من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
الباب الأول في فضل الشّعر وإباحة إنشاده بالمساجد
نقول-والله المسدد-: الشعر لا يقوله إلا أهل الفضل والذكاء، ولا يرتاح لسماعه إلا الكرام. وقد روي أن رسول الله ﷺ كان يحب أن ينشد بين يديه قصيدة امرئ القيس:
ألا عم صباحا أيها الطلل الباليوهل يعمن من كان في العصر الخالي
فإذا وصل منشدها بين يديه إلى قوله:
ألا زعمت بسباسة اليوم أننيكبرت وأن لا يحسن اللهو أمثالي
يقول رسول الله ﷺ: «أمسك» نزاهة منه ﷺ أن يسمع الفحش الذي بعد ذلك في القصيدة.
وبعض المتفقهين الذين لا أدب عندهم، ولا هو في طبعهم ينكرون الشعر ويذمونه، ويرون أنه قبيح، وقائله مذموم. فليت شعري لم أنكروه وهذا رسول الله ﷺ-وهو الأسوة والقدوة-كان يحب سماع قصيدة امرئ القيس المذكورة، وكانت في أكثر الأوقات تنشد بين يديه. وقد أنشده كعب بن
زهير بن أبي سلمى بالمسجد قصيدته التي أولها:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيم إثرها لم يفد مكبول
فأصغى إليها صلوات الله عليه وأثابه عليها ببردته. ولو كان الشعر-مدحا أو غزلا-نكرا ما سمعه ﵇ بالمسجد ولا بسواه، ولا أصغى إليه.
وحسب الشعر رفعة وعزة أن كان رسول الله ﷺ قد حظّى عليه وندب أصحابه إليه، وتجند على المشركين به، فقال لحسان بن ثابت: شق القوافي على الغطاريف من بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام.
ومن فضل الشعر وشرفه أن النبي ﷺ أردف الشريد بن سويد يوما فاستنشده من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشده مئة قافية؛ يقول النبي ﵇ عند كل قافية: هيه! استحسانا له.
ومن فضل الشعر أن رسول الله ﷺ قال: إن من الشعر لحكما؛ قاله للعلاء بن الحضرمي وقد سأله: هل تروي من الشعر شيئا؟، فأنشده العلاء:
وحيّ ذوي الأضغان تسب قلوبهمتحيّتك الحسنى وقد يرقع النغل
فإن دحسوا بالكره فاعف تكرماوإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه سماعهوإن الذي قالوا وراءك لم يقل
ومن فضل الشعر: روى عيسى بن طلحة أن النبي ﵇ قال:
الشعر الحسن مما يزين الله به الرجل المسلم.
ومن فضل الشعر: لما قدم وفد تميم على رسول الله ﷺ فنادوه من وراء الحجرات، خرج إليهم ﵇ فقال: ما تشاؤون؟ قالوا:
جئناك بخطيب وشاعر نفاخرك، فقال ﵇: قولوا ما شئتم. فقام الزبرقان بن بدر فقال: قد علم الله أنا أكثر أهل الأرض عدة وعددا، ولو شئنا أن نقول قلنا، ولكنه لا يجمل بنا فيما آتانا الله الإكثار. فقال رسول الله ﷺ لزيد بن قيس بن شماس الأنصاري من بني الحارث بن الخزرج:
قم فأجبهم. فقام فقال: الحمد لله الذي خلق السموات والأرض بأمره، ولم يكن له شيء فيما مضى إلا بعلمه؛ بعث خير خلقه رسولا؛ أكرمهم حسبا
وأوسطهم نسبا في عترته من قريش، وذوي رحمه من الأنصار. فلم يزل يقاتل الناس حق يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها منع منا ماله ودمه، ومن أبى قتلناه، وكان قتله من الله يسيرا. ثم جلس، فقالوا للأقرع بن حابس:
قم فأنشده، فقام فقال:
نحن الملوك فلا حيّ يعادلنامنا الملوك وفينا تنصب البيع
ونحن نطعم يوم المحل جائعكممن السنام إذا لم تبصر القزع
فقال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: قم فأجبه، فقام فمد لسانه فضرب به أرنبة أنفه، وقال قصيدته التي يقول فيها:
إن الذوائب من فهر وإخوتهمقد شرعوا سنة للحق تتبع
يرضى بها كل من كانت سجيتهتقوى الإله ويرضى كل ما صنعوا
أكرم بقوم رسول الله قائدهمإذا تفرقت الأهواء والشيع
خذ منهم ما أتوا عفوا فإن منعوافلا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم-فاحذر-عداوتهمسما يخاض عليه الصاب والسلع
فقال التميميون: نشهد أن خطيبك أخطب من خطيبنا، وأن شاعرك أشعر من شاعرنا وأنك امرؤ مهيأ لك الخير، وأنك لرسول الله. فأسلموا من حينهم. وكان شعر حسان سبب إسلامهم. فلأي شيء يذم الشعر وهو يفعل هذا؟ (*)
ومن فضل الشعر خرج الترمذي عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلّوا بني الكفار عن سبيلهاليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليله
قال عمر: يا ابن رواحة! بين يدي رسول الله ﷺ، وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله ﷺ: خلّ عنك يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل.
ومن فضل الشعر، روي عن عائشة-﵂-أنها قالت سمعت رسول الله ﷺ [يقول] فجاءهم حسان-يعني قريشا-فشفى واشتفى؛ حين قال حسان:
هجوت محمدا فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
هجوت محمدا برّا حنيفارسول الله شيمته الوفاء
فإن أبي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاه
ثكلت بنيتي إن لم تروهاتثير النقع غايتها كداء
تبارين) الأعنة مصعداتعلى أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطراتيلطمهن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرناوكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوميعزّ الله فيها من يشاء
وقال الله قد يسرت جنداهم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معدقتال أو سباب أو هجاء
فمن يهجو رسول الله منكمويمدحه وينصره سواء
وجبريل رسول الله فيناوروح القدس ليس كفاء
ومن فضل الشعر، كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نضر الله وجهه إلى أبي موسى الأشعري: مر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي ومعرفة الأنساب.
وقال أيضا-رضوان الله عليه-الشعر جزل من كلام العرب يسكن به الغيظ، وتطفا به الثائرة، ويتبلغ به القوم في ناديهم، ويعطى به السائل.
وقال أيضا-﵁[خير] ما تعلمته العرب الأبيات يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها اللئيم، ويستعطف بها الكريم وقال الأعشى:
قلدتك الشعر يا سلامة ذافايش والشيء حيثما جعلا
والشعر يستنزل الكريم كما استنزل رعد السحابة السّبلا
يا خير من يركب المطي ولايشرب كأسا بكف من بخلا
ومن فضل الشعر قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب-رضي الله- الشعر ميزان القول. وروي، القوم؛ وكلاهما حسن.
ومن فضل الشعر قال أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان-﵄-يجب على الرجل تأديب ولده؛ والشعر أعلى مراتب الأدب.
ومن فضل الشعر كان عبد الله بن عباس-﵁-يقول: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله، فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب. وكان ﵁ إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعرا.
ومن فضل الشعر، قيل لسعيد بن المسيّب-﵁-إن قوما من العراق لا يرون إنشاد الشعر، فقال لقد نسكوا نسكا أعجميا.
ومن فضل الشعر، قيل لابن سيرين إن قوما يرون إنشاد الشعر ينقض الوضوء فأنشد:
لقد أصبحت عرس الفرزد ناشزاولو رضيت رمح استه لاستقرت!
وقام يصلي.
ومن فضل الشعر: ذكر أن رجلا من الشعراء قال للحسن البصري: وهو في المسجد [يا] أبا سعيد: هل ينقض الهجو الوضوء؛ فأنشده الحسن:
شهد الفرزدق والقبائل كلهاأن الفرزدق ناك أم جرير!
ثم قام فصلى ركعتين؛ جعلها جوابه.
ومن فضل الشعر قيل لابن السائب المخزومي-﵁-أترى أحدا لا يشتهي النسيب؟ فقال: أما ممن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا!.
ومن فضل الشعر كان عروة بن أذينة ﵁-على نبذه زهرة الدنيا، وترك نعيمها وورعه وزهده، رقيق القول؛ وهو القائل:
إذا وجدت أوار الحب في كبديأقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني بردت ببرد الماء ظاهرهفمن لحرّ على الأحشاء يتّقد؟
ومن فضل الشعر عن ابن عباس-﵁-في حديث قس بن ساعدة الإيادي -وإنما أوردنا الحديث بكماله لما تضمنه من البلاغة والحجة في إنشاد [النبي ﷺ الشعر] وسماعه-قال: قدم على رسول الله ﷺ وفد فقال أي وفد أنتم؟ قالوا وفد عبد القيس. قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة؟
قالوا: كلنا نعرفه يا رسول الله فماذا فعل؟ قال: لست أنساه بسوق عكاظ على جمل أحمر وهو يقول: يا أيها الناس اجتمعوا، فإذا اجتمعتم فاسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فقولوا، فإذا قلتم فاصدقوا. إنه من عاش مات. ومن مات فات.
وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرا. وإن في الأرض لعبرا، بحار لا تغور، ونجوم لا تمور. وسقف مرفوع. ونهار موضوع. ومطر ونبات.
وذاهب وآت. وأحياء وأموات. وعظام ورفات. وليل ونهار. وضياء وظلام. ومسيء ومحسن. وغني وفقير. يا أرباب الغفلة! ليصلح كل واحد منكم عمله. تعالوا نعبد إلها واحدا ليس بمولود ولا بوالد. أعاد وأباد، وغدا إليه المعاد. أقسم قس بالله، وما أثم، لئن كان في الأرض رضى ليكونن سخطا.
إن لله دينا هو أرضى من دينكم الذي أنتم عليه.
يا أهل إياد! مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا؟
فقال رسول الله ﷺ: وسمعته يتمثل بأبيات الشعر ولساني لا ينطلق بها فقام إليه رجل منهم فقال: يا رسول الله أنا سمعتها منه، فهل عليّ فيه من إثم إن أنا قلته؟ فقال رسول الله ﷺ: قل؛ فإن الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فقال: سمعته يقول:
في الذاهبين الأولينمن القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداللقوم ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوهايمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولايبقى من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محالة حيث صار القوم صائر
فقال رسول الله ﷺ: من يزيدنا في إيمان قس بن ساعدة؟ فوثب إليه رجل من القوم فقال: يا رسول الله، بينا نحن في ملاعبنا إذا أشرف علينا من شرفة الجبل متجلل بشملة مرتد بأخرى وبيده هراوة، وهو واقف على عين ماء وهو يقول: آلا وإله السماء «لا يشرب القوي قبل الضعيف. وليشرب الضعيف قبل القوي».
فو الذي بعثك بالحق نبيا يا رسول الله لقد رأيت القوي من الوحش يتأخر حتى يشرب الضعيف. فلما تنحى ما حوله هبطت إليه من ثنية الجبل فرأيته واقفا بين قبرين يصلي. فقلت: انعم صباحا ما هذه الصلاة التي لا تعرفها العرب؟ قال: صليتها لإله السماء. قلت: وهل للسماء من إله سوى اللات والعزى؟ فانتفض وانتقع لونه ثم قال: إليك عني يا أخا إياد. إن للسماء إلها عظيم الشان هو الذي خلقها فسواها. وبالكواكب والقمر المنير والشمس أشرقها. أظلم ليلها وأضاء نهارها، يسلك بعضها في بعض. ليس له كفوية ولا إنسية ولا كيموسية. فقلت ما أصبت موضعا تعبد إله السماء إلا في هذا المكان؟ فقال:
إني لم أصب في زمني غير صاحبي هذين القبرين، وإني لمنتظر ما أصابهما وسيعمكم حق من هذا الوجه، وأشار نحو مكة. فقلت له: وما هذا الحق؟ قال: رجل أبلج أحور من ولد لؤي بن غالب، يعني محمدا ﷺ، يدعوكم إلى كلمة الإخلاص وعيش الأبد ونعيم لا ينفد، فإن دعاكم فأجيبوه، وإن استصرخكم فانصروه، وقد وصف لي علامات شتى وخلائق حسانا. قال إنه لا يأخذ على دعواه أجرا. قلت فما لك لا تسير إليه؟ قال إني لا أعيش إلى مبعثه. ولو علمت أني ممن يعيش إلى مبعثه لكنت أول من يسعى إليه.
فأضرب بصفقة كفي صفقة كفه، فأقيم بين يديه حكم الله ﵎، فقال رسول الله ﷺ: حسبك حسبك، فإن قس بن ساعدة كان أمّة يبعثه الله يوم القيامة وحده.
ومن فضل الشعر: لما انتهى شعر أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب إلى النبي ﷺ شق ذلك عليه، فدعا عبد الله بن رواحة فاستنشده فأنشده، فقال: أنت شاعر كريم. ثم دعا كعب بن مالك فاستنشده فأنشده فقال:
أنت تحسن صفة الحرب. ثم دعا بحسان بن ثابت فقال: أجب عني، فأخرج لسانه فضرب به أرنبته ثم قال: والذي بعثك بالحق ما أحب أن لي مقولا من معدّ، ولو أن لسانا فرى الشعر لفراه. ثم سأل رسول الله ﷺ أن يمس من أبي سفيان. فقال: وكيف وبيني وبينه الرحم التي قد علمت؟ فقال:
أسلك منه كما تسل الشعرة من العجين. فقال: اذهب إلى أبي بكر الصديق، كرم الله وجهه، [فذهب إليه] فذكر له معايبه، فقال حسان:
وإن سنام المجد من آل هاشمبنو بنت مخزوم ووالدك العبد
ومن ولدت أبناء زهرة منهمكرام، ولم يقرب عجائزك المجد
ولست كعباس ولا كابن أمّهولكن لئيم لا تقوم له زند
وإنّ امرءا كانت سميّة أمهوسمراء مغموز إذا بلغ الجهد
وأنت زنيم نيط في آل هاشمكما نيط خلف الراكب القدح الفرد
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب، فلما بلغ هذا الشعر أبا سفيان، قال:
هذا كلام لم يغب عنه ابن أبي قحافة، يعني أبا بكر الصديق نضر الله وجهه.
-يعني ببني بنت مخزوم: عبد الله وأبا طالب والزبير بني عبد المطلب ابن هاشم، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم وأخواتهم وأميمة والبيضاء جدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضوان الله عليه، أم أمه أروى بنت كريز. وقوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم كرام، يعني حمزة وصفية أم الزبير بن العوام ﵁، أمهما هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة.
وقوله: ولست كعباس، ولا كابن أمه، أم العباس نتيلة من النمر ابن قاسط وأخوه ضرار بن عبد المطلب.
وقوله «وإن امرءا كانت سمية أمه وسمراء؛ سمية أم أبي سفيان، وسمراء أم أبيه، وليس هذا موضع إطناب في رفع الأنساب، تحاميا على الطول.
والعاقل لا ينكر أن الشعر جائز إنشاده واستنشاده. وقد قدمنا من الأدلة الناصعة والبراهين الواضحة على ذلك ما لا يسع ردّه.
ومن الدليل أيضا على ذلك أن الخلفاء الراشدين الأربعة، وهم أبو بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذو النورين، وعلي أبو السبطين ﵈ قالوا الشعر، وقاله أيضا جملة من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم الصلاح.
قال أبو بكر-﵁ -.
أمن طيف سلمى بالبطاح الدّمائثأرقت أو امر في العشيرة حادث
وهي طائلة، وفيها يقول:
ونحن أناس من ذؤابة غالبلنا العز منها في الفروع الأثائث
وفيها يقول:
فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكمفإنّي من أعراضكم غير شاعث
وقال: أمير المؤمنين عمر ﵁
هوّن عليك فإن الأموربكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيّهاولا قاصر عنك مأمورها
وقال أمير المؤمنين عثمان ﵁:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتهامن الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبّتهالا خير في لذة من بعدها النار
وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
إذا عقد القضاء عليك أمرافليس يحلّه إلا القضاء
فما لك قد أقمت بدار ذلوأرض الله واسعة فضاء
تبلّغ باليسير فكلّ شيءمن الدنيا يكون له انقضاء
وقال: أمير المؤمنين الحسن بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵉
ومارست هذا الأمر خمسين حجةوخمسا أرجّي قابلا بعد قابل
فلا أنا في الدنيا بلغت جسيمهاولا في الذي أهوى علقت بطائل
وقد أشرعت فيّ المنايا سهامهاوأيقنت أني رهن موت معاجل
وقال أمير المؤمنين الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄ في بنته سكينه، وأمها امرأته الرباب بنت امرئ القيس الكلبية:
لعمرك إنني لأحبّ بيتاتحل به سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جل ماليوليس لعاتب عندي عتاب
ولست لهم-وإن عتبوا-مطيعاحياتي، أو يغيّبني التراب
وقال حمزة بن عبد المطلب-﵁:
عشية ساروا حاشدين وكلنامراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقّلوامطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الإله نصيرناوما لكم إلا الضلالة من حبل!
فثار أبو جهل هنالك باغيافخاب ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكباوهم مئتان بعد واحدة فضل
وقال أخوه العباس بن عبد المطلب، رضي الله تعالى عنه
ألا هل أتى عرسي مكرّي وموقفيبوادي حنين والأسنة تشرع
وقولي إذا ما النفس جاشت لها قريوهام تدهدى والسواعد تقطع
وكيف رددت الخيل وهي مغيرةبزوراء تعطي باليدين وتمنع
نصرنا رسول الله في الحرب تسعةوقد فر من قد فرّ عنه وأقشعوا
وقال عبد الله بن عباس ﵄:
إذا طارقات الهم ضاجعت الفتىوأعمل فكر الليل والليل عاكر
وباكرني في حاجة لم يجد لهاسواي، ولا من نكبة الدهر ناصر
فرجت بمالي همّه من مقامةوزايله همّ طروق مسامر
وكان له فضل عليّ بظنهبي الخير، إني للذي ظنّ شاكر!
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب، وحسب من ذم، أن من قدمنا من الصحابة قد قالوه وكانوا يتمثلون به، ولا يرون أنه مذموم. فإن احتج عاطل من حلية الآداب وقال: إن النبي-ﷺ-لم يقل الشعر، وأن الله تعالى قال فيه وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ قلت: لو كان النبي ﷺ شاعرا لكان متهما بالقرآن ولقيل إنه من عنده، وإنه اختلقه؛ فيكون ذلك نقصا في حقه، ومدخلا للطعن في نبوّته. فمنعه الله ﷿ من قوله، ونزّهه عن ذلك. وهذه معجزة في حقه ﵇.
وقد قيل للإمام القاضي عبد الوهاب إن النبي ﵇ لم يقل الشعر فقال له: ذلك في حقه معجزة، وفي حقك معجزة.
وإن احتج بقوله تعالى وَاَلشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغاوُونَ الآية. قلت:
قد قال الضحاك إنها نزلت في رجلين أحدهما أنصاري، مع كل واحد منهما غواة قومه-وهم السفهاء-وقال به ابن عباس: وعنه أنهم الرواة. وعنه أنهم كفار الجن والإنس. قال أبو عبد الله هم الذين يشعرون [ولا يتبعون سنن الحق]، وأراد بهؤلاء شعراء الكفار عبد الله بن الزبعرى، وهبيرة ابن أبي وهب ومسافع بن عبد مناف وأبا عزة الجمحي وأمية بن أبي الصلت كانوا يهجون النبي ﵇، ويتبعهم الكفار.
وقال غضيف من أصحاب النبي ﵇، قال النبي ﷺ: «من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه».
وقال ابن عباس: لما فتح النبي ﷺ مكة رنّ إبليس رنة فاجتمعت إليه ذريته فقال: ايأسوا أن ترتد أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيها-يعني مكة الشعر والنّوح.
يخرج من هذا كله أن (الغاوون) هم السفهاء، أو هم الكفار من الجن والإنس أو هم الرواة. فإذا كان هذا كذلك، فأي ذم يلحق شعراء الإسلام إذا لم يهجوا؟ لا سيما والنبي ﵇ قال لشاعره كعب بن مالك لما سأله رأيه في الشعر حين أنزل الله فيه هذه الآية: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل، فإذا كان شاعر الإسلام لا يهجو إلا الكفار فهذا هو المطلوب.
وفي هذا الحديث تقرير الشعراء على قول الشعر على الوجه الجائز إذا حملنا خطاب النبي ﵇ عموما على ما يرد في بعض الأحكام الشرعية، أن يكون الخطاب لشخص والحكم متوجه على الجملة.
وأما إن كان الذم المفهوم من قوله تعالى وَاَلشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ اَلْغاوُونَ ليس على عمومه بل كما قيده أبو عبد الله بالشعراء الكفار، فلا مدخل للإسلاميين فيه؛ وبالله التوفيق.
وإن احتج أيضا بقول النبي ﷺ «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلىء شعرا». قلت: الجواب ما قاله الإمام أبو عبد الله المازري والقاضي عياض في ذلك الحديث، ونقلته من الإكمال
للقاضي أبي الفضل، وهذا نصه «قال الإمام، قال أبو عبيد قال الأصمعي»:
هو من الوري، على مثال «الرّمي»، وهو أن يورى جوفه، يقال منه: رجل موري، مشدد غير مهموز: هو أن يأكل القيح جوفه. قال صاحب الأفعال: وري الإنسان والبعير ورى، دوى جوفه، ووراه الداء وريا: فسد جوفه. ووري الكلب: سعر أشد السعار.
قال أبو عبيد: وقوله ﷺ «خير له من أن يمتلئ شعرا».
قال بعضهم: يعني من الشعر الذي هجي به رسول الله ﷺ، ولو كان شطر بيت لكان كفرا. فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه، فقد رخص في القليل منه. ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه حتى يغلب عليه فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله ﷿ فيكون الغالب عليه من أيّ الشعر كان. فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا بممتلئ من الشعر.
وقال القاضي عياض في الإكمال: ذكر مسلم استنشاد النبي ﷺ الشريد بن سويد شعر أمية بن أبي الصلت، وقوله هيه إلى أن أنشده مئة بيت؛ وقوله إن كاد ليسلم، فيه جواز سماع أشعار الجاهلية، وأخبارها، والتحدث بها، وإنشادها. و (هيه) مكسورة الهاء، ساكنة الياء والهاء الآخرة كلمة للاستزادة أي: زد. وأصلها إيه، فهي استزادة لما تعرف.
وفيه أن الشعر بنفسه ليس بمنكر، وإنما المنكر منه المذموم: الإكثار منه، أو ما يتضمنه من الهجاء للمسلمين وقذف المحصنات، والتشبيب بالحرم، وذكر أوصاف الخمر وأنواع الباطل [مما يهيج] المرتكبين لذلك، ويجرئهم على المعاصي. وقد جاء من ذلك أشياء في شعر حسان وكعب وغيرهما مما
مدح به النبي ﷺ في وصف الخمر والتشبيب بغير معيّن، جريا على عادة العرب فيستحب منه القليل ولم ير أصحابنا بمثل هذا رد شهادة الشاهد، ولا جعلوه جرحا فيه.
وقال أيضا: القاضي عياض فيه-في الإكمال-وإنه كالكلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح؛ كما روي عن الشافعي. وقد روينا هذا الكلام مرفوعا للنبي ﵇، وقد أنشد النبي ﵇ الشّعر وتمثل به واستنشده؛ وقاله أصحابه، وحضّهم على قوله في هجاء المشركين.
وقد روي عن الخلفاء، وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف في استشهادهم به وإنشاده، وقولهم الجيد منه.
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب: ولا مرية في جواز إنشاد الشعر والتمثل به، وإنما المذموم منه ما قدمنا للإمام المازري، وللقاضي عياض من هجاء المسلمين وقذف المحصنات وغير ذلك مما قالا، رحمهما الله تعالى.
وأما إن كان الشعر في مدح رسول الله ﷺ، أو في هجاء المشركين، أو غزل بغير معيّن، فذلك جائز لا مطعن فيه. وحسبك ما قدمنا على فضله وجوازه من الأدلة، وقول القاضي عياض. وقد أنشد النبي عليه
السلام الشعر؛ وتمثله به صحيح أخرجه أهل الصحة. ولكنه ﷺ، مهما أنشد الشعر وتمثل به لا يذكره إلا غير موزون، لكونه لم يكن في طبعه، وقد قدمنا سبب ذلك. فكان ﵇ يتمثل بقول طرفة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزود
ينشده غير موزون، يقول، (ويأتيك من لم تزود بالأخبار) فيقول أبو بكر الصديق: ليس هكذا يا رسول الله وإنما هو (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) فيقول له ﵇، إني لست بشاعر ولا ينبغي لي قوله، ﵇.
«ولا ينبغي لي» أي ما هو بحسن في حقه، لأنة لو كان يقول الشعر لكان يورث الشبهة في الطعن فيما أتى به من القرآن، ولقيل إنه من عنده. وقد قال المشركون فيه: شاعر، ولم يكن بشاعر. قال الله تعالى: وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ فنزّهه عن ذلك. انظر قولهم، وهو ليس بشاعر، فما ظنك لو كان شاعرا؟.
وقال الحسن: كان النبي ﷺ يتمثل بهذا البيت «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»؛ فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر:
*كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
فقال أبو بكر وعمر: أشهد أنك رسول الله؛ لقوله تعالى ﴿وَماعَلَّمْناهُ
اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ﴾. وقال الحكم: كان النبي ﷺ يتمثل بقول العباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيدبين الأقرع وعيينة
فقالوا يا رسول الله إنما قال: بين عيينة والأقرع، فأعادها فقال: بين الأقرع وعيينة. فقام إليه أبو بكر فقبل رأسه فقال: وَماعَلَّمْناهُ اَلشِّعْرَ وَمايَنْبَغِي لَهُ.
قال إسماعيل مؤلف هذا الكتاب:
وإذ قد فرغنا من ذكر جواز الشعر وفضله، والأدلة على ذلك، فلنشرع في بعض ما يتعلق به من علم البديع؛ من تجنيس وترصيع وغير ذلك مما يندرج تحته. فمن ملك زمام ذلك فهو المقدم لحمل راية الأدب، ومن كان خليا منه فباعه في الإجادة لا محالة قصير، إذ لم يمتع من ذلك بقليل ولا كثير.
ولا بد للشاعر من معرفة اللغة والعربية، فإن كان قاصرا عنهما كان شعره دون من يكون بهما عالما لا محالة.
والعربية أهم للشاعر من اللغة لأنه إن تكلم بشعر أو غيره لم يلحن، وإن خلا منها لحسن ضرورة.
واللحن من أقبح الأشياء. أتى عمر بن الخطاب، ﵁، على قوم يرمون رشقا لهم، فأساؤوا الرمي. يا أمير المؤمنين نحن قوم متعلمين!
فقال عمر ﵁ لإساءتكم في لحنكم شر من إساءتكم في رميكم أو رشقكم، رحم الله امرءا أصلح من لسانه. وقال أيضا: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل.
ولا بد له من معرفة العروض، وعلم القوافي، إذ بالعروض يقيم صغا الأوزان الموجودة للعرب. ومن كان جاهلا به، والوزن في طبعه، ربما وقع في غير أوزان العرب، وخرج للأوزان الطبيعية من الدوائر وغيرها مثل أوزان الموشح وغيره. ولولا مخافة التطويل لذكرنا دوائره وبحوره، وأعاريضه، وضروبه، وتفعيلاته في التقطيع.
ولنذكر ما عليه يبنى علم البيان -ولا بد أيضا للشاعر من معرفته-وهو أربعة أشياء: الكناية والاستعارة، والتمثيل والإشارة.
فالكناية على نوعين: النوع الأول أن تريد إثبات معنى فتترك اللفظ الموضوع له، وتأتي بتاليه وجودا لتوميء به إليه، وتجعله شاهدا له ودليلا عليه. مثاله: فلان كثير رماد القدر، وطويل النّجاد. فهذه الكناية أبلغ من التصريح.
النوع الثاني: أن تأتي بالمراد منسوبا إلى أمر يشتمل على من هي له حقيقة. مثاله قول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة والندىفي قبة ضربت على ابن الحشرج
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع