تجاوز إلى المحتوى

من «الوسيط في تراجم أدباء شنقيط» لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١هـ)

الكلام على التاريخ في شنقيط

السائر في أرض شنقيط، إنما هو التاريخ بالأمور المشهورة، كالحروب والجدوب، وموت الأعاظم. يقول أهل القبلة مثلا: كان ذلك سنة غدرة محمد لحبيب، أو سنة غدرة سيد بن محمد لحبيب، وفتنة أجله مثلا، أو سنة ملكي اصرب ملكي، بمعنى ملتقى، واصرب جمع صربة، بمعنى الوفود التي اجتمعت لعقد الصلح بين الترارزة، ويقولون: كان ذلك سنة شر بني فلان، وبني فلان، أي حربهم، أو سنة خير بني فلان وبني فلان، أي صلحهم، أو سنة اكبيظ الشمس، اكبيظ: بمعنى قبضها، أي كسوفها، وسنة حواطه، وهي سنون محدبة، يزعمون أن المطر حبس سبع سنين، وفيت المواشي، وأكل الناس

الجلود، وهذه اللفظة عربية، وأصلها تحوط أو تحيط. قال أوس بن حجر، يرثى فضالة بن كلدة من أبيات:

والحافظ الناس في تحوط إذالم يرسلوا تحت عائذ ربعا
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «أيتها النفس أجملي جزعا»

ويقول أهل آدرار: سنة غدرة امحمد بن أحمد بن عيد، وسنة غدرة أحمد ابن امحمد. وسنة الطيحة الفلانية، وهذه الأخيرة، مشتركة بينهم كلا، أي يسمون الغارة طيحة، ويقول أهل تكانت: سنة غدرة محمد بن اسويد أحمد، وسنة شر اشراتيت وأبكاك، وسنة شر إدوعيش، وأحيى من عثمان، وهكذا.

ويقول أهل تيرس: سنة النعم الفلاني، أي الخصب، وسنة أذريره وهي سنة أدركنا من يعرف زمنها، قالوا: أن تيرس مكثت أزمنة كثيرة، تتوالى عليها الأمطار، وهي من أجود الأرض في الإبل، وإذا وقع فيها الخصب، تحدث فيها أمور عجيبة، منها أن الفصيل يركب قبل سنة، ومنها أن الناقة تلد في كل سنة. ويحكى أن بعص أهلها، حدَّت إنه شرب لبن أنثى، قبل أن تتم سنة، أو عند تمامها، وصورة ذلك، أن الفحل ضربها، وهي بنت ستة أشهر أو سبعة، فأسقطت جنينها بعد ثلاثة أشهر أو أربعة، فعطفوها على فصيل آخر، فصارت تحلب. وهذا من الأمور الخارقة للعادة، لأن الأنثى لا تلد غالباً قبل أربع سنين، في غير تيرس.

ويحكى أن أهل بارك الله، وهم أعظم قبيلة في تيرس، من الزوايا، مكثوا أربعين سنة، لم يروا جنازة قبل هذه السنة، فصاروا لا يقرؤون أحكام الجنائز، لعدم الاحتياج إلى ذلك. ثم أن الله تعالى سلط بعض القبائل على بعض، فصاروا يقتتلون ويغير بعضهم على بعض، ووقع الجدب، فهربت الناس إلى أرض القبلة، وأصاب هذا البلاء، أدرار وانيشيري. ويحكى أن أهل تيرس، صاروا يهربون عن أولادهم.

ومن المسائل التي وقعت إذ ذاك، أن رجلا يقال له ابن الديك، كانت عنده امرأة فتعشقها آخر، يقال له: البخاري، ففداها منه بمال، فطلقها. فبينا هو ينتظر انقضاء عدتها ليتزوجها، وقعت أذريره، فخرجت تلك المرأة مع نساء هاربات

على أقدامهن، فأضربهنَّ الجوع، فوجدن بقراً لمحبوبها، فذبحت منه تبيعة، فوفاها محبوبها وكلمها كلاما عنيفا، وهددها بالضرب، وطلب منها أن تقضي له تبيعته. فقال بعض الأدباء يعتبر بحالها:

أنظر إلى معشوقة البخاريوعنها الآئلِ للصّغارِ
كانت لنجل الديك عرساً وهولايبغي بها من النساء بدلا
ففرق البخارِ بالفداءبينْهما للاعج الأهواء
وكرعا كأسَ الصّبا زماناوكان من أمرهما ما كانا

غَصَّ بها المِجْوَلُ والحجالُ وطاب منها ذلك المجالُ

وأسْهِرَتْ من هجرها الرجالُوأعلمت في وصلها الجمالُ
واخضرَّ جلدها من اللباسِمنْ فاخرَات الهند أو دُماسِ
وأسْقيتْ خوالصَ الألبانِعَنْ كثْرةٍ والدَّهرُ ذو ألوانِ
راحَتْ سعُودُ سَعْدِها أوافِلاوانقلبت رياحُها شمائِلا
وشامَتِ الخُلّبَ في أمصارهاونعِبَ البارَحُ عن يسارها
وأثرتْ عُرَى خَوالصِ الادُمْفي جيدها وغيرُ ربي لم يدمْ
ولم تزلْ في تيلك الحال إلىنعوذُ باللهِ منْ أنواع البلا
أن ذبحت بنت لبون من بَقرْعاشقِها الذي بها قد اشتهر
فرام أن تَقْضِيّه في الحينبعد كلام غيرِ مستلين
بل همَّ أن يوجعَها بضربهاعلى خدود كان مفتوناً بها
نفْسَ الأريب انتبِهي واعتبرِيوجددي العبرة أيضاً وانظري
بين التلطفِ إلى المعشوقِوسطوةِ الطالبِ بالحِقوقِ
وبين لمس الجلدِ باغتباطِوسومه بمؤلم السياطِ

هذا ما تذكرت منها، وأين البخاري هذا، من جميل حيث يقول:

فلو أرسلت يوماً بثينة تبتغييميني وإن عزّتْ علىَّ يميني
لأعطيتها ما جاء يبغي رسولهاوقلت لها بعد اليمين سليني
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
سلينيَ مالي يا بُثين فإنمايبينُ عند المال كل ضنين
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

ومن كُثَيْر، حين مطلت عَزّة عبده، في دين له عليها، فتمثل بقول سيده:

قضى كل ذي دين فوفى غريمهوعزة ممطول معنّى غريمها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عفت غيقة من أهلها فحريمها»

فلما علم أنها محبوبة سيده، قال لها: أنت في حل مما لي عليك، فبلغ ذلك كثير، وقال: أنت جر وما عندك لك، وقال:

سيهلك في الدنيا شفيق عليكمإذا غاله من حادِث الدهر غائلهْ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»
يودُّ بأن يمسى سقيما لعلهاإذا سمعتْ عنه بشكوى تراسله
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»
ويرتاح للمعروف في طلب العلىلتحمد يوماً عند عَزٍّ شمائلهْ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أمن طلل أقوى من الحي ماثله»

أما الحساب عندهم، فمنه عربي، وهو الحساب بالشهور القمرية، وأسماؤها منه ما أبقوه على أصله، ومنه ما غيروه، يقولون: رمضان، والفطر الأولى والثاني، فالأول شوَّال، والثاني ذو القعدة والعيد. وفي بعض الأحيان يقولون: عيد اللحم، احترازاً من عيد الفطر، وعيد المولد النبوي، وعاشور، أي عاشوراء، واتبيع: بمعنى صفر، والمولود: أي المولد: والبيظ الثلاثة، بمعنى البيض، وهي ربيع الثاني، وجمادى الأولى والثانية، ويقولون: لكصير الأول: ولكصير الثاني: مصغران، بمعنى القصيران، ولو قال قائل مثلا: صفر والمولد الثاني، وجماديان، ورجب وشعبان، ما فهمه إلا من كان من أهل العلم. وأما الأشهر العجمية، ففي ألفاظها بعض اختلاف عن أهل المشرق، يقولون:

يناير فبراير إبريل مي يوني يولي أغشت شتنبر آكتوبر نونبر دجنبر، ففي يناير ابتداء حراثة شمامه. وفي مارس تأبير النخل. ويكثر الصمغ فيه. وفي يوليه يزهو النخل. وفي أغشت تكثر الأمطار، وتطوى الحصر التي ينشر عليها التمر. ما عدا مدينة شنقيط. فذلك وقت

أكل بلحها.

النص من طبعة الشركة الدولية للطباعة بمصر (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الكلام على شنقيط وتخطيطها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.