من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)
الكلام على اللغة الحسانية
أهل اللغة الحسانية، يسمونها كلام حسان، ولا أدرى من هو حسان، وأهل اللغة الأخرى، يقولون لها كلام حسان، وكلام العرب. وهي لغة بعضها - وهو القسم الأكثر - عربي ظاهر، إلا أن تسكين المحرك كثير فيه، وبعضها لا تعرف له اشتقاقا، وليس مأخوذا من اللغة البربرية، لأنه لا يوجد فيها، وتختلف هذه اللغة باختلاف لهجات أهل البلاد المتباعدة. مثال ذلك: أن أهل آدرار وتكانت والحوض. يجعلون القاف غينا محضة، يقولون: عبد الغادر، في عبد القادر وأغديم: في آقديم، بمعنى الذي يخدم في السفر، وأشباه ذلك وكأهل آفطوط. فإنهم يعسكون هذه القضية، وكأهل القبلة، وهم الترارزة، ومن في جوارهم. فإن كثير منهم يجعل التاء طاء. يقول: الطراب، في التراب. والطمْر في التمر. وكل طوائف أهل هذه اللغة، يرى إنه أفصح من الآخر، إلا أن بعض زوايا أهل القبلة، يرى أن الصلاة خلف أهل اللغة الأولى باطلة، لأنهم يلحنون في الصلاة لحنا يغير المعنى، مع إمكان تعليمهم للغة الفصحى، ومن هذا مسألة الجيم المتفشاة، والجيم الشديدة. فإن كل أهل ذلك الفطر، متفقون على النطق بالجيم الأولى في كلامهم
الجاري بينهم، وفي قراءة الشعر والكتب العلمية، ويختلفون في قراءة القرآن والحديث، فأهل القبلة - وهم أكثرهم علما - يقرءون الكل، بالجيم
المتفشاة، إلا قليلا فإنهم يقرءونهما بالجيم الشديدة، وهؤلاء مثل إدوعل، ومن يقلدهم في ذلك، وأهل تكانت والحوض وآدرار، يقرؤون بالجيم الشديدة أيضا، وأهل اللغة الأزلي، يقولون لأهل اللغة الثانية: ويجعلون لله ما يكرهون، لأنهم ينطقون في كلامهم العادي، وفي الأشعار، وفي الكتب والفقه، بالجيم المغربية، وأما القرآن والحديث: فلا ينطقون فيهما إلا بالجيم الشديدة، أما هؤلاء فإنهم يجيبون بأنهم راعوا في القرآن والحديث، وجوب النطق باللغة الفصحى، وفيما عداهما، اتبعوا السهل مع جوازه. لأنه لغة توجد بمرجوحية.
حجة أهل الجيم المفتشاة: أن الجيم الشديدة لغة السودان، وهم أعجام، وتأولوا كلام التسهيل الآتي، بما لم يحضرني الآن.
وحجة أهل الجيم الشديدة: أن الجيم المتفشاة، لغة الشلح والبربر، فكما طعنتم في لغتنا، نطعن في لغتكم، وحيث وقع دليلان متقابلان بالنسبة إلى العجم، فالحكم بيننا إنما هو كتب الأئمة.
قال سيبويه في كتابه: (ومن الحروف الشديدة، وهو الذي يمنع الصوت أن يجري فيه، وهو الهمزة والقاف والكاف والجيم والطاء والتاء والدال والباء، وذلك أنك لو قلت الحج، ثم مددت صوتك، لم يجز ذلك. وقال الدماميني عند قول التسهيل: (ومنها: شديدة يجمعها أجدك قطب) ومعنى الشدة على ما ذكر سيبويه: امتناع الصوت أن يجري في الحرف، ويعتبر ذلك في النطق، فنقول: الحق والحج مثلا، فلو رمت مد صوتك في القاف والجيم وغيرهما من حروف الشدة لامتنع. وقال ابن الأنباري في أصول اللغة: ومعنى الشديدة أنها حروف صلبة لا يجري فيها الصوت، ولذلك سميت شديدة. وفي القاموس وشرحه: والحروف الشديدة ثمانية.
وهي الهمزة والجيم والدال والتاء والطاء والباء والقاف والكاف. قال ابن جني: ويجمعها قولك: أجدت حبقك. وقولهم: أجدك طبقت: وأجدك قبطت. وفي الهمع: الشدة امتناع الصوت أن يجري
في الحرف، والفرق بين المجهور والشديد. أن المجهور يقوى الاعتماد فيه، والشديد يقوى لزومه في موضعه. فعرفت أن منع الجرى في الجيم ولزومه لموضعه، يمنعان دخول الجيم المغربية تحت هذين المعنيين، لأنها متفشية قطعا، وذلك النوع فرع من غير نكير، فلا يجعله التعود أصلا يعتمد عليه.
وهذه النصوص المتقدمة، لا تقبل التأويل، وقد رأينا قراء مصر - وهم من أكثر بلاد الإسلام قراء - لا ينطقون بالجيم المغربية، وإن كان بعضهم يجعلها كافاً معقودة، إلا أن هذه أقرب إلى الجيم الشديدة من المغربية، فإنها تقارب الشين، والكاف أقرب إلى الجيم الشديدة من الشين. أما أهل الحجاز واليمن ونجد والعراق، فكلهم ينطقون بالشديدة. وأما أهل الشام: فواسطة بين النوعين، وهم ينطقون به دون المغربية بكثير، وهي بعيدة من الحجازية والحاصل أن الجيم فصحى، وهي الشديدة. وفرعية، وهي المغربية، وأكثر القراء في جميع الأرض على الفصحى، إلا المغرب، وأهل القبلة من صحراء شنقيط. وقد عدّ سيبويه الجيم التي كالشين، من الحروف غير المستحسنة، التي لا تكثر في لغة من يرتضي عربيته. وقال: إنها لا تستحسن في قراءة القرآن، ولا في الشعر. ثم قال: وهي الكاف التي بين الجيم والكاف، والجيم التي كالكاف، والجيم التي كالشين. وهذا نص صريح لا يقبل التأويل. فإن الجيم المذكورة يجري فيها الصوت، كما يجري في الشين.
النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع