكر منه عند ذاك قوامه .. فيهتزُّ تيها والعيون نواظر
كأن أمير النَّوم يهوى جفونهإذا هم رفعًا خالفته المحاجر
خلوت به من بعد ما نام أهلهوقد غارت الجوزاء واللَّيل ساتر
فوسَّدته كفِّي وبات معانقيإلى أن بدا ضوءٌ من الصُّبح سافر
فقام يجرُّ البرد منه على تقىوقمت ولم تحلل لإثم مازر
كذلك أحلى الحبِّ ما كان مزجهعفاقًا ووصلاً لم تشتنه الجرائر
وقال أيضًا وأنشدنيه:
وساحرة الاجفان معسولة اللُّمىمراشفها تهدي الشِّفاء من الظَّما
حنت لي قوسي حاجبيها وفوَّقتإلى كبدي من مقله العين أسهما
فواعجبًا من ريقها وهو طاهرٌحلالٌ وقد أضحى عليَّ محرَّما
فإن كان خمرًا أين للخمر لونهولذَّته مع أنني لم أذقهما
لها منزلٌ في ربع قلبي محلُّهمصونٌ به مذ أوطنته لها حمى
جرى حبُّها مرى حياتي فخالطتمحبَّتها روحي ولحمي والدِّما
تقول إلى كم ترتضي العيش هكذاوقتنع أن تضح صحيحًا مسلمَّاً
/ ب/ فسر في بلاد الله واطَّلب الغنىتفز منجدًا إن شئت أو شئت متهما
فقلت لها: إنَّ الَّذي خلق الورىتكفل لي بالرِّزق منه وأنعما
وما ضرَّني أن كنت ربَّ فضائلوعلم عزيز النَّفس حرًا مكرَّما
إذا عدمت كفَّاي مالاً وثروةًوقد صنت نقسي أن أحلَّ وأحرما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكن لاخدما
مضمن للقاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الأرجاني، ومنها قوله يفتخر بابائه:
سألزم نفسي الصَّفح عن كل من جنىعليَّ وأغفو هفَّة وتحلُّما
وأجعل مالي دون عرضي وقايةولو لم يغادر ذاك عندي درهما
وأسلك آثار الألى اكتسبوا العلاوحازوا خلال المجد ممَّن تقدمَّما
أولئك قومي المنعمون أولو النَّهىبنو عامر فاسأل بهم كي تعلَّما
إذا ما دعوا عند النَّوائب إن دجتأناروا بكشف الخطب ما كان أظلما
وإن جلسوا في مجلس الحكم خلتهمبدور ظلامٍ والخلائق أنجما
وإن هم ترقَّوا منبرًا لخطابةفأفصح من يومًا بوعظ تكلَّما
وإن أخذوا أقلامهم لكتابةفأحسن من وشَّى الطروس ونمنما
/ أ/ بأقوالهم قد أوضح الدِّين واغتدىبأحكامهم علم الشَّريعة محكما
دعاؤهم يجلو الشَّدائد إن عرتوينزل قطر الماء من أفق السَّما
وقائله يا أبن العديم إلى متىتجود بما تحوي ستصبح معدما
فقلت لها: ‘نِّي إليك فإنَّنيرأيت خيار النَّاس من كان منعمًا
أبي اللؤم لي أصلٌ كريم وأسرةٌعقيليةٌ سنُّوا النّضدى والتكرُّما
وقال أيضًا: -
قل للوزير أدام الله دولتهولا تخطَّت بسوء نحوه قدم
يا أيها الصَّاحب الميمون طائرةومن أياديه لا تحصى ولا النَّعم
بقيت للدولة الغرَّاء تحرسهابحسن رأيك يا من فضله ديم
ملكت رقَّ الرَّعايا بالجميل فقدأضحوا عبيدك إن عزُّوا وإن عظموا
والله لو أنفقت كفَّاك ما ملكتلما مللتهم بالبر
لكنانلار غادرهم ... بطول عمرك إذ يدعون ربَّهم
يدعونه بأبتها لا يغادرهإلاَّ التَّضرُّع والأغخبات ليلهم
أبردت منها قلوبًا طالما احترقت بظلمه وانبعاث الشرِّ نحوهم
أرسلت نحو قفاه أسهمًا خضعتبالقول منك لها الأذقان والقمم
/ ب/ تكاد تفعل في أرجاء هامتهمن المذلة ما لا يفعل الأدم
أحرقت بالخائن الزنديق فانشرحتلك الصدور فلا غلٌ ولا سقم
تثنى عليك بما اوليته حلبٌويثربٌ وكذا البَّطحاء والحرم
كذاك يثنى رسول الله والملأ الأعلى عليك به والدِّين والكرم
وأنشدني أيضًا لنفسه ما كتبه إلى الصدر الكبير شهاب الدين أبي جعفر يحيى بن خالد بن القيسراني الكاتب:
ياكتابي عنَّي تحمَّل سلامايخجل الورد عرفه والخزامى
صنائعٌ نشره أجزت بدارين به أم مزجت فيه مداما
ثمَّ زر ساحة الوزير شهاب الدِّين والثم أبوابه إعظاما
ولج النزل الكريم وقابله وقبِّل يديه والأقداما
فهو مولى بالعلم قد زانه الله فأضحى للمتِّقين إماما
المعيُّ تراه إن أعمل الفكرة تلقى الأغراض منها سهاما
وإذا جرَّد اليراع لخطبسلَّ منه على الأعادي حساما
/ أ/ وله دانت البلاغة وانقادت وألقت إلى يديه الزِّماما
وإذا ما حللت في بطن كفٍّفيه تولي الورى الآيادي الجساما
ومتى فضَّ منك ختمك واستجلى محيَّاك حين أبدى اللِّثاما
حيِّه عن متيَّم ذي اشتياقفي هواه قد خاالف اللُّوَّاما
قل له: عبدك المحبُّ أبو القاسم يشكو لبعدك الآلاما
لوغدا شارحًا جميع الَّذي يلقى لأفنى المداد والأقلاما
مذ ترحَّلت نحو حارم أضحىنومه وحشة عليه حراما
كان مستأنسًا بقربك منهيتمنَّى النَّعيم والإنعاما
فغدا إذ رحلت حلف اكتئابدائم الفكر مدنفا مستهاما
فاحبه منك منعمًا بكتابتعل منه قدرًا وتشف أواما
وأبق في نعمة وابقى لك الله تعالى محمَّدًا والنِّظاما
وقل أيضًا: -
أجنُّ إذا برق العوير تألقاوأصبو إليه حسرةً وتشوُّقا
وأذكر أيَّامي بمنعرج اللِّوىسقاها الحيا سحًا من المزن مغدقا
/ ب/ ومحجوبة ما شئت قل متغزلاًبها تلف أوفى النَّاس قولاً وأصدقا
إذا قلت: إنَّ الشمس تشبه وجههاترى وجهها أبهى وأحسن مشرقا
وإن قلت: غصن البان يحي قوامهاتجد خدَّها يزي على بانة النَّقا
وإن قستريقها بمدامة ... مدحت إذا قست الرَّحيق المعتَّقا
يود نسيم المسك لو أنه حكىترائب منها إذ تضوغ ومفرقا
لها مبسمٌ عذبٌ وعينٌ كحيلةٌوخدٌ أسيلٌ فلًّ عزمي وفرقا
وجيدٌ يغير الظَّبي أبيض لونهوشعرٌ يعير اللَّيل عن شاء قرطقا
أتت تتهادى بين بيض نواعميخمرن أطراف البنان من التُّقى
فحيَّيتها ثمَّ اشتكيت صبابتيإليها فقالت: هكذا من تعشَّقا
فقلت: ارحمي من ذاب وجدًا وبادريقتيل جوى غادرته في الهوى لقى
فقالت تجنَّب أن تزور فإنَّ ليأبًا غائرًا مازال يخشى ويتقَّى
ولا تلجن يومًا عليَّ فإننيأخاف إذا ما زرتني ان تمزَّقا
فعدت إلى الشَّكوى وأبديت ذلَّةوأسبلت دمعًا جاريًا مترقرقا
فرقَّت لما بي ثمَ قالت لصحبهاأرى ذا الفتى في أسر حبِّي موثقًا
وأبرزت الوجه المنير وأصبحتعلى العاشق المسكين أحنى وأشفقا
/ أ/ وظت تجاذبني الحديث وإننيلأمنحها مني الوداد المروقا
وله قد رأى في عارضه شعرة بيضاء، وعمره يومئذ أحد [ى] وثلاثون سنة، وأنشدنيه:
أليس بياض الافق في اللَّّيل مؤذناًبآخر عمر اللَّيل إذ هو أسفرا
كذاك سواد النَّبت يقرب بيسهإذا ما بدا وسط الرِّياض منوِّرا
وقال أيضًا وأنشدنيه:
إحذر من إبن العمِّ فهو مصحَّفومن القريب فإنَّما هو أحرف
فالقاف من قبر غدا لك صافرًاوالزَّاء منه ردى لنفسك يخطف
والياء ياس دائمٌ من خيرهوالباء بعضٌ منه لا يتكلَّف
اقبل نصيحتي الَّتي أهديتهاإنِّي بأبناء العمومة أعرف
عمر بن عليِّ بن المبارك بن يوسف بن عليٍّ، أبو حفصٍ الموصليُّ، المعروف بابن النحَّال.
هكذا ذكر لي نسبه لما سألته عنه.
كان شيخصا طويلاً عانى نوع الأدب والخط والكتابة والتجويد لها، فتميّز في ذلك كلّه ب/ ولازم الشيخ أبا الحرم النحوي، وأخذ عنه صدرًا حيِّداً من علم العربية والنحو.
ثم تردد إلى أولاد الأمراء بالموصل يعلمهم خطًا وأدبًا. وكان قبل ذلك مقلاً فأثرى وصار له رزق صالح وحرمة عندهم وقبول. لقيته عدّة مرات ولم ينشدني شيئاً من شعره.
ثم عثرت له بعد ذلك بقصيدة، فأنشدنيها وهي بخط يده نظمها في القاضي حجّة الدين أبي منصور المظفر بن عبد القاهر الشهرزوري، توفي يوم الأثنين رابع عشر المحرم من سنة إحدى وثلاثين وستمائة بالموصل:
نه عجَّزت من دونها النَّظم والنّثراوأوضاح فضلٍ فاقت الانجم الزُّهرا
تسامت فلا نثرٌ تزداد به علاوتاهت فلا نظمٌ تزان به ذكرا
فلو جاءها بالنَّثرة النَّثر لم يجزمناقبها أو حفَّها الشِّعر بالشِّعرى
وهبني ملأت الأفق بالمدح أنجمافهل يتغشَّى نورها الشَّمس والبدرا
بدا كمحيَّا الصُّبح من نوره سنىوأبدى سحيق المسك من نشره عطرا
على أنَّ طيب الذَّكر أجدر بالفتىوأعلى له قدرًا وأبقى له ذكرا
فإنَّ لأنفاس الخزامى تأرُّجًاإذا ما نسيم الرِّيح ضوَّعها نشرا
/ أ/ هجرت مديحًا في سواك تقيَّةوصونًا فلا إفكا أقول ولا هجرا
فإنَّك قاضي النَّاس حجَّة دينناغياثٌ لمن وافى .... معترَّا
تخولِّله نعمى وتسعفه يدًاوتلحفه ظلاً وتكنفه برَّا
صلاتٌ تراها كالصَّلاة فريضةإذا عنّ منها الشَّفع أعقبها الوترا
لقد حزت فضلاً لم يحزه من الرىسواك ملّكت السِّيادة والفخرا
ونلت محلاً في الآنام ورتبةتجاوزت الجوزاء بالفخر وال
قدم حجَّة الدِّين الإمام على الورىتنيل النَّدى جوداً وتصلي العدا الجمرا
ولازلت للعافين مأوى وملجأنزيل بك البأساء والضُّر والفقرا
عمر بن إسحاق بن هبة الله بن صدّيق بن محمود بن صالحٍ، المعروف بابن قاضي خلاط.
وقد تقدّم شعر أبيه وأخيه وكانت ولادته بخلاط في ليلة السادس من شعبان في سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وانتقل مع أبيه وأخيه إلى مدينة إربل، ثم سافر عنها بعد موت أبيه في سنة سبع عشرة وستمائة إلى بلاد الشام؛ ثم نزل دمشق خدم أميرًا ب/ بها، يعرف بكريم الدين إبراهيم. ثم خدم بعده الملك الصالح عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي صاحب دمشق.
لقيته بحلب المحروسة بخانقاة القصر يوم السبت العشرين من جمادى من شهر رمضان سنة سبع وثلاثين وستمائة، وقد رودها رسولاً من قبل الملك الصالح مخدومة.
وهو شاب جميل حسن المنظر فاخر الملبوس، متزيٍ الاكراد؛ شعره
يضرب إلى كتفيه، جندي كيّس ذو طبع مؤات فيما يرومه من إنشاء العلم ولم يكن عنده شيء من العلم سوى نظم الشعر لا غير. فاستشدته فأنشدني هذه المقطوعات ما خلا هذه القصيدة البائية.
أنشدني عمر بن إسحاق لنفسه:
ولَّما دنا ممَّن أؤمِّل قربهبعادٌ أذاب القلب بين الجوانح
وسارت نواجي العيس عن أرض بارقوكلُّ نضير الخدِّ للبدر فاضح
وعاينت وخد الرَّاقصات عشيِّةومر حدوج القوم بين الصَّحاصح
وألفيت أبناء الهوى شارفوا أسَّىمناياهم ما بين باك ونائح
تيقنت أنِّي لا محالة واردٌحياض المنايا إثر بين الطَّلائح
/ أ/ ربحت دنوَّ الدَّار دهرًا قبضتهوكنت غداة البين أحسن رابح
وأنشدني من شعره:
يا ليلة الحاجر هل عودةٌترى لووصل النَّازح الهاجر
وهل يعيد الوصل قولي: ترىهل عودةٌ يا ليلة الحاجر
أحبابنا بانوا فلم يكتحلبالغمض من بعدهم ناظري
كان التمني فيهم أوَّلىفصار يأسي منهم آخري
واربا من عاذل عادلفي الحكم عن إيضافه جائر
يأمرني بالصَّبر عنهم ومنأين لقلبي جلد الصَّابر
أيا شقائي في الهوى إنَّنيأعيش إلاَّ تعب الخاطر
فيا مريقاً دم عشَّاقهبصارم من طرفه السَّاحر
بالأسود الفاتر حتَّى متىتفعل فعل الأبيض الباتر
أنشدني لنفسه:
سبت فؤاد المعنَّىلواحظٌ منك وسنى
يمرضننا حيث ترنووهنَّ أمرض منَّا
ما أكثر النَّاس حسنًاأقلُّهم أنت حسنا
/ ب/ ردَّ الرُّقاد لعلَّ .. الخيال يطرق وهنا
إلى متى ذا التَّجافيجد بالتَّلاقي وصلنا
وقال أيضًا وأنشدنيه:
سحرته ألحاظ الحسان كما ترىوغذته البان الهوى فتحيَّرا
وغدا يصوب لذكر نَّجد دمعةفلأجل ذلك ما جرى إلاَّّ جرى
يا طرف دع شكوى السُّهاد جهالةأنت الَّذي في بحره غرق الكرى
وأنا الَّذي أصبحت أنزح ماءهأبغي الغريق به وها أنا لا أرى
تشكو وأنتأسباب الهوى ... حتى .... بها العذاب الأكبرا
ماكنت من خلدي لرائعة النَّوىقبل الحمام .... ومصوَّرا
فدنا بها زمن أساء ولم يكنمن قبلها بنوى الأحبَّة أنذرا
وأبادني ببعاد أهيف خدُّهكالورد أزهر فوق غصن أزهرا
فسرى الفؤاد وما أقام وحبُّهبين الجوانح قد أقام وما سرى
وقال أيضًا وأنشدنيه: -
ومهفهف رطب المعاطف ناعمعذب المراشف طيِّب الأنفاس
جمع المحاسن وجهه فكأنَّماهو روضةٌ راقت على
/ أ/ فالنَّرجس الطَّرف المضاعفلوعتي واقاعها ثغر جنى
والخدُّ يبدو محدقًا بعذارهكالورد حفَّ به جنيُّ الآس
سبحان من أنشاه من إحسانهحسنًا فأصبح فتنة للناس
عمر بن عبد الله، أبو حفص، الأنصاريُّ الواسطيُّ الفقيه.
نزل بغداد وتفقه على مذهب الإمام الشافعي –﵁ وصار معيدًا له؛ وله شعر رقيق.
أنشدني زين الدين أبو الفضل صدقة بن أبي إليه الشيرازي، قال: أنشدني عمر الأنصاري لنفسه:
أواخر أشواقي إليك أوائلوسائل دمعي لي إليك رسائل
وأيسر مامنك ..... قاتل ... من الوجد والدَّاء الذي لا يزايل
وأسدُّ عن التَّعدال سمعي وإن دعاغرامٌ فمغري بالإجابة مائل
وفي مذهب العشَّاق أنَّ أبن صبوةسلى كان فيما أدَّعى وهو جاهل
وما أنا ممَّن يردع العذل قلبهعلى كل حال فلتكفَّ العواذل
رضيت بقتل في هواك وراق ليوأحلى الهوى للصبِّ ما هو قاتل
/ ب/ لعمري لولا أن أؤمِّل أنَّهإذا مرَّ عام جاء بالوصل قابل
لغارقت النَّفس الحياة وأصبحتتنوح عليها النَّائحات الثّ واكل
ولولا سقام الجفن لم يلف مسقمٌولولا نحول الخصر لم يلف ناحل
قطعت حبال الوصل لا عن جزيرةوما النَّاس إلاَّ قاطعٌ ومواصل
فهلاَّ بعثت الطيف في سنة الكرىلعلي أرى بعض الذس أنا أمل
فإنَّ الكرى في طرف كلِّ مسهَّدلكلِّ خيال من حبيب حبائل
وهل عاذلٌ إذا حلّ عاقلاًولم تقتنصه باللِّحاظ العقائل
بواد بواد كالشُّموس بأعينإذا ما رنت لم تحم منها المعاقل
رشقن بنبل السِّحر منَّا مقاتلاًفما جاوزت تلك النبال المقاتل
فمن كان يروي السِّحر عن أرض بابلفعن هذه الألحاظ ترويه بابل
عمر بن أبي بكر بن يحيى، أبو حفص البغداديُّ
حفظ كتاب الله –تعالى- ببغداد، وسمع الحديث على جماعة من شيوخها منهم؛ أبو أحمد عبد الوهاب بن علي بن سكينة، وأبو الرِّضا بن العودي وغيرهما؛ وله أ/ إجازة من أبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي وغيره من أصحاب الحديث.
خرج من بغداد لضائقة لحقته متوجهًا إلى محروسة إربل، فنزل بدار حديثها المظفرية؛ وسمع حديثًا كثيرًا على شيخنا أبي الخير بن أبي المعمر التبريزي المحدّث وتولى بها الإمامة، يصلّي بجماعتها الصلوات الخمس. رأيته بها وهو شيخ كثير
الدرس للقرآن يته دائمًا آناء الليل وأطراف النهار.
اخبرني أنه [ولد] سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وبلغني أنَّه قتل بإربل حين دخلها التتار الملاعين –خذلهم الله تعالى- في شوال سنة أربع وثلاثين وخمسمائة –رحمة الله تعالى- وله مقطعات من الشعر.
أنشدني لنفسه؛ وكان قد مرض حتى أشرف على الهلاك، فمنَّ الله عليه وأنقذه من مرضه الَّذي ألم به:
ذكره أنسي وأنسي ذكرهليتني لم يخل من ذكر لساني
عجبًا لي كيف أنسى شكرهومن الأمراض ربِّي قد شفاني
يا إلاهي كن لعبد مذنبٍدائمًا يدعوك في كلِّ مكان
إنَّ ربي قال في تنزيلةانا من عبدي قريبٌ إن دعاني
/ ب/ ربِّ فاغفر لي ذنوبي كلَّهاواعف عنِّي ثمَّ أصلح لي لساني
وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى علاء الدين أبي علي بن عمر بن صالح الإربلي، وهو يومئذ يتولّى الاشراف بالديوان المظفري –يشكو إليه من عمال دار الحديث، تشفعًا في استخلاص جامكيته منهم وقد عوقت عليه ومطلوه بها: -
أيَّها السَّيِّد العلاء أغثتيوانتصر لي من هذه العمَّال
كم يعنُّون بالتَّردُّد والمطلولا ينظرون في سوء حالي
جهلوني فليتهم عرفونيإنَّني كنت في زماني الخالي
بمدار وحنطة بغالوبجاه وحشمة ودلال
فرماني قضاء ربِّي إليكميعدما ان عدمت جاهي ومالي
ليتني كنت قد قرب وما جئت إلى إربل رقيق الحال
إن تكن مسعدي عليهم فوالله يمينًا بكلَّهم ما أبالي
عمر بن عبد الكريم أ/ بن عمر بن الرحيم بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن أحمد بن دوت داذ، البغداديُّ المولد والمنشأ، النيسابوريُّ الأصل، أبو المحاسن بن أبي سعدٍ.
من أبناء المشايخ المعروفين بالتصوّف وحسن الطريقة.
أخبرني أنه ولد في شهر ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة. وتوفي آخر نهار يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وصلِّى عليه برباط .... الشيخ أبي سعيد النيسابوري، ودفن يوم السبت بالجانب الغربي ببغداد في مقبرة باب البصرة تجاه جامع المنصور. وكنت ممن شهد الصلاة عليه –تغمده الله برحمته ورشوانه عنه وكرمه-.
وكان شابًا عفيفًا جميلاً، وموصوفًا بالعقل، حسن الأدب، ولم يعرف له منذ نشأ صبوة، تأكدت بيني وبينه صحبة ببغداد، وكنت كثير التردد إلى والده.
مما أنشدني لنفسه من قصيدة يناقض بها قصيدة أبي الفتوح بن البخاري التي تقدّمت، فقال أبو المحاسن:
جنى ورد خدود العاتب الجانبيإلى احتمال التجني من الجاني
/ ب/ أحوى خوى الحسن في خلق وفي خلقٍفاق الخلائق حتَّى ماله ثاني
طلق المحيَّا لو استسقى الحيا لسقىولو تعذَّر نابت عنه أجفاني
ما عاين الإنس إنسانًا كصورتهلمَّا يصوِّره إنسان إنساني
في فيه راحي وروحي في يديه وفيتقبيل وجنته روحي وريحاني
أغنت عن الغانيات الغر غرَّتهوشهد فيه عن الصَّهباء أغناني
والخمر ما خامرت عقلي ولا غفلتعن المواقيت تسبيحي وقراني
أهوى العفاف كما أهوى شمائله. وللنُّهي عن تناهي الآمر ينهاني
واعتضت من راهبات الدَّير يا سكنيبسَّاكني الدُّور من حور وولدان
أحبب بهنَّ شموسًا لا شمامسةقد توِّجوا بأكاليل وتيجان
ونحظر الدُّف والمحصور ننكرةولا نصيخ لنايات وعيدان
والزَّفن مضطربٌ للقوم من طربوليس ينكر عرف الحبِّ عرفاني
وفي المعنى لأرباب الهلوى أربٌلم يبلغوه بشمعون وشمعان
فالقسُّ لو كان قساً في فصاحتهلما انتصرت على غيٍّ بنصراني
مالي وللجاثليق الشَّيخ متَّزراًبالصُّوف يزري على ديني وإيماني
فأبن البحيريِّ لما إن طغى وبغىقال: اعذروني فالرَّبان ربَّاني
/ أ/ ساء اعتقادًا فناجته عقيدتههذا هو العيش إلاَّ أنَّه فاني
هذا إلى مالك مالت جوارحهونحن ملنا إلى روض ورضوان
أرجو من الله أن يغفو برحمتهولم يكلني إلى ضعفي ونقصاني
فلست أنكر جرمي وهو يعرفهولا أصرُّ على إصري وعدواني
ولا أقول وعمري بل عامره: (عرِّج بدير حنينًا أيها الجاني)
عمر بن يوسف بن أبي بكرٍ، أبو حفصٍ القفصيُّ، المعروف بابن التبسىِّ.
وتبس مدينةٌ من مدن أفريقية.
حدثني القاضي أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة بحلب –أيده الله تعالى- قال: كان شيخًا حسنا دمت الأخلاق، طيب المحاضرة، اقام عندنا بحلب سنين عدّة. وكان يختلف إليها بعد ذلك.
وروى لنا شيئًا من شعر عبد المنعم الجلياني عنه، وأنشدنا مقطعات من الشعر له ولغيره. وكان له معرفة بالحكمة والهندسة.
وأخبرني أنّه ولد في العشر الأول من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وخمسمائة،
قال: وجدته كذلك بخط/ ب/ والدي، قال: وتوجه إلى ذبلاد الروم بعد العشرين والستمائة، فبلغني بعد ذلك أنه توفي بها. وأنشدني لنفسه:
وقائله مالي أراك مغيَّراأمن فرط وجد صار لونك أصفرا
فقلت كليني ياهنيدة واعلميفلو أنَّ ما بي بالجلامد أثَّرا
فقالت: رعاك الله هل أنت مخبرٌبما هو أو ما كان قدماً وما جرى
لعلَّ برأي يحدث الله راحةفإن الَّذي أبلى يفرِّج ما ترى
فقلت لها: صرف الزَّمان وجورهاحال على الأحوال حالي فغيَّرا
وشئت أحبابي وأذهب ثروتيفصرت فقيرًا بغد ما كنت موسرا
تناءت دياري واضمحلَّت أحبَّتيفهذا الَّذي أهدى لجسمي التَّغيرا
فدمعي سفوحٌ والجوى حلَّ في الحشاوقلبي قتيل الحالتين مغفَّرا
ولا حاكمٌ يقضي فيحكم بينناولا مسعد تلفي لنصري ميسَّرا
فمن مانعي من ظلم دهري وجورهولم ألق إلاَّ من إذا قال: قصَّرا
وقد حار وهمي من عظيم بليَّتيفما خيلتي فيما سمعت وما ترى
عمر بن أسعد بن عمّار أ/ بن سعد بن عمار بن عليِّ بن أبي العلاء بن أبي الفرج بن هذيل الأمير أبو حفص ابن أبي المعالي الموصليُّ.
من أبناء الأمراء وبيت الجاه والولاية والخدمة للملوك والسلاطين.
كانت ولادته فيما أخبرني به من لفظه ظهر يوم الأحد سادس جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة. سمع في حال صغره الحديث، وكتب خطًا رائقًا؛ وله معرفة حسنة بالتواريخ والسير وأيام الناس وأخبارهم، صاحب نظم حسن، ونثر لاباس به؛ وهو نعم الرجل دينًا وتواضعًا وفضلاً.
أنشدني لنفسه:
إذا علقت من الديوان كفيبأسباب العبودة والولاء
فلست أخاف أحداث اللَّياليإذا أصبحت منه بالفناء
وأنشدني أيضًا لنفسه:
هنِّيت بالخلغة يا من لهمجدٌ ووجه يخجل الشَّمسا
قد فقت أضرابك في كل ماتأتيه في المصبح والممسى
وأنشدني أيضًا قوله:
يامن له مقلو تسبى العقول بهارفقًا بقلب حشاه الوجد أحزانا
/ ب/ إن كانقصدك قتلي بالُّدود فقدأضرمت في كبدي بالهجر نيرانًا
وأنشدني أيضًا من شعره:
فأنت الَّذي عظَّمت للدِّين أمرهوشيَّدته مبنى ونوَّهته قدرا
سموت علوَّا وارتفاعًا وبسطةًونلت المنى في كلِّ حادثة قطرا
حسام أمير المؤمنين الَّذي انتضىلجذِّ رقاب الصِّيد يبترها بترا
وأنشدني لنفسه:
صبِّحت بالإقبال والنَّصريا مالك الإحسان والأمر
وعشت ما ناحت على أيكةقمريَّةٌ في غرَّة الفجر
وأنشدني أيضًا قوله:
مثلت بخدمة الملك الهمامأبي الأشبال واللَّيث المحامي
فأرعدت الفراص منه خوفًاوآذن منه ظهري بانفصام
ألام على مهابة ليث بيدعداه بالعضب الحسام
مليكٌ يكسب الضرغام بأسًاوإقدامًا على الجيش اللُّهام
مليكٌ شأنه قمع الأعاديوبذل ندّى كمنهل الغمام
وانشدني أيضًا لنفسه:
/ أ/ ألا يا أيُّها المولى الهمامويا ملكًا أياديه حسام
شأوت ملوك أهل الأرض طرّاًوفتَّ العالمين فما ترام
إذا ضنَّ السَّحاب وأنت فيناسقانا جود كفِّك والسَّلام
إذا رضي الكرام عليَّ منهمفما آسى إذا سخط اللِّثام
ومن كلامه المنثور ما كتبه إلى بعض الولاة في معنى أملاك له أخذت منه: "شابت ذوائب الأمل في الوعود الكريمة، واتسع خرق الفاقة، وتضاءل الصبر واشتدّت فيه الحاجة، والإلحاح في السؤال، يؤدي إلى الملال، والإمهال، يؤذن بالإهمال".
عمر بن عليِّ بن محمّد بن الوزير أبي المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، أبو الفضل بن أبي الحسن الشيبانيُّ
وقد تقدم نسب مستقصىّ عند ذكر ابن عمه أحمد بن ظفر.
أخبرني أنّه ولد تقديرًا سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بدمشق، وهو من بيت الوزارة والرئاسة كان في خدمة ب/ الملك المسعود مودود بن محمود بن محمد –صاحب آمد- وكاتب أسراره؛ فلما اخذ الملك الأشرف موسى آمد وملكها خرج الأمير أبو الفضل متوجهًا إلى مدينة إربل سنة ثلاثين وستمائة ليخدم سلطانها الملك المعظم كوكبوري بن علي بن بكتكين –﵁.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع