تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

مقدمة مؤلف الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم قال الرئيس الفقيه النحوي الراوية المسند الحافظ، فارس النظم والنثر، أبو الوليد إسماعيل بن الرئيس أبي الحجاج يوسف بن السلطان أمير المسلمين القائم بإذن الله أبي عبد الله بن علم الأمراء ووالد الكبراء، الرئيس الأمير أبي سعيد فرج بن الأمير أبي الوليد إسماعيل بن الأمير أبي الحجاج يوسف الشهير بالأحمر، ابن السلطان أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد ابن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر بن محمد بن محمد بن نصر بن علي بن يحيى بن سعد بن قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، ﵁ بمنه وكرمه:

[أحمد الله تعالى الذي] جعل مورد الآداب لدى البث والاكتئاب

يروي ذا القلب المعنى من فائق اللفظ ورائق المعنى. وأطلق من وثاق الحرمان نفس الجعد البنان إلى طلاقة وسماحة.

وأخص بالصلاة سيدنا ومولانا محمدا سراج البيان مصباحه، وأعم به [آله] ذوي الأخلاق الساطعة الإشراق والصباحه. وأسلم عليهم كثيرا عميما، مساء الزمان وصباحه.

وبعد: فإنه لما كان الشعر أعذب ما تطمح إليه الهمم الهمامية، وأسنى ما تعتمده أنفس أولي الفعال الاهتمامية، [لما يشتمل] عليه من ضبط القوافي والأوزان، ويحتوي عليه مسرحه من بديع الحلاوة والنغمات [المذهبة] للأحزان. [ولما كان] ديوان العرب الذي خلدت به مآثرها به تتفاوت في الناس الأخطار وتتشرف النفوس وإن اختلفت بهم الأقطار. وإذ هو أشرف زي وأرفع لباس، وأجلب شيء لنفع وأدفع لباس، ولما كان في المرتبة العالية في نفوس أهل العقد والحل، وبلغ عند ذوي الألباب المنزلة الرفيعة وسنيّ المحل، وصار يعتلق بها اعتلاق الحرباء بالأعواد، ويسلك منها مسلك السماحة في أجساد الأجواد، وكانت العيون

أبدا إلى المخترع منه طامحة، وإلى رؤية ما نجم من محاسنه لامحة، والأنفس بقبول حفظه سامحة، وكان في هذا العصر الذي أنا فيه من يأتي في نظمه بالبديع ويوفيه. من محب متغزل، ومادح للمطلوب مستنزل، سنحت لأهله نصحيتي وسمعت بعمله قريحتي.

فسألت الله التيسير في كل عسير، فزال عني الالتباس، وذهب أكثر الباس. فجمعت في هذا التأليف ما وجدته لهم متمحقا شعاعه، وألفته من نفائس [جواهرهم] متفرقا شعاعه لأطلع منه على بدائع جالبة للسلوان في كل أوان. معولا في ذلك على ما طاب فصله، وفرع ذرى الإجادة فرعه وأصله.

واقتصرت فيه على من لنفسه أنشدني، ومن بنظامه البارع استرشدني [ممن رأيته بالعيان من الشعراء الأعيان] ومن بسنّي لحقته. وغرضي أن أكتب ما أجده من الرسائل لمن ثبت اسمه، وأضمنه أنواعا شتى من المكاتبات، وأحسن رسمه.

إذ [هذا] النوع الإنشائي من الطبقة العليا بالموضع الذي لا يجهل علوّه، ولم [يتقلد حليه] من الجنس الإنساني إلا الآحاد فلا ينبغي أن يهمل سموّه.

وسمّيت كتابي هذا: نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان وألفته

وأنا ببرّ العدوة، في كنف الملك المريني والحفوة، حين أخرجنا من الأندلس بنو عمنا الملوك الأحمريون وعشيرتنا السلاطين النصريون، خوفا منّا على سلطانهم بأوطانهم. [لأجل] واش مرود متملق بذلك [غير] ودود. يظهر لهم النصيحة حالية، ويخوفهم مما وقع في الأيام الخالية. وإن الملك عقيم. وإذ كل من هو من بيته من حوله مقيم.

ولما كان الحلول بملوك المغرب [أمطروا] علينا سحائب كرمهم المغرب، وحسنت الأحوال، وذهبت الأهوال. وطاب المقام، ونجم الأمن واستقام.

ومع هذه الفضائل السامية والمفاخر النامية، فكثيرا ما أنشد في الحنين إلى الوطن:

بلادي وإن شطت عليّ عزيزةوقومي وإن شحوا [علي كرام]

إذ هو من وطن آبائه، ومحل قومه وأحبائه. ومن مروءة المرء حنينه

إلى وطنه. وقد حن رسول الله ﷺ إلى مكة إذ هي دار مولده.

[وفد أصيل الغفاري على رسول الله ﷺ قبل أن يضرب الحجاب، فقالت له عائشة ﵂]: كيف تركت مكة؟ قال: تركتها وقد (اخضرت جنباتها)، وابيضت بطحاؤها، وانتشر سلمها، وأعذق إذخرها، فقال النبي ﵇ (*): دع القلوب تقر.

وحدثني بفاس في سنة أربع وسبعين وسبع مئة، شيخنا الفقيه المحدث الراوية المسند الحاج الرحال الصالح المعمر أبو عبد الله محمد بن سعيد الرعيني المعروف بالسرّاج، وشيخنا الفقيه القاضي الخطيب العالم المفتي المدرس أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الملك الفشتالي؛ قالا: حدثنا الفقيه الخطيب الحاج الرحال المحدث الحافظ محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد الفهري السبتي نزيل فاس، عن الفقيه الخطيب الصالح أبي عبد الله محمد بن صالح بن أحمد بن محمد الكناني الشاطبي عن الفقيه القاضي أبي الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن

يوسف بن قطرال عن الحافظ محمد بن سعيد بن زرقون الأنصاري عن الراوية أبي عبد الله أحمد بن محمد الخولاني عن أبي عمرو عثمان بن أحمد بن محمد بن يوسف اللخمي القبحطيلي قال: حدثني أبو عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى قال: حدثني عمي أبو مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى ابن يحيى عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر وبلال. قالت فدخلت عليهما فقلت: يا أبت: كيف تجدك؟ ويا بلال: كيف تجدك؟ قالت فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل أمرئ مصبّح في أهلهوالموت أدنى من شراك نعله
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

قالت: وكان بلال إذا أقلعت عنه يرفع عقيرته ويقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةبواد وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنةوهل يبدون لي شامة وطفيل

قالت عائشة: فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: اللهم حبب لنا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حمّاها فاجعلها في الجحفة.

وأنشدني في الحنين إلى الأوطان ذو الوزارتين الحاجب القائد الخطيب الفقيه الكاتب صاحب القلم الأعلى، أبو عبد الله محمد بن الفقيه الخطيب الكاتب

أبي محمد عبد الله بن سعيد بن الخطيب السلماني الأندلسي بفاس يتشوق معاهده بالأندلس لما كان بالعدوة حين خلع عن ملكه مخدومه ابن عمنا السلطان الغني بالله محمد

أحبك يا مغنى الحقوق بواجبوأقطع في أوصافك الغر أوقاتي
تقسّم منك الترب أهلي وجيرتيففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي

وقلت أنا في ذلك، حين مقامي ببر العدوة في حضرة ملوك مرين لما أخرجنا عن الأندلس بنو عمنا الملوك الأحمريون النصريون لما قدمناه:

فؤادي يشتكي داء دفينالبعدي عن مزار الظاعنينا
وأكبادي من الأشواق ذابتووجدي فاق وجد العاشقينا
ولي جسم أضرّ به سقاموقلبي بعدهم أليف الشجونا
ورب البيت لا أنسى هواهموكيف؟ وهم بقلبي ساكنونا
لعمري [ما النّوى] إلا عذابوإني قد بليت به سنينا
يهيّج زفرتي تذكار أرضيويفجعني ويستهمي الجفونا
حنيني ما حييت لها عظيموما بسوى محبتها بلينا
فما صبر وإن بعدت بباقكذا سنن الكرام الماجدينا
وما بمراد نفسي كان عنهابعادي، لا، ورب العالمينا!

فواجب على الحر الطاهر أن يحن إلى وطنه في السر والظاهر، ويردد بالشوق العظيم ما إني أردده من قصيدة ابن عبد العظيم:

حنيني إلى تلك المعاهد أنهامعاهد أحبابي تذكرتها حبا

ويتأوه حزنا عليه، ويكثر من تذكار الأوبة إليه. فلولا أن هدر الملوك بنو عمي بوطني دمي، لسرت إليه على راسي لا على قدمي!

على أن مثلي لا تنهنهه الزواجر، ولا تصده عن مطلبه السيوف والخناجر؛ بل يقتحم من مراده الأهوال، ويعمل بقول الشاعر في كل الأحوال:

أزور ولو أن السيوف شواهروأدنو ولو أن الجحيم مزارها

إذ كنت من بيت الملك الرفيع السعيد، ومن أحفاد السلطان الرئيس الأمير أبي سعيد. وقصدي في هذا الكتاب عند ذكر الملوك والأمراء والكبراء وغيرهم من سائر الشعراء أن أغضي عما آخذه لهم من القبائح، وأذكر ما امتازوا به من الفضائل والمنائح؛ لأن مثلي لا يليق به إظهار العورات، ولا يحل له تتبع العثرات. غيرة على أعراض الموحدين، [اتباعا للشرع في تحريم الغيبة، وضربا عن الكريبة، وإثباتا لحظوظ النقيبة الرغيبة.

تركت مثاليب الرجال لأننيأفضل أن ألقى بفضلي للناس]
وأرجو بذاك الستر يوم فضيحةإذا جل خطب في القيامة بالناس

مع أنه ليس في كشف عورات الناس مسرّة. وربما نال ما أثبت ذلك بوسى ومضرة. فما ضره لو اشتغل بذنوبه، وتأسف على ما فرط من حوبه، وستر العيوب وكف الباس، وقال كما قال ابن طاهر عامل آل عباس:

وما السر من قلبي كثاو بحفرةلأني أرى المدفون ينتظر الحشرا
ولكنني أخفيه حتى كأنهمن الدهر يوما ما أحطت به خبرا
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «ومستودعي سراً تضمنت ستره»

وقد قال بعض الناس من تعرض للأعراض، صار عرضه هدفا لسهام الأغراض. وأرجو من الله بتركي لذلك، أن يقيني من المهالك.

وكتابي هذا قد أينعت أفنان رياضه، وملئت بالآداب الرائقة أرجاء حياضه، فآدابه فائقة، وصفحاته بالحسن رائقة، وقد قلت في وصفه:

هذا الكتاب له فضل على الكتبكتب القريض مع التاريخ والأدب
لأجل تركي مساوي من به، وسماسمو واضعه في أشرف الرتب
لم أرض ذكر مساوي الناس عن كرمفإنني لست للفحشا بمنتسب
يبدي السرور لقاريه، ويبعدهعن التفكر والأحزان والكرب
له فوائد مثل الروض في جيدةوفوق أزهاره في الحسن والنسب
يروي الظما (ويداوي؟) كل ذي ولهوليس جدواه عن راج بمحتجب
إذا اطلعتَ عليه زدتَ منفعةوَحُزْتَ آداب أهل العلم والكتب
علم البيان بأشعار مزخرفةجئنا بها مثل نظم الماء بالحبب
تنافس الصبح فيه عند بهجتهوعند ما تم منه منتهى أرب
قاريه في لذة ما تنقضي أبداإلى انقضاء الأماني البيض في الطلب
من جاء يقبس منه نور فائدةيلقى الهدى وهو لا يخشى من الريب
تهديه للحق فيه كل بارقةتفوق بارقة الأمطار والسحب
أبديت فيه عجيبا من محافظتيعلى العلوم ومن بحثي على العجب
حتى ملأت عياب الطرس من طرفومن علوم ومن شعر ومن نسب
فخذه واصلح به ما جاء من خللواعذر، هديت إلى الإرشاد والقرب

ولعلي أن أكون قد خرجت عن حد الصواب، فيما ألفته؛ وتركت من فصل الخطاب، أضعاف ما عرفته. وإنما ذلك من عوائق تبلد الذهن، وموانع للنشاط توقع في الفكر الصحيح الوهن. ولم لا؟ والدهر قد جار بالبعد عن الأهل والجار، وتبدد شمل الألفة بالأحباب، ومنع الحياة في القرب منهم والأسباب. والخروج عن الأوطان؛ والربط من عدوانه بأشطان.

فأي صواب يوجد مع هذه المحن، وأي فصل خطاب معها بما جرت من الإحن. وايم الله لولا لهجي بالأدب، وكلفي بمن جد في طلبه ودأب، لم أسارع في تأليف كتاب، بل لكنت ممن عن وضعه تاب؛ لهذه المصائب التي غدا سهمها صائب. فمن تصفح كتابي هذا، ووقع على خلل في تركيبه، أو عذلني في تبويبه:

فعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا
للشاعر عبد الله بن معاوية، اقرأ القصيدة

ومع ذلك فلم أخل أن جمعت ما تستملح، وأحسن شيء في فنه العيون تستلمح. وجئت ببيان السحر ولبابه. وبدائع تنسي عهد الصبا وحسن شبابه.

بدائع جلّت عن مثال لأنها-لعمرك- إسماعيل ألّف حسنها!

فجئت بمجموع قد أشرقت أسرّة براعته الفائقة؛ وهبّ عطر نواسم جودته الرائقة. قل ما يسمح الزمان بمثاله، أو ينسج على منواله. لم تقدر على الإتيان بمثله أيدي المصنفين، ولا شنفت آذان إبداعه أنامل المشنفين!

وبوّبته أحد عشر بابا:

الباب الأول: في فضل الشعر وإباحة إنشاده بالمساجد.

الباب الثاني: في شعر ملوك بني مرين وأبنائهم.

الباب الثالث: في شعر ملوك-بني الأحمر من بني نصر-قومي-وأبنائهم.

الباب الرابع: في شعر ملوك الموحدين الحفصيين وأبنائهم.

الباب الخامس: في شعر ملوك بني زيّان من بني عابد الوادي وأبنائهم.

الباب السادس: في شعر ملوك بني العزفي وأبنائهم.

الباب السابع: فيما بلغنا من شعر وزراء قومي بني الأحمر من بني نصر، ملوك الأندلس.

الباب الثامن: فيما بلغنا من شعر قضاة بلادنا الأندلسية، وفقهائها.

الباب التاسع: فيما بلغنا من شعر كتّاب قومي بني الأحمر ملوك الأندلس.

الباب العاشر: فيما بلغنا من شعر كتّاب بني مرين ملوك المغرب.

الباب الحادي عشر: فيما بلغنا من شعر قضاة المغرب وفقهائها.

الباب الثاني عشر: فيما قيل من الشعر في السيف الذي بصومعة جامع القرويين من مدينة فاس.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.