تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

الحيات في شنقيط

الحيات كثيرة في ذلك القطر كله، وأكثره تكانت، وقد ذكر العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، أن سري الراجل في تكانت حرام، لما فيه من التعرض للمهالك، ثم أن الحيات متفاوتة في المضرة فمنها: إلفاعْ. أي الأفعى. وقد يقولون له: الفاع الأركط، أي الأرقط، وهو خبيث منكر. ومنها: كيشكاشه وهي ضرب من الأفاعي، تحك بعض جلدها ببعض، إذا آنست الإنسان، فيسمع لها صوتا مزعجا، فإذا سمعه وثب فارا. وهي التي شبه

الأعرابي صوت شخب ناقته

بصوتها، حيث يقول:

كأن صوتَ شَخْبِهَا المُرْفَضِّكشيشُ أفعى أجمعت للعض

فهي تحك بعضها ببعض

وهذا التشبيه، في غاية الحسن، خصوصا إذا كانت الناقة كثيرة اللبن، واسعة مجرى اللبن من الخلف، ومنها (كُرُجْمَهْ) وهي حية عظيمة، لا تكون إلا في محل فيه البحور غالبا، وقد تكون في محل فيه شجر (إفَرْشِ) هو الآراك الذي تستجاد مساويكه، وهذه الحية، رأيت حية تشببها في حديقة مصر المخصوصة بالحيوانات، إلا أن التي بمصر أصغر، والأغلب أنها من جنسها، وهي لا تعض، وإنما تلتوي على الإنسان فتقطعه نصفين، أن التوت على نصفه، وإن التوت على ساقه، قطعتها وحدها، هكذا يقولون. ومن العجائب أن السودان يأكلونها، ورأيت عندهم سيورا من جلدها، يجعلونها تكة للسراويل.

أما العقارب، فإنها كثيرة جدا، ولكنها لا تقتل من لسعته، والناس يزعمون أن من لسعته، وركب حمارا، وجعل وجهه إلى ذنبه يبرأ، وقد جربت هذا فوجدته كذبا، وأصدق ما قيل فيها، أن من لسعته لا يشتفى إلا بعد أن يمكث أربعاً وعشرين ساعة يصيح، ولا يداويه غير ذلك، وهذا عندي صواب، كما جربته في نفسي، وقد يعملون للصبيان ترياقا ينفعهم في لسعها، وهو أن يذبحوها وهي حية، فيقطعوا الأنبوبة التي تلي ذنبها، والتي فيها الشوكة فيرموهما، ثم يأخذوا الثلاث الباقية، فيحرقونها بالنار، حتى تستوي، فيجعلونها في شيء يزدرده الصبي، فيمكث مدة لا يؤثر فيه لسعها، وهذا صحيح مجرب. ومنها نوع يقال له (بُنَيْه) وهو حنش فيه نقط سود، وأكثر لونه يميل إلى الصفرة، يئن إذا أراد أن يعض الإنسان. ويقال إنه ينقلب على ظهره قبل اللسع (كَيْرْوَه): هي أشر حيات تلك البلاد، وهي حنش ضخم أصفر، وعلى جلده قشور، وله ظفر في ذنبه، وما رأيته

في تكانت، ولكن لا تخلو منه أرض، إذا كانت تنبت

شجر آفرنان، وهو كثير في أرض تكانت، وهذه لا تنفع فيها الرقاة غالبا، ولا يعيش من لسعته، أكثر من ساعة أو ساعتين، وقد رأيت رجلا من قبيلة إدوعل اسمه: الفغ بن إنجاي يرقيها، وقد ثبت عندي إنه رقاها وعاش صاحبها، والحكمة التي عنده لا توجد عند غيره، وقد تلقاها عن رجل من لكْوَرْ، (أي السودان) ومن عجيب أمر هذا الرجل، إنه يتخطى الملسوع، فيشفى من غير أن يمسه، ومنها:

(صوَّاع البجوان) وهو حية، تطرد راكب الجمل فتثب عليه، والجمل يجري به فيلسعه فيموت. ومن عجيب ما شاهدت، أني كنت يوما أمشى في محل خال، فرأيت حبة تقصدني من الجهة التي أذهب اليها، فالتفت راجعاً أريد الفرار، وأنا مذعور، فقبل أن أرفع رجلي من الأرض، تثنت على ساقي، فنفضتها على الأرض، وعدوت عدواً شديداً متحققاً أنها لسعتني، فلما سكن جأشي، وجدتها لم تصبني بأذى، والله المحمود على ذلك.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الكلام على شنقيط وتخطيطها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.