من «أعلام المغرب والأندلس في القرن الثامن» لإسماعيل ابن الأحمر (ت ٨٠٧هـ)
حاله (٧)
هو خازن العلم وواعيه، الذي توفرت لديه دواعيه. ورئيس العدالة ومبداها، ومعدن المروءة ومنتهاها. الباسط جناح الود للإخوان، ورافع جناح العتب عمن أساء إليه بما سوّل له الشيطان. ظهر له في الآداب باع أي باع، وكان لمحاسنه جلاّء ولثناياه طلاّع. وقاد أعنته وأزمّته، وتقلد حسامه وامتطى صهوته.
أنشدني لنفسه يداعب..
الآن آنت توبة للتّائبمن بعد ما اخضرّ النبات بشارب
كلا وقد خلع العذار خلائعاما العذر فيه براجع أو آيب
يا معرضا عنّا ومالك أن ترىأبد الزمان القلب فيك براغب
ومعرّضا بمنابه ومتابهما هذه حال المنيب التائب
لو كان ذا قبل العذار فربماأخفيت تزوير المقال الكاذب
فمتاب من ظهر النبات بخدّهكمغرغر أبدى المتاب بحاجب
وأخبرني-رحمه الله تعالى-أنه اجتمع ببلده تازا مع الفقيه ابن الملون وعبد الحق الزيات في بستان لنزهة فتذاكروا أمر رجل من أهل تازا يتشبّه بالفقيه الأستاذ المقرىء أبي العباس أحمد بن محمد بن علي الزّواوي في قراءته وملبسه وعمّته. فأنشد أحد الرجلين على لسان المتشبّه:
أنا الزّواوي وهذا مكتبيلحرفة التّعليم والتأدّب
لا أمنع التعليم من يرغبهوأجدر العلم الذي لم يرغب!
عندي-فديت-لحية طويلةسوداء تحكي ليلة المكتئب
وشارب يجري لعابي تحتهكالماء يبدو من خلال الطّحلب
وحاجبان أكحلان اقترناخلتهما بعض حواشي الحجب!
وعمّة كبيرة هائلةكهالة قد أحدقت بكوكب
يقول بعض الناس فيها أصطبوالله ما في عمّتي من أصطب
وطيلسان حسن خلّفهمن بعده بعض قضاة المغرب
ودرّة كذنب السرحان فيطول، وفي عرض، وفي تقلّب
تلحق سوطي من غدا مقترباوتلحق الكرّة من لم يقرب
لا غضب يميل بي ولا رضىإني لممزوج الرّضى بالغضب!
وزاد عليها صاحبنا أبو عبد الله هذا-وما أحسن زيادته-:
وفي الرّقا عندي كلام عجبنقلت ذاك من صحيح الكتب
كم بيضة للفطم قد كتبتهاوكم رقيت من نفاس صعب
فسهلت عسر النّفاس رقوتيوبيضتي قد فطمت كل صبي!
وكان عند شهود فاس في وقته اصطلاح، يسمون الدرهم بالغزّي- بسكون اللام، وضم الغين المعجمة وكسر الزاء المعجمة-على جهة المداعبة فإذا لقي أحدهم صاحبه يقول له: هل جاءك اليوم الغزّي، أو: رأيته؟ وأنشدني في ذلك-لنفسه-:
أعرض الغزّيّ عنيهكذا ما كان ظنّي!
ما على الغزّيّ لوموكذا بلّغه عني
كلّ من تلقى معنّىفإلى الغزّيّ يعني
يقرب الغزّيّ طوراوبه طورا يغنّي
منشدا في كل وقت:«يا حبيب القلب: صلني!»
وكان الفقيه العدل الخطيب أبو يحيى بن عبد الله بن عبد الواحد بن محمد بن أبي الصّبر الجاناتي يساق له كل يوم غداؤه لحانوته بسماط شهود فاس: إمّا كنثاء وإما حريرة، فقال له في ذلك:
اسقني شربة لذيذة طعمليس فيها كرويّة وخميره
ولتكن بالفتات والبيض حسواإن طعم الفتات أحسن سيره
لا حساء ولا حريرة قمحإن طبعي يمجّ شرب الحريره!
وقعدت أنا معه في حانوته بسماط شهود فاس لعلم أقتنيه، فتكلمت معه بحثا في مسألتين: فقهية وأدبية، فرزقني الله ﷿ حسن الفهم فيهما، واستحن ذلك مني-﵀-فقال لي جليسه الفقيه العدل أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن بلال الأشعري بعد أن قبّل رأسي: بارك الله في عمرك يا سيدي الرئيس على براعة فهمك.
أنا أمدحك الساعة بأبيات. فقلت له: افعل. فما كان إلا يسيرا وقد نطق بهذا الكلام، الذي حسبه نظام! وهو خارج على الوزن والمعنى في غاية اللحن والفساد، ودفعه إلي، وهو في ذاك في غاية العجب به وهو:
هنيئا لكم يا بني خزرجأنتم السّادة الخميرا
فإنّ منكم السلطان المؤيّدالرئيس ابن الأحمرا
فإنّ من أوصافه لهوجه حسن ولحية معتدلة للقصرا
إذا شئت أن تراه وغاب عنكوجهه فانظر إلى القمرا
لكن في ليلة في الشهرخصّت ليلة أربعة عشرا
فواجب عليّ أن أذكر منبعض أوصافه لولا ما كنت أخضرا
ولكن أقول قدر جهدي وأتمنّاهفي برّ الأندلس سلطانا مؤمّرا!!
ويستحقّ والله ذلك ويستأهــله فهو الملك المعنبرا!
فحين قرأتها ضحكت من لحنها وفسادها الخارج عن الحد، ومن استحسانه لها. ونظمت على البديهة بيتين معرضا له بفسادها، ولعله أن يرجع عن تعجبه بها فلم يفهمها، لجهله بل تمادى على حاله، وهما:
بشعرك يا أيّها الأشعريتفوق ابن أوس مع البحتري
فحيّاك ربّ العلا من فتىمن اللّحن في شعره قد بري!
ولما قرأ أبياته صاحبنا الفقيه أبو عبد الله هذا نسخها وقال على البديهة يخاطبه ويصف فسادها:
فبيت طوله سبعون شبراتخيّله-رشاء حول بير
وبيت لا يجاوز ربع شبركهدب الثّوب أو عرف الحمير!
وذاعت أبياته-بزعمه-بسماط شهود فاس. واستنسخها أكثرهم فلما بلغت إلى صاحبنا الفقيه العدل القارىء أبي زيد عبد الرحمن بن محمد المليلي بعث إليه ببيتين له وهما:
ألا قل لشاعرنا الأشعريشعرت وليتك لم تشعر!
تخيّلت نظمك إذ جاءنيخراء بحانوتكم قد خري
وزاد عليهما الفقيه أبو محمد عبد الغفار البوخلفي:
أو الرّيح لمّا سرت دائماعلى الخلق من فمك الأبخر!
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٣٩٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع