من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله-﵀ (١١)
-:
كان قد امتطى من ديوان الإنشاء جوادا تقدّم به مجليّا، وغدا كل منتم لهذه الطريقة له مصلّيا. وطلع في سماء الإحسان غيثا، وبرز في ميدان العلوم ليثا. وفي تصريف الأفعال ينسيك سيبويه، وفي علم اللّغة يعفي أثر ابن درستويه، وفي الصنعة البديعية والبيانية يزري بابن سماك، وينسي مآثر ابن سكاك. وشعره وسط، وفهمه مرتبط، وهو عارف بأيام العرب ووقائعها، محصّل لمآثرها وبدائعها.
فمن قوله-﵀-يمدح أمير المسلمين الغالب بالله، الناصر لدين الله أبا عبد الله محمد المخلوع ابن جدّنا أمير المسلمين أبي عبد الله محمد الفقيه ابن جدّنا أمير المسلمين الغالب بالله أبي عبد الله محمد صاحب الدبوس ابن جدنا الأمير أبي الحجّاج يوسف الشهير بالأحمر ابن جدّنا أمير المؤمنين المنصور بالله أبي بكر محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر الخزرجي:
زارت تجرّر نخوة أذيالهاهيهات تخلط بالنّفار دلالها
والشمس من حسد لها مصفرّةإذ قصّرت عن أن تكون مثالها
وافتك تمزج لينها بقساوةقد أدرجت طيّ العتاب نوالها
كم رمت كتم مزارها لكنّهصحّت دلائل لم تطق إعلالها
تركت على الأرجاء عند مسيرهاأرجا كأن المسك فتّ خلالها
ما واصلتك محبّة وتفضّلالو كان ذاك لواصلت إفضالها
لكن توقّعت السلوّ فجدّدتلك لوعة لا تتّقي ترحالها
فوحبّها قسما يحقّ برورهلتجشّمنّك في الهوى أهوالها!
حسّنت نظم الشعر في أوصافهاإذ فتّحت لك في الهوى أقفالها
يا حسن ليلة وصلها ما ضرّهالو أتبعت من بعدها أمثالها
لمّا سكرت بريقها وجفونهاأهملت كاسك لم ترد إعمالها
هذا الربيع أتاك ينشر حسنهفافسح لنفسك في مداه مجالها
واخلع عذارك في البطالة جامحاواقرن بأسحار المنى آصالها
في جنّة تجلو محاسنها كماتجلو العروس لدى الزّفاف جمالها
شكرت أيادي للحيا شكر الورىشرف الملوك همامها مفضالها
وصميمها أصلا وفرعا، خيرهاذاتا وخلقا، سمحها، بذّالها
الطاهر الأعلى الأمين المرتضىبحر المكارم غيثها سلسالها
حاز المعالي كابرا عن كابروجرى لغايات الكرام فنالها
إن تلقه في يوم بذل هباتهتلق الغمائم أرسلت هطّالها
أو تلقه في يوم حرب عداتهتلق الضراغم فارقت أشبالها
ملك إذا ما صال يوما صولةخلت البسيطة زلزلت زلزالها
فبسيبه وبسيفه نيل المنىواستعجلت أعداؤه آجالها
الواهب الآلاف قبل سؤالهافكفى العفاة سؤالها ومطالها
إن قلت: بحر كفّه، قصّرت إذشبّهت بالملح الأجاج نوالها
ملأ البسيطة عدله وأمانهفالوحش لا تعدو على من غالها!
وسقى البريّة فيض كفيّه فقدعمّ البلاد سهولها وجبالها
جمع العلوم عناية بفنونهاآدابها، وحسابها، وجدالها
منقولها، معقولها، وأصولهاوفروعها، تفصيلها، إجمالها
فإذا عفاتك عاينوك تهلّلوالمّا رأوا من كفّك استهلالها
وإذا عداتك أبصروك تيقّنواأنّ المنيّة سلطت رئبالها
بدّدت شملهم ببيض صوارمروّيت من علق الكماة نصالها
وابحت أرضهم فأصبح أهلهاجزرا تغادر نهبة أموالها
فتحت إمارتك السعيدة للورىأبواب بشرى واصلت إقبالها
وبنت مصانع رائقات ذكّرتدار النّعيم جنانها وظلالها
وأجلّها قدرا وأرفعها مدىهذا الذّي سامى النّجوم فطالها
هو جنّة فيها الأمير مخلّدبلغت إمارته به آمالها
ولأرض أندلس مفاخر أنتمأربابها أضفيتم سربالها
فحميتم أرجاءها وكفيتمأعداءها، وهديتم ضلاّلها
فبآل نصر فاخرت لا غيرهملم تعتمد من قبلهم أقيالها
بمحمّد ومحمد ومحمّدقصرت على الخصم الألدّ نصالها
فهم الألى فتحوا لكّل عظيمةجردا كسبين من النّجيع جلالها
وهم الألى فتحوا لكل ملمّةبابا أزاح بفتحه إشكالها
متقلّدون من السيوف عضابهامتأبّطون من الرّماح طوالها
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع