من «قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان» لابن الشعار الموصلي (ت ٦٥٤هـ)
ذكر من اسمه محمد (٣)
محمد بن عليّ بن مسعود بن عليّ بن مسعود بن هبة الله بن خليد, أبو الفرج أبي الحسن البغداديّ.
كانت ولادته في رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة ببغداد, وخبرت أنه توفى بها في سنة سبع وعشرين وستمائة, من بيت مشتهر بها, من أهل الفضل والتصرف في الأعمال والرئاسة.
ومن شعره ماكتبه إلى أبي محمد الحسن بن مسعود, وهو حينئذ يتولى صدرية المعمور في أيام الناصر لدين الله, وأبو الفرج يومئذ مقيم بالحلة المزيدية, مشرف على أعمالها, يهنئه بعيد الفطر المبارك, ويتعذر إليه عن تّأخير مكاتبه عنه:
أسعد الله خدمة المخزن المعـمور صدر الورى بعيد الفطور
إن تكن خدمتى تجلّ فحسبيّذاك ذنب في نأيه التنكير
هو جرم مصحّف فاغتفرهإن اولى من كان حقًا عذيري
وأنشدني ولده أبو طالب عبد, قال: أنشدني والي لنفسه ما كتبه إلى بعض الرؤساء, وقد زاد الماء في ولايته:
فضلت بالجد مج الدين من سقت أيامه وأتتنا عنه أنباء
لا تذنب الماء إن فاضت جداولهفسيبك الغمر منه ذلك الماء
محمد بن عليّ أبي أبو القاسم الشاطبي
كان حافظًا القران, عارفًا بتفسيره ومعانيه وأحكامه, وقرأ العربية, وتميّز
في علمها, وسمع الحديث, وحفظ متونه, وأخذ الفقه على مذهب الإمام مالك بن أنس- رضى الله عنه- عن جماعة ببلده, واستظهر جملة من أشعار العرب, وقال الشعر, وأنشأ الرسائل والفصول, وكتب الإنشاء لأمراء شاطبة.
أنشدني أبو القاسم محمد بن محمد بن إبراهيم الشاطبي, سنة ست وعشرين وستمائة, قال: كتب إلى أبو القاسم محمد بن علي لنفسه:
أيهما الخلّ الذي ليس له في أعتدادي وأعتقادي من قرين
أنا ممحوضّ إخائي بالذيلم نزل تعلمه علم اليقين
إقتضى إدلاله توجية ماتجتلاه بالمعاذير فمين
وإذا ما الود أضحى خالصًاأسقط الكلفة بين المخلصين
فعسى أن تلحظوه بالذييبسط الأعذار للمقصرين
عشتم في خفض عيش لاتنيتعتفيه لحظات الآملين
ونجوم السعد في آفاقكمطالعات بالرفء والبنين
والسلام المستعاد يتنحيشخصك الفاضل حينًا بعد حين
وقال أبو القاسم فأجبه:
أيها الخلّ الذي أصفيتهمحض ودي فبحبيه أدين
فضلكم أتحفني بقطعةتثبت الطّائي في المقصرين
وأهتمام يغتدي المجد لهواضح الغرة مصقول الجبين
ولقذفي ودنا الممحوض مايرفع الكلفة بين الممحضين
غير أن الودّ أيضًا يقتضيعدم التأنيب بين المخلصين
دمتم ممّا أبتنيتم من علاصأبدً في غرفات آمنين
وعليكم من سلامي مثلماأريج الورد به والياسمين
محمد بن عليّ بن محمد, أبو الفضائل الوسطيّ, المعروف بابن الكعبرّي.
كان من أهل الأدب والفضل, مؤدبًا جيد المعرفة, صالح الشعر. أخبرني أبو عبد الله محمد بن سعيد الوسطي غجازة إن لم يكن سماعًا, قال: أنشدني أبو الفضائل محمد بن الكعبرّي لنفسه بواسط, يلغز:
خذ بضبعي بمن التأدّب فالله رماني في سوقه بالكساد
ما أرى الفضل مظهر الذوي الفضــل ولا النقص خاملًا للجماد
همتي مذ نشأت نيطت بحب الــمجد لاحب زينب وسعاد
غير حال إذا تبينها ذو الــلّب كانت شماتة الحساد
كنت بعد آسم من علقت ولكن بنعماك قد تنسّي مرادي
ثلث ثانيه تسعة, وكذا الرّابع, عشر الثاني بغير آزدياد
وإذا رمت ثلثه فهو الثانيأيضًا فكن له ذا أنتقاد
وأخير الحروف عشر لا ولاها زهذا اختصارها باجتهاد
وإذا ما عكست ثانيه والأولّ أخلق به شراب الأعادي
والبسن الثّناء مني على مجسدك نشر الباقي بغير نفاد
لا تكلني عليه إن صار عين الـفعل فاءً ياعدّتي وأعتمادي
فقلد شمت بارق البشر من بشـرك والرّي بعد طول الجواد
وآصطناع الآحرار أجدر بالحر إلى تربه حبيس الأيادي
قال أبو عبد الله الدبيثي مجيبًا له وموضحصا للاسم الذي ألغزه:
أيها الملغز المجيد أصخ ليعشت ما شئت مدركا للمراد
قد تبينت ما لغزت فخذهفهو (مسعود) فزت بالإسعاد
وأبق في نعمة تدوم ومجدصاعد مالكًا رقاب الآعادي
محمد بن عبد السلام بن محمد بن عبد العزيز بن هبة الله السنجاري, يكنى أبا البركات, المعروف بابن الخطيب.
وإليهم كانت الخطابة بسنجار.
كانت فقيهًا مدرسًا عارفًا بالأصول, مبرزصا في علم الخلاف, مشتهرًا بالتحقيق في الجدل والإنصاف.
قدم مدينة إربل من بلاد العجم, ودرس الفقه بالمدرسة العقلية عدة سنين, واتصل بسلطانها الملك المعظم مظفر الدين أبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين- رضى الله عنه- وصار أحد المثرين في دولته, وأنفذه إلى عدة جهات رسولًا, منها إلى مدينة السلام وبلاد الشام وغيرها من البلدان.
وكان ذا رأى صائب, وفهم في تدبير المماللك ثاقب, ثم انصرف /ب /عن
إربل متوجهًا سنة ثلاث عشرة وستمائة, إلى بلاد الروم, وسكن قونيا وقيسارية, ثم تولى القضاء بملطية فبقي بها أشهرصا, لم يقبل منأحد رشي مدة ولايته.
أنشدني أبو الثناء محمود بن الحكيم الإربلي, قال: أنشدني أبو البركات لنفسه: [من الوفير]
لقد أغنتك يا مولاي راحّغدتّ في فيك طيبة المذآق
عن الخمر الحرام المرّ لكنمرادّك من تناولها شقاقي
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه:
يا رب إن عواذلي قدّ بالغوافي العدل حتى خفت أني أقبل
فأذقهم طعم المحبّة وأبلهمبالعاذلين لينتهوا أن يعذلوا
وأنشدني, قال: أنشدني من شعره:
لمّا أغرت على ريحان عارضهوكدت أفنيه بين العضّ والقبل
صاغ الحياء عقودآ دهارها عرقّلورد وجنته من شدةّ الخجل
وأنشدني, قال أنشدني:
حتى تخلف أن تزور وتخلفوإلى تمعن في الصّدود وتسرف
هبني أخافك أن أبثك حالتيأفلست تعلم ما أجنّ وتعرف
محمد بن نصر مكارم بن الحسين بن محمد بن غالب بن عنين الأنصاريّ, الشاعر الأديب, أبو المحاسن الدمشقي.
كان مولده في الاثنين تاسع شعبان سنة تسع وأربعين وخمسمائة. بقرية من القريا دمشق, تدعى زرع, وكان أصله من الكوفة. وتوفي بدمشق عيشة يوم الاثنين العشرين من ربيع الأول سنة ثلاثين وستمائة.
كان من الشعراء الشاميين وظروفهم, صاحب رويّة محبرّة, ويديهة محررّة, سخيف اللسان, قبيح الهجاء أغري بهجاء الناس, وتمزق أعراضهم, وهو ممن غلب هجاؤه على مدحه, قّل أن سلم أحد من الرؤساء والملوك وأرباب العلم والمناصب من لسانه, حتى لا يوجد من حفظ له إلا هجوُا جال في أقطار الأرض.
وسافر ما بين الشام وديار مصر والعراق وبلاد خراسان وما وراء النهر وغزنة, ومن بلاد الهند واليمن, ومدح أكثر بذلك مالُا جليلُا, وثروة واسعة.
ثم عاود دمشق, فلقد سلطانها الملك المعظم شرف الدين عيسى بن أبى بكر بن أيوب- رحمة الله تعالى- وزارته, فبقي فيها إلى أن توفي الملك المعظم.
حدثني الصاحب أبو البركات- ﵁ وساقية في تاريخه, وقال: صاحب الأبيات النادرة, والأحاجي السائر, والذكاء الخارق, والحسّ الصادق, والفطرة السليمة, والفكرة القومية, متى مدح رفع, ومتى هجا وضع, يتناقل الرواة بديعه في الهجاء, وإن وسم بها أعراض الصدور والكبراء, فبلغ من القلوب ما تبلغه المدام, وتخرق في الأغراض ما لاتخرقه السهام. وله مع ذلك يد طويلة, وقريحة
بإدراك ما يحاوله من رصيده كفيلة, إلاّ أنه شهر بالهجاء فهو أكثر ما يروى عنه.
قدم علينا في شهر ربيع الأول من سنة ثلات وستمائة, وكنت أسمع بأشعاره, وأتشوق إلى أخبارة, ولا أطمع نفسي في لقائه, ولا أمنّيها إلاّ سماع أنبائه, إلى أن خطر الدهر خطر أنه, وأرخى القدر فجاذبه عنانه, فوردإربل قاصدُا بلاد العجم للتجارة, وله ثروة وافرة, وجدة لا تقللها المكاثرة, وهو إلى الآن مشهور عند الملوك ذكره, نابهّ عند الأكابر في قدره.
ولقد بلغنني عنه, أن بدمشق له منزل- من الملك العادل سيف الدين- مكينة, ومحلّة عند وزيره جليلة, صار بهما مميزُا على أشكاله وأكفائه, مقدمُا على أمثاله ونظرائه, وسأورد من أشعاره التى أنشدنيها, ما يشهد بوجودة ألفاظها, وصحة معانيها.
وحدثني القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بن الخشاب بحلب- أيده الله تعالى-, قال: حدثني أبو المحاسن محمد بن نصر بن عنين الدمشقي في صفر سنة خمس وعشرين وستمائة عند عودي من الحجاز, قال: كنت بخوارزم بين يدي الإمام العلاّمة فخر الدين الرازي- ﵁, وكان الزمان شتاء, والثلج واقع, وإذا بعض الجوارح قد طرد حمامة, فألجأها الخوف إلى أن دخلت المدرسة التي نحن فيها, ثم وصلت إلى الإمام فخر الدين بطريق الاتفاق, فقبضها بيده, ومضى الجارح لسبيله, فعلمت بديهّا هذه الأبيات:
[من الكمال]
يا أبن الكرام المطمعين إذا شتوافي كُل مسغبة وثلج ختاشتف
العاصمين إذا النفوس تطأيرتبين الصوارم والوشيج الرّاعف
من أنبأ الورقاء أن محلكمحرمّ وأنك ملجاّ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفهافحبوتها ببقائها المستأنف
جاءت سليمان الزمان بشكوهاوالموت يلمع في جناحي خاطف
قرم لواه القوت حتى ظلهبازًا به تجري بقلب راجف
فأجرتها وحميتها ورددتهاموفورة تحظى بعيش وارف
ولوأنها تحمى بمال لأنثّنتمن راحتيك بتالد وبطارف
ولشنفت بفرائد من لفظهولشرفت بملابس ومطارف
مولاي عين الله تكلأ مجدك الـعالي لقد جاوزت حد الواصف
وقد رتّب ابن عنين شعره في أول ديوانه, وما أتى به من المدائح في الملوك على قدر ما ابتدأ به, ثم بمن يليهم من الوزراء وغيرهم, ثم بما اتفق من المرائى ثم ما نظم من الأهاجي, التي التي كان قصد بها الدعابة والإحماض, لا الغيبة وثلب الأعراض, ثم ما نظمه من الوقائع التي اتفقت له والأغراض, ثم بما سنح له من الألغاز المعجزة والأجوبة عنها, ثم ختم الديوان بما ورد في شعره من الأبيات النحوية, وسال المتأمل له والواقف عليه التجاوز عما أوعيه فيه من الزلاّت, وضمّه من الهفوات.
وروى لي من شعره عنه, القاضيان الجليلان, بها الدين أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن الخشاب, وأبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرداة بحلب- أيدهما الله تعالى-. أنشدني أبو الفضل العباس بن عثمان نبهان الإربلي التاجر, قال: أنشدني أبو اغلمحاسن بن عنين لنفسه:
عسى البارق الشامي تهمي سحابهفتخضل أثباج الحمى ورحابه
وتسري الصبا من جانبيه عليلةكما فتقت عن حضرمّي عبابه
خليليّ ما لي بالجزيرة لا أرىلمية طيفا يزدهيني عتابه
ويأمن سار أن يبيت مغبةببيداء دون الماطرون ركابه
إذا جبل الريان لاحت قبابهلعين وبانت من منير هضابه
ولاحت جبال الثلج زهرا كأنهامفارق شيب قد تلاشى شبابه
ولاحت قصور الغوطتين كأنهامراكب في بحر يعب عبابه
وهبت لنا ريح اتتنا من الحمىتخبر عمّا ضمنته قبابه
لثمت الثّرى مستشفيًا لغليلهوهيهات عما ضمنته فبابه
أنشدني نجيب الدين بن الصفار, قال: أنشدني ابن عنين لنفسه, يمدح السلطان الملك العادل سيف الدين أبا بكر محمد بن أيوب بن شاذي- ﵁:
ماذا على طيف الأحبّة لو سرىوعليهم لو سامحوني بالكرى
جنحوا إلي قول الوشاة فأعرضواوالله يعلم أن ذلك مفترى
يا معرضًا عني بغير جنايةإلا لما رقش الحسود وزوروا
هبني أسأت كما تقوّل وأفترىّوأتيت في حبيبك ذنبًا منكرا
ما بعد بعدك والصدود عقوبةيا قاتلي قد آن لي أن تغفرا
لا تجمعن علي عتبك والنوىحسب المحب عقوبة أن يهجرا
عتب الصدود أخف من عتب النوىلو كان لي في الحب أن أتخيرا
لو عاقبوني في الهوى بسوى النوىلرجوتهم وطمعت أن أنصبرا
فسقى دمشق ووادييها والحمىمتواصل الإعاد منفصم العرى
حتى ترى وجه الرياض بجوهاأحوى وفود الدوح أزهر نيرا
وأعاد أيامًا قطعت حميدةما بين حرة عالقين وعشترا
أرض إذا مرت بها ريح الصباحملت عن الأعطان مسكاّ أفرا
تلك المنازل لا أعقة عالجورمال كاظمة ولا وادي القرى
فارقتها لا عن رضا وهجرتهالا عن قلى ورحلّت لا متخيرا
أسعى لرزق في البلاد مفّرقومن البلية أن يكون مقتّرًا
ولقد قطعت الأرض طورًا سلكاّنجدًا وآنة أجد مغوّر
وأصون وجه مدائحي متقنعًاوأكفّ ذيل مطامعي متستّرا
كم ليلة كالبحر جببت ظلامهاعن واضح الصبح المنير فأسفرا
في فتية مثل النجوم تسنموافي البيد أمثال الأهلة ضمّرا
ياتوا على شعب الرمال جوانحاوالنوم يفتك في الغوارب والذرى
قالوا وقد خاطّ النّعاس جفونهم:أين المناخ فقّلت خد وا في السرى
لا تسأموا الإدلاج حتّى تدركوابيض الأيادي والجناب الأخضرا
في ظلّ ميمون النّقيبة طاهر الأعراق منصور اللّواء مظفّرا
العادل الملك الذي أسماوهفي كلّ ناحية تشرف منبرا
وبكل أرض جنة من عدله الـضافي أسأل نداه فيها كوثرا
عدل يبيتّ الذئب فيه على الطوىغرثان وهو يرى الغزالّ الأعفّرا
ما في أبي بكر لمعتقد الهدىشك يريب بأنّه خير الورى
سيف صقال المجد أخلص متنهوأبان طيب الأصل منه الجوهرا
ما مدحه بالمستعار له ولاأيات سؤدده حديث يفترى
بين الملوك الغابرين وبينهفي الفضل ما بين الثريّا والثّرى
لا تسمعن حديث ملك غيرهيروى فكل الصيد في جوف الفرا
نسخت خلائقه الكريمة ما أتىفي الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
ملك إذا خفت حلوم ذوي النهىفي الروع زاد رصانة وتوقّيرا
ثيت الجنان تراع من وثابهوثباته يوم الوغى أسد الشرى
يقظ يكاد يقول عما في غد .. ببديهة أغنته أن يتفكرا
حلم تخفّ له الجبال وراءهرأى وعزمّ يحقر الإسكندرا
يعفو عن الذئب العظيم تكرّامًاويصد عن قول الخنى متكبرا
أينال حاسده علاه بسعيههيهات لو ركب البراق لقصرا
وله الملوك بكل أرض منهمملك يقود إلى الأعادي عسكرا
من كل وضاح الجبين تخالهبدرًا فإن شهد الوغى فغضنفرا
يعيشو إلي نار الوغى شغفصا بها ويجل أن يعيشو إلى نار القرى
متقدم حتى إذا النقع أنجلىبالبيض عن سبي الحريم تأخرا
قوم زكوا أصًا وطابوا محتدًاوتدفقوا جودًا وراعوا منظرا
وتعافّ خليلهم الورود بمنهلما لم يكن بدم الوقائع أسجرا
كم حادث خفت حلوم دوى النهىخوفًا وجأشك فيه أربط من حرا
أنت الذّي أفتخر الآنام بجودهووجوده وكفاه مجدك فخرا
الله خصك بالممالك وأجتبىلمّا رآك لها الصّلاح الأكبرا
أشكو إليك نوى تمادى عمّرهاحتى حسبت اليوم منها أشهرا
لا عيشتي تصفو ولا رسم الهوىيعفو ولا جفني يصافحه الكرى
أضحى عن الآحوى المريع محلاوأبيت عن ورد النمير منفرّا
ومن العجائب أن تقيل ظلكمكلّ الورى ونبذت وحدي بالعرا
ولقد سئمت من القريض ونظمهما حاجتي ببضاعة لا تشترى
كسدت فلما قمت ممتدحابهاملك الممالك كنت أربح متجرا
لازلت ممتدود البقاء حتى ترىعيسى في الوغى مستنصرا
وأنشدني أيضًا من لفظه وحفظه, قال: أنشدني ابن عنين لنفسه يمدح الملك المعظم شرف الدين بن عيسى بن أبي بكر بن أيوب بن شاذي, صاحب دمشق-﵁:
أشاقك من عليا دمشق قصورهاوولدان أرض النيربين وحورها
ومنبجس في ظلّ أحوى كأنهثياب عروس صاك فيها عبيرها
منازل أنيس ما آنحتّ ولا أنمحتبمر السوارى والغوادى سطورها
تزيد على الايام نورًا وبهجة .. وتذوي الليالي وهي غض حبيرها
كأن عليها عبقري مطارفمن الوشي يسديها الحيا وينيرها
إذا الريح مرت في رياها كريهةحبها أريح النشر فيها مرورها
سقى الله دوح الغوطتين ولا أرتوتمن الموصل الحدباء إلا قبورها
فيا صاحبي نجواي بالله خيّرارهين صبايات عسيٍر يسيرها
/ أ/أمن مرح مادت قدود غصونهاببهجتنا أم أطربتها طيورها
خليلي إن أفنى مدامعيفهل لكما من عبرة أستعيرها
لقد أنسيت نفسي المسرّات بعدكم,,, فإن عاد عيد الوصل عاد سرورها
آلا إن لي تحت الجوانح غلةّإذا جادها دمع تلظّى سعيرها
وقاسمتماني أن تعينا على الهوىإذا نزوات البين سارت سؤورها
ففيم تماديكم وقد جد جدهاكما ترياه وأستمر مريرها
وأصعب مايلقى المحب من الجوىتداني النوى من خلّة لا يزورها
فيا ليت شعري الآن ذكر ما مضىأوائل أيم النّوى أم أخيرها
متى أنا في ركب يؤم بنا الحمىخفاف ثقاّل بلأماني ظهورها
حروف بافعالها لهن نواصبإذا آنست خفضًا فرفع مسيرها
تظنّ دون لبنان واللّيل عاكفصديع صباح في سراها يجبيرها
وقد خلّلقت رعن المدّخن خلفهاونكّتب عنها في يمين ثبيرها
فيفرح محزونّ ويكبت حاسدوتبرد أكباد ذكي سعّيرها
وقد ماتت الأموال عندي إنماإلي شرف الدين المليك نشورها
مليك تخلّلى الملك منه بعزمةبها طال عن رمح السّماك قصيرها
يلاقي بني المال طلقا فبشرهبما أملته من نجاح بشيرها
فما عـ[ـمـ]ـة مشكورة لا تثيبهاولا سيرة محمودة لا يسيرها
همام تظل الشمس من عزماتهمححّبة نقع المذاكي سورها
مهيب فلو لاقى الكواكب عابسّاتساقطت الجوزا وخرّت عبورها
ولو آنست منه الآهلة غضبةّنهاه سطاه أن تنم بدورها
تشرّف أيدي السحب إن قال قائللأدنى نوال منه هذا نظيرها
حلفت بما ضمّت أباطح مكّةمنى والبدن والشهب تدمى نحورها
لقد فاز بالملك المعظّم أنهإلى عدّاله المشهور ردت أمورها
وقال يمدح الملك العزيز ظهير الدين بن الملك العادل سيف الدين أبي
بكر محمد بن أيوب بن شاذي:
حنين إلى الأوطان ليس يزولوقلب عن الأشواق ليس يحول
أبيت وأسراب الدمع كأنهاقفول تهادى إثرهن قفول
أراقبها في الأفق من كلّ مطلٍعكأني برعي السائرات كفيل
فيا لك من ليل نأى عنه صحبهفليس له فجر إليه يؤول
أما لعقود النجم فيه تصرمأما لخطاب الفجر فيه نصول
كأن السّريّا غرّرة وهو أدهمله من وميض الشعريين حجول
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةوظلك يا مقرى علي ضليل
وهل أرني من بعد ما شطّت النوىولي في ذرى روض هناك مقيل
دمشق فبي سوق إليها مبرحوإن لج واش أو ألح عذول
بلاد بها الحصباء در وتربهاعبير وأنفاس الشمال شمول
تسلسل فيها ماؤها وهو مطلقوصح نسيم الرّروض وهو عليل
فيا حبّذا الرّوض الذي دون عزّتاسحيرًا إذا هبت عليه قبول
ويا حبّذا الوادي إذا ما تدفقت جداول باناس إليه تسيل
وفي كبدي من قاسيون حرارةتزول رواسيه وليس تزول
إذا لاح برق من سنير تدافعتلسحب جفوني في الخدود سيول
فلله أيامي وغض الصبابهاوريق وإذ وجه الزمان صقيل
هي الغرض الأقص وإن لم تكن بهاصديق ولم يصف الوداد خليل
وكم قائل في الأرض للحر مذهب إذا جار دهر واستحال ملول
وما نافعي أن المياه سوايحعذاب ولم ينقع بهن غليل
فقدت الّصبا والاهل والدار والهوىفلله صبري إنه لجميل
ووالله ما فارقتها عن ملالةسواي عن العهد القديّم يميل
ولكن أببيت أن تقبل الضيم همتيونفس لها فوق السماك حلول
كأن الفتى يلقنى المنايا مكرماويكره طول العمر وهو دليل
يعاف الورود الحائمات عن الآذىوللقيظ في أكبادهنّ صليلّ
كذلك ألقى أبن الأشجّ بنفسهولم يرض عمّرًا في الإسار يطول
سألثم إن وافيتها ذلك الثرىوهيهات حالّلت دون ذاك ذحول
أيغتربي دهري على ما يسومنيولي من ندى الملك العزيز مقيل
على أنني والحمد لله لم أزلأطول على أحداثه وأصول
وكيف أخاف الدّهر أو أحرم الغنىوأري ظهير الدّين في جميل
من القوم أما أحنف فمسفّهلديهم وأمّا حاتم فبخيل
فتى الجواد أما جاره فممنععزيز وأما ضدّه فذليل
واما عطايا كفه فسوابغعذاب وأما ظله فظليل
وله وقد إليه بعض مماليك أصدقائه, وقد غضب عليه سيده, فكتب معه شفاعة:
ومن عجب الأّيام أنّ شفاعتيّترجّى لمن في وجهه ألف شافع
يروم شفيعاّ من سواه جهالةوهل شافع مثل الشفيع المضاجع
أنشدني أبو عبد الله بن سعد الدبيثي, قال: أنشدني ابن عنين لنفسه, ببغداد مبدأ قصيدة:
أهاجك شوق أم سنى بارق نجدييضيء سناه ما يجنّ من الوجد
تعرض وهنا والنجوم كأنّهامصابيح رهبان تشب على بعد
حننت إليه بعد ما نام صحبتىحنين العشار الحاديات إلى الورد
تذكرني عيشًا تقضى على الحمىوأيامنا عن أيمن العلم الفرد
وإذا أم عمرو كالغزالة ترتعيبوادي الخزامي روض ذاك الثّرى الجعد
ومنها:
وما زالت الآيام تمهي شفارهاوتسحب حتّى آستأصلت كلّ ما عندي
فأقبلت أجتاب البلاد كأننيقذى حال دون الغمض في الأعين الرّمد
فلم يبق حزن ما توقلّت متنهولم يبق سهل ما جررت به بردي
وأنشدني القاضي الإمام أبو القاسم عمر بن أحمد بن جراادة بحلب- أيده الله تعالى-, قال: أنشدني أبو المحاسن محمد بن عنين لنفسه بدمشق:
يا عاتباّ جعل القطيعة مذهباظلماّ ولم أر عن هواه مذهبا
وأضاع عهد ذا لم أضعه ناقضاذمم الوفاء وحال عن صبّ صبا
غادرت داعية البعاد محبّتيفبأيّ حالاتي أرى متطرّبا
ظبي من الأتراك يثني قدهريح الصّبا وبعيده لين الصّبا
ما باله في عارضيه مسكهولقد عهدت المسك في سرور الظّبا
غضبان لا يرثي فما قابلتهمبتسما إلا أستحال مقطبًا
الله يعلم ما طلبت له الرّضاإلا تجنى عامدًا وتجنّبا
فيزيده فرط التذلل عزّةأبدًا وفرّط الاشتياق تعتبا
عجبًا له اتخذّ الوشاة وقولهمصدّقًا وعاين ما لقيت مكذبا
ورأى جيوش البحر وهي هزيمةّفأغار في خيل الصدود وأجلبا
يا بدر عمّك بالمحاسن خالكالدّجي فخصك بالمحاسن واجتبى
سبحان من أذكى بخدّك للورىلهباّ يزيد به القلوبّ تلهبا
أو ما أكتفى من عارضيك بأرقمحتى لوى من فضل صدغك عقربا
وقال يلغز في صبي, أسمه ياسين, أنشدنيها الشيخ الحافظ أبو عبد الله:
وشادن أبصرته قائمًايلعب بالتابوك في موسم
كأنه البدر وقد كللتمن عرق خداه بالأنجم
وكلما أبعدها ركضهعادت على أقدامه ترتمي
قلّت له: ما أسمك قل لي فقدأرفت من غير جراح دمي
فمرّ في لعبته لاهياوقال: حرفان من المعجم
وقال وهو في المخيم, مع الملك المعظم شرف الدين, وأنشدنيها عنه القاضي الأمام الأجل أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن سعيد بحلب- أيده الله تعالى-:
أنا وأبن شيت في الخيام زيادةوأبن النّفيس وذا الملق الصوفي
لا بأسنا يخشى ولا أضيافناتقرى ولا نرجى لدفع مخوف
أما الملّق كما علمت فزهدهوقف على زبديّة ورغيف
وفتى بجيلة إن قرا ما خطهألفيت فيه غرائب التّصحيف
ومهوّس باليمياء يقطع الآيام بالتعليل والتسويف
يبغي من الأبوال تبرًا خالصًاعقل لعمر أبيك جدّ سخيف
وأنا وشعري كم يعنفي الورىفيه ولا أصغي إلى التعنيف
وقال أيضًا:
حبيب نأى وهو القريب المصاقبوبعدى نوى لم تنص فيه الكائب
وإن بعيدًا لا يرجّى أقترأبهبعيد تنائى والرّدى متقارب
ألين لصعب القلب قاس فؤادهوأعتبه لو يرعوي من أعاتب
من التّرك مّياس القواّم منعّم له الدّر ثغر والزمر [د] شارب
يفوّق سهما من كحيل مضيّقله الهدب ريشّ والقسي حواجب
أسأل عذارًا في أسيل كأنه عبير على كافور خديه ذائب
سرت عقرّبا صدغيه في صحن خدفهن لقلبي سالبات لواسب
عجبت لجفنيه وقثد لحس قهمافصحت وجسمي من أذهن ذائب
من خصره كيف أستقلّ وقد عدت تجاذبه أردافه والمناكب
ضنيت به حتى رثت [لي] عواذليورق لما ألقى العدو المناصب
فهل لي من داء الصبآبة مخلصلعمري لقد ضاقت علي المذهب
وما كنت ممّن يستكن لحادثولكن سلطان لهوى لا يغالب
وقال أيضّا, وأنشدنيها عنه القاضى الإمام الصدر بهاء الدين أبو محمد الحسن ابن إبراهيم بن سعد بحلب- أدام الله أوقاته-: [من الكمال]
أنا وأبن شيث في الخيام زيادةفلا يرتجى منّا لخلق فائده
من كلّ من قصرت يداه عن النّدىيوم الجدا وتطول عند المائده
فكأننا واو بعمرو ألحقتأو إصبع بين الأصابع زائده
وقال في ابن شيث: وقد أمره الملك المعظم أن لا يهجوه فاعتذر:
كذبًا كلّ ما اعيت وزورآأنا وحدي زيادة في الخيام
وضيوفي الذين يمسون غرثىويداي الطوال عند الطّعام
ولزوم البساط أكبر هميوعلاج الأبوال أقصى مرامي
وقال فيه أيضًا:
زعموا أنني هجوت أبن شيثكيف أهجوه وهو في العلم آيه
إنّما قلت إنّه حسن الظــن حليمّ كأنّه أبن نفايه
ومرّ يومًا بجامع دمشق, فرأى واعظًا يلحف في سؤال الناس, فسأل عنه فذكر أنّه يعشق صبيًا من بني عساكر, اسمه نصر الله, وله نسيب منهم اسمه عباس, قيل إنه معًا, فقال:
ياواعظ الناس ماينفك عن طلبمعذبًا بين إنعاظ وإفلاس
ما كان أغناك عن إلحاف ميآلةلو كان في إست نصر داء عّباس
وقال أيضًا يهجو:
في دولة الملك المعظّم خمسةلا يؤمنون على قشور المحلب
وصهر المكرّم وأبنهوالحام المصّري وأبن التّنبي
وقال في المحتسب البكري, وأنشدنيها أبو الفتح نصر الله بن أبن العز بن أبي طالب الشيباني الصفار الدمشقي, بها في المحرم سنة أربعين وستمائة:
عسى الرحمن ينقذنا سريعّابرحمته من الزاغ الخبيث
أشدّ من السليلين أنبساطًاوألزم للسماط من أبن شيث
وألآم من فتى الكندي لؤماوصنعته وأكذب في الحديث
وقال لما دفن القاضي أبو الفرج يونيس بن فيروز بن بدران, قاضي دمشق المصري في داره:
وما أقصر المصري في رأيهإذا جعل التربة في داره
فخلص الأحياء من شرهوخلص الأموات من ناره
وقال أيضا يهجو:
طلع الدّين مستغيثًا إلى الرحــمان إن العباد قد ظلموني
يتسمون بي وحقك ما أعــرف منهم شخصًا ولا يعرفوني
كلّ يوم يعزى إلي وضيع الــقدر فظّ الكّلام كالزنكلوني
لقبوا أبن المصري ناجيولو كان شراكّا للنعل ما أنصفوني
وأبن شيث ويونس والمسيحي جمالي فالقوم قد رفضوني وقال أيضًا:
لولا الحياء وخيفتي من خالقيلضربت في الآفاق بالناقوس
وجمعت أهل الأرض كيما يعجبوالتالف الغزّلان بالجاموس
وقال في مدّرسين كانا بدمشق أحدهما يلقب الجاموس, والآخر البغل:
البغل والجاموس في جدليهماقد أصبحا عجبا لكلّ مناظر
برزا عشية يومنا ليجادلاهذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصياح كأنمالقنا جدال المرتضى ابن عساكر
لفظ طويل تحت معنى قاصركالعقل في عبد اللطيف النّاظر
إثنان ما لهما وحقك ثالثإلاّ رقاعة مدلويه الشاعر
وقال يهجوا بن دحية الأندلس المحدث:
دحية لم يعقب فكم تعتزي إليه بالبهتان والإفك
ما صحّ عند الناس شئ سوى أنك من كلّب بلا شكّ
وله يلغز في العقرب:
وما حيوان يتقي الناس بطشهعلى أنه واهي القوى واهن البطش
إذا ضعفوا نصف اسمه كان طائرآوإن ضعفوا باقيه كان من الوحش
وقال يهجو:
كأن قفا الوزير عروض شعريقطع بالبسيط وبالمديد
فذالك لا يزال النعل فيهكمنزل أحمد بن أبي الحديد
وقال أيضًا:
لئن وافي مصر فرعون وحدهمن الشام وآستولى وأظهرنا موسا
فقد جلبت مصر إلى الشام واحدًا يرى الف فرعون وليس لنا موسى
وقال يهجو صدرجهان محمد بن أحمد بن عبد العزير بن مازة
البخاري, وأنشدنيها عنه الشيخ الحافظ أبو عبد الله:
مال أبنمازة دونه لعفاتهخرط القتادة أو مناط الفرقد
مال لزوم الجمع يمنع صرفهفي راحه مثل المنادى المفرد
وقال يهجو القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني:
إذا كلبه ولدت سبعةفلا تعجبن أيها السائل
فعدّة أخلافها سّتةوفاضل وأولادها الفاضل
وقال فيه أيضًا:
سألت النجيب الفاضليّ وقد بداعليه شحوب بعد شدة أزه
أكنت مريضًا قال: كلاّ, وإنماتخيرني عبد الرّحيم لسره
فقلت له: حق على الله خفض ماترفّع تيها وأدّعى فوق قّدره
وهب أن ما تومي إليه مصدّقوأنك قد أقر تناقص أمره
فما وهدة ما بين ثدييك, قال ليمقعّر صدري من محدّب ظهره
وقال وقد عمل في أبواب جامع دمشق سلاسل:
لمّا رأى الجامع أموالهمأكوله ما بين نوّابه
جنّ فمن خوف عليه غدامسلسلًا في كلّ أبوابه
وكيف لا تعتاده جنّةوقد رأى خسة أربابه
القرد في شباكه حالموالكلب في قلبة محرابه
وقال من جملة أبيات: [من المسرح]
سلطاننا أعرج وكاتبهمنعمشذ والوزير منحدب
وصاحب الأمر خلقه شرسّوعارض الجيش دواؤه عجب
يبيّت من حكّمة تؤرقهفي دبره طوّل ليله يثب
وحاكم المسلمين ليس لهفي غير غر مول جرجس أرب
وله وقد اجتاز هو وصبي يقبله, بصبي يقال له- أحسن الناس وجهًا- فقال له: نبه عمر, أراد بذلك قول بشار بن:
إذا أيقظتك صروف الزمانفنبه لها عمرآ ثمّ نم
فقال أرتجالآ:
وحاجة بت أشكوها إلى ثقةوقد ترقرق ماء العين ينحدر
فقال لي مشفقا نبه لها عمّراّفقلت: واخيبتا إن لم ينم عمر
وكتب إليه اخوه كتابًا يصف له دمشق, ويشوقّه إلى وطنه, وأبو المحاسن يومئذ ببلاد خراسان, فكتب إلى أخيه بهذه الأبيات, وأنشدنيها عنه القاضي الإمام بهاء الدين أبو محمد الحسن بن سعيد الحلبي- أسعده الله-:
يا سيّدي وأخي لقد أذكرتنيعهد الصّبا ووعظتّني فنصحت لي
أذكرتني وادي دمشق وظله الضافي البرود السلسل
ووصفت لي زمن الربيع وقد بداعجب الزمان إلي شباب مقبل
وتجاوب الأطيار فيه [فمطرب]يلهي الشجيّ وناتج يشجيّ الخلي
يغني النّديم عن القيان غناؤهافالعندليب بها رسيل البلبل
فكأنما أخدت عن أبن مقلدقول المسرح في الثقيل الأوّل
ومدامة من صيدنايا نشرهامن عنبر ورداؤها من صندل
مسكيّة النفحات يعرف أصلهاعن بابل ويجل عن قطربل
وتقول: اهل دمشق أكرم معشروأجلهم ودمشق أطيب منزل
وصدقت إن دمشق جنّة هذه الــدنيا ولكن الحجيم الذالي
لا الدائص الحلبيّ ينفذ حكمهفيها عليّ ولا العواني الموصلي
هيهات أن أتي دمشق وظلهايعزى إلى غير الملك الأفضل
ومن العجائب أن يقوم بها أبوبكر وقد جعل الوصية في علي
مهلًا أبا حسن فتلك سحابةصيفيّة عمّا قليل تنجلي
وكتب أيضًا إلى أخيه في صدر كتاب:
وما حائمات تمّ في الصيف ظمؤهافجاءت وللرمضاء علي المراجل
فلمّا رأين الماء عذبًا وأقبلتعليه رأين الموت دون المناهل
بأعظم من وجدي عليك ووحشتيإليك وإن لم أحظ منك بطائل
وقال وكتب إلى الملك المعظم يستعفيه من تقليده الوزارة, وأنشدنيها عنه القاضي بهاء الدين أبو محمد:
أقلبي عثاري واتّخذها وسيلةيكون برحماها لك الله جازيا
كفى حزنًا أن لست ترضى ولا أرىفتى راضيًا عنّي ولا الله راضيا
ولست أرجي بعد سبعين حجّةنجاةّ وقد لاقيت كلّ الدّواها
أخوض الآفاعي طول عمري خائفًاوكم يتوفّى من يخوض الآفاعيا
وقال يهجو القاضي أبا الفرج يونس بن فيروز بن بدران قاضي دمشق المصري:
قضى يونس نحبه بعدماقضى في الآنام بغير الصّواب
وأحرز أولاده مالهوموت الحمير حياة الكلاب
محمد بن سعد بن نصر بن سعيد علّي, أبو نصر بن أبي الحسن الدجاجي البغدادي المعروف بابن الحيواني.
كانت ولادته في شهر رجب سنة أربع وعشرين وخمسمائة, وتوفي ببغداد يوم الأربعاء خامس عشر ربيع الأول سنة إحدى وستمائة, ودفن بجانبها الغربي بباب حرب.
وكان واعظصا فقيهًا حنبليات, شاعرًا محدثصا له خطب وفصول في الوعظ, وأشعار مدح بها الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد- ﵁.
سمع الحديث على أبي جعفر محمد بن علي السمناني, وأبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن زريق القزاز البغدادي, وأبي بكر قاضي المارستان, وأبي الوقت عبد الأول عيس بن شعيب السجزي.
وكان شيخًا, فيه صلاح وفضل حسن, ومن شعره يمدح الإمام الناصر لدين الله, ويذهب فيه أبي الفتح البستي في المجانس المتشابه القوافي. وأنشدني منه شيخنا أبو عبد الله محمد بن سعيد الوسطي, قال: أنشدنا أبو نصر الدجاجي لنفسه:
تقول عيسي حين أدميتهابالسير رفقا بي يا هاشمي
إن شئت أن تلقى المنى والغنىعج بإمام من بني هاشم
/ ب/فقلت إذ لاح سنى برقهيا نوق هذا نوره هاشمي
وقال فيه أيضًا:
إمام أعاد العدل من فقدهوأحيا رميم المكرمات برفده
وعم البايا بالعطايا تكرّمًاوأشرق في أفق العلا نجم سّعده
به لبسّ الإسلام أحسن زينةولان من الأيمان ذابل رنده
فلاّ زال في ثوب الخلافة رّافلاّتجر على الآيام أذيال برده
ودارت على الإقبال أفلاك مجدهولا زالت الأملاك من بعض جنده
مدى الدّهر ما ناح الحمام وأسدل الظّلام وما سحّ الغمام برعده
وأنشدني الصاحب الوزير أبو البركات المستوفي بإربل, قال: أخبرني أبو نصر محمد بن سعد الله لنفسه إجازة, يمح الوزير جلال الدين أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني:
أثر إلى جنبات المنحنى إبليواحلل يعزمك عنها محكم العقل
وخلّها تسحب الأرسان من مرحدون الثّنّية بين ألبان والآثل
فإن ريح الصّبا من نحو كاظمةقد هاج منها غراما جد مشتعل
حنّت إلى مربع الالآف فالتهبت أحشاؤها وأعتراها مقلق الخبل
إلى مرابع صدق طالما حمدتما بينهنّ غدايا العلّ والنّهل
فهجن لي لوعة من مثل وقدتهايرفض من عبراتي كلّ منهمل
فبات بي مثل ما باتت تكابدهمن حبّه تبعث الشكوى لهنّ ولي
يا عاذليّ فرط الصّبابه لوعرفتماها لما أكثرتما عذلي
طالت علّي الليالي بعد ما قصرتوأي ليل مشوق القلب لم يطل
ما أومض البرق من نجد ولا نسمتريح ولم أغد مثل الشارق الثمل
تميد بي جنبات الأرض من طربشوقًا إلى معهد الغزلان والغزل
ليت النوى أسعفتني بالبقاء لمنلولآ تنائيه لم أجزع ولم أبل
فقد تساعف دار بعد ما بعدتوالدّهر يسمح بعد الضّنّ والبخل
كما اني بجلال الدّين معتذرًابه ومستغفراّ من سالف الزّلل
وافى به فصفحنا عن جرائمه بما جد من خلال المّجد مجتبل
فكلّ من رام يومًا أن يساجلهمن البريّة في قول وفي عمل
نادته ألسنة التوبيخ مفصحةليس التكحل في العينين كالكحل
أضحى الزمان به من بعد ظلمتهذا منظر في عيون العالمين جلي
مازال يسعى لأنمى كل مرتبةسواه قد رامها قدمًا فلم ينل
مناقب لجلال الدّين مفتخربها وأكمل عز غير منتقل
فالملك مستبشر يزهو بطلعتهقد ضم منه إلى ذي نجدة بطل
يراعه ظلّ يغني وهو من قصبعن القواضب والعسالة الذبل
فما ركام من المزن الغزار لهزماجر وضرام دائم الشغل
إذا تبجّس روّى كلّ بلقعةوأصبحت ذات روض ناضر خضل
يومًا بأغزر عند الممحلات ندىمن الوزير نظام الدّولتين عّلي
ولا هزبر أبو شبلين مدّرعبلبدة مرتاع ولا وجل
يحمي العرينة من أمثاله أنفًاولا يرّاع لما يعرو من الوهل
أمضى علّى الهول منه يوم ملحمةتلهي القلوب عن الأفراح والجذل
مكارم لجلال الدّين لست ترىلهن عن مجده المحروس من حول
نجل الوزير جمال الدّين أكرم منمشى على الأرض من حاف ومنتعل
عليه من صلوات الله أفضلهاما هبت الرّح في سهل وفي جبل
غيه أبا حسن عن المفاجر قدظفرت منها بأقصى السؤال والأمل
يا سيّد الوزراء الأكرمين ويانجل السراة الكرام السادة النبل
إسعد بها رتبة للمستحق لهاودولة ذات عرف في الورى شمل
وثق بصدق ولائي ما جرى قلموما تأخر مقدور من الأجل
بقيت يا شرف الغسلام مرتفعًا بهمّة في العلا تعلو على زحل
ويا قوام المعالى عش ورش أبدًاودم بقدر عظيم الطول لم يطل
وصل وصل واسم وأسلم في بلهنيةما سبح الله في الإبكار والاصل
وما ترنمّمت الأطيار في ورقفهيجت مغرماّ بلأعين النجل
وقال أيضًا, وأنشدنيه عنه الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود:
نفس الفتى إن صلحت أحوالهاكان إلى نيل التقى أحوى لها
وغن تراها سدّدت أقوالهاكان على حمل العلا أقوى لها
فلو تبدّت حال من لها لهافي قبره عند البلى لها لها
وقال أيضًا [من الكمال]
إنّ الولاية لا تدوم لواحدإن كنت تنكرها فأين الأول؟
وقال أبو غالب نصر بن تركي بن خزعل بن تركي بن الحسن الحنظلي التميمي البصري المسلي التاجر, أنشدني أبو نصر محمد بن سعد الله بن الدجاجي لنفسه:
يا غائب القلب في نقص وفي لعبوذاهب العمر في حرص وفي تعب
لا يغررنك المنى جهلاّ بطول منىويلزمنك العنا بالزور والكذب
صاحب فصاحة دنيانا بموعظةتغني أخا اللبّ فيها عن أخ وأب
لا تغرر بنسي الغافلين وخذّرداّ ينجيك من هول ومن عطب
الناس في حسد والعيش من نكدوالشّمل في بدد والترب في ترب
إسمع مقالتها واقرع جنايتهاوأقطع مفازتها بالنوح والحرب
أحب أنب أقبل أدن أصغ أفقاحذر تحفظ تيقظ إخش ذل تب
وبالإسناد وأمر أن يكتب على قبره:
أيها الزئرون بعد وفاتيجدثًا ضمّني وقبرًا عميقا
/ أ/ سترون الذي رأيت من الأمــر عيانًا وتسلكون الطريقا
محمد بن أبن الفوارس بن أبي الهواء, أبو عبد الله الحلّي.
من أهل الحلة المزيدية.
أخذ طرفًا من النحو عن أبي البقاء عبد الله بن الحسين الضرير النحوي العكبري, وكان بالموصل معلمًا, له طبع في الشعر.
أنشدني الصاحب أبو البركات المستوفي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
يا غارسًا غصن الحياة بجود راحته السخيه
ومعوّدا كسبت الثناء بحسن أخلاق زكيه
قد صرت مأكولا لابــناء الجهالة والدنيه
فانهض إلىّ حميّةفالحر تنهضه الحميّه
محمد بن اصطفان بن عبد الله, أبو عبد الله.
كانت ولادته في عين ناب قلعة حصينة من أعمال حلب- يوم الجمعة ثالث صفر سنة أربع وسبعين وخمسمائة, وتوفي عيشة يوم الثلاثاء بين الظهر والعصر تاسع عشر المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة بإربل, ودفن بداره.
وكان يتولى أستاذ الدارية بإربل, لسلطانها الملك المعظم مظفر الدين- ﵁, أجمع أهل زمانه, أنه لم يكن له نظير في ذكائه وفهمه وتفرده بما خصه الله تعالى, من إحكامه أكثر صناعات العالم على اختلاف أنواعها, وتبريز فيها.
ساق ذكره الصاحب الوزير أبو البركات في تاريخ إربل, وقرظه في جملة من استوطن بها, وقال: أبو عبد الله بن أصطفان, أمير كريم الأخلاق سليمها, سليم
الطباع كريمها, صادق المودة صافيها, وافرالصداقة وافر الصداقة وافيها, له سماحة يد لا تبقى ما في اليوم إلى غد, حسن الظن بالله, شديد التمسك بأوامره ونواهيه, له رسائل وشاها طبعه ونمقها, وهذّبها فكره ولفقها, وأشعار رزقت من اللطافة نصيبًا وافرً اومنحت من السلامة حظا كاملًا.
كان والده من موالي بني حسان المنبجي, فأعتقه بعض من له ذلك شرعًا, ثم أنشدني من شعره ما سمعه من لفظه:
برشيق قدّك وأعندالهوفتور طرفك واعتلاله
وبنون عارض خدّك الــتبست علىّ بعطف داله
عني الجمال بخطهازمنا فنقطها بخاله
ألاّ رثيت لعاشقرق العدو لسوء حاله
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه, يوازن قول القائل:
لمّا رأيتك مقبلًاوالبدر يعجب من تمامك
أيقنت أني هالكإن لم أقل أنا في ذمامك
واتمهما ابو عبد الله بقوله:
والغصن يستجلي التعطيف والتثني من قوامك
والدّر منتسق النظامجلاه لي برق أبتسامك
ورأيت ذلّي حين تخطر فيدلالك واحشامك
تسطو علي وتارةأجد السلامة في سلامتك
أيقنت أني هالكإن لم أقل أنا في ذمامك
وأنشدني, قال: أنشدني لنفسه:
يا غائبًا قد ساثني بمغيبهأشكو إليك جناية التفريق
قد كان دمعي قبل بينك لؤلؤًافالآنّ قد بدّلته بعقيق
وأنشدني أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الإربلي, قال: أنشدني أبو عبد الله لنفسه:
وألية بهوى إذاقدم الزمان به تجدّد
وتبلبل الأصداغ فوق مزروفن الخد المورد
وفتور الحاظ خلقــن بلية الدّنف المسهد
ومراشف كالخمر تبـعن نقادر منضد
ورشيق قدّ كالقضيــب يكاد أن يلوى ويعقد
ولذيذ ملتف العناق وضمة الصّدر المنهد
ورفيق شكوّى في العتاب تخاله اللّحن المردد
إني وإن ظن الغبي بأن شملي قد تبدّد
ومسّاعدي في الحب قدمالا على وقد تفنّد
ورميت من أيدي النّوىبمحلًا عني مشّرد
فلقد عكست ظنونه ورددت وجه الظن اسود
وتجاوبت خرس اللقاءوغرّدت طربًا وعرّد
وحنيت عاصية السرور فأصبحت من غير مقود
وأتى الزمان بما أريــد وأطلق الهم المقّيد
وأعاد أحمد ثانيًامن بينه والعود أحمد
محمد بن فارس بن المصري, أبقو عبد الله الأنصاري الكاتب.
كان يكتب في خزانة السلاح بدمشق للملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد ابن أيوب- ﵁ وكتب له الإنشاء مدة يسرة بالديار المصرية.
وكان فقيهًا مالكي المذهب, عالمًا مبرزًا في كلّ فن, وله رسائل فصاح, وأشعار
ملامح, وتصانيف. وتوفي سنة ست عشرة وستمائة.
أنشدني أبو عبد الله محمد بن عبد الله إبراهيم العمري المحلي المصري, قال: أنشدني محمد بن فارس بن حمزه لنفسه:
لولا تحّديه باية سحرهما كنت ممتثلًا شريعة أمره
رشا أصدقه وكاذب وعدهيبدي لعاشه أدلة كفره
ظهرت نبوة حسنه في فترةمن جفنه وضلاله من شعره
فأطاعه حتّى العذول وما عصىفي الحب من قام العذار بعذره
ولقد دعا ظمئي عذيب رضابهأفلاهداه ببارق من ثغره
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (٢٠٠٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع