تجاوز إلى المحتوى

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)

حاله-رحمه الله تعالى (٩)

-:

واحد الدّنيا رجلة ووفاء، ومعول الأصحاب عزما ومضاء، وأطيبهم ذكرا وأضوعهم ثناء، وأصدقهم لهجة وصحبة وولاء.

كاتب ناظم، وبحر علوم موجه متلاطم. (ما شئت) من إيضاح معقول، توقل طود له إشكال، واشتباه حقّق نقطه والأشكال.

وتأييد في الهام، لتنوير الأفهام. واسترقاق لألباب بحلال السحر اللباب.

ولرقاب بأياد لا تعفيها تعاقب الأحقاب. شاهدت من تكلمه في تأليفه المترجم ب «جليس الأديب، وأنيس الغريب» ما ينبئ عن رسوخ قدمه، وتقدمه.

وأخبرني والدي-﵀-من أصالته ما شهد به الاختيار على قدمه فإنه من بيت نباهة ووزارة، وخدمة من القيادة لأسلافنا بادية الإنارة.

وأبو الحسن هذا هو الذي... وبرز مع حذاق مديري قرقفه. عكف ببلده على كتب الشروط إبان الشبيبة، وبرز عدلا مع أعلام تلك الكتيبة.

واستنابه بعض قضاة وطنه، فأثار العدل من مكمنه، وقهر المتكبر في مأمنه.

عبر البحر قاصدا حضرة السلطان أبي عنان، بعد ذكره بذلك المكان، في غرض الإصابة والإحسان. فترقى لديه من الحظوة مرقاة، واستنارت ذاته من اعتنائه بمشكاة. واستعمله في الرسالة تنبيها على ماله من

الجلالة. وتوفي في خدمته منوها، ومن لحظه مرفها. امتدحه بقصائد غر، وأثنى عليه ثناء يفوق الزّهر والزّهر.

فمن ذلك ما أنشدني له ابنه محمد، ونقلتها أيضا من خطه، يمدح أمير المؤمنين، المتوكل على الله أبا عنان فارس عند وقيعته بسلطان بنى عبد الوادي أمير المسلمين المتوكل على الله أبي سعيد عثمان، وأنشدها إياه ليلة يوم الإثنين التاسع لذي حجة ثلاث وخمسين وسبع مئة:

بشرى لدولتك الغرّاء في الدّولحيطت بها الملّة البيضاء في الملل
أنت الذي صنعت أيدي القضاء لهما ليس تصنع أيدي البيض والأسل
يا خير منتصر بالله معتصمعليه، معتمد في الأمر متّكل
لله منك أمير المؤمنين علابدت بأحسن مرأى الشّمس والحمل
وطلعة أطلعت سعد السّعود لناورتبة الملك تعلو عن ذرى زحل
مؤيد العزم والآراء محكمةتزينت بسداد القول والعمل
ملك تصوّر في شكل الورى ولهخليقة الملأك المخصوص بالرّسل!!
فرحمة لأولي التّقوى تعمّهمونقمة لذوي العدوان والخطل
كم فتنة أخمدت نيرانها يدهبما أراقت عليها من دم هطل
ونعمة سدلتها لم تدع بشراحلّت فلم تحص بالتّفصيل للجمل
وضيقة فرّجتها عن صدورهمعزائم منه ما خامت ولم تحل
ومن مسيء وستر العفو يؤمنهمن المخاف فلم يذعر ولم يسل
ومن جيوش أزيلت عن مواقفهاحتى رأته فلاذت منه بالجبل
كم ثبّت الله من جأش بموقفهوخلّص الله من هول ومن وهل
وسل بني عابدي الوادي غداة عتواوقد أتوا بعظيم المكر في الأصل
هم جادلوا الحقّ بغيا واعتدوا فتوواوالسّيف يذهب رسم البغي والجدل
كانوا تصدّوا لملك لم يكن لهمحقّا وكيف وهم من جملة الخول
راموا-وقد خاب ما راموا-فما حليتآمالهم بسوى قرب من الأجل
لاقتهم من أكفّ العزّ معملةغراري العضب لا تؤتى من الملل
فللكماة-ولا عيب بهم-نهمإذ جدّ جدّهم في الموقف الجلل
ترميهم ببروق من أسنّتهارمي الملائك هذا الجنّ بالشّعل
فالسّمر تهتزّ في الأشلاء من قرموالبيض تحمرّ في الأعناق من خجل
حتّى ارتدوا بجلابيب الظّلام وكمأبقوا بمعترك الأقران من ظلل
وخلّفوا من يتيم أو من ارملةيذرون دمعا بمنهلّ ومنهمل
تّقطّعوا أمرهم عذلا فما انتفعواوالسّيف عند التّلاقي سابق العذل
لله عين رأتهم في اللّقاء وماأذلّت الحرب منهم بالقنا الذّلل
وسهم عزمك لم يترك بهم رمقابالضرب للهام في القيعان والقلل
فابعث لما أسأر الخطّي جيش وغىّيشربه سؤرا غدا أشهى من العسل
هم ضيّعوا الحزم إذ جاؤوا مقاتلةعمى البصائر أدهى من عمى المقل!
لو ساعدتهم سعود الجدّ لاتّبعوامواطئ الخيل خيل الله بالقبل
كيما يجرّوا ذيول الأمن سابغةبحسن عفوك ما جرّوا من الوجل
لكن دعتهم أمانيّ تمين بهمليس الجبان إذا يدعى من البطل
من كان تخدمه الأقدار مسعدةفهل يعارضه مستشعر الزّلل
أو من يقوم لنصر الله محتسبايلقاه من قام بالإفساد والخلل
وكيف يخذل من قد جاء متّكلاعلى الإله وما بالحقّ من حول
هذا شمائل من طابت شمائلهوأورث الملك من آبائه الأول
ملك خلائقه ماء السّحاب إذاجاء الخلائق لم يشكو من الغلل
بل أصبحوا في ذرى أمن وعافيةوستر عدل وما شاؤوه من جذل
حلم وعدل وإقدام وجود يدورحمة وهدى للنّاس والسّبل
فهنّأ الله هذا الملك فارسهفهو الذي شاده بالعدل يوم ولي

ومن إنشائه البارع، مما رفع لأمير المؤمنين المتوكل على الله أبي عنان فارس المذكور يطلب منه الإنعام بخط الازواج المنعم بها عليه بقرية آجلى من حوز فاس مما كان لعبد الله بن يوسف بن محمد الينجاسني المريني، والتزم في كل كلمة السّين:

«أسدّد سهم الاستعطاف لقرطاس الإسعاف باسم القدّوس.

وأسترفع بالسّلام للمستودع لسيّد باس البوس. وأستوهب السلام -سبحانه-لسلطان المسلمين، المستخلف، السّامي، السّني السّني، المستمنح، المستعطف، فارس؛ ولسلالته سلامة الجسوم وسرور النّفوس.

أسترفعها لسابع المستخلفين في السّنين السّوالف، وسامع سؤال السّول للإسعاد بالسّول بسامعي المساعد المساعف.

وأستودعها مستودع الأسرار، السالم الإسرار، مستقبلها بالاستئثار.

ليستوصلها للمجلس المستحق للأسماء، والبساط القدسي الحسن الاسم والسيماء، المستحفظ بعساكر سكان السماء. المستنير كالسبع السارية بالسّنا والسّناء. مسترق سيبه الواسع الساكب، السادل سابغ إحسانه الجسيم سدل المستكبر الساحب. المستكتب بسدة سلطنته الفارسية السعيدة، المستعبد المستملك الأندلسي. ووسيلته لسؤاله قسطه بسوق السبت سهم سليل يوسف الونجاسني، فسيح الإحسان المستعذب وواسع السّيب المستدني المستقرب. فالمنتسب سليلا لموسى استوفى سجالها وسرى سربالها. وليس مسرحها بشاسع لسوائم فاس. فعساه يسقى لسلسبيلها بكاس. ويستفيدها لستة وتسعة سلالة وناس. ليستعين باستفادتها مستملكو سلطانك، ومسترقّو إحسانك.

لسيرهم سيرة مرسلي رسائل السين. وسلوكهم لسؤال سؤلهم بالسبيل المستقيمة والمسلك المستبين. لسلطنتك السّوس وفارس واستفتحت بسيوفك ساحات القسطنطينية وقادس!

والسلام يسري نسيمه المستطاب، ويستهزيء بآس البساتين سقاه السّحاب. يستمده تنسم المسك، ويستحسنه تناسق السلك.

يستقر بالمجلس السعيد السلطاني الفارسي-أسعده سامك السماوات السبع، وباسط البسيطة لساحة السبع. ونستوهب مسرى النسيم لسلطانك سعدا سرمدا، وسهما لاستئصال فساد المفسدين مسدّدا!

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.