من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
الكلام على طلب العلم
إذا تأملت يا مشرقي، طلب العلم في أرض شنقيط، علمت أنك تجد من الإعانة ما لا يجد، لأن لك من الأوقاف ما يكفيك، ووراءك امتحان يحملك على الاجتهاد، لأنك إذا سقطت، قطعت من الدفتر، وإذا لم تكن عالما، جعلت عسكريا، وإذا صرت عالما، تأخذ من الأوقاف ما يكفيك أنت ومن تمون. أما الطالب في أرض شنقيط، فبعكس هذا كله، فإنه إذا لم يعلم لا يؤخذ للعسكر، وإذا طلب العلم، لا يجد وقفا يتقوَّت منه، وإذا صار عالما، ليس وراءه وقف يضمن له ما هو مضمون لك، فهذا كله، يثبط عن العلم.
وإذا اشتهر عالم بالمهارة في العلم، أكثر من يتعلم عليه، إنما هم الغرباء، لأن الشخص في أرض شنقيط، يصعب عليه أن يتعلم في بيت أهله، إذ يلزمه أن يتفقد مواشيه، وأن يواظب على الضيوف التي تقصده دائما، وبالنظر في الشئون
المنوطة به، فيتغرب لذلك، إذ لا يهمه إذا كان غريبا، غير شؤون نفسه. أما ما يعيش به، فأكثر أن يأخذ بقرة حلوباً، أو بقرتين إلى ثلاث، إلا أن الثلاث لا يقدر عليها إلا القليل، وهكذا أغلب من يتغرب. وإذا كان الشيخ صاحب إبل، يذهب الطالب بناقة أو ناقتين إلى ثلاث، فإذا اجتمعوا عند شيخ يكونون طوائف، كل طائفة تشترك فيما عندها، لا فارق بين من عنده واحدة، أو ثلاث. فيحلبون واحدة مثلا، ويحلِّقون كل يحسو حسوة، ويناول الآخر وهكذا. أما ما يسكنون فيه من الأمكنة، فيصدق عليه قول بعضهم:
تلاميذ شتى أَلَّف الدَّهْرُ بينهملها همم قصوى أجَلُّ من الدَّهرِ
يبيتون لاكِنٌّ لديهم سوى الهوىولا من سرير غير أرمدة غبر
ويتناوبون رعي مواشيهم، فيخرج أحدهم اليوم يرعى الإبل، ويأخذ كتابه أو لوحه، يظل يقرأه، ثم يخرج غيره بعده، وهكذا حتى يدور ذلك عليهم. وقد يوجد شخص معه عبد، يرعى له نياقه، وهذا قليل جدا. وإذا كانت الطلبة أهل بقر: يتناوبون الورود على المنهل لسقيها لأن البقر يشرب كل يوم، بخلاف الإبل، فإنها في أيام الصيف، تغب يومين أو ثلاثة، وفي غيره أسبوعا وأسبوعين، إلى الشهر أو الشهرين، وقد تمكث ثلاثة أشهر لا تشرب، إذا كانت الأرض مخصبة.
ومما يحكى عن تلاميذ أهل محمد سالم المجلسيين: أن أحدهم كرع في ماء يشرب منه، فنقرته وليدة وقالت له: أنت شربت أمس، ولا يشرب في هذا اليوم، إلا من لم يشرب أمس. وكان ذلك في شدة الحر.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع